eKtab
EN ع
مصابيح أورشليم
اقرأ عينة مجانية

مصابيح أورشليم

بقلم علي بدر

صفحة 1
-1-
 
تقرير أولي
 
أما نحن فكالحراس محكومون بالوقوف
 
في ليال بلا نجوم ننتظر الساعة الموقوتة
 
Jean Dryden
 
كان صديقي أيمن مقدسي-الفلسطيني الأصل- والمولود في بغداد في العام 1964، هو الذي بدأ بفكرة هذه الرواية عن إدوارد سعيد، وهو الذي اخترع شخصياتها، وأحداثها، ومعجمها، ومنذ البداية·
 
في الواقع، لم أكن معنياً أوّل الأمر بما كان يكتب، أو بما كان يقول، أبداً· ولم أنتبه أو أصغ له حينما كان يحدثني عن مشروعه هذا مطلقاً، ولكني وعند استغراقه في البحث، وسؤاله لي كل مرة عن مصدر أو كتاب، أو عند مناقشته لي ولعلاء خليل- صديقنا الآخر والذي يقع على الطرف النقيض تماماً من أيمن مقدسي- لكل فكرة تقريباً، وشيئاً فشيئاً، ومرة بعد مرة، وجدت نفسي مشتركاً معه في كل ما كان يكتب، ومتوغلاً معه في كل ما كان يبحث، وملتزماً أخيراً-وحدي- بكلّ ما ورد في هذا الكتاب كلمة كلمة، وحرفاً حرفاً، لقد وجدت نفسي أنا الكاتب الوحيد لهذا الكتاب لاسيّما بعد الدراما المأساويّة لاختفائه·
 
كان آخر لقاء لي معه في بغداد قبل ثلاثة أعوام، وقد رأيته في مقهى الجماهير القريب من باب المعظم، وهو مقهى متواضع يتكون من بهو عريض وواجهة زجاجية وتخوت خشبية، يقع في زقاق صغير بالقرب من صحيفة الجمهورية الواسعة الانتشار، وكان يجلس فيها-قبل الاحتلال-الجيل الأخير من الكتاب والفنانين والرسامين والمسرحيين والسينمائيين، وقد تميز هذا الجيل بانفصاله الملحوظ عن الجيل السابق، سواء أكان ذلك في الرؤية للأحداث أم بتعلقه بالصرعات الحديثة، أم بالأفكار الغريبة حيث كان أغلبهم قريباً من الأفكار المتطرفة في الفن·
 
كان أيمن يرتدي ذلك اليوم جاكتة مخططة، وبنطلوناً من الجينز عتيقاً جداً، وقد بدا عليه التعب والإرهاق بصورة واضحة، فذقنه لم يحلق من مدة طويلة· وشعره الطويل غير ممشّط، وقميصه مفتوح، وحين جلس إلى جانبي لم يكن مرتاحاً في جلسته أبداً· وكان استكان الشاي يرتجف في يده، ولم يتكلم كثيراً معي كعادته، أو يناقش نقاشاته المتحمّسة كما تعودته، بل كان صامتاً، شارد الذهن على الدوام، غير مكترث لأي شيء·
صفحة 2
أما الوضع المحيط بنا فقد كان استثنائياً تماماً، كان مضطرباً ومشوشاً، وأصوات الانفجارات تأتينا متلاحقة ومن كل مكان تقريباً، وأنا ذاتي كنت مضطرباً وقلقاً بل ومرتبكاً إلى حدّ كبير، وحدثته بأني سأسافر سريعاً، أي إني سأغادر العراق بأسرع ما يمكن، وكلمته عن ظروف زيارتي لبغداد في هذا الوقت من العام بالذات، وعن المخاطر التي أواجهها، والظروف الصعبة التي أعاني منها، وأبدى تعاطفه الشديد معي، وقد وافقني في كل شيء تقريباً، وقال لي إنه من الخطر على حياتي بقائي هنا، وعليّ الرحيل بأسرع ما يمكن، لأن الصحفيين القادمين من الخارج كانوا مستهدفين ذلك الوقت·
 
