صفحة 1
مقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. الرحمة المهداة وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته ومن والاه.. وبعد
إن مفهوم الوحدة والتعايش يعد اليوم من ضرورات الأمن القومي الإسلامي بعد تصاعد حالة التوتر الطائفي والعرقي بين الفصائل والأطياف العرقية والدينية والمذهبية الموجودة على الساحة الإسلامية، لاسيما بعد أحداث نيويورك في مطلع هذا القرن، واستثمار تلك الأحداث الخطيرة لاتهام المسلمين عموماً بالتطرف والإرهاب، واستثمار تلك الأحداث لشن الحرب الشاملة على الكثير من الدول والشعوب الإسلامية بدعوى مكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه، والأهم من كل ذلك الدور المشبوه لبعض القوى العالمية الخفية، لإثارة المشاكل والفتن الطائفية والعرقية بين المسلمين وبشكل مكثف وملفت للنظر لمن لديه أدنى حد من الوعي السياسي، وكذلك تشجيع الصراع والصدام الإعلامي والثقافي والدموي داخل مكونات الأمة، ومحاولة تأجيج حالة التوتر الطائفي والعرقي بيننا، لإشعال الحروب الأهلية والصراعات الدموية في أكثر من بقعة في أرجاء العالم الإسلامي، واستثمار الورقة الطائفية لتنفيذ المشاريع المعادية للعرب والمسلمين، لخدمة المشروع الغربي الاستعماري الجديد تحت ستار نشر الحرية والديمقراطية في العالم العربي ومحاربة الإرهاب الإسلامي، وفرض مفردات العولمة الغربية بأذرعها الثقافية والاقتصادية والسياسية والأمنية، بعد تفتيت الدول الإسلامية وتجزيء المجزأ منها، وفق آلية سايكس بيكو جديدة، وحسب مشروع الشرق الأوسط الاستعماري الجديد.
كل ذلك التكالب المتعاظم للتوجه الاستعماري الجديد يدعونا إلى التفكير بجدية ودقة في الملف الطائفي وسبل إرساء قواعد الوحدة والتعايش البنّاء بين المسلمين في عالم اليوم المليء بالتحديات والمتناقضات والمؤامرات التي تحاول أن تنخر في جسد الأمة المتخلف الضعيف، فضلا عن حالة الوهن والعجز التي يعاني منها العرب والمسلمين اليوم بسبب انسياقهم مع تلك التوجهات والتحالفات، سواء كان ذلك بسبب جهلهم وتخلفهم وضبابية الرؤية لقادتهم ومثقفيهم للواقع السياسي المعاصر، أم بسب الاختراق والعمالة والتبعية لبعض الكيانات الهزيلة التي تم زرعها هنا وهناك في أرجاء العالم الإسلامي على مستوى الفرد والأحزاب والجماعات وربما الحكومات أيضا، بحيث أصبحنا اليوم ندور في خضم فتنة مدلهمّة ظلماء يكاد يكون فيها الحليم حيران من شدة التداخل والتشابك واختلاط الأوراق بين أهل الحق والباطل، وشدة تكالب وتداعي الأمم علينا تماما كما أخبرنا المصطفى (ص) في الحديث الشهير الذي يقول فيه: يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، وليذهبن الله المهابة من قلوب أعدائكم لكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت.(رواه أصحاب السنن).
