eKtab
EN ع
موسوعة الفرق والجماعات والمذاهب والأحزاب والحركات الإسلامية
اقرأ عينة مجانية

موسوعة الفرق والجماعات والمذاهب والأحزاب والحركات الإسلامية

بقلم د. عبد المنعم الحنفي

صفحة 1
مقدمة الطبعة الثالثة

بين الطبعة الثانية وهذه الطبعة من كتاب الفرق جرت مياه ، ومرت سنوات ، ووقعت أحداث على غير ما نشتهى وما كنا نأمل ، ولم يخلق الله الابتلاء إلا لكى يجلو معدن الناس ، وما كان الله ليغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم ، ولقد اضمحلّت جماعات وحركات وأحزاب ، وقامت أخرى مكانها، وإنما المحصلة النهائية أن حركة التاريخ مستمرة، والوعى يزداد ، ومع زيادة الوعى تنتشر الثقافة ، وتترسّخ الحضارة، ويتشكّل العقل أو الروح ، ويُعرف الحق والواجب ، وتتكوّن الدولة ، وهى مشيئة الله على الأرض ، ولكن لكى يعترف بها الناس لابد أن تعترف بهم ، وأن تقوم العلاقات بينها وبينهم ، وبين الأفراد بعضهم ببعض ، وبين الدول ، على مبدأ الحق ، ولم أر فى الوجود ما هو أسوأ من الاستبداد ، وما يفعله المستبد فى الإفساد لَشىءٌ فظيع ، وليس صحيحًا أن هناك مستبدًا مستنيرًا ، والأسوأ أن يكون المستبد عميلاً للإمبريالية ، وخادمًا للرأسمالية ، وهذان نظامان ضد الدين والإيمان ، وطريقهما طريق الحرب، ويتميّز بالشوفينية والعدوانية ، وقد تُفرض الحرب علينا، وكثيرًا ما تُفرض على الأمة الإسلامية حروبًا نضطر لخوضها لتحرير الأوطان . وظهور الجماعات والحركات يزيد وقت الأزمات وأثناء الحروب ، وهى ليست عن انقسام واختلاف، وإنما لها دورها فى رفع المظالم وتصحيح الأوضاع. وتصنع حروب التحرير تاريخ الأمة، والتاريخ ليس عمل الصدفة ، فطالما أنه حركة جدلية لمختلف الآراء والجماعات والأحزاب فهو فِعْل العقل . والتاريخ بناء معقول وليس قصصًا تُروَى، وبناؤه المعقول هو تطور الحرية ، ووجود الجماعات والأحزاب معناه أن الحرية مستمرة فى التطوّر ، فإن قُيِّدت توقف تطوّر الحرية، فيتوقف تطوّر العقل، وتتوقف الحيـاة ، ويصبح العيش مملاً كئيبًا لا يُحتمل ... أجل ، إن العيش فى ظل دولة ، لا جماعات وحركات فيها ، ولا أحزاب، شىءٌ لا يطاق، والحياة فى دولة بوليسية يحكمها رجل واحد ، وحزب واحد، ومجموعة من الانتهازيين والفاسدين، فلا صوت إلا أصواتهم ، ولا رأى إلا رأيهم ، أدعى لأن يتداعى فيها الناس بالجنون !! وقد نثابر ونصبر لأننا نرى الإسلام فى صحوة رغم كل شىء، وصحوة الإسلام تتحدّى العصر ، وتتوجه نحو تأصيل الهوية الإسلامية، والاستمساك باللغة القومية ، وبالدين ، رغم أن الطبقة المثقفة عندنا طبقة عميلة، تعانى من مركّبات النقص ومشاعر الدونية ، وترضى أن تكون تابعًا ، فتلبس كالغربيين ، وتفكر مثلهم ، وتتحدث لغاتهم، وتأخذ بقشور الحضارة؛ والنتيجة أن الصيغ الفكرية عندنا، أدبية وفنية واجتماعية، أصبحت صيغًا عميلة وعليلة ، ترسّخت بسطوة وديكتاتورية حكومات عميلة، وحكّام من العملاء ، جُنِّدوا لخدمة الاستعمار والإمبريالية، وسُلِّحوا بأجهزة بوليسية قمعية ، حتى أن الدول العربية والإسلامية تحوّلت جميعها إلى معتقلات ، وصودرت فيها كل مظاهر الحرية ، وكُمِّمت الأفواه. واستجابت الحكومات لمطالب الأجنبى حتى وإن كانت هذه المطالب مصدرها إسرائيل ، وعُمِّمت بدائل على الناس ترددها وسائل الإعلام الحكومية ليل نهار ، وجُرِّدنا من أخلاقنا وقيمنا وديننا ولغتنا وهويتنا باسم الديموقراطية والليبرالية والعولمة . غير أن الأمل ما يزال معقودًا بطائفة من الأمة ، كقـوله ، يحاولون التغيير باسـتمرار ، ويجاهدون فى سـبيله ، ويضحّون من أجله ، ويصبرون على السعى لإقامة الإسلام ، وتحرير الأرض والوعى من الأجنبى ، وإن بدا أنهم ما يزالون لا يعرفون تحديدًا نوع الحلّ البديل ، الأمر الذى يجعلهم براجماتيين ، يؤجّلون الخوض فى نوعية الحلول إلى أن يُواجَهوا بضرورات التغيير، وبمقتضيات الحكم إذا آل إليهم، وإذا تحققت به أحلامهم، فى حكومة إسلامية رشيدة تحكم باسم شعوب أمة الإسلام . والاختلاف قد يكون حتميًا بين مختلف التصوّرات، بحسب اختلاف المجتمعات والتقاليد والعادات ، ولذلك تكثر الفرق والجماعات والأحزاب ، ولها جميعًا اجتهادات فى تصوّر نظام الحُكم الرشيد - هل هو الخلافة الرشـيدة كما فى عهد الخلفاء الراشدين؟ أم هو المَلَكية الوراثية كما فى العهود الأموية والعباسـية والفاطمية ؟ أو هو النظـام الديمقراطى البرلمانى ، أو الجمهورى الرئاسى؟ أو هو نظام يجمع بين كافة الأنظمة ؟ أو هو نظام ولاية الفقيه كما فى إيران؟ أو أنه نظام لم يتبلور بعد فى أذهاننا، وإن كان يقوم أساسًا على القرآن والسُّنة ؟ ونحسب أن عدم حسم هذه المسألة هو ثُلمة فى التفكير السياسى والإسلامى ، وفى التأسيس لفقه الدولة المسلمة؛ وكان الطهطاوى (1801-1873) يتصوّر الحكومة الإسلامية فردية استبدادية، وإن كان هدفها حفظ الشريعة وإقامة العمران، بحسب مصالح الأمة، ووفق رؤية الحاكم وحاجة المحكومين . وولاية الحاكم من الله ، ويساعده أهل الرأى ، غير أنه هو الذى يرجّح هذا الرأى ويرفض الرأى الآخر ، ولا حسيب عليه سوى ضميره ، والخروج عليه لا يجوز وإنْ كان فاسقًا أو جاهلاً أو ظالمًا، وعلى عكس ذلك كان الأفغانى (1838-1898)، فكان يرى أن الاستبداد قرين الجهل ، ولا يُنتج إلا التخلّف ، وأن نظام الشورى هو أصحّ أنظمة الحكم ، وهو المرادف للديموقراطية الدسـتورية كما عند الغربيين ، وعلينا أن نقلّدهم عليه . وذهب محمد عبده (1849 - 1905) إلى نفس المذهب ، وجعل الشورى من اختصاص أهل الرأى ، يستشيرهم الحاكم فيخلصون لـه الرأى ، وجعل للأقاليم وللشعب نوّابًا هم أهل الحلّ والعقد، وعملُهم صياغة القوانين فى تفصيلاتها . وكان الكواكبى (1849-1902) أشد النقاد هجومًا على النظام الاستبدادى ، ورأى فيه ظاهرة منحطة فى تاريخ الأمم ، وأن الدافع إليه عوامل فى النفس وفى تركيب المجتمعات والدولة ، والبديل عنده نظامٌ أقل استبدادًا ، يعتمد على تعيين أهل الحلّ والعقد كمراقبين لسلطة الحاكم ولمحاسبته ، وهؤلاء هم نوّاب الشعب ، على طريقة مجالس الحكماء عند الحكّام الأمويين والعباسيين .
صفحة 2
وأما الشيخ محمد رشيد رضا (1865-1935) فقد جعل الأمة مصدر السلطات والتشريع ، وأن الحكم ينبغى أن يكون ديموقراطيًا يتقيّد بالشريعة والدستور، وبالقوانين التى يضعها نواب الشعب من المسلمين وغير المسلمين على السواء . وعلى عكس رأيه أنكر الشيخ علىّ عبد الرزّاق (1888-1966)، فى كتابه «الإسلام وأصول الحكم»، أى دور للإسلام فى تشكيل الحكم أو الحكومة ، وقال إن ما فى القرآن والسنة من شرائع، يفيد فى العبادات ولا دخل لـه فى شئون الدولة والحكم ؛ وأنكر أن تكون قد قامت فى عهد النبىّ حكومة أو نظام للحكم ، أو أن حكومة الخلفاء كانت حكومة بالمعنى الذى نعرفه . وكان من الواضح أن فكر علىّ عبد الرزّاق كان فكرًا عميلاً للغرب ، ومتحاملاً على الإسلام ، حتى أننا لنشكّ أنه كان أصلاً يدين بالإسـلام أو يقيم شعائره . ولم يذهب الدكتـور عبد الرزّاق السنهورى (1895-1971) نفس مذهبه، رغم ثقافته الغربية وأثر الاستشراق عليه . وفى كتابه «فقه الخلافة وتطوّرها»، قسّم نظام الحكم الإسلامى قسمين : خلافة صحيحة هى حكومة الراشدين ، وخلافة ناقصة هى خلافة بنى أمية وبنى العباس ، وهذه لا تعتمد الشورى كحومة الراشدين . ومذهب السنهورى هو مذهب الماوردى (991-1031)، فى كثير من أفكاره حول الحكومة الإسلامية ، إلا أنه رأَى تعذُّر قيامها، ومن ثم نادى بإنشاء « عُصبة أمم إسلامية»، على منوال عصبة الأمم المعروفة ، وكذلك إنشاء مؤسسة دينية عملها تطوير التشريعات تطويرًا عِلمانيًا يخدم الاستعمار فى المحل الأول ، وكان إنشاء جامعة الدول العربية سنة 1945، استجابة لدعوة السنهورى ، وقامت بعبء الدعوة بريطانيا التى كانت كل الدول العربية الشرقية تحت نفوذها ، ثم أُنشئت « منظمة المؤتمر الإسلامى» لتضم بقية الدول الإسلامية . وفى ظل هاتين المنظمتين عُرفت كل المساعى لتأسيس دولة إسلامية أو حُكم إسلامى .