وحين سألته عن كتابه الذي كان يعمل عليه، أو روايته عن إدوارد سعيد، أخرج من حقيبته أوراقاً عديدة، قديمة وحديثة، مكتوبة بقلم الحبر أو مطبوعة على آلة كاتبة، بعضها مكرّر ومعاد، والآخر حديث، كما أخرج أيضاً أوراقاً ووثائق نادرة، وصوراً فوتوغرافية، ومخطوطات موضوعة في كيس أسمر كبير، وطلب مني أن أطلع عليها، ولما بدأت بتقليبها اقترح علي أن أأخذها معي إلى المنزل لقراءتها كاملة وكتابة ملاحظات له عنها· 
 
وافقت بطبيعة الأمر على اقتراحه، على أن أراه في اليوم التالي وفي الساعة ذاتها وفي المكان نفسه، وأخبرته بأني على سفر بالتأكيد، وعليه أن يأتي لاستلام كتابه مرفقاً بملاحظاتي، بل أكدت له بأني بعد أن أراه في الغد سأذهب إلى المحطة مباشرة وسأغادر العراق، وبالتالي عليه أن يأتي حتماً لاستلام كتابه، فهز رأسه موافقاً، وأكد لي مجيئه· غير أنه طلب مني شيئاً مهماً وعلي التقيد به، قلت له: ما هو؟ قال لي في حالة عدم مجيئه في الغد، علي أن لا أترك الكتاب عند أي شخص، مهما كان، حتى لو اضطررت لأخذه معي والاحتفاظ به·
 
(بطبيعة الأمر لم أسأل أيمن مقدسي لم قال هذا الكلام، فأنت لا تسأل لماذا لا يأتي شخص إلى موعد في بغداد أيام الحرب، ذلك أن عدم مجيء شخص لموعده أمر وارد تماماً، بل لا أحد يخرج من منزله وهو متأكد من عودته، أو من وصوله إلى المكان الذي يريد الوصول إليه أبداً)·
 
عند عودتي إلى المنزل، وبسبب انقطاع الكهرباء، لم أستطع قراءة المخطوطة، كما أني لم أكن في ذلك الوقت متحمساً جداً للقراءة، فكانت زيارتي لبغداد سريعة، بل خاطفة، وأردت فيها الاطمئنان على عائلتي ورؤية أصدقائي والاطمئنان عليهم ولاسيما في ذلك الوقت العصيب من الحرب-أو هكذا كنت أقول للآخرين حينما كانوا يسألونني عن سبب مجيئي إلى بغداد- خافياً مهمة أخرى كنت جئت من أجلها، وهي إني كنت مبعوثاً من قبل صحيفة فرنسية لكتابة تقرير عن الأوضاع السياسية والثقافية والاجتماعية في العراق بعد زوال النظام السابق، وحياة الناس تحت ظروف الاحتلال، واحتمالات الحرب الأهلية·
صفحة 3
غير أن المخاطر كانت كثيرة ولاسيما لشخص مثلي ترك العراق منذ زمن بعيد، فمعرفتي بالطرق والشوارع والأزقة والمحلات الخطرة ضعيفة، كما أني لا أستطيع حدس المخاطر التي تحيط بي، فأثناء غيابي تغيرت المعطيات كثيراً عما كنت أعرفها، لذا كان علي المغادرة بالسرعة القصوى، فالغرباء هم أفضل الأهداف نسبة للمسلحين، كما أن الصحافيين هم أيضا عرضة لاختطاف جهات عديدة·
 
***
 
بعد أن أشعلت الفانوس في حجرتي بسبب انقطاع التيار الكهربائي، جلست أمام منضدتي في حجرتي القديمة في منزل أهلي، كتبي على حالها كما تركتها منذ أعوام، ملابسي معلقة على الشماعة أيضا، فقد حرصت أمي أن لا يدخل أحد إلى الحجرة منذ مغادرتي وحتى اليوم، اللوحات على الحائط علاها الغبار، وصورتي أنا وأيمن مقدسي وعلاء خليل ومجموعة من الأصدقاء الكتاب الشباب بعد حرب الخليج الثانية موضوعة في الزاوية أيضاً· كان الورق الأبيض أمامي، ومخطوطة صديقي أمامي أيضاً، ولكني بدلاً من قراءة المخطوطة والاطلاع على الأوراق والوثائق والصور والخرائط التي قدمها لي وإبداء ملاحظاتي عنها، بدأت أخطّ الأسطر الأولى من تقريري، وتدوين الملاحظات الأساسية التي رأيتها، وكتابة بعض الأفكار أو الخطوط العامة والأحداث التي رأيتها قبل نسيانها، وكانت في الواقع أشياء كثيرة، فهنالك وفي كل مكان تقريباً شيء ما مهم يمكن تدوينه، وكنت أملت نفسي بأني بعد تدوين هذه الملاحظات والمشاهد سأتفرغ لمخطوطة صديقي، غير أن الكتابة أخذتني حتى الصباح، وعند الفجر نمت، وحين استيقظت كان الضحى قد انقضى، فحملت الكيس الذي يحمل المخطوطة والأوراق والصور والوثائق كاملاً دون أن أفتحه، وذهبت به إلى المقهى، وبدلاً من الملاحظات التي وعدته بكتابتها له، أعددت له اعتذاراً مقنعاً، أو هكذا كنت أعتقد 
 