صفحة 2
وهل هناك وهن أكثر من الوهن والعجز الذي يعيشه المسلمون اليوم، وهل هناك ذلّة أكبر من تلك الذلّة التي نتجرّعها اليوم، بحيث أصبحنا نُغزى في عقر دارنا ونهان بين أهلينا ولا نحرك ساكنا، وتنتهك الأعراض ويقتل الأطفال والنساء والشيوخ في مدننا وقرانا ونحن غائبون وغافلون وباهتون، لا نكاد نصل إلى حالة الوعي في حده الأدنى أو حتى حالة الحمر المستنفرة التي تفر من قسورة الصياد الفاتك والجلاد الذي يريد ذبحنا تباعاً أفراداً وجماعات على مسلخه الخبيث، بل قد نفاجأ أحياناً وفي صور أخرى لإدارة الصراع الدموي الداخلي بين بعض المتخلفين والمتشددين منا، ممن لا يؤمن بشرف الخصومة وقواعدها الإنسانية والحضارية، فنسمع ونرى - في أحيان أخرى - من يقتل على الهوية والاسم واللون والعرق سواء بسبب الانتماء الديني أم العرقي أم المذهبي وبإغراء وتشجيع من الخصوم وتحريض من أعداء الأمة التقليديين الذين يريدون لها السوء ويتربصون لها الدوائر. كل ذلك يجري ويحدث ونعيش أحداثة ومسلسل حلقاته المريرة، دون أن نعتبر ونعي حجم المأساة أو نعود إلى الحق وتحكيم شرع الله والاعتصام بدينه وتعاليمه المنيرة، وفي مقدمتها مفهوم الوحدة والتوحيد والسلام والتعايش والأخوة التي جاء بها إسلامنا الحنيف.
ولعلي حين نظرت إلى واقعنا المعاصر وعشت ردحاً من الزمان أرى الأمة تجتر فتن الماضي ومآسيه دون أن تأخذ العبرة من التاريخ كما يقول الحكماء، وحين استقرأت التاريخ الإسلامي واطلعت على مفاصله المهمة، وجدت فيه العديد من المشاهد المضيئة والمحطات المنيرة والتوجهات الخيرة، التي تدعو إلى الوحدة والأخوة والتعايش الايجابي وإفشاء السلام، ليس بين المسلمين فحسب وإنما مع الأمم والأديان الأخرى، سواء في عصر النبوة الزاهر وما تلاه من العصور الإسلامية المنيرة التي كان القرآن الكريم فيها هو الموجّه والمحرّك لثقافة العالم وحضارته قبل أن تنكفئ وتنطفئ جذوته ويخبو نوره، بسبب معاصينا وابتعادنا عن الرسالة الإلهية ومسؤولية حملها إلى البشر كافة كما أمر الله سبحانه في كتابه العزيز.
ولعل آخر تلك المحطات والمشاهد الحاسمة والمؤتمرات التي دعت إلى الوحدة والتقارب المذهبي بين السنة والشيعة، هو مؤتمر النجف الذي حدث في نهاية الصراع الطائفي الطويل الذي أثير بين الصفويين والعثمانيين قبل أكثر من قرنين ونصف، وقد وجدت فيه - كباحث في الملف الطائفي - الكثير من المقررات والمفردات التي كانت تدعو إلى الوحدة والتعايش البنّاء وإقرار شرعية الآخر وحقه في الحياة وبناء حضارة القرآن دينيا وفكريا واجتماعيا وسياسيا، دون تقاطع مع الطرف الآخر ولا إلغاء أو إقصاء لدوره أو اجتثاث لوجوده، كما يدعونا السلوك الحضاري والأخلاقي قبل الوازع الديني، لتحديد العلاقة بين أي طرفين مختلفين على الأرض، أو بين الأطراف والفرقاء مهما كثر عددهم أو تنوعت ماهية اختلافاتهم، لان الإسلام في جوهره وتعاليمه الإلهية يقرّ الاختلاف والتنوع وتعدد الاجتهاد والصواب بل يقرّ التعايش الفكري والاجتماعي بين المختلفين، بل حتى بين فكرين متناقضين ومتعارضين، ويفضل الحوار والدعوة بينهما بالتي هي أحسن وترك حسابهم وتسوية خلافهم الأساسي والجوهري إلى الله في يوم الدين.
صفحة 3
قال تعالى: ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم(1) وقال: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله ..) ولكن في الوقت نفسه لم أجد حدثا تاريخا أسيء إليه وأسيء فهمه، كما حدث مع حادث مؤتمر النجف سواء في وقت انعقاده أم في محاولة نشره وعرضه على المسلمين خلال العقود الأخيرة، بحيث تم إجهاض ثماره وأهدافه الوحدوية في الحالتين لأسباب سنأتي عليها لاحقاً.
