eKtab
EN ع
مرافئ الذاكرة
اقرأ عينة مجانية

مرافئ الذاكرة

بقلم سليم النجار

صفحة 1
مقدمــــــــــــة
 
حق الحياة:
 
أصبح السعي وراء الحقوق الإنسانية، التي أقرَّتها الشرائع وسنَّتها القوانين، من سنن الحياة، وهو سعي لا يتكلَّل في كثير من الأحيان بالنجاح، فحق الإنسان في الأمن والسلام تهدده – دائماً – الحروب، وحق البشر في العمل أذهبته حُمَّى البطالة وفقرِ الاقتصاد أدراجَ الرياح، وحق أجيالنا في التعلم أصبح مهدَّداً بين مطرقة التعليم البائس وسندان التخلف الجائر.
 
وإذا كانت تلك حالنا مع الحقوق الأساسية، فإن البعض أصبح يضِنُّ علينا، بل وعلى نفسه، بحق الحياة! وهو ما أصبح مأزقاً في ثقافتنا العربية الراهنة، كما يشير إليه المناضل العربي الفلسطيني بهجت أبو غربية؛ مأزق تأجيل الآمال وتعجيل المخاوف، إذ بدلاً من العمل على الخروج من هذه الأزمة، نسرِّب جهودنا في قنوات جانبية لا تفيد. وهو يؤكد في حواره، أن على المناضل المثقف العربي استحقاقات كثيرة، ولذلك فمن المنطقي والإنساني والثقافي ألا نضيف إلى الإفناء الشديد مزيداً يجعل مخاوفنا التاريخية، وظنوننا المتراكمة، وشكوكنا المزمنة، أداة تعطيل وتأجيل لأحلامنا الإنسانية، المؤجلة أصلاً. ومن زمن بعيد، وهذا الذي ابتعد عنه المناضل بهجت أبو غربية طوال الحوار معه، إذ ظلّ باعثاً الأمل، والتأكيد، على أن الحياة تستحق منا أن نناضل من أجلها، مهما تكاثرت المؤامرات والهزائم على أمتنا العربية.
 
ويأخذ أبو غربية طوال حواره، على العرب، عدم وعيهم حقيقة أن الوطنية والقومية ترتِّبان عليهم - إلى جانب نيل الاستقلال وإنشاء الدولة الوطنية- إقامة الحكم الصالح، ورفع مستوى الجماهير.
 
وهذا الهدف المزدوج هو في صميمه )هدف أخلاقي(، حيث يرى أن طريق العرب للخروج من الأزمة يمر عبر تنمية القدرة الذاتية العربية، ومضمونها الحضاري، وهو يتطلب تغيراً أساسياً وجذرياً في المجتمعات العربية، على مستوى الفكر والسلوك، فالعرب لن ينجحوا بتقديره في تجميع أسباب التحرر والتقدم، إلا بالاستناد إلى قدرتين أساسيتين مترابطتين هما: العقلانية التي ترتكز إلى الموضوعية والخضوع للنقد، والخلقية التي تقوم على مبدأ أولي هو الاهتمام بالذات. أما وسيلة الإنماء العقلانية الخلقية فهي التربية الصالحة، التي تتعدى المدرسة، ولا تقتصر على مرحلة محددة من مراحل الحياة.
صفحة 2
وفي نظر أبو غربية، فإن الإصلاح، الذي يؤكد العنصرَ الإنساني، وأهمية الدور الذي يؤديه الفرد، لا يعني قيام حكومات ومؤسسات (صالحة)، كما لا يصلح عذراً لتباطؤ الأفراد المؤهلين، أو الجماعات المؤهلة، للقيام بمسؤوليتهم فيه، إذ هو مفتوح لكل إنسان مؤهَّل، حتى لو اقتصر على إصلاح نفسه. ومن هذا المنطلق لا يعود العمل التحرري التحضري في حاجة إلى انتظار (اكتمال خطة معينة)، أو انتظار (أن يفوز بالسلطة فريقٌ أو حزب أو قائدٌ أعلى للقيام بالواجب)، فواجب كل إنسان عربي يكون "في متناول يده أينما يكون"، ويكفيه أن "يظل أبداً في خندقه" مكافحاً أشكالَ الفساد الساري فيه وفي غيره، وعاملاً في تحرير نفسه، ومن يستطيع من أبناء مجتمعه.
 
