eKtab
EN ع
مراتب الموتى
اقرأ عينة مجانية

مراتب الموتى

بقلم فوزي ذبيان

صفحة 1
1

«تباً لكَ. لِمَ هذه التكشيرة وهذان الحاجبان المقطبان؟

هل أنت خائف من الموت وقد باغتك على غفلة من حمارك؟

تباً لهذا الوجه البشع... حتى الموت يأنف من النظر إلى وجهك المقيت....كخّ وألف كخّ.

يا لفمك الجائح ووجنتيك المشدودتين، ويا لهذه السحنة الصفراء!! لا ريب أن الموت قد ندم لأخذك ويتمنّى لفظك كأنك قيء..هه، حقاً أنا أشفق على الموت وآسف عليه...سبحان ربي الأعلى كم أنت بشع»!.

كان إبراهيم يدمدم فوق الجثة وكأنه بحضرة كائن مفعم بكل ضروب الحياة. كان يتمتم كأنه أرملة سوداء أو كأنه باب يئز مضى عليه عمر مديد.

كانت الجثة ترمق إبراهيم بعين جاحظة وأخرى تروغ بين الهدبين. لم يتأتّ له غسل الجثة عن آخرها. كان يقوم بعمله بهمةٍ هي أقرب إلى التهافت، وكان كل الوقت يسير داخل مغسله الفسيح بخطى مكتومة الوقع.

إنها جثة رجل في الثمانين من العمر يمتلك مزرعة للماشية عند أطراف القرية.. . قرية إبراهيم. يقال إنه كان يفهم لغة الخراف، وكان يشاطر التيوس رأيها. اشتغل فترة من عمره في بيع التبغ الأسود في مدينة على البحر، لكنه اختار فيما بعد الاستقرار في قرية إبراهيم وجرجرة نفسه كل يوم خلف الماعز والخراف. توفي فجأة فوق ظهر حماره الذي أكمل السير إلى ساحة القرية حيث أخذ بالنهيق كأنه يؤبّن سيده العجوز.

أي من رؤوس الماشية لم ترجع إلى مزرعة الشيخ المتوفى. ربما قد افترستها الذئاب أو تاهت في مسارب الوادي الفسيح. بكل بساطة تبخرت رؤوس الماشية لحظة فقد سيدها الحياة.
صفحة 2
2

صحا إبراهيم على وقع طرقات على باب بيته وصوت يستحثه على الإسراع. كان يدحش القطن في فم الثمانيني ومؤخرته، وكان يرفع حنكه إلى فمه بقطعة قماش يشدها فوق الرأس الأشيب للعجوز.

لم يردّ بنأمة حرف على هذا الذي يستحثه على الإسراع. اكتفى بنظرة وجّهها إلى الباب الخشبي السميك، وأكمل عمله بصورة آلية هي أقرب إلى الغريزة منها إلى مهنة مكتسبة أو شيء من هذا القبيل.

فإبراهيم وهو كائن في الحادية والسبعين من العمر، لا يجيد القيام إلا بعمل واحد هو غسل الأموات. إنها مهنة ورثها عن جده لأبيه الذي مات منذ أن كان هو في الثامنة عشرة من العمر.

لا يعرف من أمر أبيه شيئاً ولا من أمر أمه، ولا يوجد في ذاكرته إلا صورة جده العجوز صاحب الحاجبين الكثيفين اللذين كانا ينعقدان بعنف إذا ما سأله إبراهيم عن أمر ذويه.

أول جثة غسلها وحده هي جثة هذا الجد التي أعيته يومئذ من شدة التعفن. يتمتم إبراهيم أن رائحة جثة جده لم تغادر أنفه البتة، وأن رؤية هذه الجثة وهي فوق سطح الرخام لم تفارق يوماً عينه. حتى اليوم، وقد مضى على موت جده عقود، لا يزال إبراهيم يلمح تلصّص عينا جده العجوز على كل جثة يقوم هو بغسلها فوق سرير الرخام.

