صفحة 1
شجرةُ الإهداء
إليِّ ـ أنا ـ لأنّ (موسيقى اللقاءِ الأخيرِ) أرهقتْ أوتارَ قلبي،
ولأنَّ (خلائقَ العزلة) أرهقتْ خلائقَ ذاكرتي،
ولأنَّ (نشيد الضالين) أرهقَ عقلي ويقيني،
ولأنَّ (أقنعةَ الرحيلِ) أرهقتْ قوافلَ دمعي،
وما تبقى من نظري،
ولأنَّ (مسرح الرغبةِ) كانَ بدايةَ الإرهاقِ،
إرهاقِ الخروجِ على البدنِ،
وإرهاقِ التلخيصِ:
الثورةُ في البدنِ ثورةٌ في بدنِ الأشياء·
إلى (نجــود) لأنّها جذرُ الكتابةِ، وغصونُ السكوت،
لأنّها الشاهدُ الأوحدُ على ما كتبتُ وما شطبتُ،
لأنّها الزورقُ المتزنُ في عبابِ النساءِ،
ولأنّها منعطفُ الرملِ الناعمِ في صحراءِ رأسي·
إلى (رفــل) التي تقرأُ قصائدي لاثغةً،
وأنا أقرأُ عيونَها وألثغُ في تأويلها·
إلى (مصطفى) لأنّهُ زمنُ طفولتي الذي انفصلَ منّي ولم أرهُ،
أنظرُ إليه،
كأنني أنظرُ إليَّ، وأبكي على زمني·
صفحة 2
الى (حسن ناظم) لأنّ وجهَ الكوفةِ يضطربُ تحتَ ثيابهِ،
ولأنَّ ثيابهُ منثورةٌ في هواءِ التطوافِ،
ولأنّهُ يبتسمُ لكلِّ شيءٍ،
أبادوا ثلثَ عائلته وهوَ يبتسمُ·
إلى (نيتشه) لأنّهُ علمني كيفَ أثورُ على اليقينِ،
وأهزُّ عروشَ الثابتِ كيما يمطرُ المتحوّلُ·
إلى (أدونيس) لأنّهُ علمني معنى الثورةِ على الأسلوبِ،
وأوحى لي : ان الأسلوبَ كونٌ صغيرٌ،
كائناتهُ الكلماتُ،
وحياتهُ العلاقةُ بينَ تلكَ الكلماتِ،
الكلماتُ كائناتٌ حيةٌ، تعشقُ، وتتزاوجُ، وتتناسلُ،
وتغني، وتحزنُ، وتتمردُ، وتتعبدُ أيضاً·
إلى (باسكال) لأنّهُ علمني أنّ الأسلوب زمنٌ منقطعٌ عن الزمنِ،
إلى (فرويد) الذي علمني أنّ الثورةَ في الجسدِ،
ثورةٌ في مفاصلِ التأريخِ نفسهِ·
إلى (هوسرل) الذي علمني أنّ الحدسَ منطقُ الشعرِ،
وأنّ المعنى ينبعثُ من الشعورِ القصدي مثلما،
ينبعثُ المطرُ من الغمامِ الكثيفِ·
إلى (جاك دريدا) الذي جعلني أعرفُ كيف يشربُ الشعرُ من إناء المنسيّاتِ،
وكيف تشربُ المنسياتُ من يدِ الشعرِ·
إلى (ميشيل فوكو) الذي شرّحَ جسدَ اللذةِ في الكائناتِ،
فعلّمني كيفَ يعوي الكائنُ تحتَ رداءِ لذّتهِ
صفحة 3
الى (المتنبّي) لأنني تعلمتُ منهُ استفزازَ الصورةِ،
وصورةَ الاستفزازِ·
إلى (بدر شاكر السيّاب) الشاعرُ الذي تعلمتُ منهُ،
كيفَ نؤثثُ اللغَةَ،
وندّخرُ فيها جواهرَ موتنا،
ثمَّ نتكوّرُ وننامُ فيها·
إلى (ايف بونفوا) الذي علمني أنْ لا أصوغَ الموسيقى في الشعر،
بلْ أدَعِ الموسيقى تصوغَ شعرَ الروحِ،
وشعرَ الأشياء·
الى (الان بوسكيه) الذي قال لي:
اجعل الغموضَ غصناً محملاً بكرومِ المعنى،
واجعل المعنى غصناً محملاً بكرومِ التأويلِ،
واجعلِ التأويلَ غصناً من غصونِ اللطافةِ،
بينَ يدي القارئ·
الى (الجواهري) الذي شقَّ باللغةِ نهراً للحنينِ،
وسمّاهُ (دجلةَ الخيرِ)،
وأورثنا بعدهُ عملَ الشقِّ والمشقّةِ،
وها نحنُ في شقٍّ، ودجلةَ في شقٍّ آخر·
الى (اليوت) الذي جعلَ يبابَ الحضارةِ،
وردةً في أكمام الشعرِ،
وفي أكمامِ الأبدِ،
علمني صياغةَ الألمِ بأصابعِ الأبدِ·
