تحت سيقان الموتى تماماً،
ثمة أكوام هائلة من النشارة
بقلم: أنيس الرافعي *
القصة مثل غجري لا يعبر بلداً مرتين، لذا يجدر بأي قاص يحترم الطبيعة الزئبقية والمراوغة لهذا الفن الجميل الذي طالما كان طائراً لاجئاً في شجرة السرد، أن لا يكل من البحث عن المساحات الفارغة والأراضي غير المخذولة للتخييل القصصي.
وهذا ما قام به مع سبق الإصرار والترصد صاحب "موتى يقلقون المدينة"، لأن في عرف القاص السوري المبدع عمران عز الدين إذا اكتمل بهاء القصة لا تعود صالحة سوى للتمزيق، ولأن لا ﺃحد مثله بقادر على رش القلق على الحكايات والارتياب في المنطق الناظم لها.
والهدف: نجاة القصة بأي ثمن من ميتافيزيقا الوصول.
ومن هنا جاء هذا "الكتاب القصصي" المحكوم بتكرار موضوعتي الحلم و الموت، و الحضور المتعاقب لشخصية "عبد الستار" الفارزة التي نلفيها في غالبية إنتاج المؤلف، وتواتر السمات العجائبية بمختلف تنويعاتها، وهيمنة السخرية السوداء شديدة اللهجة، والمزاوجة بين لغة الداخل ولغة الخارج استناداً إلى التفات الضمائر وتعددية المنظور السردي، وتناظرات البناءات المعمارية التي وﺇن كنا لا نراها بيد أنها تحدد الشكل وطابعه لكونها تلحم العمود الفقري للـ "الكتاب" مثل العوارض الممسكة بالمباني شاهقة الارتفاع.. جاء منخرطاً في عمق الكتابة من داخل "شعرية الاختلاف"، ونأى بنفسه عن "شعرية المماثلة".
اختلاف مرّشد ومعقلن إذا صح التوصيف، لأن عمران عز الدين خلق لنفسه بسرعة وذكاء معاييره الخاصة في مجموعته البكر "يموتون وتبقى أصواتهم"، غير أن طريقة الكتابة في مجموعته هذه انتهت بتشكيل خطر على هذه المعايير ونسفتها لئلا يسقط عموديا في "النموذج".
وقد تأتى له هذا الأمر بلا جعجعة تجريبية فارغة و دون اللجوء إلى كسر العمود الفقري للحكاية. إذ عمد إلى دفن معرفته التقنوية تحت جلد اللغة وخاطهما في سبيكة واحدة، الشيء الذي أفضى إلى غياب غرز الخياطة التي غالباً ما نلفيها ناتئة على سطح النصوص التي تمارس التجريب بطريقة غير تجريبية وفي غياب العدة الأدبية الثقيلة الكفيلة بانجاز أمر جمالي حاسم من هذا الطراز.
وضمن ذات الأفق الملمع إليه، يتوجب الإلفات إلى خصيصة مهمة في مجموعة "موتى يقلقون المدينة"، هي "سردها البصري المسجل". والمفهوم هنا مستمد بتحوير بسيط من نظرية المخرج الروسي العظيم أندري تاركوفسكي في كتابه "النحت في الزمن"، لأن السرد في قصص عمران عز الدين مرتهن للوتيرة والشدة والاستمرارية، وهي اﻹواليات التي يوحدها مفهوم "الإيقاع". إيقاع للمحكي وللأسلوب وللذات الكاتبة يشتغل من داخل الزمن ويتحرك مثل حركة الكاميرا. و "كاميرا القاص" عندما "تسجل" سيرورة الوقائع والأحداث، تثبت تدفق الزمن وسيلانه، ليتحول إلى نقطة ثابتة في رأس أو لاوعي الشخوص، وعند انفراط النقطة تصل القصة إلى مرحلة الانفراج.
من دون ريب، لأن عمران عز الدين يعرف وصية خوليو كورتزار الداعية إلى "احتجاز الزمن، لأن كاتب القصص يعرف أن الزمن لم يكن في يوم من الأيام صديقاً وفياً له ".