عاد الطرق فوق الباب ثانيةً وصوت امرأة تبسبس كي يعجل الانتهاء. أخرجت بسبسة المرأة إبراهيم من وعورة سباته، وجعل ينصت إلى صوتها الذي يشبه فحيح أفعى أعياها حر الصحراء.

رمى القطن من يده وجرجر جسده إلى الباب الخشبي. فتح الباب عبر عارضة خشبية رفعها وأخذ يرمق المرأة عبر مئزره الأبيض وعينه الواحدة وهو يلوّح بإصبعه الطويلة بوجهها هامساً: أنا لم أنته بعد!

كان الريق يطقطق داخل حنجرته وهو يوجّه سهام غضبه إلى هذه العجوز الشمطاء. تقهقرت إلى الوراء فشخة أو فشختين وقد تكاثف إبراهيم عليها برائحة فمه المشهورة جداً بين الأحياء وبإلحاح أكثر بين الأموات.

ولّته الظهر وتوارت داخل كثافة الضباب وهي تشد ربطة منديلها تحت ثؤلول ذقنها وتتمتم بكلمات تشبه الضباب.

تولى المرأة غضب مكتوم من هذا الذي يشبه الشبح، ولم تنظر إلى الخلف إلا على وقع صوت باب بيت إبراهيم يطبش بعنف ثم صوت خشب يطقطق على خشب يطقطق على قيل وقال.
صفحة 3
3

رجع إبراهيم إلى الجثة وهو ينفخ في كفيه ويفرك إحداهما بالأخرى.

هي برودة الخارج أو ربما برودة الجثة قد انتقلت إلى جسده الهزيل الذي صار يرتعش بعد أن غادرت الشمطاء. عاد إلى التأفف من منظر هذا البشع الممدد أمامه على الرخام الذي لم يجف بعد من بضع قطرات ماء.

كان حنكه قد ارتخى من جديد.... «يبدو أن شدي لحنكه لم يكن كما يجب». قال إبراهيم وهو يشعل النار تحت إبريق الشاي.

ولّى الجثة الظهر وركز بصره على الخارج الذي كان يراوح بين اللون الكحلي ولون تسلل الضباب. كان الشجر في الخارج يعارك الهواء، وثمة خيوط خجلة تنذر بطلوع النهار.

ليس الموت عند إبراهيم حالة انبهار أو حتى نقطة انقطاع. فهو ينظر إلى جثثه كأنها صناديق فرجة يرى عبرها عالم الغيب، ويرى أيضاً عالم الأحياء.

كان يرتشف شايه وينظر عبر النافذة وفي باله صورة جده الذي كان يحرص على معانقة الجثث العارية وتشبثه بلحم هذه الجثث وتلميع أسنانها وتسريح شعرها وإجراء أحاديث لا تنتهي مع الأموات الذين مروا أمام ناظري إبراهيم منذ البدء.

فهو يتذكر، ربما كان يومذاك في السابعة أو الثامنة من العمر، أن جده كتب يوماً فوق جثة طفل صغير كلاماً كثيراً قال إن الطفل أمره بكتابتها عليه. عمل إبراهيم على شحذ ذاكرته علّه يتذكر ما الذي حدث فيما بعد، لكن ذاكرته تسربت إلى منظر آخر لجده وهو يلقّن أحد الأموات درساً في أصول الموت.

شتت ذاكرة إبراهيم بين تأنيب جده لهذا الميت ثم غمره وتمسيد جسده بحنان. فجدّ إبراهيم كان مصدر أمان لأمواته الذين كانوا يتنسمون فيه خير دليل في رحلتهم الأخيرة.

كان عند نافذة بيته الضيقة يجول بذاكرته في أروقة الجثث الكثيرة التي قد مرّت عليه، ويفكر أن الموت ليس أكثر من حاجة كفيه وكفي جده من قبل لفرك أجساد الأموات.

كان منظر الجبل المقابل لبيته قد أخذ بالانقشاع، وثمّة عشب يابس يتدحرج وطيور قليلة تركت نفسها تحت رحمة عاصفة آخر الليل وأول النهار.