ولقد كان يراودني -منذ سنين- أن أقوم بإعادة نشر هذا المؤتمر الفريد والمهم في تاريخ الأمة، وفق المسطرة القرآنية والمنهج الوحدوي المحايد، بعيدا عن التكلف والتشدد والإدانة لهذا الطرف أو ذاك، وقد تشرفتُ سابقاً بإخراج كتب ومقالات عديدة في موضوع الطائفية وسبل علاجها، والدعوة للوحدة والتقارب بين المذاهب الإسلامية، لاسيما مذاهب الجمهور والإمامية، محاولاً إعادة صياغة وتحقيق كتاب مؤتمر النجف الذي نشره السيد محب الدين الخطيب في الخمسينات من القرن الماضي، والذي جرت أحداثه على أرض النجف والكوفة( ) وذلك قبل قرنين ونصف من الزمان تقريباً، وبالتحديد في 22 شوال سنة 1156هـ الموافق 11/12/1743م، بين جمع من العلماء الأفاضل من السنة والشيعة برئاسة علامة العراق المعروف آنذاك السيد عبد الله السويدي، الذي دوّن وقائع هذا المؤتمر ضمن آثاره ومذكراته. ولقد وجدت هذه الرغبة في الشروع بالتحقيق للضرورات أعلاه، وبعد أن تغير الحال والواقع الذي كان يعيشه المسلمون في منتصف القرن الماضي حين خرج الكتاب بتحقيقه السابق.. وقد كان النفس المتشدد ما يزال مسيطراً على بعض الكتاب المسلمين من الطرفين، ولم تكن نوايا الوحدة والتقريب المخلصة قد تبلورت وانتشرت بعد بين المسلمين، فكان الكتاب على أهميته قد استخدم لإثبات خطأ المنهج الإمامي أمام منهج الجمهور، وكأنه إعلان عن انتصار للسنة على الشيعة، وليس لبث روح الوحدة والتقارب والدعوة إلى الوفاق والأخوة الإسلامية والتعايش البناء بين المسلمين، ومحاولة تصوير المؤتمر الذي أقيم على أرض النجف وبحضور علماء من الفريقين بأنه سني الطابع والأهداف، على الرغم من أن الواقع الفعلي كان يشير إلى حقيقة مهمة في أن أكثر المشاركين في المؤتمر كانوا من الشيعة سواء علماء النجف وكربلاء أم العلماء الذين حضروا مع السلطان نادر شاه راعي المؤتمر والداعي له – كما سنرى ذلك من خلال سرد أحداث المؤتمر - وكما رواها الشيخ عبد الله السويدي نفسه في مذكراته، فحاول الناشر تصوير المؤتمر – مع الأسف - على انه نصر وغلبة لأحد الفريقين على الفريق الآخر، ولذلك وجدنا ردة الفعل المتوقعة قد ظهرت في الجانب الثاني على شكل كتاب متشدّد النزعة والتفاصيل يدعو إلى تكريس المستحدثات والمكفرات والبدع التي كانت سائدة أبان الصراع الصفوي العثماني وتعميقها بين المسلمين، وكان يحمل اسم (مؤتمر علماء بغداد)، وقد نشر هذا الكتاب بعد كتاب مؤتمر النجف وكان رداً طبيعياً عليه، مصوراً ذلك المؤتمر المفتعل كأنه انتصار للشيعة على السنة، وقد مُلأ – مع الأسف - بالسب واللعن والطعن في كبار الصحابة وازدراء الجيل النبوي الشريف ومحاولة الحط من شأنه. وقد حاولنا تحليل بعض فقرات هذا الكتاب المنحول بطريقة علمية موضوعية في النصف الثاني من البحث، وحاولنا تبيان تناقضاته وأوهامه وركاكة طرحه، وكونه صنع وفق آلية رد الفعل المتشدد لنشر كتاب مؤتمر النجف بالطريقة المتشددة التي أشرنا إليها، بما لا يخدم منهج والوحدة ولا يفتح المجال للحوار الودي والتقارب والتسامح والتعايش الإسلامي الذي هو هدف المسلمين بكل مذاهبهم وأطيافهم من أجل إرساء قواعد الوحدة والسلام على الأسس القرآنية القويمة.