وختاماً، يمكن القول بأن عمران عز الدين من خلال هذه اﻷضمومة، يعيد الكثير من اﻷلق والتميز لطفلة الأدب الصغيرة المشاغبة، لأنه استطاب اللعب في الضفاف المسكونة بالنسبي والهش بعيداً عن كل ما هو نهائي ومكتمل. ولكون مقترحاته وحدوسه الجمالية في " موتى يقلقون المدينة " هي سليلة " ما تمثله الظنون " لا " ما تناله العيون " كناية عن سعيه الدؤوب للانسلال خلف مصيره وعدم تقاعده عن مهنة البحث والسؤال وشحن قناديل الإبداع في كل مرة بزيت جديد.
في ﺃحد حواراته قال الكاتب الايطالي ﺃنطونيو تابوكي في معرض رد عن سؤال الكتابة: "لا توجد وصفات في الكتابة. إذا كان هناك نجار حكيم، اذهبوا عنده مساء قبل أن يغلق محله وانظروا في ﺃرض حانوته ".
وبالمثل.. سأدعوك أيها القارئ الكريم لتنظر إلى ﺃرض هذه المجموعة، تحت سيقان الموتى تماماً، فثمة أكوام هائلة من النشارة.
* قاص من المغرب
وقائع يوم الأربعاء
في القرية التي كان يقطنها ذات حرمان، كانوا ينعتون يوم الأربعاء بالشؤم، متوهمين بأنّ كلّ ما يقومون به في ذلك اليوم مآله الفشل، وربّما الموت أيضاً!.... هذا ما كان الأهلون موقنين به أباً عن جدّ، ولهذا راحوا يستشهدون بالكثير من الأدلّة المؤكدّة، فأبو بكر السمّان مات في دكّانه صباح الأربعاء، لأنّه ـ آنئذ ـ أعلن على الملأ بأنّ اعتقادهم هذا ينتمي إلى عالم الخرافات. أمّا أمينة، تلك الفتاة الصغيرة، التي خَالَسَتْ أبويها، واتّجهت صوب النبع لتشرب، فلقد لدغتها حيّة، وماتت من توّها!.. في حين أنّ الداية أم عبد الستار خرجت من البيت سهواً ربّما!.. كان هذا ذات أربعاء ممطر، وبعد أن أحكمت باب الكوخ في وجه الدجاجات، اختفت إلى الأبد!.. ثمّ ها هو عبد الستار يضيق بالقرية وأحاديثها، فهجرها، وسافر إلى العاصمة بقصد العمل، على إثر اختفاء أمه!.. ربّما دفعته جمل بعينها إلى اتّخاذ قرار كهذا، إذْ كانوا ينعتونه بالثور، جاء الثور... ذهب الثور... غاب الــ... أو نجح الـ... يااااا ثور!..
كعادتها، وعلى حين غرّة، ظهرت أم جابر، لتطالبه بالأجرة المتراكمة، وراحت تهدّد وتتوعّد إن هو تأخّر عن السداد، فتظاهر بالسكر، وأنشأ يترنّح ذات اليمين وذات الشمال، ما أخافها، ودفعها إلى الهرب نحو غرفتها، وهي تلعن الساعة التي جمعتهما!..
عاد إلى الغرفة، مغلقاً الباب وراءه، وتمتم:
ـ " إنها امرأة طاعنة في السنّ ووحيدة!.. ثمّ إنّها لا تطالبني بالأجرة إلاّ لأمر هامّ، كأن تشتري دواءها مثلاً !.."
توجّه صوب المغسلة، وبلّل كفيه، ثمّ مسّ بهما أرنبة أنفه، ليستعمل المنشفة بعدها. راحت النافذة تناديه، فوضع يده في جيبه، ليخرج علبة التبغ، ويشعل لفافة، ثمّ قذف بنثار التبغ العالق بشفته السفلى، وسحب نفساً طويلاً، فيما غاصت سحنته في صدى همس مديد:
ـ " إلامَ ستطالبني هذه العجوز الشمطاء بالأجرة؟..!.. أليس هناك حلّ؟..!.. حَتَّامَ سأردّد " لو كان.."، وأزدرد ريقي متحسّراً ؟..!.. "
كانت الــ "لو" في طريقها لأن تضعه على طريق الجريمة!.. إنّها ـ على ما يبدو ـ آخر الحلول التي وقع عليها ذهنه!.. وستكون أم جابر اختياره الأوّل!.. ذلك أنّه كان قد وضع يده بشكل ما، على دليل قاطع بأنّها تنام على ثروة كبيرة!.. إنّه موظّف صغير، وراتبه لا ينهض بأعباء معيشته!.. إنه عاجز عن التحصّل حتى على لفافات التبغ.