جلست في المقهى على الكنبة العتيقة المواجهة للزجاجة الخارجية، أصوات الانفجارات تسمع من بعيد، والمثقفون يتحدثون على الدوام عن الحرب، غير أنهم كانوا منقسمين تماماً فيما بينهم: الاحتلال، الإرهاب، المليشيات الدينية، استمرار الفوضى، الحرب الأهلية، بعضهم يقع في هذا الطرف والآخر في الطرف المقابل ولا لقاء بينهما أبداً، بعضهم متفائل جداً، والآخر متشائم جداً، وهذا الأمر كان يجرهم إلى نقاشات متعصبة وعمياء وإلى اتهامات كريهة، وأكثرهم أخذ يعمل في الصحف الكثيرة التي افتتحت تلك الأيام، أو مراسلين في الشبكات الإذاعية والتلفزيونية الأجنبية أو المحطات المحلية التي افتتحت حديثاً، أو مراكز الأبحاث وما أكثرها، باستثناء أيمن مقدسي الذي كان متشائما جداً، وترك كل عمل حتى عمله في الجامعة، وكانت عواطفه مشوشة تماماً ومضطربة، ولم يكن قادراً على إبداء رأي صريح بالأحداث بسبب الاتهامات التي يواجهها، وكان تبادل الاتهامات والشك بين المثقفين على أعلى درجة، ربما كان هذا الأمر من الأسباب الأخرى لاختفاء أيمن مقدسي أو لانتحاره، ومع ذلك جلست وتحاورت وتناولت الشاي مرتين، ودخنت السيجارة الأولى، والثانية، والثالثة، غير أنه لم يأت·
صفحة 4
كان الوقت يمر، ووقت رحيلي يقترب، وكنت أزداد توتراً وقلقاً، فقد أكد لي، وشدّد بأن لا أترك المخطوطة والأوراق والصور الفوتوغرافية النادرة مع أحد، حتى لو لم يأت وهكذا وجدت نفسي في المحطة واقفاً أمام الباص الذي يتهيأ للانطلاق، وبيدي مخطوطته وأوراقه والوثائق والصور النادرة التي عثر عليها والتي تفيده في كتابة روايته، وعيني مصوبة إلى البوابة الواسعة، منتظراً، ومتخيلاً بأنه سيأتي في اللحظة الأخيرة راكضاً مهرولاً لأخذها مني غير أنه لم يأت، وقد أصابني اليأس، وعندما بدأ الباص بالتحرك، وعيون الركاب مصوبة نحوي، استسلمت تمامًا للأمر الواقع، لقد لحظت استياءهم وتذمرهم، كما أن السائق ذاته حذرني أكثر من مرة إن لم أصعد فإنه سينطلق دوني·
 
أخيراً، ركضت نحو الباص، صعدت، وجلست على الكرسي، مع ذلك بقيت في نفسي بقيا أمل صغيرة بأنه سيأتي في اللحظة الأخيرة، كنت أتلفت نحو البوابة الخارجية لمحطة السيارات، عله يأت ولو في وصوله المتأخر، غير أن الباص انطلق بسرعة كبيرة على الإسفلت الصلب نحو الطريق السريع المؤدي إلى الحدود، فارتخت يداي اللتان تمسكان الكيس الأسمر الذي يحوي أوراقه مسنداً إياها على ركبتيّ، ووضعت رأسي على النافذة بعد أن اعتصر قلبي ساعتها حزن كبير، وشعرت بوخز وتوتّر مؤلم، إذ إن السؤال الذي هيمن علي تلك اللحظة وأقلقني تماما، هو: ماذا حدث له بالضبط؟ ولماذا لم يأت لأخذ مخطوطته مني؟ 
 