الى (مدينةِ النجفِ) لأنّها اقتلعت منّي جذورَ الخوفِ،
وعلمتني الانشقاق، والإرهاقَ،
صفحة 4
علمتني الشراسةَ حتى أحمي،
بينَ أناملي (أطفالَ البقاءِ)
الى (مدينة بغداد) لأنني ما حسبتها الاّ امرأةً،
وأنا أقبّلُ لسانها·
الى (روزا كالفيرت) التي كانت تطفو على (محيطِ) الحبَّ،
كانتْ سفينةً وحدَها،
وكانَ الأبدُ يحضنُ حكايتها من خصرها،
وينثرُ عطرَ البقاءِ على شعرِها،
تحطمت السفينةُ فوقَ المحيطِ،
لأنّها كانت مخمورةً بجسدها·
إلى (موزارت) لأنهُ كانَ ينادي على النغماتِ: أنْ تعالي،
تأتي إليهِ كأسرابِ الطيورِ،
ويأتي إليهِ الألمُ، يقفُ بين يدي نغماتهِ،
ويذوبُ فيها،
تعلمتُ منه أنْ أصغي إلى نغمةِ الألمِ·
الى (ماجدة الرومي) لأنّها مازالت تغني:
(إن الثورةَ تولدُ من رحمِ الأحزانِ)
والعالم كله رحمٌ حزين،
والثورةُ لم تولدْ بعدُ·
الى (غمامِ الأصيلِ) لأنّهُ لوحةٌ مرسومةٌ بأصابعِ السماءِ،
لم يكتشفها (دافنشي)
اكتشفتها ـ أنا ـ
وعلقتها على جدار القصيدةِ·
الى (سلفادور دالي) الذي جعلني أرى معهُ الموتَ،
وأشمُّ رائحتَهُ،
وأصغي الى اضطراب سكونهِ،
وأتحدّثُ الى أصابعهِ التي تعبثُ بأشيائي·
الى (أشيائي) التي ماتت أمامَ حواسِّ الحاكمِ،
وأمامَ حواسِّ التاريخِ،
وأمامَ حواسِّ البقاءِ،
وحواسِّ الفناءِ،
وحواسِّ السماءِ·
صفحة 5
موسيقى اللقاء الاخير
الى نيتشه··
لأنه صديقي··
وقارئ ألمي·
صوتٌ: أناديكِ أيتها الكائناتُ،
أيتها الطبيعةُ،
أيتها الأوراقُ التي تغطيها موسيقى السوادِ،
إصغي إلى موسيقايَ،
الى هذه النغمةِ السائلةِ كالنشوةِ في إناءِ الجسدِ،
الجسدُ نغمةُ الروحِ،
إصغي الى موسيقى الجسدِ،
لتسمعي موسيقى الروحِ،
صدى: موسيقاكَ بستانُ شوقٍ،
وحديقةُ انتظارٍ،
وجدولُ دمع يمتدُّ الى غيرِ إنتهاءٍ،
موسيقاكَ يدٌ ممدودةٌ للكائنِ المستباحِ،
وسنابلُ مبثوثةٌ لجوعِ الجراحِ،
موسيقاكَ تطيرُ الى الروحِ بجناحِ الصورةِ،
وتصعدُ الى السماء بجناحِ الصلواتِ،
صفحة 6
الموسيقى صلواتُ المخلوقاتِ الخرساءِ،
كلليني أيتها الموسيقى بهذا المطرِ،
الذي ينزلُ من غمامكِ وبرقكِ،
كلليني ، كلليني·
صوتٌ: أغطي الفراشاتِ ، والوردَ ، والندى،
أغطي الينابيعَ ، والصخرَ ، والطيرَ،
أغطي الأشجارَ، والريحَ، والعاصفةَ،
أغطي السماءَ،والبرقَ،والسحابَ الكثيفَ،
أغطي الروحَ، والنزفَ، وضجيجَ الضلوعِ،
أغطي بداياتِ الجنونِ، ونهاياتِ العقلِ،
بموسيقاكِ أنتِ،
موسيقاكِ نغمةٌ ضائعةٌ،
بينَ نغمةِ الحياةِ، ونغمةِ الموتِ،
أريد أنْ أبحثَ عن نغمتكِ الضائعةِ،
بهذهِ الروحِ المريضةِ، بهذا الخيالِ المريضِ،
بهذهِ اللغةِ المستباحةِ بالذكرياتِ القديمةِ،
أيها الكائنُ، هذهِ جروحي جسرٌ ممدودٌ لعبوركَ،
أيها الكائنُ، رمادي نارٌ لشتائكَ،
أيها الكائنُ، موسيقايَ أنْ تلبسَ الطبيعةَ،
ويلبسَ قلبُكَ نبضَ المخلوقاتِ،
ووجهكَ يركضُ، ولا يصلُ،
وللهاثِ قدميكَ رئةُ الغزالِ·
صدى: تعالي أيتها العيونُ، تعالي
هذا البستانُ،