eKtab
EN ع
مسألة الوحدة والتقريب - بين المذهبية السمحة والاستقطاب الطائفي
اقرأ عينة مجانية

مسألة الوحدة والتقريب - بين المذهبية السمحة والاستقطاب الطائفي

بقلم علاء الدين المدرس

صفحة 1

المقدمة

الوحدة الإسلامية حلم جميل راود الكثير منا في العصر الحديث، لاسيما بعد سقوط دولة الخلافة في مطلع القرن الماضي. ورغم ذلك فان المشروع الوحدوي الإسلامي بقي متعثراً بين أصحاب الدعوة الحقيقية وبين المدعين والمسيسين للفكرة. ولقد نادى بها العروبيون والإسلاميون منذ مطلع القرن الماضي، ولكنهم أخفقوا في تحقيق الحد الأدنى من أهدافها، التي يمكن أن تؤدي إلى قيام الوحدة وتحقيق الحلم العربي الكبير. لقد كانت نتائج تلك الجهود المبذولة غير متوقعة وبالضد مما تمنى أصحابها، فقد كرّس الفكر القومي والديني لواقع التجزئة والتقسيم، الذي جاءت به اتفاقية سايكس- بيكو الاستعمارية بعد الحرب العالمية الأولى، وحوّلت قرارات تلك الاتفاقية الواقع العربي إلى واقع تجزئةٍ مرٍ لا مناص من التهرب منه، وغدا العالم العربي مقسماً إلى أكثر من عشرين دولة عربية، تقع اليوم ضمن إطار جامعة الدول العربية، التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية. وهو عدد غير قليل وقابل للزيادة إلى الضعف، في ظل واقع التجزئة والتخلف الذي يعيشه العالم العربي، وخلال المرحلة الجديدة التي قد تشهد تطبيق سايكس- بيكو جديدة، وفق إستراتيجية (تجزئة المجزأ وتقسيم المقسم).. ذلك الشعار المتداول اليوم والذي يرد في أدبيات النظام الدولي الجديد وكتابات منظريه الغربيين. وهو النظام الذي أعلنت عنه الولايات المتحدة في تسعينيات القرن الماضي. وكان هذا النظام من المقدمات السياسية والاقتصادية لعصر العولمة الحالي الذي نعيش ظلاله وأزماته اليوم، بسبب التشابك والتداخل الكبير بين عوالم الدول والأمم والشعوب، مع إهمال متعمد من قبل دعاة العولمة للخصوصيات الثقافية والدينية والتاريخية والجغرافية للأمم الأخرى. وقد بات العالم المعاصر يعيش ثورة كبرى في التقنية والاتصالات والإعلام، وكأنه يعيش في قرية صغيرة مترابطة ومتداخلة البرامج والهموم والمشاكل.
لقد بلغ عدد الدول العربية والإسلامية الآن حوالي ستين دولة، وزاد عدد سكانها على المليار ونصف المليار نسمة، تعاني معظمها من حالات الفقر والتخلف والتجزئة والصراع والفتن والأزمات الخانقة. إن واقع التجزئة والتخلف والصراع الطائفي والعرقي الذي نعيش إفرازاته منذ عقود طويلة، هو أهم ما يميز عالمنا العربي والإسلامي، في ظل عصر التكتلات والاتحادات الكبرى الحالية، التي تحكم دول العالم المتحضر اليوم. لقد ظهر الاتحاد الأوربي كاتحاد سياسي دولي في ثمانينيات القرن الماضي، ثم تطور بخطوات سريعة، حتى بات يضم أكثر من (25) دولة أوربية. وهو اليوم يعد ثاني أكبر قوة عظمى في العالم بعد الولايات المتحدة، لاسيما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق في عام 1990م. رغم إن هذا الاتحاد الأوربي يعاني الآن من تأزّم اقتصادي وسياسي، بسبب التأزّم العولمي الاقتصادي والسياسي الحالي، وكذلك بسبب التمايز الاقتصادي بين دول الاتحاد الكبيرة والصغيرة، مما جعل اليورو يواجه حالة من الركود والانكماش والاضطراب، بعد العصر الذهبي الذي تنعمت به دول الاتحاد، منذ تأسيسه وحتى مطلع القرن الحالي.
وظهرت في الشرق اتحادات وقوى اقتصادية عديدة، منها اتحاد النمور الأسيوية، والاتحاد الأفريقي لدول القارة الأفريقية في مطلع القرن الحالي. وهناك توقعات بظهور اتحادات دولية كبرى أخرى، تضم الصين والهند ودول جنوب شرق آسيا وغيرها من الاتحادات والتكتلات، التي مازالت في طور التشكيل في آسيا وأمريكا الجنوبية.
إن تلك التطورات السياسية والاقتصادية التي يشهدها عصر العولمة الحالي، تحدث على مرأى ومسمع من القادة والحكماء العرب والمسلمين، وان أغلبهم في حالة سبات وغياب ثقافي وحضاري، وبالنسبة للقلة الباقية التي تعي ما يجري من تطورات وتحديات أمام الأمة، فهي تعيش حالة من التيه والسلبية والاستسلام أو يغشاها شيء من الغرور الساذج والقناعة الفارغة بما لديها من مظاهر واهية للتقدم والاستقلال. وذلك في ظل حالة التخلف والتمزق والعجز والوهن الذي يغشي عالمنا الإسلامي، ودوامة الفتن والخلافات والصراعات المستمرة، التي لم يكن لها مثيل في التاريخ.