لم تكن أفكاري السوداوية هي السبب في هذا الحزن، إنما واقع الحال، فليس هنالك أي تفسير آخر لتأخره سوى قنبلة ما انفجرت في طريقه، أو رصاصة طائشة أصابته، أو حادث اغتيال 
 
وحدها هذه الأشياء المريعة كانت تفسّر غياب الأشخاص ذلك العام وتأخّرهم عن مواعيدهم 
 
***
 
أن يكون قتل أو اغتيل، الأيام اللاحقة لم تثبت ذلك·
 
أن يكون انتحر ربما ولكن أين جثته؟
صفحة 5
ملاحظاته عن انتحار والدة الكاتب الإسرائيلي عاموس عوز والذي جعل منه أحد أبطال روايته، وجعل بعض أبطال روايات هذا الكاتب شخصيات في روايته أيضاً، قد تفسّر جزءاً قليلاً من هذا الأمر، وأنا أقصد هنا بطبيعة الأمر الفقرة التي انتزعها من كتاب عاموس عوز موتى جدتي ووضعها في معجمه، وملاحظاته الأخرى الموضوعة في نهاية هذا الكتاب، والتي تخص كتّاباً آخرين كان يتصور أنهم مفيدون في كتابه، كما هناك الملاحظة الأخرى المهمة التي وضعها عن كلاوسنر جد الكاتب الإسرائيلي الآنف الذكر، وأقصد بها المسافة بين وهم المدينة وواقعها، وأيضا الملاحظة التي انتبه لها ووضعها عن إدوارد سعيد في زيارته للقدس، أو بعد زيارته لها، وكذلك الملاحظة المنتزعة من كتاب فلوبير عن القدس أيضاً، وهنالك أشياء كثيرة أخرى ولكنها مغايرة للمنحى العام لتفكيره، وأنا هنا لا أريد الخوض فيها، طالما أن كتابه هو رواية عن إدوارد سعيد، أو بشكل أدق هو رواية عن إدوارد سعيد في زيارته للقدس، وهي رواية بكل الأحوال وليس كتاباً يحمل مواقف ثابتة، أو أشياء جاهزة، أو رؤى حقيقية، بمقدار ما هو وهم أو خيال، أو توهم حقيقة، أو إمكان لوجود أو احتمال ممكن·
 
مرة سألته:
 
- رواية عن إدوارد سعيد لماذا رواية؟ لماذا لا تكتب عنه كتابًا؟
 
قال: لأن إسرائيل نشأت من أسطورة أدبية من فكرة رومانتيكية نشأت من رواية وبالتالي يجب إعادة كتابتها عن طريق الأدب أيضًا يجب تكذيبها عن طريق الرواية الرواية هي أفضل حرب طالما كل الحروب قد خسرت وفشلت لماذا لا نجرب الرواية إدوارد سعيد كان أخطر حرب على إسرائيل، أخطر من كل الحروب الفاشلة التي خضناها 
 
كان يعتقد أن أفضل ما يفعله هو إعادة سرد الأساطير لتكذيبها لتدميرها لكشف خداعها لكشف زيفها 
 
- التاريخ يصرخ·· إنه اختراع زيف سرد موهوم وهو متقطع وليس عملاً متسقاً ولكن الخدعة السياسية تجعل منه عملاً متسقاً ومتلاحقاً كما أنه احتمال·· وهو ممكن·· ولكنه ليس شيئًا قطعياً ونهائياً وهذا ما سأفعله بروايتي هذه كل واقعة تخضع إلى سرد مختلف من قبل مستخدميها، يوم النكبة للفلسطينيين هو يوم تأسيس إسرائيل، هو عذاب وضياع وتشرد للفلسطينيين وهو يوم وجود وكيان للإسرائيليين هذه رواية وتلك رواية أخرى وهكذا سأجعل من سعيد البطل الذي يكذب الرواية الإسرائيلية
صفحة 6
وهو محق في هذا الأمر، طالما أني رأيت لديه كل هذا الاهتمام بكل ما هو متغير ومتحول، ولديه كل هذا الاهتمام بها كونها فن احتمال حقيقة وواقعاً، كما كان لديه هذا الاهتمام العالي بالأشياء التي لا تتجمد ولا تستقر أكثر من اهتمامه بالأشياء القطعية والثابتة والحاسمة وقلت في نفسي حسن ربما هذا يفسر بذاك طالما هو يكره الآديولوجيا، ويؤمن بالتغير، والتحول، وهو ذاته تغير وتحول أكثر من مرة في حياته، كما تحول وتغير إدوارد سعيد في حياته أكثر من مرة، إذن فإنه واقعي جدًا من هذه الناحية، وطبيعي أن يختار هذا المنحى، كما كان هنالك شيء آخر أيضًا: هو اهتمامه الشديد، ومنذ زمن بعيد برواية يوليسيز لجيمس جويس·
 
