صفحة 1
شِعْرٌ
"عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهَا لَيْسَتْ سِوَى أَنْفَاسٍ،
فَإِنَّ الكَلِمَاتِ الَّتي تَصْدُرُ عَنِّي أَبَدِيَّةٌ!"
(سَافُو)شِعْرٌ
صفحة 2
مزارُ التَّرجمةِ في حضرةِ الشِّعرِ
"مرآةٌ تمضغُ أَزرارَ ثَوبي" ليستْ مرآةَ (نرسيس)، ولاَ (كيليوباترا)، بلْ مرآةٌ شعريَّةٌ، جماليَّةٌ، إِبداعيَّةٌ، يَرى فِيها الشَّاعرُ محمَّد حلمي الرِّيشة وجهَهُ، وقصيدتَهُ، ومعناهُ، وروحَهُ، وفرحَهُ، وغبطتَهُ، وشغبَهُ، وهدوءَهُ، وفوضاهُ. اختيارُ المرآةِ انحيازٌ عميقٍ لرؤيةِ مَا لاَ يُرى بالعينِ، بلْ بالقلبِ، والحواسِّ، والرُّوحِ أَيضًا.
في هذهِ النُّصوصِ الَّتي اختارَها الشَّاعرُ/ المترجِمُ (وطبعًا بمشاركةِ ابنتهِ الأَديبةِ المُترجِمةِ، ولو أَنِّي أُركِّزُ فِي تَقدِيمي هذَا علَى الشَّاعرِ ذاتهِ لِما أُبيِّنهُ هُنا) وبعنايةٍ فائقةٍ، مَرايا متعدِّدةٌ ومتنوِّعةٌ، مقعَّرةٌ ومحدَّبةٌ، ومصقولةٌ ونقيَّةٌ، تُبرِزُ صفاءَ اللُّغةِ الشِّعريَّةِ فِي نقائِها الأَبديِّ، وتعتمدُ الغوصَ السِّريَّ والبهيَّ فِي خُلجَان ساحرةٍ تَرى فِي العمقِ الشِّعريِّ قَدَرها ومصيرَها.
إِنَّ عمليَّةَ المضغِ الَّتي تُمارسها المرآةُ لأَزرارِ ثوبهِ تجعلهُ يتعرَّى جزئيًّا منْ فرطِ الدَّهشةِ والشَّهوةِ في مواجهةِ مَرايا شرسةٍ هيَّجتْ حنينَه وفضولَه ليتملَّى فِيها، ويَبقى واقفًا بجانبِها؛ ففي التَّملِّي تأَمُّلٌ، وفِي الوقوفِ استراحةٌ قصيرةٌ ليستردَّ أَنفاسَه الَّتي تلهثُ كثيرًا وهيَ تتابعُ فراشاتِ النُّصوصِ الملَّونةِ منْ حقلٍ إِلى حقلٍ، وفِي السَّفرِ مَا يجعلُ القلبَ ساعةَ العالمِ تحسبُ دقائقَ الكونِ منْ خلالِ اللُّغةِ والمعنَى.
فِي هذَا الكتابِ، يواصلُ الشَّاعرُ والمترجمُ محمَّد حلمي الرِّيشة مسيرتَهُ الإِبداعيَّةَ، واختياراتهُ الجماليَّةَ، بجدِّيةٍ مفعمةٍ بحُسنِ التقاطِ تفاصيلِ ذاكرةِ الشِّعرِ العالميِّ منْ خلالِ ترجمةِ نصوصٍ شعريَّةٍ يجمعُ بينَها مَا هوَ شعريٌّ وفلسفيٌّ، ومَا هوَ جماليٌّ ورؤيويٌّ.
مغامرةٌ أُخرى، غنيَّةٌ وشيِّقةٌ، تضافُ إِلى أَسفارِ ورحلاتِ هذَا "المشاغبِ البهيِّ"، لاَ تكترثُ لمآزقِها، باعتبارِ التَّرجمةِ في عمقِها تنْصبُ الفخاخَ والمكائدَ لكلِّ مَن يقتربُ منْ عرينِها، كأَنَّ التَّرجمةَ لبؤةٌ شرسةٌ، عنيفةٌ، تخافُ علَى أَشبالِ نصوصِها منْ مرافقةِ المترجمِ "الخائنِ" الَّذي يخونُ بياضَه فِي الكتابةِ والقصيدةِ والحياةِ، فمَا بالُك بترجمةِ نصوصٍ لهَا نفحةُ الحكمةِ العميقةِ وشطحاتُ المتصوِّفةِ، واختزالُ العبارةِ الشعريِّةِ، والاقتصادُ اللُّغويُّ المكثَّفُ، كأَنَّ القصيدةَ تصارعُ يُتْمَها لأَجلِ بقائِها فِي أَرخبيلاتِ المعنَى.