أمّا أبو الأعلى المَودودى (1903-1979)، فكان توجهه مختلفًا ، فلم ير السعى لإنشاء الدولة الإسلامية قبل إعداد المجتمع المسلم أولاً ، لأن الثمرة لا يمكن أن نجنيها دون أن نزرع الشجرة ، ودون أن نرعاها ونصلح من شأنها ، ولذلك لم ير المودودى انفصال باكستان عن الهند . ودعا نفس الدعوة سيد قطب (1906-1966) ، فنادى بقيام مجتمعات إسلامية أولاً ، وأن تتوجه غايتها إلى أمور الأسرة والتربية ، إلى أن يصبح كل فرد فى المجتمع بمثابة القرآن يمشى على قدمين ، فحينئذ يمكن أن تقوم الحكومة الإسلامية ، ولم يقل لنا شكل هذه الحكومة ، لأنه أرجأ الكلام فيه إلى أن يتأكد أن المجتمع صار إسلاميًا ، فحتى تترسّخ العقيدة لا يمكن أن نسبق الأمور ونتكلم فى واقع الدولة الإسلامية ، وكان يقول : طبّقوا الإسلام أولاًً، ثم اسألوا عن الواقع الذى أنشأه، أى أن الواقع يكون أولاً ، وينبنى عليه شكل الحكم ، وهذا هو الإسلام فى رأيه، فمبادؤه فى النفوس هى التى تصنع المجتمعات ، والمجتمعات هى التى تحدد إطار الحكومة .

ولم ير حسن الترابى (1930- ؟) أى حرج فى استخدام المصطلح الغربى عند الحديث عن الدولة الإسلامية ، ودعا إلى انفتاح لغوى على المصطلح الغربى فى الحكم، فعندئذ يكتسب المصطلح معان إسلامية ، ويصبح من الممكن معايشة طريقة الغربيين فى التفكير، عندما يكون بوسع المفكر المسلم أن يتكلم فى الثورة الإسلامية ، واشتراكية الإسلام ، وديمقراطية الحكومة الإسلامية .