قال لي مرة، إنه يريد أن يصنع من إدوارد سعيد يوليسيز، ومن أورشليم دبلن·
 
ولكن وفي فترات إخفاقه وتعبه وانهياره، يعترف بأنه فشل في ذلك فشلاً ذريعاً، ذلك أن إدوارد سعيد لم يكن يوليسيز مطلقاً، كما أن أورشليم لم تكن دبلن أبداً·
 
مع ذلك كان يقول لي في فترات الراحة والانشراح وسعادة الاكتشاف:
 
كل واحد منا له أورشليمه الخاصة به 
 
أورشليمه الخاصة به ماذا تقصد؟ 
 
أورشليم هي المدينة الضائعة هي الحلم والكل يبحث عنها هي اليوتوبيا التي لم تتحقق ولن تتحقق أبداً طالما أن خيالها أكبر من واقعها 
 
كيف ؟
 
مدينة صغيرة لكنها احتلت كل هذه المساحة التاريخية من عقل البشر وعلى مر القرون إذن هي سرد موهوم أكثر من كونها واقعاًً
 
في الواقع-وهذا ما فهمته لاحقًا من تطور سيرته وحياته وكتابته-كان أيمن مقدسي يتحدث عن القدس بوصفها المدينة التي طرد أجداده منها في العام 1948 وهي المدينة الواقعية التي لها حياتها وآثارها وناسها ومواقعها، ويتحدث عن أورشليم بوصفها المدينة المحلومة التي تقع فوق المدينة الحقيقية وعلى خارطتها، وهذا الأمر يظهر على نحو جلي في لحظات خيباته وإخفاقاته ويأسه، وكانت هذه اللحظات كثيرة جداً، وليست قليلة أبداً، وهذا ما أثار استغرابي ولكنّني حين سألته مرة: لماذا لا يترك هذا الموضوع، ويشطبه تماماً من رأسه·
 
كيف أشطبه من رأسي أنت مجنون؟
 
كان يرفض التخلي عن هذا الأمر بشدة، بل كان يقول إن الكتابة عن هذه المدينة العجيبة، والبحث في تفاصيلها الغريبة، وأحداثها المعقدة، وشعوره بأنه يتجول في شوارعها، ويدخل مكتباتها، ويدخل جوامعها أو كنائسها، ويسير في بازارتها، ويسكن حاراتها وحده كافياً أن يمنحه من الراحة والسلام ما لم يكن أي شيء على الإطلاق يمنحه إياه·
صفحة 7
وقد قال لي مرة، وهو يحاول أن يلعب على الكلمات، ولكنه كان صادقاً بطبيعة الأمر في كل ما كان يعنيه من ذلك الأمر:
 