صفحة 3
لهَا الغوايةُ فِي الاقترابِ منَ النَّصِّ بحذرٍ خوفًا منَ الانزلاقِ فِي منحدرِ المتعةِ ومعاشرةِ المجهولِ الأَنيقِ، في نقلِ قصائدَ منْ لغةٍ لأُخرى عبرَ جِسرِ المحبَّة والفتنةِ أَيضًا، وتأَمُّلِ المغاراتِ النَّيئةِ، والهجرةِ بينَ فجواتِ المعنَى والعتباتِ الَّتي تُفضي إِلى فضاءاتِ القصيدةِ البهيَّةِ.
اختيارُ النُّصوصِ الشعريَّةِ عمليَّةٌ متعبةٌ؛ الحواسُّ تشحذُ ذاكراتِها الطِّفليَّةَ، والقلبُ ينصتُ لمتاهِ الكلمةِ فِي عنفِ تواجدِها داخلَ غرفةِ النَّصِّ. إِنَّها قِيامةُ النُّصوصِ الَّتي تقودُ شهيَّةَ القلبِ إِلى بابِ الرَّغبةِ، ومفتاحِ المعنَى، وبوصلةِ العينِ، وخرائطِ شهوةٍ مصاحبةٍ البياضَ فِي تحرُّكهِ وجمودِه، وحزنهِ وسعادتهِ أَيضًا.
شاختِ اليدُ، قبلَ أَوانِها، فِي تتبُّعِ مساراتِ شاعراتٍ أَتعبتهنَّ غبطةُ القصيدةِ، وهيَ الملثَّمةُ بأَلفِ حجابٍ وستارٍ، والشَّاعرُ والمترجِمُ محمَّد حلمي الرِّيشة مثلَ حكيمٍ، أَو ممسوسٍ، أَو مجنونٍ، أَو طفلٍ، يفتحُ بابَ الغيابِ علَى زبدِ المعنَى، ولاَ دليلَ لهُ فِي ظلمةِ التِّيهِ والسَّهوِ والمحوِ والمجهولِ، إِلاَّ نورٌ ضئيلٌ يشعُّ منْ بهوِ القصيدةِ مضيئًا عتمةَ النَّفسِ.
حافيًا يتأَبَّطُ محبَّتهُ لحكمةِ الـ"هايكو"، وإِن أُدميتِ القدمُ فِي الممشَى والمسيرِ نحوَ الفتنةِ لإِطفاءِ شهقةِ الرُّوحِ.. مضيئًا فِي ترجمتهِ.. ساحرًا فِي نصَّه؛ يُدرِّب مَنافي الكلماتِ علَى التَّأَقلمِ معَ قدَرها الجديدِ، ومعَ بياضِها المختلفِ، ومعَ أَرضِها المغايرةِ... نداءٌ يُرحِّب بمزارِ التَّرجمةِ فيِ حضرةِ الشِّعرِ.
أَحمد الدِّمناتي
(المغرب)
صفحة 4
هُمُ الَّذِينَ يَشْعُرُونَ بِالمَوْتِ
(إِلَى الشُّهَدَاءِ)
هُمُ الَّذِينَ يَشْعُرُونَ بِقُرْبِ المَوْتِ مِثْلَ نَفَسٍ
يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ عَالٍ فِي غُرَفٍ مُعْتِمَةٍ
لِرُدْهَةٍ قَائِمَةٍ بِإِيمَاءَةٍ وَاضِحَةٍ
قبَلَْ قَطِيعِ الآلهةِ الغَيُورِينَ
يَجِدُهُمُ المَصِيرُ يُسْتَقْبَلُونَ
فِي البَيْتِ.
غَابَةُ المُحَارِبِ القَاتِمَةُ الَّتِي تَجْلي
صَمْتًا طَارِئًا مَعَ صَرَخَاتِ مَعْرَكَةٍ طَارِئَةٍ،
أَوْ تَقِفُ بِقَدَمٍ لاَ تُزَعْزَعُ
فِي الرَّمْلِ المُنْتَشِرِ
مَصْلُوبَةً.
صفحة 5
كُلُّ وَاحِدٍ، يَسْحَبُ وَاحِدًا
(التَّفْكِيرُ فِي لُورِينْ هَانْزْبِرِّي)
يَجِبُ أَنْ نَقُولَ كُلَّ شَيْءٍ، وَبِوُضُوحٍ، عَنْ أَنَّهُمْ
يُحَاوِلُونَ دَفْنَنَا.