يلخِّص هذا الحوار، السؤالَ الذي تطرحه علينا مسألة رؤية بهجت أبو غربية، في عالم يتفكك داخل حروب أهليَّة مُصطنَعة، وأزمات اقتصادية خانقة، أنتجتها (فبركتها) قوى سياسية عالمية، عرفها العالم العربي منذ مطلع القرن الماضي، بأسماءٍ مختلفة، فمن إمبراطورية بريطانيا، التي لا تغيب عنها الشمس، والتي غيَّبت فلسطين عن الخارطة الدولية، لحسابات سياسية دقيقة، قائمة على رافعة الاستعمار، وبالكيفية التي انتهجتها من أجل تنفيذ هذه المهمة غير الأخلاقية وغير الإنسانية، حيث جعلت الإنسان الفلسطيني يدفع وبشكل مباشر (فاتورة) تطور الاستعمار وتمدُّدِه في عالمنا العربي، وتحت مسمّيات مختلفة، إلى إمبراطورية أمريكية زحفت على العالم العربي بعد أفول إمبراطورية بريطانيا.
 
تلك الصدمتان اللتان تعرَّض لهما الفلسطيني، كانتا في حقيقة الأمر، إجابةً عقيمة للصدمة الأولى التي تعرض لها الإنسان العربي، منذ وصول الحملة الفرنسية إلى مصر وما جلبته معها من مكتشفات وأدوات، والأهم من ذلك، أفكار، يؤرخ الباحثون لها على أنها بداية الصحوة العربية وما تلاها من إحياءٍ ونهضة، وكانت هي الصدمة؛ صدمة الأزمة، التي أرعبت الناس وبخاصة الفقهاءَ والعلماء، وبقدر الرعب الذي أصابهم كان الانبهار والتعجب من هذا الدخيل الذي أيقظهم بعد أن كانوا نياماً في ظل عيشهم تحت يافطة الخلافة العثمانية.
 
كانت هذه الصدمة أول باعث ومحرض لهم للعودة إلى الأصول والتاريخ والتراث.
 
وانطلقت من رحم هذه العودة حركاتُ الاستقلال والتحرر العربي في خمسينيات القرن الماضي وما تمخض عنها من ثورات شرقاً وغرباً، وفي مختلف أقطار العرب، واعتناق بعض هذه الثورات الأفكارَ الاشتراكية والماركسية. كما نما اتجاهٌ جديد في قراءة التراث العربي أساسه الرفض لكل جديد، بل محاربته، واستحال أصحابُ هذا الاتجاه ليصبحوا شيعاً سياسية متعصبة.
صفحة 3
أمام هذا (الكشكول) السياسي الفكري العربي، كانت فلسطينُ وما زالت مادة أساسية أولية في تشكيل البِــنية السياسية الاجتماعية العربية، التي تعرف جيداً (مبتدأ) المادة الأولية، لكن (الخبر) أنه منذ ضياع فلسطين عام 1948، وحتى الآن، ونحن في هزائمَ متكررة، حيث تبدّت الصورة/ الهزيمة للعرب، وحدث التشرد للفلسطيني.
 
هذا الواقعُ العربي المرير، جعل بهجت أبو غربية - الذي خبَرَ هذا الواقعَ جرّاءَ انخراطه في الثورة الفلسطينية، منذ ثلاثينيات القرن الماضي في القدس - يصر على مقاومة ومحاربة كل الأوهام التي تنتشر في وعينا السياسي والثقافي، إذ إنه بالإمكان التصالح مع الصدمات التاريخية التي تعرضت لها الأمة العربية من قبل الاستعمار الغربي، و كان عنوانَها الأبرز: فقدانُ فلسطين.
 
إنها رؤية حقيقية تدعو لبناء مشروع الواقع ذاته، أو مشروع تحرر الإنسان، وإعادة تشكيل عقله ووجدانه، في ظل المتغيرات المعاصرة.
 