حسن أنت تعتقد أنها لا تساوي شيئاً أليس كذلك؟
 
نعم 
 
نعم هي لا تساوي شيئاً ولكن لا شيء على الأرض يساويها أيضًا
 
كان يدرك-كما أدركت أنا فيما بعد، وأنا أتتبع خطاه-أننا لن نصل إليها مطلقاً نراها نركض وراءها ولكننا لا نصل إليها أبداً، مثل الأبدية تركض أمامنا ونحن نركض وراءها بلا انقطاع حتى وإن عشنا فيها فإنها ليست هي إنها الفقدان الأبدي، وهي الخسران المطلق، هي الزوال المستمر ونحن لن ندرك أمرها هذا إلا بعد أن نراها أو نعيش فيها وكل الذين عاشوا فيها كانوا يقولون إن أرواحهم فيها لكنهم لم يصلوا إليها أبداً وهي من جهة أخرى حلم كل المنفيين في الأرض، كل الغرباء، كل المشردين، والهامشيين، والمغتربين، والمهاجرين، ومن لا أرض ولا وطن له، إنهم يبحثون عنها ولا يجدونها، وإن وجدوها فإنهم يبحثون فيها عنها، في داخلها وفي خارجها، يبحثون عنها في أحجارها وفي ظلالها ويدركون مرة بعد أخرى بأنها وحدها التي تملك الترياق الذي يشفيهم ولا علاج لهم في سواها إنهم مسمومون بها ومنها لأنهم بعيدون عنها دائماً وأبداً وضائعون فيها وفي خارجها أو على الأقل إن المنفي عن بلاده وما أكثرنا يحلم بها، لأنها ملاذه أو وطنه على الأرض، ولا غيرها إنها ملاذ الجميع وعلى مر التاريخ إنها وطن كل من لا وطن له 
 
مرة قال لي إنه لا يستطيع العيش من دون الحلم بها، إنها مدينة خيال يوتوبيا عظيمة نعم- كل ما تقوله عنها صحيح-قال- أنا لم أرها ولم أعش بها ولا أعرفها، ولكني سأبقى أحلم بها·
 
هل للقداسة شأن في هذا؟
 
أبداً لا علاقة للقداسة الدينية بهذا الأمر مطلقا
 
كنت أعرفه جيداً، فهو لم يكن متديناً مطلقاً، وليست لديه هذه الوساوس الدينية للاحتياز على مدينة مقدسة، غير أنه ومن باب الفن لا ينكر أنها مدينة صنعتها الآلهة وأنزلتها إلى الأرض، ولكن في الإطار الأسطوري لا الديني، فهي المدينة المرغوبة والمشتهاة لكل بعيد عنها، لكل خارج منها، ولكل منفي عنها، وهي أكثر مدينة على الأرض زارها المحتلون والمنفيون والمهمشون والمطرودون والمعذبون واللاجئون والمغتربون والأرستقراطيون والمتدينون والبرابرة 
صفحة 8
بهذا المعنى فهو لا يبحث عن مدينة دينية، كان يبحث عن مدينة متجردة ومنفية مثله، ولذلك لا يستطيع التخلي عن التفكير بها أبداً 
 
- كل المطرودين يحلمون بالحياة فيها لكنهم حين جاءوا إليها طردونا منها بمعنى آخر حين تكون على أرض وتطرد منها مهما كانت هذه الأرض مهما كانت ستتحول فيما بعد إلى فردوس، فكيف ترحل عن مدينة يعتقد الكل أنها فردوس ويريد أن يذهب إليها هل يحق لمن يأتي إليها أن يطرد ساكنها ويجعله يهيم على وجهه في الأرض ؟
 
أيمن هو نموذج المقتلع، المغترب، المنفي، البلا جذور، هو الفلسطيني التائه بعد أن حل اليهودي التائه في أرضه وطرده عنها، غير أنه وجد طريقة جديدة، وجد علاجاً لآلام اغترابه ونفيه، وهو الحياة فيها عن طريق الكتابة عنها، فتصبح الكلمات عالماً، وتصبح الأحداث حياة، والأسماء كينونة وواقعاً، وينسى المكان المعادي الذي يحيا فيه ويعيش في المكان الآخر، المكان غير الموجود إلا على الورقة البيضاء، وهكذا يهرب من هذا الوجود الحقيقي والواقعي، والذي لا يحبه ولا يرغب فيه، إلى إمكان ذاك الوجود المتوهم والمتخيل، يهرب من الجغرافيا الحقيقية الغريب عنها إلى الجغرافيا المتخيلة، فيصبح لكل شيء وجوده الفعلي، حتى الشخصيات التي اخترعها وتوهمها تصبح حية نابضة بالحياة مرتعشة وساخنة، كان يشرع بالكتابة عن طريق الصور الفوتوغرافية والخرائط والكاتلوغات والمخططات فيشعر وكأنه ساكن فيها، شيء بارد يغمره ويغشي عينيه، يشعر بأنه ارتاح تماماً، وما إن يفارقها، أو لا يفكر بها، يشعر بأن حياته اضطربت وتخلخلت واهتزت تماماً 
 