ولعلنا نلاحظ أن خوف الفتنة قيّد الفكر السياسى السُّنّى ، وبرّر الموافقة الضمنية للمفكر السُّنى على الحكومة الاسـتبدادية. ومن الإنصاف أن ننبّه إلى أن الفكر السياسى الشيعى كان أكثر حرية وقد تخلّص من التراث الإمامى، إلا أن البديل الذى قال به فى نظرية ولاية الفقيه، كان بمثابة العودة للحكم الفردى المطلق، كما أن قصر الولاية على الفقهاء، حرم الأمة من مشاركة أهل الحلّ والعقد فيها ، وأهل الرأى ، وثبّت الثقافة فى إطار الفقه الدينى، وألغى الانفتاح على مقتضيات التقدم والتطور .
صفحة 3
ويتوجه التيار السلفى المعاصر وجهتين ، الأولى : أن يعتبر المسلمون كلّ مُتغلّب حاكمًا شرعيًا لا يجوز الخروج عليه، وإن كان جاهلاً أو فاسق الاعتقاد والسلوك ؛ والثانية : أن يساعد المسلمون التيارات السلفية الخارجة على أنظمة الحكم الحالية، كما عند الجماعات الإسلامية المجاهدة فى مصر والجزائر واليمن وغيرها . وهؤلاء أيضًا يعيبهم أنهم لم يخرجوا عن إطار نظرية العادل المستبد ، ولم يحققوا لذلك أى بديل إسلامى يصلح نموذجًا حضاريًا عمليًا لحكومة عادلة عصرية . ورغم ذلك فإن الفكر السياسى الإسلامى لم يخضع للجمود ، وذلك دليل أنه فكر راشد ، وإن كان يشوبه الكثير من الاضطراب . وإننا لنحتاج لمراجعة دائمة لما يسود مجتمعاتنا من أفكار مهما كانت، ويعوزنا أن نراجع التاريخ العربى السياسى برمّته ، تطبيقًا ونظريًا، لمعرفة نواحى الخلل فيه أو التقصير ، والتأثير والتأثّر بين الفقه والتاريخ ، مع الأخذ فى الاعتبار أن الفقه يتطوّر بتطور التاريخ، ويرتكس بارتكاسه . ودراسة الفرق والجماعات الإسلامية عبر التاريخ الإسلامى، هو رصدٌ لتطوّر الفكر السياسى الإسلامى، وارتباطه بالفقه وارتباط الفقه به. ولقد كان الفكر الإسلامى التجديدى ثوريًا، فمعظم الحركات الإسلامية كانت دعوات للتجديد ، ولإحياء السُنّة وإبطال البدعة . وابن تيمية مثلاً دعا إلى قتال التتار رغم إعلانهم اعتناق الإسلام ، لأنه رآهم قد خالفوا الشريعة ، ثم كانت حركة محمد بن عبد الوهاب (1703-1792) فى الجزيرة العربية، وحركة عثمان بن فودين فى غرب أفريقيا ضد البدع ، وضد المستعمر، وينشد كل منهما تقويض المجتمعات الإسلامية من خلال تقويض معتقداتها. ومن أجل ذلك أنشئت مثلاً جمعيات الشبّان المسلمين، لحماية الشباب من الحضارة العلمانية الجديدة ومن توجهاتها الليبرالية . وكان إنشاء حسن البنا لجماعة الإخوان المسلمين، لدعوة الناس إلى الأخذ بمبادئ دينهم والعودة إليها، ولمحاربة الفسوق الجديد والفكر الإلحادى . وفى الهند دعا أبو الأعلى المودودى الأقلية المسلمة إلى التمسّك بالدين، وأن تكون للأقلية هويتها فلا تتوه فى هذا الخِضّم الهندوسى . وفى مصر وصف سيد قطب، فى كتابه «معالم فى الطريق»، المجتمع، بأنه مجتمع جاهلى، طالما أنه لا يحكم بكتاب الله وسُنّة نبيّه . وأصدر محمد عبد السلام فرج كتابه «الفريضة الغائبة»، يرخَّص للجهاد، ويقنّن لـه، ويدعو إليه لتحرير المسلمين ، باعتبار فتاوى ابن تيمية، فى كتابه «الفتاوى الكبرى». والجهاد فى فقه السُّنة فرض كفاية، يسقط عن البعض طالما أن البعض يقيمونه ، وهذا فى حقّ الأجنبى، ولكنه فى حقّ المسلم الذى يترك دينه ويتبع بدع الكافرين ، فإن الجهاد على المسلمين يصبح فرض عين، وعلى كل منهم أن يحارب التوجّهات غير الإسلامية، وأن يعتزل مجتمع الكفر إلى أن تزول عنه جاهليته . ورفضت جماعة الإخوان دعوة قطب إلى الثورة ، وأصدروا كتاب «دعاة لا قضاة»، على أساس أنه لا يجوز الخلط بين الهدف الأسمى للمجتمع - وهو أن يطبِّق شرع الله ، وبين الحُكم والتدبير، وهو مسألة سياسية مرجعها الناس وليس الله، وأكد البنا أن الجماعة دعوة وإرشاد وليست جماعة سياسية حزبية . ويقسّم القرضاوى الحركات الإسلامية المعاصرة أقسامًا أربعة ، هى : فصيل التكفير ؛ وفصيل العنف ؛ وفصيل التطرّف ؛ وفصيل الوسطية ؛ والوسطية هى أوسعها ، وأرسخها ، وأكثرها اتباعًا، وأطولها عمرًا، وجمهورها هم الغالبية من المسلمين، ونسمّيهم الأصوليين، وهم جمهرة الصحوة الإسلامية التى قوامها: التيسير، والتجديد، والوسطية. والدين الإسلامى الذى هو مدار هذه الصحوة، هو من الناحية النفسية: إيمان بوجود ذات غيبية علوية ، مدبّرة لشئون الكون والإنسان ؛ ومن الناحية الواقعية: هو جملة العبادات ؛ وبمعناه العام: هو الإسلام. وبِحُكم التعريف الذاتى للدين فإنه يشبه الفلسفة، ومرجع ذلك أن موضوع الدين والفلسفة واحد، وإن اختلفت النتائج والغايات ، فمطلب الفلسفة هو أن نعرف أصل الوجود والغاية منه ، وأن نتبين سبيل السعادة فى الحياة ، وهذان الموضوعان هما ما تبحث فيه الأديان ، والدين الإسلامى خصوصًا ، لأنه الدين الذى يجمع بين الدنيا والآخرة ، ولأنه دين ودولة ، وهو لذلك أقرب الأديان إلى الفلسفة ، والاختلاف بينهما أن الفلسفة غايتها المعرفة ، والإسلام غايته المعرفة التى تؤدى إلى الإيمان، والعمل بمقتضى هذا الإيمان، ولذلك فالفلسفة نظرية حتى فى جانبها العملى ، وإنما غاية الدين عملية حتى فى جانبها النظرى ، فإذا كانت الفلسفة مناطها معرفة الخير والحقّ ، فإنها لا علاقة لها بما إذا كنا قد عملنا طبقًا لهذه المعرفة بالخير والحقّ ، وإنما الدين هو الذى يهمّه ذلك، ودين الإسلام يعرّفنا الحقّ، لا لكى تزيد به معارفنا، ولكن لكى نعمل بمقتضى ما نعرف . والدين لذلك يقوم على الدعوة ، وعلى التعليم، وعلى الانتشار بين مختلف الطبقات، وعلى الاستطراق فى المجتمع بمختلف فئاته ؛ والفلسفة لا يعنيها ذلك لأنها تقوم على الصفوة ، ولا يهتم بها إلا الفلاسفة، وهم الذين يحتكرون العمل فى مجالها . ثم إن الفلسفة من إنشاء الإنسان ، ومن وحى تفكيره ، وأما الدين فهو مُنـزَّل من السماء . والإنسان فى حاجة إلى الاثنين: الدين والفلسفة ، فبدون فلسفة لا تكون المعرفة، وبدون دين لا يكون الاجتماع. والإنسان وإن كان وحدة واحدة لا تنقسم، إلا أنه مركّب من الجسم والروح، وللجسم حاجاته ، وللروح أشواقها ، والدين هو الذى يُرضى نزعات الروح فى الإنسان، ويُشبع فيه فطرته الغيبية، وهو فى الإنسان كالدم فى الشريان، وهو فطرة فيه فطره الله عليها. والدين حافزٌ ودافعٌ من أشدّ الحوافز قوة ، وهو الدافع الأكبر للحياة ، ولولا الدين لانتحر الكثيرون . والدين يجعل للإنسان مشيئة القوة، ويرسّخ فيه إرادة الحياة . والدين يصنع الفضيلة ويهدى إليها ، ويدرأ الظلم ، ويمنع الجور ، ويقاوم الفساد ، وينشر الخير ، ويأمر بالعدل . ولولا الدين ما كانت التربية ، وفى الدول التى افتقدت الدين تلاشت التربية، وانتهت الفضيلة ، وساد اللامعقول . والدين يصنع المحبة - وهى أقوى رباط بين أفراد المجتمعات وبين الشعوب ؛ ولولا الدين ما كانت الأسرة ؛ وأثبتت البحوث، أنه بانهيار الدين انهارت الأسرة كرابطة اجتماعية، فانهارت المجتمعات بالتبعية، وانتهت الهويات، وزالت القوميات . ولقد ثبت أن الوطنية أو القومية وحدهما، لا تصنعان مجتمعًا ولا دولة، وكانت الوحدة الحقيقية هى الوحدة الدينية ، وخاصةً تحت مظلة الإسلام ، لأنه الدين الجامع الشامل ، والدين الخاتم ، والمسلمون بنصّ القرآن والحديث أمة واحدة ، والإسلام هو الذى يوحّد بينهم . ومن العلوم الثوابت علم المقارنة بين الأديان ، وقد أثبت هذا العلم عظمة الإسلام بعظمة أمة الإسلام ، ولا يفت فى وحدة الأمة أن تكثر بها الفرق ، فهى منابر لثراءٍ عقائدى ، ومجال واسع للعمل الدنيوى والأُخروى . وحسبنا الله .

دكتور عبد المنعم الحفنى

الجيزة من مصر المحروسة بإذن الله

شارع محيى الدين أبو العز ، الدقى ، ت 7613355

ملحوظة : كنت قد طلبتُ من أصحاب الحركات وزعماء الأحزاب والجماعات الإسلامية أن يزوّدونى بمؤلفاتهم فى فلسفة أحزابهم وجماعاتهم ولهم الثواب من الله ، وللأسف لم يستجب لى إلا قلة أشكرهم غاية الشكر ، وأتساءل من أى شىء يخاف أصحاب الفرق ورؤساء الجماعات أن يزودونى بمنشوراتهم؟ وهل يستقيم هذا الخوف ودعواتهم العلنية وإيمانهم أنهم على الحق ؟ !..
صفحة 4
مقدمة الطبعة الثانية 1999

الحمد لربّنا كلَّ الحمد ، والصلاة والسـلام على نبيّنا معلّم الأمة ، وباعث نهضتها، وواضع سُنّتها ، وهو مثلُنا الأعلى ، وكانت أمتنا المرتجاة - أمة محمد، وأمة لا إله إلا الله، وأمة الإسلام - هى الأمة النموذج ، وكانت كذلك فى عهد الرسول ، إلى أن توفّاه الله ، فاختلفت الأمة، وتباينت الآراء، وظهرت الأطماع ، وانفرقت الأهداف، وعادت الجاهلية ، وأشرأبت الشعوبية ، فكان ما كان من المذاهب والفِرق والجماعات والحركات والأحزاب ، وكلها تدّعى أنها تنشر الإسلام دينًا ، وتطلبه دنيا ، وتدعو لـه دينًا ودولة ، وعقيدةً ونمطَ حياة ، ونهجًا فكريًا وسلوكًا عمليًا . وانعكست أحوال الأمة على هذه الفرق والجماعات والأحزاب ، وكان ظهورها رصـدًا لمدرج الأمة الإسلامية، ارتقاءً أو انتكاسًا ، تقدمًا أو تأخرًا . وبعض هذه الفرق قد يبدو أنه اجتماعى خالص ، إلا أنه على المدى الطويل لابد أن يكون له مردوده السياسى .