حَسْبَ مَا نَسْتَطِيعُ، وَقَبْلَ أَنْ نَكُونَ أَمْوَاتًا،
أَنَّنَا كُنَّا سُودًا؟ كُنَّا نِسَاءً؟ كُنَّا رِجَالاً؟
كُنَّا الظِّلَّ الخَاطِئَ لِلأَسْوَدِ؟ كُنَّا صُفْرًا؟
هَلْ أَحْبَبْنَا، لاَ سَمَحَ اللهُ، الشَّخْصَ الخَطَأَ، وَالبَلَدَ؟
أَوِ السِّيَاسَةَ؟ كُنَّا (أَغْنِسْ سِمِيدْلِي) أَوْ (جُونْ بْرَاونْ)؟
وَلكِنْ، الأَهَمُّ مِنْ ذلِكَ كُلِّهِ، هَلْ كَتَبْنَا بِالضَّبْطِ مَا رَأَيْنَاهُ،
بِوُضُوحٍ، كَمَا نَسْتَطِيعُ؟ كُنَّا سُذَّجَ
تَمَامًا فِي البُكَاءِ وَالصُّرَاخِ؟
حَسَنٌ، ثُمَّ سَوْفَ يَمْلَؤُونَ أَعْيُنَنَا،
وَآذانَنَا، وَأُنُوفَنَا، وَأَفْوَاهَنَا
بِطِينِ
النِّسْيَانِ. سَوْفَ يَمْضُغُونَ
أَصَابِعَنَا فِي اللَّيْلِ. سَوْفَ يُنَظِّفُونَ
أَسْنَانَهُمْ بِأَقْلاَمِنَا. سَوْفَ يُخَرِّبُونَ
كِلاَ أَطْفَالِنَا
وَفَنِّنَا.
صفحة 6
لأَنَّنَا حيِنَ نَعْرِضُ مَا نَرَاهُ،
سَوْفَ يَتَبَيَّنُونَ مَا لاَ مَفَرَّ مِنْهُ:
نَحْنُ لاَ نَعْبُدُهُمْ.
نَحْنُ لاَ نَعْبُدُهُمْ.
نَحْنُ لاَ نَعْبُدُ مَا صَنَعُوا.
نَحْنُ لاَ نَثِقُ بِهِمْ.
نَحْنُ لاَ نُصَدِّقُ مَا يَقُولُونَ.
نَحْنُ لاَ نُحِبُّ كَفَاءَتَهُمْ،
أَوْ قُوَّةَ مَبَانِيهِمْ.
نَحْنُ لاَ نُحِبُّ مَصَانِعَهُمْ،
أَوْ دُخَانَهَا الضَّبَابِيَّ.
نَحْنُ لاَ نُحِبُّ بَرَامِجَهُمُ التَّلْفَازِيَّةَ،
أَوْ تَسْرِيبَاتِهِمُ المُشِعَّةَ.
نَجِدُ صُحُفَهَمْ مُمِلَّةً.
نَحْنَ لاَ نَعْبُدُ سَيَّارَاتِهِمْ.
نَحْنُ لاَ نَعْبُدُ شَقْرَاوَاتِهِمْ.
نَحْنُ لاَ نَعْبُدُ أَعْضَاءَ رِجَالِهِمْ الذَّكَرِيَّةَ.
نَحْنُ لاَ نُفَكِّرُ كَثِيرًا
بِنَهْضَتِهِمْ.
نَحْنُ غَيْرُ مُبَالِينَ بِإِنْكِلْتْرَا.
صفحة 7
لَدَيْنَا شُكُوكٌ خَطِيرَةٌ بِشَأْنِ أَدْمِغَتِهِمْ.
بِاخْتِصَارٍ؛ نَحْنُ الَّذِينَ نَكْتُبُ، وَنَرْسُمُ، وَنَنْحَتُ، وَنَرْقُصُ،
أَوْ نُغَنِّي،
وَنَتَقَاسَمُ الذَّكَاءَ، وَبِالتَّالِي مَصِيرَ جَمِيعِ شَعْبِنَا
فِي هذِهِ الأَرْضِ.
نَحْنُ لاَ نَخْتَلِفُ عَنْهُمْ،
لاَ أَعْلَى وَلاَ أَدْنَى،
لاَ فِي الخَارِجِ وَلاَ فِي الدَّاخِلِ.
نَحْنُ الشَّخْصَ نَفْسَهُ.
وَنَحْنُ لاَ نَعْبُدُهُمْ.
نَحْنُ لاَ نَعْبُدُهُمْ.
نَحْنُ لاَ نَعْبُدُ أَفْلاَمَهُمْ.
نَحْنُ لاَ نَعْبُدُ أَغَانِيَهُمْ.