مرة بكى أمامي ووضع رأسه على الطاولة 
 
نعم كل ما قيل عنها صحيح أنا أعرف هذا جيداً مدينة صغيرة بشعة يقطنها المتدينون، مسلمين ومسيحيين ويهوداً وهم كسالى ولا يعملون بطبيعة الأمر، وهذا ما جعلها فقيرة على مدى التاريخ، وهي لا تقع على بحر، ولا يمر بها نهر، وليس فيها أي شيء له قيمة ولكن صدقني لو عشت في تاريخها مرة واحدة، فإنك تجد نفسك وقد تغيرت تماماً، بل وأؤكد لك ذلك أنت لن تهدأ مطلقاً إلا وأنت على أرضها 
صفحة 9
كان مثل فلوبير في زيارته لها - مع أن أيمن مقدسي لم يزرها مطلقاً، فهو مطرود عنها - لقد شعر فلوبير بخيبة أمل كبيرة عندما دخلها، شعر بأن ما كتبه الحجاج الأوربيون عنها هو وهم كبير، ووصفها بالقذارة الصريحة، وعنون أحد فصول رحلته إلى القدس لا تصدق الحجي مثل عربي ساخراً من الحجاج الأوربيين الذين كانوا يزورونها ويتحدثون لفقراء المسيحيين عنها، مما يجعل الأخيرين يبيعون كل شيء حتى أثاث بيوتهم ويذهبون للحج هناك، ولا أحد يتحدث الحقيقة، فهؤلاء أيضا يعودون ويتحدثون عن مدينة لا مثيل لها على الأرض، ولكن حين زارها فلوبير وشاهد كآبتها وبشاعتها سخر منها، وسخر من قبر المسيح فيها، ومن واليها، ومن ناسها، ومن أرضها، ومن جبلها ومن أسواقها، ومن كل شيء فيها وأخيراً وصفها بالقذارة الصريحة·
 
كان صديقي يدرك هذا الأمر جيداً، ويعترف به، ويستشهد بفقرات كثيرة من الرحلة الفضائحية لفلوبير، بل وضع هذه الفقرة المنتزعة من مذكرات رحلة فلوبير إلى الشرق في معجمه الذي وضعته أنا في نهاية هذه الرواية، وكذلك وضع جملة كلاوسنر جد الروائي الإسرائيلي عاموس عوز، الذي كان يعتقد بأن هنالك أورشليم أخرى غير هذه التي هاجر إليها وقطنها، وكان يبحث عنها، بل إن عوز يعتقد أن أمه انتحرت، ربما لأنها لم تجد المدينة التي كانت تحلم بها، وخيبة أمل إدوارد سعيد أيضا بعد زيارته لها، لأن الكولنيالية تغير كل شيء، وقد غيرت الكولنيالية الإسرائيلية المدينة وجردتها من حياتها وفرضت عليها شكلها الذي تريده لها· وهكذا فهي لم تعد في نظر إدوارد سعيد تلك المدينة التي عاش بها، وأمضى أيامه مغترباً فيها وهذا ما تصوره هذه الرواية أيضاً، لكنه في الوقت ذاته كان يشعر أن هذه المدينة هي الحل الأخير لضياعه، وهي ترياقه الأخير، ولن يعيش دون التفكير بها، أو الكتابة عنها، بل لن يستطيع مفارقة التفكير بها، أو التمتع بمعرفة شوارعها، وأسماء أزقتها، ومعرفة حاراتها، أو التجول في ساحاتها، أو النوم في فنادقها ولو خيالا ًوتوهماً·
 
من دونها لن يستطيع الحياة أبداً·
 
***
 
بطبيعة الأمر هذا فيما يخص المدينة أو فيما يخص المكان وهو مهم بطبيعة الأمر وضروري أيضا لا لأنه ديكور، أو أثاث، أو واجهة، إنما لأنه حياة حية، وواقع خصب، وتاريخ، وروح نشطة ومعايشة، وهو مهم جداً كذلك بالنسبة للكاتب الذي كان يشعر بأنه المهدئ الحقيقي لاضطرابه، وهي المدينة التي تزيل عنه آلام منفاه واغترابه، وهي ترياق شاف لجروحه السياسية ويأسه، ولكن هنالك أمر مهم آخر، هو البطل إدوارد سعيد 
 