ويصر أبو غربية في هذا الصدد، على أن نفرق جيداً بين رؤية المتغيرات المعاصرة، والانخراط فيها بشكل أعمى. وكذلك يفرق هو بين ضرورة معرفة المتغيرات السياسية تحديداً، وتغييب هذه المتغيرات. فالأولى، تدفعنا إلى رؤية ذواتنا بشكل حقيقي، أما الثانية فتجعلنا هامشيين نتلقى الصدمات فحسب، وبالتالي نتعاطى معها كردة فعل، وهذا ما حذر منه بهجت أبو غربية طَوالَ الحوار معه، إذ أكّد على المنهجية العلمية في المقاومة، والتأسيس لرؤية معرفية منتجة لا تقع في فخ الطوباوية، بل تظل بعيدةً عن التقليد والتطبيل والتزمير لكل ما هو قادم من الغرب.
 
إنها دعوة للخلق والإبداع، بعيداً عن العَرض والتصنيف للأفكار.
 
ويصح أن نقارن أفكارنا من حيث علاقتُنا بالفكر الماركسي، الذي جاء من قراءة في تطورية التقدم الغربي بعد الثورة الصناعية، وإعمال أدواته على المنهج الديكارتي والجدل الهيغلي، الذي أنجب لنا الماديّةَ التاريخية والماديّةَ الجدلية، والفكر الغربي المعاصر بشقيه (الأبستمولوجي والأركيولوجي) اللذين جاءا في سياق تطور العقل الغربي، الذي اشتغل على الأفكار التي نراها منتشرةً في عالمنا العربي، سواءٌ أكانت هذه الأفكار حداثويّةً أم لا، والتي من فلكها نتاج تطور عقل غربي بامتياز.
 
ومن هنا، فلا توجد قراءة بريئة، ولا نحن ندعو إلى قراءة بريئة، حتى نبقى أسرى ثقافة الضحية، الأمر الذي رفضه بهجت أبو غربية، موضحاً في حواراته، أن قراءة الأفكار الغربية، التي استعمرتنا لأجلٍ حاضر، هي لب أسباب دراسة فقدان فلسطين.
 
ستسهم هذه الدراسةُ في زحزحة مشاكل الإنسان العربي، وإنزاله إلى الأرض التي نعيش عليها، لا أرض الأوهام والأحلام والطوباويات المستحيلة. وهذا العمل يتطلب بناءَ ثقافةِ مقاومة، تعرف من أين تبدأ وأين تنتهي، وفي كلتا الحالتين، لن يتم ذلك ما دامت فلسطين مغيَّبةً عن الجغرافيا السياسية: العربية والعالمية حتى وإن بقيت في وجداننا، فلعل بهجت أبو غربية، أراد تأكيد خلق توازن نفسي وعقلي وواقعي، بين وجداننا العاطفي والواقع الذي تتجلى دلالاته في حضور فلسطين على الجغرافيا السياسية.
صفحة 4
الشخصيّة النّضالية الفلسطينيّة
 
ليس من أدنى شك أن الشخصية الإنسانية تزداد حَيْرتُها في العالم كل يوم أكثرَ فأكثر، في عصر العلم والتكنولوجيا والمعلوماتية والليزر والأقمار الصناعية.
 
كل هذه الأمور، تلقي على الشخصية الإنسانية أعباءً جديدة رهيبة، وهي التي ناءت وركعت تحت وطأة أعبائها السابقة!
 
فما العمل؟ وكيف تنهض هذه الشخصية، كيف تزحف، كيف تمشي، كيف تركض، كيف تقفز؟
 
كل هذه الأسئلة تصبح أكثرَ من معقولة لو صيغت بسؤال واحد هو: هل صحيحٌ أنّ الشخصيّة الإنسانية النضالية الفلسطينية شخصية كانت في عهد الانتداب البريطاني قائمةً على ردة الفعل؟
 
بهجت أبو غربيّة صاغ رؤيته العبقرية (الشخصية النضالية الفلسطينية)، واستطاع بمهارة فائقة أن يحوّل علم الشخصية، الذي يهتم بالاجتماع والسياسة والثقافة، إلى سيمفونية موسيقية رائعة، قائلاً: نعم.. إلى حد كبير، كان نضالنا في عهد الانتداب البريطاني على فلسطين ردةَ فعل على الاحتلال وعلى المشروع الصهيوني، الذي كان واضح المعالم منذ بداية العشرينيات وازداد وضوحاً فيما بعد، إذ كان يهدف إلى الاستيلاء على أرض فلسطين كاملة وإجلاءِ أهلها. هذا الفعلُ البريطاني الصهيوني، بالضرورة يستدعي مقاومة وردة فعل فلسطيني، هذه هي الصورة العامة.
 