واستنفار السلطة لمحاربة الفكر الفِرقى لم يكن فى كل الأحوال دفاعًا أو غيرةً على الدين ، وإنما تكريسًا للمقولة المشهورة : أن الناس فى بلادنا إمّا حاكمون أو محكومون، وكلاهما - الحاكمون والمحكومون - لهم دعاوَى ومزاعم ، والحاكمون يلجأون للعنف، ويحكمون بالجوْر، والمحكومون يواجهون العنف بالعنف وينشدون العدل ، والصدام واقعٌ لا محالة بين الطرفين ! وتاريخ بلاد الإسلام هو تاريخ هذا الصدام الدائم بين السلطة والشعب ، وما كانت هناك أبدًا حكومات تنتخبها الشعوب ، ولا قوانين تنبع من حاجة الشعوب ، أو تترجم عن علاقات سوية بين جماعات الأمة . وما عرفت الشعوب المسلمة يومًا إلا فى خلافتى أبى بكر وعمر، معانى الحرية ، والديمقراطية، والعقلانية، والعدل، والحقّ، والشورى، وهى جميعًا مصطلحات وردت بالقرآن يُأمر بها المؤمنون ! ومن أجل ذلك كان قيام الفرق غالبًا ، وكانت ثورة أفراد بعينهم أحيانًا ، نشدانًا ليوتوبيا إسلامية ، فالإسلام -كغيره من الأديان - لـه رؤاه وطموحاته ومخططاته ، لِجَنّة أرضية .

وقد يعجب القارئ لانحطاط المستوى الفكرى لبعض الفِرَق ، وما كان انحطاطًا أصلاً إلا لتدنّى المستوى الثقافى والاقتصادى للشعوب الإسلامية . وبعض الفرق استغل الدين لمصلحة الدُعاة ، واستغلته السلطة أيضًا لمصلحة الحكّام ، فمثلاً قال الشيعة بالغيبة ، أى غيبة الأئمة ، وبالرجعة ، وبالعصمة ، وادّعوا الألوهية للأئمة ، ليبرّروا استمرارية تسلّط أفراد وأتباع لهم، على جماعات المعتقدين فيهم . وأيضًا نجد أن فقهاء السلطة التزموا تفسيرات للحكّام من شأنها تدجين الإسلام ، واستمرار خضوع المحكومين للحاكمين ، فليس للمؤمن أن يعترض على ولاة الأمر ولو كانوا ظلمة ، وعليه أن يسمع لهم ويطيع طالما قد تولّوا الحكم . وأيضًا نجد أن السلطة لم تكن تزوُد عن بيْضة الإسلام غَيْرةً وعن إيمان حقيقى ، وهذا هشام بن عبد الملك، زعم أن الغيلانية، أتباع غيلان الدمشقى، كَفَرة ، وأن غيلان كافر، لأنه ينفى القدر ويقول بالاختيار، والحقيقة أن غيلان ما قال ذلك إلا بسبب ظلم الأمويين، وبسبب إصرارهم على أن يحكموا دون إرادة شعوبهم ، فقال: إن الإمام يجوز أن يكون قرشيًا أو غير قرشى، فالمهم أن يكون هو الإنسان الصالح للحُكم ، والمناسب له ، فاستعدى السلطة عليه لهذا السبب ، وقتله هشام! وما كان قتلُه من الدين فى شئ ، وما كان فيما يقوله كفرٌ حقيقىّ! والغريب أن الكثيرين ما يزالون يدرّسون فكر غيلان حتى اليوم على أنه فكرٌ فاسد !

والظاهرة الإسلامية اليوم - كما هى على الخريطة السياسية العالمية - لا ينكرها منكر، ولا يجحدها جاحد ، وتجتمع فيها تفاعلات دينية وسياسية وثقافية وحضارية ، فإذا تناولناها من جهة أصحابها، فهو ما نقصد إليه بمصطلح الجماعة الإسلامية ؛ وإذا قصرنا البحث فيها على الأفكار التى يبشّرون بها ، ويروّجون لها ، ويتناولونها بالشرح والتفسير والتأويل ، فهى المذهب ؛ وإذا كانت للظاهرة تحركاتها فى الإطار الإسلامى، فهى ما نقصد إليه من مصطلح الحركة ؛ وإذا كان انصرافنا إليها باعتبار أنها لجماعة لهم زخمهم الفكرى، ومسعاهم السياسى، فهى الحزب على مستوى الدولة .

والجماعات الإسلامية: تتفاوت فى التنظيم ، ولربما تقوم على تخطيط دقيق ، وسبق تدبير، أو يكون قيام الجماعة عفويًا. والجماعات الإسلامية وُجدت فى الماضى وحديثًا. والحركة الإسلامية: مصطلح حديث، وهى الجماعة فى نشاطها الدائب ، وفى مسعاها المستمر، تستهدف به تغيير النظام العلمانى إلى النظام الدينى الإسلامى ، وطبع هذا النظام فى المجتمعات الإسلامية بما عليه طابع الإسلام . وحركة الحزب: أكبر من حركة الجماعة ، وأهداف الحزب أوضح، والأحزاب لها برامجها المعلنة، والأحزاب الإسلامية السياسية لم توجد إلا مؤخّرًا . والحركة قد لا تعلن عن نفسها ، وقد تستبقى أهدافها غامضة ، أو مستترة . والأمر بخلاف ذلك فى التنظيم، ومصطلحه حديث أيضًا، والتنظيمات الإسلامية لها أنساقها من النشاط المستمر والمرتبط بالجماعات . والدارس لهذه التنظيمات يولى عناية لنسق العلاقات التفاعلية داخلها ، والزُمُر التى تتكون منها جماعاتها ، والتزامات أعضائها وواجباتهم ، وأوضاعهم داخل هذه الجماعات وحقوقهم فيها . وفى الفِرْقة: يكون الاهتمام بمعتقداتها الخاصة من داخل الإطار العام للإسلام ، وتتمايز الفرق بما تقول به فى علم الفروع ، وربما يتناول اختلافها أصول العقيدة ؛ وفى تاريخ الفرق الإسلامية يظهر تأثير الثقافات الوافدة والدراسات فى الفلسفة ، ولم توجد الفِرق الإسلامية إلا مؤخرًا.
صفحة 5
ولا ينبغى أن تروّعنا ظاهرة الفِرَق فى الماضى ، ولا يخيفنا تباين المذاهب ، وتعدُّد الحركات ، وتنوُّع الأحزاب فى الحاضر ، فالإسلام كظاهرة، شأنه فى ذلك شأن الظواهر التى لها رصيد ضخم من التاريخ ، وزخم حركى هائل داخل المجتمعات ، وكلما انتشر الإسلام ، وثبتت أقدامه عبر السنين ، ودخلته أقوام وأجناس وشعوب ، كلما استطال بنيانه العقائدى .

وكان ظهور الفِرّق فى الماضى نتيجة قانون الجمع والتوفيق ، وبه يكون دخول الإسلام إلى بلد معناه اجتماعه بما كان فيها من اعتقادات ، وأنه سيصل معها إلى صِيّغ توفيقية تتباين بحسب تباين البيئات ، كما أخبرنا الرسول : « لتتّبعن سُنن مَن كانوا قَبلكم شبرًا بشبر ، وذراعًا بذراع ، حتى لو دخلوا جُحر ضَبِّ لتبعتموهم» رواه البخارى . وقانون الوجود فيه الاجتماع والانفراق ، وفى القرآن :  وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ، إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ  (هود: 118، 119 )، وفيه:  وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ  (المائدة: 48).

وإذن فمنطـق الأمور: أن تكثر الجماعات والحـركات والنُّظُم والمذاهب والفـِرَق والأحزاب. وفى أزهى عصور الدول الإسلامية تبين هذه الظاهرة ، وفى أزمان الركود ينمحى التمايز ، ويضيع الرأى الآخر .

وأمة الإسلام أكثر الأمم فرقًا وأحزابًا ونظمًا وجماعات ومذاهب وحركات : لأن الدين الإسلامى جاء لكل الأجناس، الأحمر والأبيض والأسود والأصفر ، ولكافة الشعوب- الشمالية، والجنوبية، والشرقية، والغربية ، وتناول فى مبناه كل ما سبقه من ديانات، فأفصح عن عيوبها ، وأبان نواقصها ، فتعرّض للهجوم المضاد من أصحاب الديانات ، وكلما دخلته أمة صاغته ليتلاءم مع تاريخها وأحوالها ، فعمّ الإسلام الأرض كلها، وكثرت بين جماعاته التباينات، ولا تثريب فى ذلك ، وإنما هو منطق الأمور .

ثم إنه من الملاحظ أن لكل ديانة ، ومذهب ، وجماعة ، زمنًا وعصرًا يروج فيه المذهب، وتعلو الديانة ، ثم ينتهى الأمر إلى اضمحلال ، إلا الإسلام فهو لكل الأزمان، ولكل العصور والمجتمعات ، ومَن يحيا أكثر يتعرّض أكثر للتيارات والأنواء ، والمجادلات والمحاورات ، والمناوشات والمنازعات ، وينعكس ذلك على الخريطة السياسية والفكرية ، بقيام مذاهب ونُظم جديدة ، وإحياء مذاهب ونُظم قديمة ، وإعلان أحزاب ببرامج عصرية ، وبداية حركات لها مواصفات ، وتكتّل جماعات لها نشاطات .