وأهمية إدوارد سعيد لا تكمن فقط في كونه ابن المدينة العربي المقابل لعاموس عوز وديفيد غروسمان وإبراهيم بن يوشوا وديفيد شاحور، وهم الأدباء الإسرائيليون الذين عاشوا في القدس وكتبوا روايات كبيرة عنها، وأغفلوا فيها وجود المواطن الأصلي، فالعربي الذي كان يعيش في هذه المدينة قبل إعلان دولة إسرائيل لا وجود له في روايات هؤلاء إلا بوصفه شبحاً، خيالاً، أو بدوياً يربي الأفاعي، غير أن مذكرات سعيد عن المدينة في زيارته لها تقابل وتكذب رواياتهم، فالمدينة كانت مسكونة بطبقة عربية ثرية أجليت ودفعت خارجها· وبذلك تكون هذه الرواية هي رواية عن إدوارد سعيد عند زيارته لها، كما أنها أول رواية عربية مكتوبة عن هذه المدينة العجائبية مقابل أكثر من مئة رواية إسرائيلية عنها، سيقوم هو بتفكيكها واستخدام شخوصها للعودة مع سعيد إلى فكرة زحزحة الرواية التاريخية أو تدميرها، ولأنها اختراع فهو يقوم بتهديمها عبر اختراع مقابل·
صفحة 10
ولكن لماذا إدوارد سعيد؟ سألته مرة·
 
في الواقع، يكشف هذا الأمر الغريب والاستثنائي قصة جيل كامل من المثقفين في العراق، وهو الجيل الأخير الذي نشأ في بداية التسعينيات من القرن الماضي تقريباً، أي الجيل الذي نشأ عقب انتهاء حرب الخليج الأولى (الحرب العراقية الإيرانية) واندلاع حرب الخليج الثانية، ففي احتلال الكويت تدمرت أسطورة الثقافة القومية والوطنية، وفي تدمير بغداد انهارت أسطورة الغرب، ولا سيما عند الجيل المثقف منه، وهو أكثر الأجيال التي عانت من هذا التدهور المفاجئ، تدهور البلاد السياسي والاجتماعي والحضري وبصورة مريعة أيضاً·
 
ربما تضيء حياة أيمن مقدسي الفلسطيني، الذي عاش في بغداد وحياة علاء خليل صديقنا الآخر، والذي كان يقع على الدوام على الطرف النقيض من أيمن مقدسي، الكثير من أوجه حياة هذا الجيل وثقافته، وتنير شروط نشأته، فكيف عاش أيمن مقدسي وكيف عاش علاء خليل في بغداد التسعينيات عقب حرب الخليج الثانية؟ وكيف أثرت مظاهر الاستبداد السياسي، والانهيار الثقافي والاجتماعي والحضري لمجتمع بغداد برمته عليه، ومن ثم لماذا اختار هو كتابة هذه الرواية بالذات، والتي ربما كان موضوعها غريباً تماماً عن اهتمام الأجيال السابقة من المثقفين، وهو السؤال الذي كنت أواجهه به، وربما تجيب حياته وظروفها وشروطها، أو التوقف عند بعض نقاطها المهمة ومحطاتها على هذا السؤال، كما أنها ترسم لنا نشأة جيل كامل في بغداد وفي فترة مجهولة تقريبا بالنسبة للكثيرين: 
 
ثلاثة أشخاص ينبغي التوقف عند حياتهم هنا، حياة أيمن مقدسي، علاء خليل، زينب نصري، والبانوراما من المثقفين الشباب التي كانت تحيط بهم· 
 
***
 
في الواقع كنت تعرفت على أيمن مقدسي للمرة الأولى في بغداد، في الثمانينات، أيام كنت جندياً في جبهة الحرب مع إيران، وقد عرفني عليه صديقي علاء خليل، والذي كان جندياً معي وفي وحدتي العسكرية، وفي إحدى إجازاتنا الدورية صادف أن يكون أيمن مقدسي في بغداد، فقد كان يدرس الأدب المقارن في جامعة كولومبيا في أميركا، وقد عاد ليقضي إجازته هو أيضا في بغداد عند أهله وهكذا التقينا 
 
ولكن من أين كان علاء خليل يعرف أيمن مقدسي؟