صفحة 4
وقد تم بحمد الله تحقيق متن كتاب مؤتمر النجف والتعقيب على بعض أحداثه، توضيحاً للمبهم منها وإسنادا لروح الوحدة والتقارب المذهبي وخدمة للدين والعلم، كما قمنا بالتصرف في جزء يسير ومحدود سواء بالتعقيب والإضافة أم حذف بعض الفقرات التي تحتوي على إطالة مملة وغير ضرورية أو تحاور غير مجدي لا يخدم الهدف الأساس للكتاب، لكي يعيش القارئ مع أحداث هذا المؤتمر الفريد، الذي كان -برأيي- قد وضع النقاط على الحروف في موضوع التعايش البنّاء والوحدة الإسلامية، وذلك بتأكيده على ضرورة إزالة المستحدثات والمكفرات التي شاعت بين المسلمين في القرون الأخيرة بسبب الصراع الدموي بين الصفويين والعثمانيين الذي دام ثلاثة قرون تقريباً. وأثر هذا الصراع في بلورة الطائفية وتعميق روح التشدّد والتعصب بين المسلمين، والتأطير والتنظير والتأصيل لتلك المستحدثات والعقائد المكفّرة والدخيلة على جوهر التشيع والتسنن، والفتن التي واكبت ذلك الصراع المرير خلال حقبته الطويلة( ).
ولعل البعض يسأل عن آلية الوحدة والتعايش والأخوة الإسلامية التي يمكن أن تعتمد بين الطرفين، كبديل عن آلية التكفير والتشدّد والتقوقع التي سادت في العصور الأخيرة( ).
إن منهجية التصحيح والتنقيح وإعادة كتابة التراث الإسلامي يمكن أن تتم على مراحل عديدة قد تصل إلى عدة عقود من الزمن، ويمكن أن يستمر التصحيح لدى الفريقين بصورة منفصلة ومتوازية، أي أن يعتمد التصحيح على ذاتية التصحيح وفق المنظور القرآني الوسطي حتى إذا اقترب التصحيح من مراحله النهائية يمكن عندها تداخل التراثين وامتزاجهما (أي ربما يحتاج الأمر إلى خمسين سنة أو أكثر) لكي نبعد الفريقين عن الجدل العقيم ولكي نلمس عملياً صدق توجه التيار الوسطي لدى الطرفين، ولفظه للمستحدثات التي طرأت على التراث( ).
إن هذه الآلية المقترحة التي تستند على تعاليم القرآن والسنة الصحيحة، وتعتمد على التصحيح وإزالة المكفّرات كمقدمة للوحدة والتعايش الإسلامي، ومؤطرة بروح الأخوة والتسامح والسلام الحق وإنهاء حالة الصراع بكل أشكالها.. ستضمن لنا – إن شاء الله - العمل المثمر لخدمة الإسلام وإحياء رسالته العظيمة لنشر حضارة القرآن الكريم في ربوع الأرض والحياة في ظل كتاب الله العزيز.
صفحة 5
ولعل طول الزمن والمرحلية في آلية الوحدة والتقريب القرآنية مهمة في بناء إعلام إسلامي وسطي مشترك وتكوين رأي عام إسلامي مشترك أيضاً لتعزيز الوسطية ومكافحة الغلو والتشدد والتكفير الذي لا يأتي بخير للفريقين، ومن خلال الجهود المخلصة والمتراكمة للدعاة والمفكرين والتربويين والقادة عبر الزمن، وذلك لأننا لسنا في حال معالجة فكرية واعتقادية فحسب، بل هي أيضا معالجة نفسية واجتماعية كذلك، لاجتثاث النفس الطائفي والمتشدد لدى البعض من الفريقين، والمعشعش في النفوس منذ قرون مصحوباً بذلك الركام الهائل من الروايات السوداء المدسوسة والمستحدثات والمكفرات التي أقحمت في التراث لتغذي الصراع الدموي المرير، والتي لابد من اقتلاعها من الكتب الصفراء والنفوس المتعصبة سواء بسواء، لكي نعيش في ظل تعاليم القرآن وهدي النبوة وأنوار السلف الصالح من الآل والأصحاب.. في الواقع نحن بحاجة إلى نوع من فترة النقاهة النفسية، وإلى ما يشبه مصطلح التيه القرآني( ) الذي دام أربعين عاما في حياة بني إسرائيل والأمم السابقة، لكي يظهر جيل أكثر استعداداً لتحمل هذه الرسالة وإزالة ذلك الركام الذي سطّر في الكتب وعلق في الأذهان بما يشبه الأدغال والأعشاب الضارة والسامة التي نبتت في تراث الأمة عبر القرون. ولعل مثل تلك الآلية أو جزء منها نجدها واضحة في مقررات هذا المؤتمر الفريد والجهود التي بذلها العلماء والكتاب والقادة قبله وبعده.