وكانت فِرَق الشيعة وجماعاتهم هى أكبر الفرق والجماعات فى التاريخ الإسلامى. وفرق الشيعة هى أولى الفرق الإسلامية ظهورًا، واتُّهمت غالبيتها بالغلو . وما تزال فرق الشيعة حتى اليوم تمثّل أهم الروافد الفكرية فى الإيديولوجية الدينية ، وفى الإسلام السياسى بعمومه . وإنى لأعجب لعدم إدراك كُتّاب الفِرق المُحدَثين، أن مصطلح الفِرق لا يصلح لجماعات اليوم، وأنه قاصر على فِرق الماضى دون جماعات وأحزاب الحاضر ؟! وأكثر الفرق كانت عند الشيعة فى بداياتهم ، ولم يعد لديهم الآن سوى فرقتين كبيرتين ما زالتا تعملان من الماضى البعيد . وإنه لأمرٌ يدعو إلى الدهشة، أن يسـتكين شيعة العراق للاستعمار والاحتـلال الأنجلو أمريكى، فلا نسمع أنهم ثاروا ورفضوا ، بل ونرى مجلس الحكم العميل مكونًا منهم غالبًا؟!!

وأمّا السُنّة فكان منهم الإصلاحيون ، وهؤلاء انتشروا فى العالم الإسلامى ، وحيثما ارتفع صوت المؤذّن بلا إله إلا الله ؛ وصاحَبَ العنفُ حركاتهم أحيانًا ، وابتغت جماعاتهم قلب نظام الحكم بالثورة أحيانًا ، إلا أنهم فى غالب الأحوال كانوا تعليمية ، ينشدون التغيير من خلال إعادة التعليم وبثّ الوعى بمعانى الإسلام ، ومؤلفاتهم لذلك تكثر فى التفسير للقرآن ، والشرح لمضمون السنة ، ومعنى الدولة ، وواجبات الحاكم والمحكوم . والتزموا الدين وإن فهموه سياسيًا : بأنه توجيه المسلمين نحو الأفضل ، سواء فى شئون الحكم أو مقاصد الاجتماع ، أو أهداف التعليم والتربية ، أو ابتعاث النهضة العلمية .

وفى الوقت الذى رأينا فيه حركات التمرّد والاضطراب السياسى ينهض بها الشيعة، فإن حركات الإصلاح كانت مدار نشاط أهل السُنّة وفِرَقهم وأحزابهم .

ولسوف نلاحظ فى هذا الكتاب أن غالبية أصحاب الفِرَق كانوا طُلاّب حكم ، وما كان الغلو الذى قال به البعض واعتنقوه ، إلا بسبب الأمّية التى يعيش فيها المسلمون فى مختلف البلدان فى زمنهم ، فلقد سهّلت هذه الأمية الثقافية والدينية والأبجدية، أن يروج الفكر الدينى المنحرف ، وأن تدعو الكثير من الفرق والجماعات والنُّظم لأصحابها ، حتى ادّعى بعضهم لنفسه العصمة ! وبعضهم انتحل الألوهية! أو النبوة! وتسلّطوا على أتباعهم بالدين ، حتى كانوا يطلبون من الواحد منهم أن يلقى بنفسه من شاهق، فيفعل ! وفى عهد نظام المُلك مثلاً ، كان حسن الصباح (445هـ - 518هـ) رئيس الإسماعيلية النـزارية، يأمر أتباعه بالقيام بعمليات التصفية الجسدية، واغتيال رموز المجتمع الحاكم، فكان الفداوية أو الفدائية ، من الأولاد دون العشرين، يغتالون خصومهم ، ويُعملون القتل فى الحكّام ورجالات الفكر - كما فى مصر والجزائر الآن؛ وكان الحنابلة فى بغداد، وغيرها من المدن ، يهاجمون المحلات العامة والنساء والرجال فى الطرقات ، ويستخدمون الجنازير والمطاوى . وكانوا يحرقون الخمّارات، ويُغلقون المطاعم فى رمضان ، وإذا عثروا على رجل يسير مع طفل أو امرأة استوقفوهما للسؤال : من يكون الطفل للرجل ؟ ومن تكون المرأة لـه ؟ وكانوا يفعلون ذلك بدافع محاربة اللواط ، ومنع الاختلاط ، ومعاقبة الزناة . والواقع أن التشويه والتحريف الذى أصاب الإسلام من بعض الفرق ، كان من الممكن تداركه وقتها ، وتسببت هذه الفرق فى قيام الفتن ، ونشر الاضطرابات . وتأوّلت بعض الجماعات آيات القرآن والأحاديث ، وبعضهم وضع الأحاديث، وفشا الوضع حتى أصبح ظاهرة. وأُخرجت الآيات عن مدلولاتها ، والبعض خشى التأويل فالتزموا النصوص دون اجتهاد ، حتى غلب الاهتمام بمبناها دون معناها ، فصارت النصوص تقصر عن متطلبات العصر والمصر ، وكأن الإسلام قد ألغى نفسه ، وكأن المسلمين قد صارت بهم حاجة إلى دين جديد ، أو أنبياء جدد ، أو مصلحين بالأحرى يجدّدون لهم الدين .
صفحة 6
وإن المرء ليحار: لِمَ كان هذا الحديث ، بأن : على رأس كل قرن لابد من ظهور المجدّد؟ وربما كان ذلك مرجعه أن الاجتهاد لا يمكن أن يقوم بحاجات المجتمع المدنى لأكثر من مائة سنة ، وبعدها تظهر الحاجة لاجتهاد جديد ؟ وربما كان ذلك صوابًا فى زمن المتقدّمين لا فى زمن المتأخرين ، فقد صار الزمن غير الزمن ، والحاجات غير الحاجات . وعند المتقدمين كانت المتغيرات بطيئة ، والمستحدثات قليلة ، وأما الآن فإيقاع الحياة أسرع ، ودورة التاريخ أقصر . وصارت البدَع إذا تمكنت تنتظم أكبر مجموعة من السكان ، وقد تشمل العالم بأسره ، بتأثير ثورتى المعلومات والاتصالات، وما يسمى الآن بالعوْلمة أو الكونية .

ولربما يظهر المجدّد فى أفغانستان فيكون لـه مردوده الفقهى ، والإيديولوجى ، والثقافى ، والاجتماعى ، والسياسى ، فى بقية بلدان العالم الإسلامى وغير الإسلامى .

ولنضرب مثلاً بجماعة الجهاد اليوم: ففكر هذه الجماعة أصّله ابن تيمية «الشامى»، وبنى عليه أبو الأعلى المودودى «الهندى» ، وطبّقه محمد بن عبد الوهاب «الحجازى» ، وأخذ به حسن الترابى «السودانى» ، وعمر عبد الرحمن «المصرى» ، وانتشر فى ماليزيا ، وإندونيسيا ، وفى الصين ، وجنوب شرق آسيا ، وفى أفريقيا ، وأوروبا ، والأمريكتين! والعوْلمة إذا كانت من مفاهيم ومصطلحات علم السياسة المعاصر ، فهى أيضًا من الثوابت الفكرية والمقولات الأصولية للفكر الإسلامى الحديث . ولا يعنى مصطلح النهضة أو البعث الإسلامى إلا أن الإسلام تتطوّر فكرته عند الناس بتطوّر الحياة ، وترتقى بارتقائها ، وتُستحدث لـه المصطلحات الجديدة لتواكب مسيرة الحياة ، وهو ما ينشده الإسلاميون اليوم من مطالبتهم بفتح باب الاجتهاد ، ومن تأسيسهم للأحزاب والتنظيمات والحركات المعاصرة . ولقد كان الفكر الإسلامى السياسى القديم يناسبه مصطلح الفِرَق ، وما يناسبه الآن هو هذه الألفاظ الجديدة على قاموس المصطلح السياسى الإسلامى .