لقد قدم إلى المدينة منذ أمد، إذْ ما الذي يمكنه أن يقوم به في القرية بشهادته التي حملها فوق كتفه وزراً؟..!.. ألم تمنعه الظروف من إكمال تعليمه العالي، فاكتفى بالثانوية، وراح يعمل تحت خانتها، ثمّ ها هي المدينة تسخر من أحلامه الريفية، وتضرب بها عرض الحائط!.. إنّه الآن تحت رحمة ضجيجها، الذي يثقل على المرء بالهموم، ويغتال الأماني النائيات، التي أضحت في حكم الغيب. رباه!.. أيّ شوق هذا الذي ما فتئ يحفر في النفس، إنّه يحنّ إلى أيام القرية الوادعات.. إلى طبيعتها الهادئة والخلابة... سهراتها البريئة... سقاية المزروعات، وأيام الحصاد. آنئذٍ كان الاستيقاظ على زقزقة العصافير ضرباً من الإدمان، فأين هذا كله من هذه المدينة الملعونة، التي لم تورثه إلا الهمّ والوجع ؟..!.. كلّ هذا في جهة، وخديجة في جهة، آه يا بنة المختار، لقد اشتاق المهر الصغير إلى ذلك الوجه الصبوح.... إلى تلك اللحظات التي سرقاها في غفلة عن الأعين، هناك تحت أغصان صفصافة تدلّت أغصانها نحو بركة، راحت تتوسّط أرضاً، كان الأب يملكها، إنّه الرجل ذاته الذي ضبطه ذات يوم متلبساً، إذْ أمسك به في اللحظة التي كان يقطف فيها قبلة من خدّ الصبية، وها هي لحظات التعذيب والإهانة والضرب، تحضر بتفاصيلها المهينة، من غير أن يستطيع شيئاً حيال اللكمات المتتالية وعصا الخيزران. أما كيف تصادف مقتل كلب الحراسة على يديه بوساطة حجرة، حملها ـ آنذاك ـ ليدافع بها عن نفسه، فهو نفسه لا يدري كيف حصل ما حصل. ومن يومها راح أهل القرية يردّدون وسمه بالثور، بعد أن نعته المختار بهذا الاسم. لكنّه سيعود... عليه أن يعود حاملاً مهر خديجة، ليزفّها إليه، وليصحبها معه إلى المدينة.
ارتفع مواء قطّ حزين، فتوقّف سيل الذكريات، ورنا إلى الساعة، التي كانت تشير إلى الحادية عشرة، لقد حان الوقت الذي حدّده لتنفيذ ما راح يخططّ له على مهل!.. "سامحيني يا أم جابر، إذْ إنّ سعادتي ـ على ما يبدو ـ مرهونة بموتك، فالحياة لا تحتملنا معاً!.." كان يتمتم بهذه العبارات، فيما كانت قدماه تنسحبان متسلّلتين إلى غرفة أم جابر، هناك فوق السطح، لكنّه ما لبث أن ابتعد عن المكان!.. هو لا يستطيع أن يكمل ما بدأه في ذهنه!.. فابتعد نحو غرفته بسرعة، وأشعل ضوءها، اقترب من المرآة، فعكست له وجهاً شاحباً، يعلو هيئة رثة، لم يكن لهذا كلّه معنى أو جدوى، وداهمته رغبة عارمة في النوم، فأطفأ النور، واستلقى على فراشه، ثمّ ما لبث أن غطّ في نوم متقطّع.