لقد انبت الصراع الصفوي العثماني الكثير من المستحدثات والمكفرات لتبرير استمراره وتغذيته فكرياً وعقائدياً، وهو صراع كما نعلم الآن لم يخدم إلا أعداء الأمة وخصومها، وقد جعل الطرفان المتخاصمان من أرض الرافدين المسرح الأساسي لذلك الصراع المرير. مما أورثنا شيئاً من ذلك الإرث الطائفي، الذي لابد من التخلص منه وإلغاء أثره في الأفكار والنفوس والتراث. لذا فقد نكون معنيين نحن العرب أكثر من غيرنا في تطبيق آلية التصحيح والتقريب القرآنية سعياً إلى الوحدة الإسلامية المنشودة والتعايش الضروري لإرساء دعائم السلام في ربوع المجتمع الإسلامي.
لقد فرض الشاه إسماعيل آلية التكفير والتعصب وسب الشيخين وغيرها من المستحدثات، وأصدر العثمانيون كرد فعل لذلك التوجه فتاوى التكفير وإباحة الدماء والأعراض والأموال واحتقار التراث الإمامي عموماً، ولسنا مضطرين اليوم للأخذ بذلك الإرث الغث والركام الأسود، ولنا البديل الأفضل في تراثنا الإسلامي في عصور الإسلام الأولى حين كان العرب لغة وفكراً وحضارةً ونظاماً هم الذين يحكمون العالم الإسلامي، فالقرآن عربي والتسنن والتشيع عربي المنبت والأصل، فعلام ندخل في صراع فرضه الأعاجم – مع اعتزازنا بالمسلمين المخلصين منهم - على أنفسهم في العصور المتأخرة، حينما استبعدوا دور العرب القيادي ولغتهم وحضارتهم وتراثهم المستلهم من هدي القرآن والسنة ومن الوحي المعصوم، ليس هناك أدنى مبرر لترك ذلك التراث المنير والثر، تراث القرآن والسنة والسلف الصالح، والاسترشاد بذلك الركام الأسود والتراث الأسطوري الذي أفرزته عصور الفترة المظلمة وإرهاصات الصراع الدموي بين الصفويين والعثمانيين.
صفحة 6
إن إزالة المستحدثات الطائفية والعثمانية وإزالة المكفرات ليس فيه تنازل من أحد الفريقين إلى الآخر. وإنما هو عودة هادئة إلى المنبع الأصيل، إلى التراث الصادق إلى القرآنية وفق أصول المذهب الموجود لدى كل طرف، إنها عودة إلى العقل والمنطق والرشد والمصلحة العليا والسلام الحق، بعيداً عن الجدل العقيم والصراع المحموم الذي يخططه الأعداء لنا. فلا يستدعي ذلك ردة فعل إلا من خصوم وأعداء الإسلام. ولقد تآمر الأعداء على هذا الدين بشتى الصور والأشكال ومنها رعاية الصراع الطائفي الطويل بين الإيرانيين والعثمانيين( ) ولعلهم مازالوا يحلمون باستخدام الورقة الطائفية وتفجير الصراع الطائفي بين السنة والشيعة في المشرق الإسلامي، وإيجاد كافة الذرائع والدسائس لزيادة التوتر الطائفي وإغراء طرف ضد طرف آخر بمختلف السبل والوسائل المتاحة.