ولا ينبغى أن تقلقنا كثرة المصطلحات ، أو أن نستشعر الخزى من كثرة الفِرَق، فهذه ظواهر صحة كما هى ظاهرة مرض . والقضية ونقيضها منطق الجدل ، وهو المنطق الغالب فى الإسلام . وقضية الأنا والآخر ، أو الرأى والرأى المعارض ، من القضايا التى واكب ظهورها بزوغ الإسلام وانتشاره . ووجود الفرق الإسلامية بهذا العدد دليل الحرية الفكرية . وبالطبع كان هناك الشهداء فى مجال الفكر ، وقُتل كثيرون، وحُرِق وصُلب كثيرون ، وإنما تسنّى لى أن أراجع من اسشهد عبر التاريخ الإسلامى ، وفى مختلف بلاد الإسلام ، من أصحاب الرأى ، بحسب ما أوردته المراجع العلمية ، فلم يزيدوا على: 233 فردًا ، فى حين بلغ من أحصتهم المراجع التاريخية الأوروبية من شهداء الفكر فى النصرانية: 3486 فردًا !! ولم يحدث أن طال الإسلام النصارى ولا اليهود بالأذى ، مثلما طال اليهود فى النصرانية . والمتأمل لما يحدث الآن على الخريطة السياسية، يذهل مما يفعله النصارى واليهود بالمسلمين فى العالم كله ، فحيثما كان هناك مسلمون أضرمت المخابرات الأمريكية والإسرائيلية والفرنسية والروسية والبريطانية والألمانية بينهم نيران الفتنة ، وألّبت الكنيسة بمختلف مذاهبها العالم على المسلمين حتى فى مصر ، وصرنا نعانى من فتن الكنيسة فى مصر ولبنان وأمريكا إلخ ، مثلما نعانى من اليهود والرأسمالية الأوروبية والإمبريالية الأمريكية ، وليست هناك اضطرابات فى العالم إلا فى أراضى المسلمين : فى الصومال، والسنغال، ونيجيريا، والسودان، وإريتيريا، وموريتانيا ، والمغرب، وتونس ، والجزائر ، وليبيا ، ومصر ، وفلسطين، والعراق ، وتركيا ، وإيران ، وأفغانستان ، والهند ، وطبرستان ، وتركمستان ، وأذربيجان ، وشمال الصين، ونيبال، وماليزيا ، وإندونيسيا، والفلبين إلخ ، وحيثما كانت تجمعات إسلامية فى ألمانيا ، وفرنسا ، والنمسا ، وبريطانيا ، والبوسنة ، وألبانيا، وقبرص ، والأمريكتين . وجاء فى تقارير المعاهد الاستراتيجية ، أن حجم الأموال التى رصدتها المخابرات فى العالم كله لاستحداث الشقاق بين المسلمين بلغ إجمالاً 87 مليارًا من الدولارات ! تذهب معظمها على تزويد الجماعات المنشقّة بالسلاح . وطبّقوا على المسلمين طريقة فتَنَمة الحرب ، أى أن يضرب المسلمون المسلمين، كما فى أفغانستان، ولبنان ، والعراق ، والسودان ، وموّلوا المعارضين للتوجهات الإسلامية بأكبر الميزانيات ، ويضغطون على الحكومات فى بلاد الإسلام ، ليلغوا الدين من مناهج التعليم ، ويمنعوا طبع القرآن ، ويحظروا أى نشاط إسلامى ، ويغلقوا المساجد فى غير أوقات الصلاة ، ولا يسمحوا إلا بخطباء السلطة، ويروّجوا لتقليل عدد المسلمين باسم تنظيم الأسرة !! فى الوقت الذى يؤذن فيه للنصارى بأى نشاط ، وتُفتح كنائسهم أربعًا وعشـرين ساعة ، ويخطب قساوستهم فيهم أن لا يشتروا من المسلمين، وأن لا يساكنوهم، وأن لا يستخدموهم فى متاجرهم ومصانعهم، وأن لا يبيعوا لهم ولا يستأجروا منهم، وأن ينتهزوا فرصة حظر الزواج والإنجاب على المسلمين فينجبوا أكثر لتكون لهم الغلبة العددية!

ومع كل ذلك لم يفتّ فى عضُد المسلمين ، وكَثُرت الفِرَق والجماعات ، وخرج المسلمون على الظلم أنّى كان . وظاهرة الفرق لذلك - كما قلنا - هى دليل صحة كما هى دليل مرض . وديننا هو دين الجهاد ، وهو الدين المبشّر بالأمل ، فغدًا يكون أكثر إشراقًا ، والتاريخ فى صالح المسلمين ، ومستقبل الإسلام مع الرأى والرأى الآخر ، ومع التسامح . ولن ينتشر الإسلام ويتدعّم إلا فى مناخ الحرية ، ومناخ الحرية هو الذى يضمن الازدهار الواعد للإسلام . وكل تقدّم علمى يواكبه انتشار الإسلام ، وليس من سبيل لنشر الفكرة الإسلامية إلا بالهجرة ، وإنشاء جماعات إسلامية فى كل بقعة على الأرض . وسبيل الإسلام للسيادة هو الأخذ بالعلمية فى التفسير ، ومحاربة الأمية، ونحن أمة قراءة ، وكتابنا يسمى القرآن ، ومن أركان الإسلام قراءة القرآن ، والله تعالى يقول :  فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ  (المزمل 20)، وكانت أول سور القرآن  اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ  (العلق 1) ، فمن لم يعرف القراءة انتقص دينه ، وجهل الإسلام. ويا حبذا لو كان المسلمون على ما ينبغى لهم ، ليكونوا على مستوى القرآن، فهمًا ودراية ، وبلاغًا ورسالة .

وليس هذا الكتاب إلا محاولة للتوعية . وفكرة الإسلام هى أن نتصوّره تصورًا موافقًا للقرآن . والقرآن هو الحقّ الموضوعى ، أو الحقّ بوصفه الحقّ . والوجود الإسلامى يبلغ معنى الحقّ حينما تكون فكرة الإسلام هى الوحدة بين التصوُّر والواقع، وتصبح الفكرة هى الوجود.
صفحة 7
والوجود الإسلامى خلاف الموجود الإسلامى ، والوجود هو ما ينبغى ، والموجود هو ما هو قائم . وما هو قائم لابد أن يكون عقليًا ، بمعنى أن نبحث فى العلم عن معنى الإسلام ، وكان ذلك منهج النبىّ ، وأمّا مَن خلفه وجاءوا بعده، فقد بحثوا فى الإسلام عن معنى العلم فتأخّروا . والبحث فى الوجود مأمورون به فى الإسلام ، وديالكتيك الإسلام لا ينبغى أبدًا أن يخرج عن ديالكتيك الواقع . ولن يصبح الديالكتيك الإسلامى واقعيًا إلا بنمو التصوّر عند المسلمين ، فيغتنى وجودهم وينمو . ولم يكن تخلّف المسلمين كأصحاب رسالة إلا لتخلّف رؤيتهم للواقع . ولقد تطوّر تاريخ العالم وما تطوّرت فكرة المسلمين عن العالم ، فضمرت عقولهم ، وهزلت معارفهم ، وتأخّرت تشريعاتهم . ولو ناقشنا الموجود منها على الساحة ، والمنثور فى الكتب القانونية، لتبيّن لنا أن قوانين المسلمين التى تحكمهم غايتها القسر لا الحماية، وتعـادى الحرية ولا تنمّيهـا . والمفـروض أن القوانين ينبغى أن تعكس الإرادة الحـرة للمحكومين. ولم ينشأ الاستبداد عند الحكام المسلمين إلا لأن القوانين فى البلاد الإسلامية ضد التاريخ والتطوّر والحرية . والتعيّن القانونى عند أية جماعة بشرية يظهر جليًا فى تربية أبنائها ، وفى تكوين الأسرة ، وتفكير الفرد، وليس فى قوانين الأمة الإسلامية حاليًا إلا ما يصادم الواقع الدولى ، وليس فيها أى توافق بين الحاجات . وبالقوانين يتحدد شكل الدولة ، وهى التحقق القانونى الأعلى الذى فى إطاره يعيش الكل فى رخاء مادى ، ويرتفعون إلى الحرية العينية . وفى الدولة يصل المسلم إلى الأخلاقية العليا ، أى التحقّق العينى لمطلوبات الله من الإنسان المسلم . وإذا لم تقم الدولة بتربية المسلم ليقوم بمقتضى المطلوبات منه ، فإن من شأنها أن تنحرف برسالتها ، ولا تسـتوفى سبب وجودها raison d'être. ومثل هـذه الحكومات تُنقص من أبنائهـا ، وتقلل من قيمتهم ، وتقتـل فيهم الذاتية والضـمير ، وتدمّر الشخصية ، وكان المفروض أن تساعد على اكتمال شخصياتهم .