قبل أن ينجلي المشهد أمام عيني إبراهيم المغبشتين ترامت إلى مسامعه أصوات طرطقة عجلات خشبية تتدحرج فوق الحصى والأحجار.
صفحة 4
4

لم يهتم بالمرّة بصوت طرطقة العجلات. ارتشف آخر رشفة من شايه وهو ينظر عبر النافذة إلى الرجال الذين صاروا يظهرون عبر الضباب كالأشباح.كانوا يجرجرون عربة نقل الموتى، وفي بالهم أخذ الراعي الممدد فوق رخام إبراهيم.

كانت العجوز على رأس الرجال تكلمهم كأنها تكلم نفسها فقط. أما هؤلاء فعلامات الغضب والكدر قد تمددت على وجوههم الجافة.

«حسناً- قال إبراهيم- لقد انتهيت».

كان على العربة بعض الطعام. أدخل أحد الرجال هذا الطعام إلى فِناء البيت على وقع صوت إبراهيم يأمر الرجال، بضجر، أن ينقلوا الجثة إلى العربة.

لا يذكر إبراهيم أنه قد كفّن الرجل بالأبيض أو لفّه بحبل القطن. لكن الجثة كانت بغاية الأناقة والتشذيب... « ها هو قد عاد صبياً» قال إبراهيم للعجوز التي لم ترد إلا ببصقة خضراء أتت بها على التراب المبلل بماء المطر.

5

جاء في كتب الطاعنين وألسنتهم أن جدّ إبراهيم كان إذا ما حدّق إلى أحدهم يوقن هذا الأخير أنه قاب قوسين من الموت. جاء في همس طاعني القرية وشيوخها أن جد إبراهيم كان لا يخرج من بيته إلا إذا تأخر الموت في القبض على أحدهم. كان لا يخرج إلا لماماً لحبك خيوط لا يراها إلا هو.حسب دمدمات هؤلاء الشيوخ كان لا يخرج من بيته المنعزل إلا لتأمين قوته من الموت.

عجّل الرجال في نقل الراعي إلى العربة الخشبية وهم يتدارون عن وجه إبراهيم.كان يقف عند عتبة بيته منحنياً يحكّ ذقنه ويبادل العجوز الكلمات حول موضوع له علاقة بطفلين.

«كلا لم يجدوهما بعد»، ردّت عليه وهي تلعن ظلال لعابه بصوتها المخنوق في صدرها.

«هل أنت أصم! قلت لك لم يجدهما أحد بعد»، قالت بعنف وهي تحثّ الرجال على الإسراع في جر عربة الخشب.

كان صوت الأذان الآتي من جهة القرية يتناهى إلى مسامع إبراهيم أثناء ولوج الرجال الضباب، وقبل أن ينهي كوبه الثاني من الشاي قام بوضع فراشه على لوح الرخام وغرق في موجة نوم لا تشبه إلا الموت.

نومه يشبه نوم الجثث. إنه حالك إلى أصفر متردد كأنه ورق شجر الخريف.لا يجيد النوم ليلاً ويكره بشدة ضوء النهار. يحب الليل إلى حد الشغف وتربطه علاقة وطيدة بالسماء الملبدة بالغيوم.كان الطقس الذي جدد عاصفته حول بيت إبراهيم يهدهد سريره حيث يقوم بغسل الجثث، كأنه يهدهد سرير رضيع. بالفعل، فإن إبراهيم ومنذ أول إغفاءة له لا يقدر على النوم إلا إذا وضع إصبعه في فمه وأخذ يمضغها كل الوقت. حتى أن أهل القرية لطالما تساءلوا عن سر اللون الأبيض الذي يكلل أصابع إبراهيم.

لم يسبق لأحد أن رآه نائماً. فما خلا بعض الصبية الأشقياء لا أحد من أهل القرية والجوار يجرؤ على التسلل إلى نوم إبراهيم.
صفحة 5
6

يا لقرية إبراهيم!!

تضم قريته عدداً لا يستهان به من البله والمساطيل. توالى هؤلاء على القرية جيلاً بعد جيل... حتى اليوم.

أحد الصبية يشرح أنه رأى يوماً إبراهيم يسير في بيته وهو مغمض العين ويتكلم لغة غريبة.