وعند الصباح، سيستيقظ عبد الستار، ليتفاجأ بأنّه قد انقلب إلى ثور صغير، فتركبه الدهشة، ويبدأ بشدّ شعره وقرص جسده، على أمل أن يكون ما يحدث له حلماً سمجاً!.. كان الأمر يفوق طاقته على التصوّر، لكن الإسطبل المعتم برائحته الحريفّة، التي جمعت نفاذ البول إلى بذاءة البراز، وشميم العلف، ما يسيل له الأنف، أكدّ له أنّ ما يتعرض له واقعي إلى درجة العري الصفيق!.. فاندفع نحو النافذة ليفتحها، لعله يبصر أحداً، لكنّه تفاجأ بملعب واسع تتسابق فيه الثيران، كانت الناس تهتف بوحشية، فحاول أن يصرخ مستنجداً، علّ أحداً ما يأتي لنجدته، وكان أن تفاجأ بالصوت الذي صدر عنه على شكل خوار أبحّ أخرسه تدريجياً، ثمّ اختار أن يمشي، ومرة ثانية تفاجأ بأنّه لا يملك إلاّ أن يتقدّم على قوائم أربعة، بعدها سيحشر نفسه في زاوية ضيقة، ربّما لأنه كان يخشى افتضاح أمره، وبمرارة المغلوب على أمره سيجهش بالبكاء.
طويلاً.. طويلاً سيمكث هكذا، وسيحرص على ألاّ تصدر عنه أي نأمة كي لا يلفت إليه الأنظار، لكنّ الخدر سيركبه، ويتحرّك رغماً ليمنح دورته الدموية فرصة أن تتجدّد.. كانت مثانته قد امتلأت، فامتدّت يده بشكل لا إراديّ إلى أزرار بنطاله، وندّت عنه آهة حرّى. كان طنين الذباب حول ذقنه بإلحاح مزعجاً له، تماماً كحال الحشرات التي أخذت تحوم حول مؤخّرته، ولم يكن ثمة بدّ من استخدام لسانه الطويل إلى جانب ذيله المنتفض في إبعادها. وعلى إثر ذلك، سيفتح باب الإسطبل، وكما لو كان في حلم، سيدلف رجل متدثّر بجورب أسود يخفي ملامحه، ويطلب إليه أن يتبعه إلى الخارج، لكنّه سينكمش متكوّماً على بعضه... ومنذ تلك اللحظة سيختفي عبد الستار إلى الأبد!...
* *
لمن تبتسم الملائكة؟..!..
عاد مدير الدائرة، الدائرة التي أعمل فيها كموظّف، من الحجّ. كان قد نهب أموالها، وكتب بخطّ عريض على باب بيته الكبير: "هذا من فضل ربيّ ". لم أذهب مع طاقم الموظّفين لتهنئته بالعودة سالماً، كنتُ مرهقاً، متعباً، تخشى الذبابة أن تقترب منّي، لكنّني أبليت بلاء حسناً في تغطية غياب الجميع، وإدارة أمور الدائرة. تنهّدتُ وأنا أمتطي "السرفيس"، رفض "المعاون" أن يأخذ الأجرة مني، وراح يدسّ قطعاً نقدية في جيبه، عندما وصلت، أعلمتُ السائق بسرقة "المعاون" من الغلّة، إلّا أنّه لم يأبه للأمر، ربّما لأنّه كان مشغولاً بالحديث مع زوجته من جوّاله!..
عندما وصلت إلى الحارة، كانت الناس تغذّ الخطى نحو المسجد، فاعتقلتني الدهشة، ذلك أنّ يوم الجمعة ما يزال بعيداً، حتّى بدا المشهد شبيهاً بمشهد الحشر، كان البعض منهم يصلّي تقرّباً لله، والبعض الآخر لمآرب أخرى، ربّما... ليوهموا الناس أنهّم شرفاء مثلاً، وانغمستُ بينهم، لأتفاجأ بـ "تابوت"، زالت دهشتي قليلاً، وسألتُ أحدهم:
ـ من الميّت يا أخي؟....