لقد بدأ الصراع السياسي مع العلويين -ومنهم أئمة أهل البيت- في العصر الأموي، فلماذا نقحم العصر الراشد في هذا الصراع، وقد كان الإمام علي الوزير الأول في عهد الخلفاء الراشدين الثلاثة، وقد كانت أواصر الأخوة والنسب والمصاهرة والجهاد المشترك هي السمة البارزة في حياة الآل والأصحاب، حتى بعد الفتنة والحروب التي ساهم في إثارتها الأعداء والغلاة داخل الصف المسلم، كما إن القرآن الكريم يثبت لهؤلاء الصفوة من الآل والأصحاب، أفضل الخصال والخلال ويؤكد روح المحبة والأخوة التي سادت بينهم ورضا الله عن عنهم في الكثير من آياته( ). فترك سب الشيخين هو الذي ينسجم مع التشيع العلوي الأصيل، ويتعارض فقط مع التشيع الصفوي الدخيل.
كما أن تبادل التهم في مقولة تحريف القرآن، هي دعوى طائفية ظهرت في العصور المظلمة المتأخرة، فإذا كان الفريقان قد اتفقوا على صحة القرآن المطلقة وعدم تحريفه وتبرؤا من التحريف، فالواجب الشرعي والأخلاقي الملقى على عاتقهم هو تطهير التراث وكتب الحديث من الروايات المدسوسة التي تثبت التحريف، ففي التراث الإمامي المتأخر - للأسف - روايات كثيرة تقول بالزيادة والنقص وتثبت التحريف، والمطلوب من علماء الإمامية الأفاضل تطهير التراث من ذلك الركام الغث الذي لا يقبله المسلم ولا يقره تحت أي ذريعة، ولا يوجد مبرر علمي أن نربط ذلك التراث والروايات الساقطة والتي أشار إليها الإمام الخوئي في كتابه القيم (معجم رجال الحديث) ببعض الأخبار والروايات التي تنقل في كتب السنة عن اختلاف الصحابة وتعدد مصاحفهم الشخصية وموضوع
صفحة 7
القراءات القرآنية ومفهوم النسخ في القرآن، إن ظاهرة وجود مصاحف شخصية عند الصحابة قبل التدوين المتواتر الذي أجمع عليه الآل والأصحاب في عهد عثمان والذي قامت بإنجازه لجنة متخصصة من الصحابة، وشارك فيه كبار الصحابة وعلى رأسهم عثمان وعلي وزيد بن ثابت، وكانت اللجنة لا تثبت الآية إلا بعد شهادة شاهدين سمعاها من رسول الله ، وحفظها الصحابة عن ظهر قلب، هي ظاهرة طبيعية وصحية، بل قد تكون تلك الظاهرة أحد مسببات ودوافع تدوين القرآن وجمعه في مصحف واحد، ولا صلة لها بمفهوم التحريف وصحة القرآن التي حسمت بعد إجماع الصحابة على تدوينه بالطريقة المتواترة التي تمت وأنجزت على أحسن حال وبدقة منقطعة النظير. فليس في الأفق أي اتهام أو اختلاف بين السنة والشيعة حول هذه النقطة بالذات، لكن العقلية الطائفية المتشددة والتكفيرية تريد أن تصم الآخر بالارتداد وتثبت التكفير والفرقة والتهم المتبادلة بين الفريقين تبريرا للصراع القديم( ).
وهكذا بقية الأمور والخلافات والاجتهادات الفقهية والشرعية التي تبدو لنا في ظاهرها خلافات مستعصية، لكنها وفق المنظور القرآني الوسطي وآلية التصحيح والتقريب المتسامحة المعتدلة ليست بخلاف مستعصي، ولا توجب تبادل التهم والخصومة والتضاد، بل توجب التكامل والتناصح والتنوع والتنافس في الحق..
قال تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان. ( )
بغداد- العاشر من المحرم 1421هـ