وذلك جميعه ، وغيره كثير ، هو سبب كثرة الفِرَق والجماعات والتنظيمات والأحزاب والحركات الإسلامية ، وتعدُّد محاولات المصلحين والثوريين تغيير نظم الحكم ، لأن الدولة هى التجسيد لأفرادها ، وفى ذلك يقول التنـزيل : إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ (الرعد : 14) .

نسأل الله لأنفسنا العفو والعافية ، ولأمتنا السـلامة ، ولزعمائها الرشاد والسـداد والتوفيق ...

دكتور عبد المنعم الحفنى

القاهرة يناير 1999

حاشية : إنى لأرجو من كافة الأحزاب والجماعات وأصحاب المذاهب أن يبعثوا لى بكتيباتهم عن فكرهم ، ولا دخل لى بالتنظيمات السريّة ، ولا بأسماء المشرفين عليها، ولا بتمويلهم ، وإنما عملى ينحصـر فى مسائل الفكر ، ويتوجه إلى إيديولوجية الجماعة أو التنظيم أو الحزب ، ولهم منى غاية الامتنان وكريم الدعوات ...

دكتور عبد المنعم الحفنى

118 ش محى الدين أبو العز - الدقى القاهرة

جمهورية مصر العربية ت : 7613355
صفحة 8
مقدمة الطبعة الأولى

1412هـ - 1992م

تاريخ الفِرقَ الإسـلامية هو تاريخ عملية ضخمة لتأسيس فكرى إسـلامى ، وهو محاولة تجديدية دائمة ودائبة للفكر العقدى والفلسفى والسياسى الإسلامى ، وإعادة تأسيسه وفقاً لمقتضيات العصـور الإسلامية المختلفة . ولا تزال عملية التأسيس مستمرة يشارك فيها الفلاسفة، وعلماء الاقتصاد والقانون والفقه والتاريخ ، والمصلحون الرواد .

والعناية بالفكر الفِرَقى قديم ، ورصده فى الكتب المرجعية ودراسـته دراسة علمية كان ظاهرة إيجابية كبيرة الأثر وجلية القيمة . وكتب الفرق لذلك كثيرة وإن كان يعيبها انحيازها وعدم موضوعيتها ، ورغم ذلك فإنا لا نرى إلا أن هذا الانحياز أثرَى المكتبة الفكرية الإسلامية بالتنوّع ومختلف التحليلات وتباين وجهات النظر . ولم نر فى تاريخ الفكر العقدى أو الإيمانى أمة بهذا الثراء الفكرى ، وعلى هذه الدرجة من التحرر الفكرى فى مناقشـة العقائد ، كأمة الإسلام . وما كان عليه أسلافنا من التحرر يجعلنا نأمل أن نحذو حذوهم ونبلغ شأوهم . والفكر دائمًا تواكبه حركة ، ومثلما كانت التيارات الفكرية الإسلامية متدفقة ، كانت الحركات الإسلامية عبر التاريخ الإسلامى كله حية وخصبة ، فلم يكن هناك انغلاق فكرى ولا اعتداد بالرأى ، ولم يُقفَل باب الحوار ، وكان النقاش يدور سجالاً وأمام أولى الأمر وأصحاب السلطة . والدعوة الإسلامية كانت دائمًا دعوة إلى الحوار ، وكانت هناك جرائم رأى ، ومصادرات على الفكر والكتب ، وعقوبات تنال البعض ، وحبس يتناول الجسـد ، إلا أن الحوار كان أسلوب التفكير الإسلامى ولا بديل عنه للتقدّم الفكرى . وما يزال القرآن يأمر بالحوار، وما يزال الرسول يطالب به خصومه ويقيم عليه براهينه ، وما يزال الاعتدال فيه هو سُنَة الخطاب الإسلامى الذى قوامه الوعظ والإرشاد والحركة والاحترام للرأى الآخر .

والحركات الإسلامية على مرّ التاريخ الإسلامى اتّبعت الحوار مع السلطة ومع الخصوم ، برغم أنها كانت أحيانًا تتطرّف ، وما كان الفكر المتطرف إلا وليد ظروف معينة نتيجة الكبت والحرمان، والعوز والاستبداد ، وسوء توزيع الثروة ، والاستئثار بالحكم فى عصور التخّلف ، وكان لابد أن يتصادم مع السلطة فى كل الأحوال ، حتى فى زماننا هذا ، إلا أن الواقع الثقافى الإسلامى كان يحتّم الحوار ، وكان النهج الديموقراطى هو النهج الغالب ، وهو نهج يُعنَى بالثوابت والأصول فى الإسلام ، ويركّز على مدلول الإسلام الحضارى ، ويقوم على النقد الذاتى والاجتهاد فى تمحيص التاريخ الإسلامى والتراث ، والتنظير لهما بربط ذلك بالواقع ، وهو واقع لم يكن يرضى به الأوائل ولا الأواخر ، وكانوا يدينونه بمقارنته بواقع حال المسلمين أيام الرسول ، وكان مجتمع مدينة الرسول هو المجتمع الأمثل، واليوتوبيا الإسلامية القدوة ، وهو مجتمع ثورة ، ولذلك كان تثوير الفكر هو خاصية من خصائص تاريخ الفرق الإسلامية، سواء كان هذا التثوير سلفيًا يقفز على الواقع ويتجاوز الزمان إلى نموذج مجتمع السلف الصالح فى المدينة ، منكرًا لعوامل التطور والتغيير فى المجتمعات الإسلامية ، أو كان تثويرًا عقلانيًا يغلّب العقل على النص فى فهم المشاكل والقضايا القائمة ، ويعيد الاعتبار إلى المنهج الاعتزالى فى التفكير .

والتاريخ الفكرى للفرق الإسلامية هو تاريخ المحاولة المستمرة لتأسيس المجتمع الإسلامى المثالى ، وتربية الفرد المسلم صاحب الرسالة، أو كما نسميه «المسلم الرسالى» ، وإنشاء الدولة التى تحكم بالقرآن وبالسُنّة ، والتى هدفها تأصيل استخلاف الإنسان فى الأرض وعمارة الكون .

والطابع الشمولى للإسلام هو نفسه الطابع الذى يحكم تفكير أصحاب الفرق الإسلامية، فلا تمييز بين أعمال الدنيا وأعمال الآخرة فى الإسلام ، ولا تفرقة بين المهام الدنيوية للدولة ومهامها الدينية ، ولا انفصال فى التفكير الإسلامى لمجتمع التدين عن المجتمع المدنى . واستطاعت أغلب الحركات الإسلامية التى نهجت هذا النهج أن يكون لها وجود شعبى وسط جماهير الأمة الإسلامية ، وأن يكون لها دورها كقوى رئيسية محرّكة للتاريخ ، وأن تتبنّى المطالب الشعبية وطموحات الناس المادية والمعنوية، وأن تغيّر باستمرار من مضمون الخطاب الفكرى الإسلامى عقديًا ، وسياسيًا، واجتماعيًا . ولم يكن نجاح الثورة الإيرانية – فى رأى الكثيرين – إلا لأنها كانت ثورة ضد الاستبداد والقهر والاستغلال والتبعية ، أو بتعبير البعض ثورة للمستضعفين ضد الطغيان السياسى والاستغلال الاقتصادى ، وحركة انقلاب شعبية باسم الإسلام ، وكان نجاحها هو الدليل على معقولية المشروع الإسلامى ، وأن الدولة الإسلامية ممكنة التحقيق . وفى رأى البعض أن انتصار الثورة الإسلامية فى إيران هو أول انتصار للفكر الثورى الإسلامى الذى يمثّله فكر الفرق الإسلامية ، وأنه دليل على النسق التطورى التقدمى لهذا الفكر ، وأن هذا الخط التطورى منذ البدايات الأولى كان ضد البدع ومظاهر التخلّف والشِّرْك فى الممارسات الدينية ، وأنه كان مع السلفية الأصولية، ثم السلفية الإصلاحية ، ثم السلفية التجديدية النهضوية، التى قيل فيها أنها تحترم الاجتهاد والرأى الآخر والمذاهب الأخرى ، بشرط أن لا تصبح هذه المذاهب بديلاً عن الإسلام ، وأن لا يكون تقديس النصّ على حساب مقتضيات الواقع، أو وسيلة لإلغاء العقل وقمع التفكير .
صفحة 9
غير أنه يبدو من استقراء تاريخ الفرق الإسلامية، أن إرادة التغيير كانت ملحّة فى أحيان كثيرة، بحيث أن تصوّر المستقبل البديل كان يطغى على مشروعية الوسائل التى يمكن أن يتحقق بها . ولم يتوخ الفكر المتطرّف منذ البداية وحتى الآن الضوابط الأخلاقية والشرعية الإسلامية ، وذهب فى تفسير النصّ تفسيرات معتسفة خرجت به عن مدلوله، وعن المسـار القويم للتيار الفِرَقى ، وكان مفهوم الجهاد هو نفس مفهوم الثورة المسلحة، واستحداث الانقلابات العسكرية، والاغتيالات الفردية، والتصفية الجسدية للمعارضين ، باعتبار الشعار: «القوة هى الضمان الوحيد لإحقاق الحق » . والجهاد لإقامة الدولة الإسلامية وحكومة الإسلام فريضة على المسلمين ، ولكنها فريضة غيّبوها طويلاً، وآن الأوان أن تكون حاضرة ، وكان أكثر ما يدور من حوار للفرق الإسلامية عبر التاريخ الإسلامى كله هو هذا الحوار حول جدلية الوسائل المحقِّقة للأهداف الإسلامية ، والجهاد هو أخص هذه الوسائل جدلية .