غير أنّه لم يكلّف نفسه عناء الردّ، فجأةً ارتفع صوتُ الخطيب:
ـ يا أمّة الإسلام.. لقد مات بالأمس ابن حارتكم عبد الستار بن محمّد بن محمود، فعلى من يرغب منكم في الصلاة عليه، التوجّه إلى المسجد، قبل أن يوارى جسده في التراب. ليُنهي نداءه بخشوع ما بعده خشوع، ثمّ راح يتضرّع:
ـ ليغفر الله له ولنا ما تقدّم من ذنوبنا وما تأخّر!..
وعادت الدهشة تحتلّني، فتمتمتُ مُستغرباً: ولكن هل يوجد في حارتنا شخص آخر يحمل الاسم ذاته، الذي أحمله أنا؟.. غريب!.. لم يكن قد سبق لي أن سمعت باسم مطابق لاسمي بين سكّان الحارة !.. واشتدَّ الهرج بين المتطوّعين للصلاة على الميت. وقال أحدهم:
ـ لقد كان كريماً !..
فيما همي آخر بصوت خفيض:
ـ بل كان مُعقّداً !..
وعقب ثالث:
- لقد كان شكّاكاً، يوسع زوجته الضرب ليلاً ونهاراً!..
أمّا أبو حسن السمّان فقال متحسّراً:
ـ لقد استدان منّي مبلغاً كبيراً، وأردف بمرارة:
ـ وربّما سرق من محتويات الدكّان ؟..!..
في حين راح أخوه يؤكّد:
ـ زوجته ما زالت شابة، ستتزوّج عشيقها بعد موته، لقد ارتاحت المسكينة منه!..
سقطتُ على الأرض، مغشياً عليّ من هول الصدمة، ثمَّ بعد أن استعدتُ وعيي، اقتحمتُ الجمهرة، ووقفتُ أمام الخطيب وجهاً لوجه:
ـ أنا لم أمت يا شيخ، وهأنذا أمامكَ حيّ أُرزق.
لكنّه لم يرد، كانت نظراته مصوّبة على الجسد المسجّى، وهو يتمتم بأدعية وآيات متفرقة من القرآن، فصرخت فيهم محتجّاً:
ـ يا ناس... يا هووووه.!.. صدّقوني.. أنا ما زلتُ حيّاً.
ثمّ أنهلتُ عليهم بالضرب، قرصتهم، شتمتهم بغير جدوى، أخيراً.. وبعد أن نأيتُ عنهم قليلاً، واقتعدتُ الرصيفَ، تذكّرتُ بأنّ إخوتي تقاسموا ليلة البارحة أموالي فيما بينهم، كنتُ كالمشدوه، إلاّ أنّهم لم يعيروني أهمّية، ثمّ انصرفوا إلى بيوتهم، أما زوجتي فراحت تستحمّ وتغنّي بصوت عالٍ، وسألتها:
ـ ما بال إخوتي فيما أقدموا عليه ؟..!..
بيد أنّها لم تردّ عليّ هي الأخرى، ثمّ اتّجهت نحو غرفة النوم، انتصبت كشجرة خريفية أمام المرآة، لتنشّف جسدها، تعطّرت، وسرّحت شعرها، ثمّ أزالت الشعر من تحت إبطيها، وأطفأت النور، لتشعل شمعة كنتُ قد اشتريتها منذ يومين، كي نحتفل بعيد زواجنا الأوّل. طرقَ أحدهم الباب، ركضت وهي تحلّق كفراشة لتفتحه، استقبلت ضيفها بالقبل والابتسامات، دلفا إلى غرفة النوم، رقصا على أنغام الموسيقى، تعرّيا، قبل أن يمارسا الجنس، أمسَكْتُهَا من شعرها قائلاً:
ـ أيّتها العمياء.. ويلكِ من ربك.. الآن ـ فقط ـ انكشفتِ على حقيقتك!..
كانت شكوكي في محلّها، صفعتها، لكنّها لم تعرني اهتماماً، بل خرّت كدجاجة تحت عشيقها، الذي كان يئنّ كخنزير شبق!..