«ثم ماذا جرى؟» سأل أحد الرجال هذا الصبي الذي لم ينبس يومذاك بحرف، لكنه، وكما لاحظ الرجل، بال على نفسه من شدة الخوف.

عاد الطقس في الخارج إلى سابق عهده من رعد وبرق ومطر كثير، أما إبراهيم فقد كان فوق الرخام كأنه جثة هامدة لولا صوت المضغ الصادر من بين شفتيه ولسانه وإصبعه الطويلة.

كانت العتمة عند أول عتباتها لما فتح عينه الواحدة على صوت قرع على باب بيته حيث ثمة همهمات تختلط بعضها ببعض وكلب يعوي بصورة غريبة كأنه تعلم العواء تواً.

قام من فوق سريره الرخامي، وتقدم نحو الباب وقد لفّ جسده باللحاف. ما إن فتح الباب حتى تقهقر إلى الوراء، وقبل أن يرد السلام أخذ يستغفر رب العالمين ويتمتم بآيات من الذكر الحكيم. إنه كلب أسود ضخم كان يعوي أمام حشد من الرجال تجمهروا أمام بيت إبراهيم.

كان عواء الكلب يزداد مع تحديق إبراهيم إليه، بينما هذا الأخير ومن داخل بيته يمط رقبته محاولاً التقاط المشهد المكون خلف حشد الرجال.

إنها العجوز الشمطاء تعصر إحداهن بيديها القويتين بينما هذه الأخيرة تنشج بالبكاء والعويل قرب عربة الخشب التي قد احتشدت بجثتي طفلين صغيرين.

«السلام عليكم»، كرر أحد الرجال بصوته المبغوت ببحة خوف. «وعليكم السلام»، ردّ إبراهيم ثم وبعرعرة صادرة من بين أسنانه المشدودة قال: «أبعد هذا اللعين من أمام منزلي» مشيراً بذقنه ناحية الكلب.
صفحة 6
7

جاء في أخبار جده أن الكلب الأسود هو من مطايا الجن.

كان ينظر إلى الجثتين الصغيرتين الممددتين الآن فوق الرخام بتؤدة وحذر، وكان يعود إلى كتاب الله يقبّله بين الحين والحين.

رحل الجميع من أمام منزل إبراهيم ولم يخلفوا في المكان إلا بعضاً من قماش ممزق ومنديل مرمي فوق الأرض وفردة حذاء موحلة وصوت المرأة أم الطفلين يتردد صداه في الأرجاء.

كان صوتها يجتاز الوادي ليصل إلى أذني إبراهيم وآذان طفليها الميتين.

لم يشك أي من ناس القرية أن شيئاً أصاب المرأة بعد اختفاء زوجها المفاجىء. كانت تصيح في الليل، وفي النهار كانت تجرجر الولدين على طول الطرقات وعرضها وتسأل المارّة إذا ما رأوا زوجها في الجوار، في أي جوار، كما كانت تقول.

كان زوجها من ذوي القامات الضخمة، وكان يتمتع بقوة جسدية لم يجاره بها أحد. كان يعمل في أحد المقالع الصخرية عند تخوم القرية من جهة الغرب ولم يكن يكلم أحداً لأنه كان أخرس إلا من بعض الحروف. اختفى هكذا كأنه لم يكن البتة. رمى مطرقته الحديدية ورحل.

مات الولدان في النهر بعد أن قامت المجنونة بإغراقهما، كما أخبر أحد الفلاحين. «لكن الرجل، هذا الفلاح، لم ينجب سوى البلهاء من الذكور والإناث، فأي امرأة هي تلك التي ترمي ولديها الصغيرين في النهر»؟! على هذا اتفق بعض عقلاء القرية من الذين ألحُّوا على هذا الأحمق أن يلتزم جادة الصمت، ويكف عما يبقبق به لسانه من قيل وقال..
صفحة 7
8

«رووا أن امرأة أتت إلى النبي فقالت له: ابني هذا به جنون يصيبه عند الغداء والعشاء. فقالوا، فمسّ النبي صدره فثغّ ثغة فخرج من جوفه جرو أسود يسعى».