نَحْنُ لاَ نُفَكِّرُ بِنَشَرَاتِ أَخْبَارِهِمْ
حِينَ تَبُثُّ الأَخْبَارَ.
نَحْنُ لاَ نُعْجَبُ بِرَئِيسِهِمْ.
نَحْنُ نَعْرِفُ لِمَاذَا البَيْتُ الأَبَيْضُ أَبْيَضُ.
نَحْنُ لاَ نَجِدُ أَطْفَالَهُمْ رَائِعِينَ؛
نَحْنُ لاَ نُوَافِقُ عَلَى أَنَّهُمْ يَجِبُ أَنْ يَرِثُوا الأَرْضَ.
لكِنْ فِي الآوِنَةِ الأَخِيرَةِ كُنْتُمْ بَدَأْتُمْ بِمُسَاعَدَتِهِمْ
لِدَفْنِنَا. أَنتمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ: كَانَ المَلِكُ مُجَرَّدَ زِيرِ نِسَاءٍ؛
صفحة 8
(مَالْكُولَمْ)، مجرَّدَ سفَّاحٍ. (سُوجُورْنَرْ)، (فُولْكْسِي). (هَانْزْبِرِّي)
مُجرَّدَ خَائِنَةٍ [أَوْ عَاهِرَةٍ، تِبْعًا]. (فَانِّي لُو هَامَرْ)
مُجَرَّدَ شُجَاعَةٍ.(زُورَا هُورْسْتُونْ)، (نِيلاَّ لاَرْسِنْ)، (تُومَرْ):
رَجْعِيَّاتٍ، وَمَغْسُولاَتِ الأَدْمِغَةِ، وتَدَلَّلُوا مِنْ قِبَلِ القَاصِرِ (وَايْتْفُولْكْسْ). (أَغْنِسْ سِمِيدْلِي)، جَاسُوسَةً.
أَنْظُرُ فِي عُيُونِكُمْ؛
تُلْقُونَ فِيهَا الأَوْسَاخَ.
أَنْتُمْ، تَقِفُونَ فِي القَبْرِ
مَعِي. أَوْقِفُوا هذَا!
صفحة 9
كُلُّ وَاحِدٍ يَجِبُ أَنْ يَسْحَبَ وَاحِدًا.
انْظُرُوا، أَنَا، مُؤَقَّتًا عَلَى شَفَا
القَبْرِ،
قَدْ مَسَكْتُ يَدَ أُمِّي،
وَسَاقَ وَالِدِي.
هُنَاكَ يَدُ (رُوبْسُونْ)،
وَفَخْذَ (لاَنْغْسْتُونْ)،
وَذِرَاعُ (زُورَا) وَشَعْرُهَا،
وَذَقْنُ جَدِّكُمُ المَتْرُوكَةُ،
وَمِرْفَقُ امْرَأَةٍ أُعْدِمَتْ
مَا كُنْتُمْ تُحَاولُونَ أَنْ تَنْسَوْهُ
مِنْ عُبُوسِ جَدَّتِكُمْ.
كُلُّ وَاحِدٍ، يَسْحَبُ وَاحِدًا خَلْفًا نَحْوَ الشَّمْسِ
نَحْنُ الَّذِينَ وَقَفْنَا عَلَى
كَثِيرٍ مِنَ القُبُورِ،
وَنَعْرِفُ أَنَّهُ مَهْمَا فَعَلُوا
يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا أَنْ يَعِيشَ
أَوْ.. لاَ.
صفحة 10
نَحْنُ وَحْدَنَا
نَسْتَطِيعُ وَحْدَنَا أَنْ نُخَفِّضَ قِيمَةَ الذَّهَبِ
بِعَدَمِ الاهْتِمَامِ
إِذَا مَا هَبَطَتْ أَوِ ارْتَفَعَتْ
فِي السُّوقِ.
حَيْثُمَا كَانَ الذَّهَبُ هُنَاكَ،
فَهُنَاكَ سِلْسِلَةٌ، كَمَا تَعْلَمِينَ،
وَإِذَا كَانَتْ سِلْسِلَتُكِ
مِنَ الذَّهَبِ،
فَهذَا الأَسْوَأُ كَثِيرًا جِدًّا
لَكِ.
الرِّيشُ، وَالأَصْدَافُ،
وَالبَحْرُ عَلَى شَكْلِ حِجَارَةٍ،
نَادِرَةٌ كُلُّهَا.
قَدْ تَكُونُ هذِهِ ثَوْرَتُنَا:
أَنْ نُحِبَّ مَا هُوَ وَفِيرٌ
بِقَدْرِ مَا
هُوَ شَحِيحٌ.