أنا أعتبر أن هذا الوضع، كان يمكن أن نسميَه طبيعياً، فالاحتلال يُواجَه بالرفض والمقاومة، ويشتد الرفض وتزداد المقاومة كلما ازدادت الهجمة الاستعمارية الصهيونية، مثل تسريع وتيرة الهجرة الاستيطانية، وتهريب سلاح واسع للعصابات الصهيونية، وازدياد نشاطها في الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية بمختلف الطرق السياسية المدعومة من بريطانيا. فلولا هذا الدعمُ لما استطاعت الحركة الصهيونية تنفيذ مشروعها الاستعماري والاستيلاءَ على الأرض الفلسطينية.
 
ومع ذلك، فهنالك استثناءات لهذه الصورة العامة، التي تدلل على قدرة الشخصية النضالية السياسية الفلسطينية، على تنظيم نفسها بشكل معقول، في ظل المعطيات المتواضعة، التي كانت بين أيدي تلك الشخصية.
صفحة 5
أذكر مثالاً على هذا الوعي السياسي: عقد المؤتمرات الشعبية الفلسطينية، التي كانت تُقام في كل أنحاء الوطن، وتشكيل الجمعيات الإسلامية المسيحية، وهنا تتجلى عبقرية الشخصية السياسية الفلسطينية، التي أدركت مبكراً أهمية تشكيل مثل تلك الجمعيات كردّ عملي على محاولات ما كان يُعرف بحكومة الانتداب البريطاني التي أخذت تعمل على شقّ الصف العربي الفلسطيني، بإثارة الفتنة الطائفية، وإضعاف المقاومة الشعبية. وبالمناسبة، تم تشكيل تلك الجمعيات، في كل المناطق الفلسطينية، حتى تلك التي ليس فيها مسيحيون، وقد اعتبرت تلك الجمعيات قياداتٍ محليّةً لقيادة النضال اليومي ضد ممارسات سلطات الانتداب البريطاني، ومِن خلفها الحركة الصهيونية.
 
الحاج أمين الحسيني، وهو مفتي فلسطين، أكثر من شجَّع على تشكيل هذه الجمعيات، وكذلك موسى كاظم باشا الحسيني، الذي ترأس المؤتمرات الفلسطينية واللجنة التنفيذية طوال فترة العشرينيات من القرن الماضي حتى وفاته عام 1934. وكان والدي: عليان عبد العزيز، رحمه الله، رئيساً للجمعية الإسلامية المسيحية في مدينة الخليل من عام 1922 حتى عام 1924.
 
ولم تكن تلك الجمعيات رؤية شعبية مستهلكة تاريخياً، أو ذاتَ طابع تبريري هروبي من الناحية السياسية، بل كانت جمعيات نابعة من الوجدان الشعبي الفلسطيني، ولذا كان شعارها هلالاً في داخله صليب.
 
لقد أصبحت هذه الجمعياتُ تمثل حالة النهوض بالمجتمع العربي الفلسطيني، من النواحي النضالية والسياسية، وهذا ما جعل الجماهير الفلسطينية تلتفّ حولها، مما يدلل على قدرتها على نسف الأيديولوجيا الشعبية القابعة منذ عهود غابرة في اللاشعور الجَمْعي الفلسطيني، الذي كان لا يعاني من الأمية الثقافية فحسب، بل ومن أمية القراءة والكتابة أيضاً.
 
وهنا أذكر حادثة، أرى من الواجب ذكرَها، ذلك أن سلطات الانتداب البريطاني قامت باعتقال والدي، بسبب نشاطه في الجمعية الإسلامية المسيحية في الخليل، وترؤسه لتلك الجمعية، وقد أمضى فترة في السجن.
 