كان إبراهيم يفرك إحدى الجثتين ويلهج كل الوقت بالصلاة على سيّد المرسلين وفي باله الكلب الأسود الفاجر الذي كان يعوي كمن يخبر بشيء. غمرت قلب إبراهيم الفاجعة وانصرف بكل حواسه عن الجثتين وعاد بذهنه إلى جده القديم.

ربما كان في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة من العمر يوم خرّ جده راكعاً أمام جثة شاب يافع مات نتيجة عضّة كلب أسود. تذكر إبراهيم كيف ترك جده الجثة أياماً دون أن يمسها بقطعة قماش أو حتى برشة ماء. كان جده يومذاك على عياء شديد وكان متيقناً أن جناً ما يسكن أحشاء هذا القتيل.

انصرف إبراهيم عن كل ما يعتوره من خوف وعاد إلى الجثتين اللتين بين يديه يتحسسهما ويراقب نضارتهما واللون الأزرق تحت عيونهما مستأنساً بما جادت عليه ذاكرته من آيات وأحاديث. لكن..... وكما ردد جده في ذلك اليوم: السود من الكلاب الجن.

نفض يديه عن إحدى الجثتين التي شعر إبراهيم بحركة صدرت عنها وثمة نفس حار خرج من بين الشفتين.. «لا إله إلا الله. . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» وتقهقر خطوتين إلى الخلف.

عادت صورة جده الخائف تحتل مساحة وعيه المتذبذب وتختلط برائحة جثة الشاب الذي قد عضه الكلب. انتابت الرهبة إبراهيم فألزمته الصمت والترقب وصوت جده الخائف من ذلك الشاب اللعين.

لم يتعود إبراهيم في أيامه ولياليه خوف جده من الجثث، بل تحسب أن الميت بين يديه عجينة يشكلها كيفما يشأ. لكن الأسود.... الكلب الأسود من مطايا الجن والشياطين!!

انخلع قلب إبراهيم وتبددت صورة جده من بين ثنايا ذاكرته وقد قح أحد الولدين من فوق سرير الرخام. فتح الصبي عينيه ثم شهق وعاد فمات.

تصلب إبراهيم في مكانه كأنه جثة منتصبة إلى انحناء بسيط. اختلس نظرة إلى النافذة الصغيرة ليرى أن العتمة قد لفّت الأنحاء وثمّة سبات كأن الريح قد غاصت في لجة النوم. امتقع وجهه بمدّ من السكون المضطرب؛ وعادت إلى رأسه صورة جده الذي نادم يوماً أحد الأموات حتى الصباح.

كان يومذاك في العاشرة من العمر حين ردت الروح بغتة إلى أحد الأموات أثناء تسريح شعره الطويل.

لا يذكر إبراهيم التفاصيل باستثناء أنه رمى بالمشط وعجّل الجري إلى غرفة أخرى حيث كان جده.... أكفاناً وأموراً أخرى..

تلاشث ذاكرة إبراهيم بين جريه المذعور إلى جده وهذا الجد الذي. .. حاول تحرّي المشهد لكن صورة الولدين الممددين على الرخام أمامه استباحت كل صور الماضي البعيد.
صفحة 8
9

كان صوت المطر في الخارج ينهمر كأنه يوشوش أو يهمس بالأسرار. لم تبرق السماء ولم ترعد البتة. إنما صوت المياه المنهمر هيّأ في رأس إبراهيم الإسراع في غسل الصغيرين، فهو على كل حال بحاجة ماسة إلى الجوز والعنب والعسل والملح.

لم تكن أم الولدين مع زمرة المشيعين. هم أربعة أو خمسة رجال والعربة الخشبية وتلك العجوز الشمطاء تحمل في يدها جوزاً وعنباً وعسلاً وملحاً.

«يبدو أن والدة الطفلين أسرفت في كرمها عليك»، قالت الشمطاء بنبرة تنم عن سخرية وهزء. لم يرد على المرأة بشيء. اكتفى بأخذ الطعام من بين يديها ثم أغلق الباب بإحكام، وجعل يستنشق رائحة الريحان والبخور المنتشرة داخل أرجاء البيت.