بعد أن أمضيا معاً ساعة من الزمن، كان وقعها كدهر عليّ، فرّ ذلك الخنزير إلى الخارج، متأبّطاً بنطاله، وهو يصفق بعنف باب البيت وراءه. ركضتُ كي أنالَ منه، بصقتُ على وجهه، لكنّه أكمل طريقه، وهو يحشر رجليه في بنطاله، عدتُ كي أعاتب زوجتي الفاجرة لكنّها كانت قد ولجت الحمّام مرّة أخرى، كي تغتسل ثانية، فأخذتُ سكّيناً قاطعةً من المطبخ، وتوجهتُ صوب الحمام، صرختُ في وجهها، كانت ما تزال تتأوّه، ترتعش، وهي تمرّر أصابعها على المناطق المثيرة في جسدها، اقتربتُ منها، وبعنف وغلّ زرعت السكين في بطنها، سالت دماؤها كالطوفان، شعرت بتشفٍّ وأنا أغسل عاري، لكنَّ نشوتي بغسل العار لم تطل، إذ إنّها خرجت من الحمام، نشفت جسدها، وانزلقت في سريرها، وسرعان ما غطّت في نوم عميق.
اندسست في السرير بالقرب منها، أحكمت كلتا يديّ على رقبتها، قلتُ سأخنقها، لكنّها لم تبدِ وجعاً، ولم تصرخ !..
ماذا يجري ؟..!.. تمتمت وأنا أكتم غيظي، ثمّ غادرتُ ذلك البيت الملعون، خرجتُ إلى الشارع، كان الظلام حالكاً، والجوّ بارداً، وقفتُ بالقرب من رجل استقلّ سيارة أجرة، حشرتُ جسدي معه في تلك السيارة، دار بين السائق والرجل حديث مخيف، تطرّقا فيه إلى سارقٍ، استولى برفقة بعض من أصدقائه، بعد أن قتلوا الحارس، على بنك في مركز المدينة، ثمَّ سلبوا الأموال الموجودة فيه. وفي غمرة الحديث، سحب ذلك الرجل مسدّساً من جيبه، أمر السائق أن يتوقف عن قيادة السيّارة، وعندما توقف، أفرغ رصاصاته في رأس السائق، حاولتُ ثنيه، لم أستطع، خرّ السائق على الأرض، مُضَرّجاً بدمائه، وهرب ذلك الرجل بعد أن واراه في التراب، قلتُ له وهو يُسرع في قيادة السيارة:
ـ توقف هنا... سأبلغ عنك الشرطة.
لكنّه واصل القيادة وهو يدخّن بشراهة، كأنّ شيئاً لم يكن !..
نزلتُ من السيارة محدودب الظهر، عدتُ مهرولاً إلى الحارة، وأنا أكاد أنهار ممّا حدث، لمحتُ دكّان أبي حسن السمّان مضاءة، اتّجهتُ صوبها لأرتاح عنده قليلاً، وأفضي إليه بما يعتلج في نفسي، لكنّه لم يكن موجوداً، بل كان أخاه الذي يصغره مع صديق له، أعرف هذا الأخير تماماً، كان قد خرج من السجن منذ بضعة أيّام، بعد أن أنهى مدّة السجن التي كان قد حوكم على أساسها، إذ تمّ القبض عليه في وضع شائن، وهو يغتصب ابنة إمام المسجد، التي كانت تحبّه، وتُصرّح لزوجتي كلّ يوم بحبّها له. سألته عن أخيه أبي حسن، أن أين هو الآن ؟.. لكنّه لم يردّ عليّ أيضاً، وبدأ هو وصديقه بوضع محتويات الدكّان في كراتين وصناديق، ثمّ قاما بوضعها في سيارة، أطفأا النور، وغادرا المكان سريعاً !..
عدتُ إلى البيت، فتحتُ الباب، كانت زوجتي ما تزال نائمة، تشخر شخيراً متتابعاً، مصدرة صوتاً كصوت قطار متعب من طول الخدمة. فيما كانت ابنتي الصغيرة مستيقظة تبكي بشدّة، فحضنتها برفق وقبّلتُ خدها.
فتوقّفتْ عن البكاء، وابتسمتْ في وجهي المبلّل بالدموع!..
**