هذا النشاط المؤسسي الفلسطيني تتوّج بانتفاضة عام 1933، التي مهدت فيما بعدُ للثورة الفلسطينية الكبرى، المعروفة بثورة 1936.
 
والآن، ألا يمكن القول: إن الشخصية النضالية الفلسطينية، شخصية قوية وعملية وقادرة على استيعاب المتغيرات السياسية: المحلية والإقليمية والدولية؟ بلى، ومع ذلك يتوجب علينا التفريق بين المعرفة والاستيعاب والتنفيذ، والقدرات الفعلية التي يجب أن تتوافر في أية ثورة في العالم تقوم بالعمل النضالي ضد المحتل.
صفحة 6
أما إذا انتقلنا للشق الثاني من النضال الفلسطيني، الذي تمّ التعبير عنه سياسياً وشعبياً، من خلال عقد المؤتمرات الفلسطينية، التي كانت تتشكل من مندوبي الجمعيات الإسلامية المسيحية، فقد قرر القائمون على تلك المؤتمرات وقتها، عقدها سنوياً، إلا أن سلطات الانتداب البريطاني كانت، في كثير من الأحيان، تمنع انعقاد تلك المؤتمرات، وتحاول تأجيل عقدها لسنوات قادمة، بحجج واهية وذرائعَ غير مقبولة لدى المناضلين الفلسطينيين.
 
لم تستثن تلك المؤتمراتُ أية فعالية فلسطينية، إذ كانت تضم بين صفوفها أصحاب النفوذ العائلي والديني والمالي، ولعلك تعلم أن هذه الشرائح كانت هي صاحبة النفوذ في تلك المرحلة.
 
وأما أبرز ما حصل في نضالنا من تحرك نضالي مبرمج، لا مجرد رد فعل، كما أسلفت سابقاً، فكان في انتفاضة عام 1933، ففي هذه السنة، طرح حزب الاستقلال في مؤتمر الشباب الذي عقد في الرملة، اقتراحين، الأول: أن يكون التحركُ الشعبيّ موجهاً مباشرةً ضد سلطات الانتداب البريطاني، لا كما كان سائداً، إلى حدٍّ ما، ضد اليهود، على اعتبار أن العدو الرئيس في تلك الفترة هو حكومةَ الانتداب البريطاني، التي كانت ترعى الحركة الصهيونية. أما الاقتراح الثاني فهو: وضع خطة نضالية مبرمجة وطويلة الأمد، موجهة ضد حكومة الانتداب البريطاني.
 
وفيما بعد، تبنَّى الحزب العربي الفلسطيني الخطة، التي بُنيت على أساس الاقتداء بنضال غاندي في الهند (الستياغرها) بمعنى العصيان المدني، أي: النضال الشعبي الذي ينخرط في صفوفه مختلف شرائح المجتمع الفلسطيني. وعلى هذا الأساس تم وضع برنامج مفصل على الشكل الآتي:
 
أولاً: تجري حملة توعية لخطورة ممارسات الانتداب البريطاني، التي تهدف إلى اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه، واستبدال (اليهود) بـه، وقد تم ذلك عن طريق عقد اجتماعات جماهيرية، ومحاضرات استمرت لبضعة أشهر، عقدت في مختلف أنحاء فلسطين.
 
كان الهدف من هذه الخطة، ضمانَ التفاف الشعب الفلسطيني حولها، وإدراكَ مدى المؤامرة الكبيرة التي يتعرض لها.
 
ومن خلال هذه النشاطات الكبيرة، التي قامت بها الأحزاب الفلسطينية، عبر حزبي الاستقلال والعربي، استطاعت تكريس المطالب الفلسطينية، وكانت أبرز عناوينها السياسية: وقفَ الهجرة اليهودية، ووقف انتقال الأراضي الفلسطينية إلى اليهود، وإنهاءَ الانتداب البريطاني على فلسطين، وتحقيقَ الاستقلال. ورافق هذه المطالب نشاطٌ جماهيري واسع شمل جميع المدن والقرى الفلسطينية، تجلت مظاهره في سلسلة من الإضرابات التي عمت جميع الأراضي الفلسطينية، والامتناع عن دفع الضرائب، وإضراب الموظفين بما يشكل عصياناً مدنياً.