10

«إنّ أمتين مسختا، هما الحيات والكلاب»، قال جده وهو يلف التبغ فوق جثة تبلغ المائة من العمر. لم تكن جثة رجل ولا جثة امرأة بالتأكيد. لم تكن سوى جثة على ما يذكر إبراهيم.كان جده يزيل التبغ عن بطن الجثة بعد أن نشره هناك كي يجفّ بعض الشيء.

«إذا نبحت الكلاب وجاوبتها ذئاب الجبال، قال جد إبراهيم، فسيكون هناك أوبئة وجوائح مهلكة». لم يكن جده عرافاً أو من أصحاب الكهانة والتبصير، لكن للموتى حكمتهم التي تتسلل خفية من بين الشقوق والفتحات لنتلقفها «نحن يا إبراهيم»، حسب قوله القديم.

«نعم، إن الموتى يعلمون ما يعجز كل حكماء الأحياء وشيوخهم عنه. لهم باب إلى الأسرار من نعم سيد السماوات والأرضين علينا أنه قد خصّنا به يا صغيري يا إبراهيم. تعلّم كيف تنصت جيداً إلى حكايا الموتى، ولا تنسَ ذكر الله كلما أتى ميت إليك. فالأموات يحبّون ذكر الله والاستئناس يتجاويف حروفه وانبساط كلماته جلّ وعلا».

عندما كان إبراهيم صبياً كان يظن أن الله كتاب مفتوح يعج بما لا نهاية له من كلمات. فهو كان لا يرى إلى جده إلا وكلمات العلي القدير تزيّن لسانه مع كل جثة يغسلها. لم يتوقع الصبي إبراهيم أي فصل أو مسافة بين الله والكلمات وجثث جده التي لا تنتهي. حتى أنه في أحد الأيام، وفوق سطح المنزل من جهة المدخنة السوداء، سأل جده عن عدد كلمات الله.

ـ كلماته جل وعلا كثيرة.

ـ هل هي بقدر الجثث؟

ـ لست أدري!! رد عليه جدّه بحنق وهو ينزع ألواح الطوب من حول المدخنة السوداء.
صفحة 9
11

تناهت الأخبار إلى إبراهيم أن القرية لم تنظّم جنازة الطفلين وساد القرية هرج ومرج. تخلخلت الكلمات داخل رأس إبراهيم الأبيض وفجّت لسانه بالطول والعرض.

ربما كان في السادسة عشرة من العمر يوم قرر الصمت أن يحتل لسانه ويمكث فوق شفتيه شهوراً. في البدء- على ما يذكر-احتار جده العمل وكان يحثه على النطق تارة بالشِّدة وتارة باللين.

لا يتذكر إبراهيم أسباب نوبة صمته الطويل. لكنه حتى هذا اليوم يشعر بالقشعريرة ويرتجف حين يتذكر الخوف الذي أخذ بتلابيبه أثناء ذلك الصمت الذي باغته من الخلف. نعم، فهو وبعد أن عاود الكلام رد على جده حين سأله عن أسباب خرسه بالقول: «لست أدري، غدرني الصمت كمن يهاجم من الخلف». يتذكر إبراهيم أن جده كان يتلو الكتاب فوق رأسه من آن لآن عله يخرج الشيطان الذي قد ركب « لسانك يا إبراهيم. فإبليس الذي يجري من الإنسان مجرى الدم من العروق، يتطاير أمام كتاب الله» حسب قول جده. لكن الخرس آنذاك موّه وجود إبراهيم بهرج ومرج وفوضى كثيرة وبكوابيس تقشعر منها الأبدان. لا يدري ماذا دهاه. خاف من الكلمات فابتلعها إلى قعر جوفه، أو فرّت منه.

كان لا يرى إلى نفسه أثناء نومه إلا بوجه بلا فم ومجرد أنف ثم ذقن ثم رقبة وكتفين.