ويبدو أن تطور التفكير الفرقى الإسلامى يشير فعلاً إلى ما يحب البعض إطلاق اسم «الصحوة الإسلامية» عليه، بدلاً من «الثورة الإسلامية» . ويؤرخ دعاة الثورة الإسلامية لأول انطلاقة لها بحركة التمرد والعصيان التى انتهت بمقتل عمر بن الخطاب، ثم عثمان، ثم علىّ ، وكانت قمة الثورة هى استشهاد الحسين . وتمثَّل العصيان المسلح فى حركة الخوارج ، وقامت دويلات إسلامية شهدت الكثير من الإصلاحات الاجتماعية ، وإن كان المؤرخون قد وصموها بالخروج على الخط الدينى الإسلامى الصحيح ، واتهموا فكر أصحابها والداعين لها بالمروق والكفر . وأما دعاة الصحوة الإسلامية فهؤلاء كانوا مع الاعتدال ، وفرقتهم هى الفرقة التى ذكرها الرسول فى الحديث المشهور عن الفرق الإسلامية ، والذى رُوِى بأسانيد كثيرة ، فقد ذكروا أن الرسول قال : « افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة ، وتفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة » ، وفى قول آخر : «ليأتين على أمتى ما أتى على بنى إسرائيل: تفرَّق بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين مِلّة ، وستفترق أمتى على ثلاث وسبعين ملة ، تزيد عليهم ملة، كلهم فى النار إلا ملة واحدة». قالوا : يا رسول الله – وما الملّة التى تغلب ؟ قال : «ما أنا عليه وأصحابى». وفى رواية ثالثة أنه قال : « إن بنى إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة . وإن أمتى ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة ، كلها فى النار إلا واحدة ، وهى الجماعة » .

والأحاديث الثلاثة السابقة هى التى تؤصّل لمصطلح «الفرق الإسلامية» . وقد ورد عن النبىّ ، أنه ذمّ فرق القدرية، ووصفهم بأنهم مجوس هذه الأمة ، وذمّ فِرَق المرجئة، والمارقين من الخوارج . ورُوى ذلك عن الصحابة . ولم يكن المراد بالفرق المذمومة، من أهل النار، المذاهب الإسلامية الأربعة ، ولا أهل الفقه الذين اختلفوا فى فروع الحلال والحرام ، وذلك لأنهم متفقون على أصول الدين . وإنما المقصود بالفرق المذمومة أهل الأهواء الضالة، الذين خرجوا على الجماعة فى تفسيراتهم وتأويلاتهم ، وشذّوا وأغربوا فى أفكارهم ، واتخذ تطرفهم أشكال الخروج على الإسلام نفسه فى أبواب العدل والتوحيد ، والوعد والوعيد ، والقدر والاستطاعة، وتقدير الخير والشر ، والهداية والضلالة ، والإرادة والمشيئة ، والرؤية والإدراك ، وصفات الله وأسمائه ، والتعديل والتجوير ، والنبوّة وشروطها ، ونحو ذلك مما اتفق عليه أهل السنة والجماعة من فريقىّ الرأى والحديث ، وخالفهم فيه أهل الأهواء من فِرَق القدرية، والخوارج، والروافض، والجبرية، والمجسِّمة، والمشبِّهة ، فصحّ تأويل الحديث المروىّ فى افتراق الأمة. وستظل الأمة تفترق فى مسائل كهذه ، وفى مسائل أخرى مستحدثة أهمت الشعوب الإسلامية، وشغلت تفكيرها، وشكلت حقًا ما يسمى اليوم بالصحوة الإسلامية .

ويبدو أن الصحوة لا الثورة هى طريق المعتدلين أو الجماعة ، وأنها طريق التطور المنسق والمتدرِّج لا الانقلاب والطفرة . وفى رأى البعض أن الصحوة تعبير مستحدث وإطلاق أجنبى شاع بعد ثورة الخومينى (1902-1989)، وأن الصحوة هى الثورة الإسلامية التى تهدف إلى تغيير الأوضاع بالجهاد ، أى بالقوة، وكان الأجدى استخدام كلمة الحركة . غير أن الغالبية مع تعريف حركة الفرَق الإسلامية المعاصرة بأنها ليست حركة تغيير ثورى جذرى ، وإنما حركة بناء للفرد المسلم ، وتعبئة للجماعة المسلمة ، وأنها حركة أصولية تجديدية ، وحركة تغيير اجتماعى تأخذ بأسباب التعبئة المنهجية والحركة المخططة فى الترشيد الاجتماعى .
صفحة 10
ولعل أهم ما يميّز الفِرَق الإسلامية المعاصرة عن الفرق الإسلامية فى الماضى، هو التزامها الوطنى، ومشاركتها فى التعبئة الوطنية لخدمة الأهداف القومية ، وارتباطها الوثيق بحركات الإصلاح الاجتماعى . وزعماء الفرق الإسلامية المعاصرة من أمثال حسن البنا وغيره، يستلهمون فكرهم الإسلامى من فكر سلفيين نهضويين، من أمثال جمال الدين الأفغانى ، ومحمد عبده ، وابن باديس (1887-1940)، وعلال الفـاسى (1908-1974) ، وخير الدين . وسيذكر التاريخ أن الوهابية والمهدية والسـنوسية كانت حركات دينية وطنية الطابع ، فإن كان إسلام الأفغانى ومحمد عبده وغيرهما هو إسلام النخبة ، فإن الإسلام الذى أعلنته هذه الحركات ، وما تزال تعلنه الفرق الإسلامية فى مصر وسوريا ولبنان، والمغرب وتونس والجزائر والسودان إلخ ، هو الإسلام الشعبى . والإسلام الشعبى هو مضمون الصحوة المعاصرة .

وكتابنا هذا فى الفرق الإسلامية يتناول هذه الفرق جميعها – قديمها ومحدثها – من زاوية رؤية موضوعية نقدية شمولية . وقد حرصنا فيه على تأويل ونقد فكر هذه الفرق كما ذكرته المصادر الكبرى بنصّه، مع بعض الشروح من عندنا ، بحسب فهمنا الذى حاولنا فيه أن نتحرّى العلمية المحضة ، وأن نترك لأصحاب هذه الفرق، الفرصة كاملة للإفصاح عن مرادهم بنصّ كلماتهم ، مع تحليل أقوالهم والردّ عليهم، ومقارنة أفكارهم بأفكار غيرهم. غير أن بعض هذه الفرق أوردت المراجع العلمية أسماءها دون أن تُورد أفكارها ، فإذا بدا أحيانًا أن هناك تقصيرًا فيما أوردناه من فكر هذه الفرق ، فالسبب ضحالة ما كُتب عنها ، ونُدرة ما تناولها به الدارسون . ولعل القارئ يلحظ أحيانًا لجوءنا إلى تصدير بعض الأفكار بلفظ «قيل» ، والسبب كما لا يخفى ، هو أن ما أوردناه منها لم يُنسَب فى المراجع لأصحابه مباشرة ولكنه كان نقلاً عن الآخرين . ولم يكن إكثارنا من إيراد النصوص بحروفها على أى حال إلا لتحرّى الدقة فى العرض أولاً ، ولنكون موضوعيين ثانيًا ، ولنتجنب التحريف فى النقل الذى قد يحيد عن الجادة ثالثًا ، ثم ليتعوّد القارئ على لغة الأقدمين ومصطلحاتهم الفلسفية ، وليميّز خطابهم السياسى ، ويقارنه بالخطاب السياسى لزعماء الفِرَق المعاصرة .

والله الموفق وهو المعين ...

دكتور عبد المنعم الحفنى