«هذا كل ما كنت عليه»، يقول إبراهيم لنفسه على وقع الأخبار الآتية من القرية حيث الصمت والفوضى والهرج والمرج. فجأة ومن حيث لا يدري استفاق جده على صياحه، وكان الوقت قد تجاوز منتصف الليل.

فم ضخم يزحف فوق أرض المنزل بأسنانه الناصعة البياض، ولسان أحمر طويل التهم جده العجوز.

« إبراهيم....... يا إبراهيم، ماذا دهاك يا إبراهيم؟».

«إنّ كيد الشيطان كان ضعيفاً».

يتذكر إبراهيم أن جده العجوز ارتعب من وسع عينيه عندما أيقظه من هذا الحلم، وكان كل الوقت يلجلج بملء الصوت بما أجاد الله به عليه من نعم قوله الكريم: « إن الشيطان لكم عدوّ فاتخذوه عدواً»، «وكان الشيطان للإنسان خذولاً».....الشيطان....الشيطان....الشيطان..
صفحة 10
12

«سحقاً لك من كلب أسود لعين» غمغم إبراهيم وقد وقف على ما جرى أثناء دفن الطفلين.

احتار شيخ القرية إذا ما كانت الرحمة تجوز على هذين الولدين أم لا. فموتهما سبب إشهار عورة أمهما أمام نساء القرية ورجالها وأمام الشيخ. تناهى إلى إبراهيم أن النسوة لم يستطعن كف المرأة المجنونة عن الذهاب إلى الجبانة في آخر القرية من جهة الشرق. قفزت من بين أيدي النساء ودخلت إلى قلب الغابة حيث الصخور هناك تشبه الأشرار من الرجال. طاردتها بعض النساء لكنها توارت واختفت خلف صمت لسانها وخلف رجال الصخور هؤلاء. أسقط من أيدي النساء، فانصرفن عن التفتيش عنها وعدن إلى منازلهن خائبات.

كان الشيخ عند أول صلاته فوق الجثتين الصغيرتين حين انبثقت المجنونة فجأة من بين دغل صغير وكانت عارية تماماً.

لم تغطِّ سوى رأسها بمنديل قد غمسته بالوحل، وكانت حافية القدمين، وجراح كثيرة تغطي جسدها النحيل.أعرض الشيخ عن المرأة وقام بإغماض عينيه، أما بقية المشيعين فقد تحرّوا الابتعاد عنها وهم يسترقون النظرات وأفواههم فاغرة وأيديهم كثيرة يضعونها فوق آذانهم والعيون.

سجدت المجنونة عند كعب الشيخ متوسلة إليه ليدفنها مع الطفلين. لكن الشيخ استنجد بالله وتوجه إلى جمهرة المشيعين يقرأ عليهم: «إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه فلا تخافوهم». جعل الشيخ يردد الآية الكريمة بملء الصوت مرّة بعد مرّة، ومع كل تلاوة كان يعلي الصوت أكثر مولياً المرأة أذنه الصمّاء، بينما تلك متشبثة بقدميه كأنه واسطة البقاء مع الصغيرين الميتين.

«إذا نبحت الكلاب وجاوبتها ذئاب الجبال، فسيكون هناك جوائح كثيرة»، قال إبراهيم لنفسه وقد علم أن تلك العجوز الشمطاء وجدت بين الرجال فجأة وكانت تحمل بطانية سوداء ورفشاً. نظر الشيخ إلى الشمطاء ساهياً ثم تلا همس غير واضح الكلمات والحروف وهو ينظر إلى الشمطاء تشجّ رأس العارية بالرفش.

«أدخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان» قال الشيخ كأنه يوشوش الناس مخافة أن يسمعه أحد.

رزحت القرية أكثر من شهر تحت صمت يشبه عناد البغل بعد حادثة المقبرة وما قد جرى هناك. أما إبراهيم فكان طوال هذا الوقت مكتفياً بما جاد عليه موت الطفلين من عنب وتين وعسل وملح. لم يكن يرى إلا بعض الصبية من الذين يختلسون النظر إليه عبر نافذة بيته الصغيرة، ومن آن إلى آخر كان يبادل مجاذيب القرية نظراتهم الخرقاء عبر هذه النافذة.