إن دورة الحضارة والتاريخ قد أظلت عالمنا اليوم، ونحن في قعر حالة التخلف العلمي والحضاري، وهو أمر مقبول ومألوف في تاريخ الأمم والشعوب، فقد عاشت أوربا في العصور الوسطى وما قبلها، حالات أشدّ تخلفاً وتمزقاً وصراعاً، وبدرجة أكبر مما يواجه أمتنا اليوم. ولكن الغرب استطاع التغلب على تلك العوامل التي أدت إلى تخلفه لقرون طويلة، واستطاع أن يعالج نقاط ضعفه وتخلفه، وأن يرتقي في سلم المجد والتقدم العلمي، ويتسلم زمام القيادة والصدارة بين دول العالم. واستطاع أن يمتطي ناصية الرقي والتقدم في كافة نواحي الحياة، منذ عصر النهضة والحداثة وحتى عصر العولمة الحالي. فهل نستطيع نحن تجاوز حالة الإخفاق والتردي، التي تحيط بعالمنا الإسلامي وكشف الستار عن أسبابها، لكي نرتقي بأمتنا ونمضي بها قدماً للوصول إلى طريق الوحدة والتقدم والاستقرار؟.
إن التقدم والتراجع الحضاري بين الأمم سنة من سنن الله في الأرض، وان خلافة الأرض لا تُعطى إلا للأمة التي تستحقها، وتمتلك أسبابها المادية والمعنوية. قال تعالى: (وان تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) . لذلك لا بد لنا من الوقوف على أسباب الوهن والضعف في نسيج الأمة الحضاري بشتى صوره، لكي تستعيد الأمة مجدها وتصل إلى مصافي الأمم المتحضرة، وتصل إلى الهدف الرسالي باستعادة المجد والتألق لحضارة القرآن المنيرة، التي شعّت على العالم لمدة ألف سنة أو تزيد، منذ عصر النبوة الزاهر وحتى سقوط دولة الخلافة قبل قرن من الزمان. ومن هنا تأتي أهمية المنظور الوحدوي في الإعلام الإسلامي ودوره الحاسم في معالجة التداعيات الخطيرة التي بدأت تنخر بجسد الأمة، بسبب حالة الاستقطاب الطائفي والعرقي والجهوي والقطري. لقد تجاوزت ثقافة الاستقطاب والتعصب والتفرق المكونات الكبرى والأصيلة في قوام الأمة، إلى المكونات الفرعية والأقليات الدينية والمذهبية والعرقية، وبقية المكونات التي يتكون منها المجتمع في الدول الحديثة، حتى بدت اليوم هي المتحكمة في سلوك الكثير من المسلمين.
إن التحديات التي تواجه المشروع الوحدوي عديدة، سواء أكانت على مستوى الوطن والدولة أم الشعب والأمة، منها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجي. وتستمد عوامل التحدي الداخلي وجودها، من الثقافة الإسلامية الحالية ومن أثرها التراكمي السلبي على الناس، وهو ما يدعو إلى العمل المنهجي ثقافياً وإعلامياً ودعوياً، لتشكيل رأي عام عربي وإسلامي، بحيث يكون وحدوياً حضارياً فاعلاً في تجميع الطاقات والقدرات والمواهب المتنوعة التي تزخر بها الأمة، لاستعادة مجدها وعزتها وقوتها الكامنة في رسالتها الإلهية العظيمة، وفي موقعها الجغرافي وتاريخها وتراثها العريق وثرواتها البشرية والطبيعية. أما العامل الخارجي لتلك التحديات التي تواجه الأمة وتحجّم حركتها وقدرتها على النهوض والتقدم، فانه يتجسّد في موجات الغزو الثقافي والفكري والإعلامي الخارجي، الذي يحاول اختراقنا والعبث بعقول شبابنا، وزعزعة الهوية والانتماء لحضارة الشرق الأصيلة، بما يخدم مصلحة الآخر، ممثلاً بحضارة الغرب المادية بشتى ألوانها وتياراتها المخالفة لحضارة القرآن. ولعل في مقدمة ذلك العولمة ورؤيتها المادية الشعوبية المتعالية التي تحاول سلب هويتنا واستبدالها بمعاول الهدم الثلاثة، ممثلة بـ (كره العرب وتراثهم، ونشر الإلحاد والزندقة في المجتمع الإسلامي، ونشر المجون والإباحية والانحلال الأخلاقي بين شباب الأمة). فضلاً عن وسائل الغزو الثقافي والسياسي والاقتصادي الأخرى، التي تهدد وجود أمتنا ودورها الحضاري، كأمة موحَّّدة لها رسالة سامية كُلّفت بها، لهداية البشرية إلى المنهج الرباني الرشيد، ولإحلال الحق والعدل والسلام في الأرض.. وفي ذلك يبشرنا النبي بالأمل المشرق والسر الذي أودعه الله سبحانه في هذه الأمة لكي لا تيأس ولا تترك المحاولة المستمرة لامتلاك إرادة التغيير ومعالجة الواقع الفاسد والظلمات التي تحيط بها. يبشرنا بالمجدد الذي يصلح الحال ويهدي الأمة إلى سواء السبيل، والذي لابد أن يبعثه الله سبحانه في كل قرن وعصر من عصور الأمة ليجدد لها أمر دينها وأخلاقها.. وذلك لا يتم قطعاً إلا بامتلاك إرادة التغيير نحو الخير والنور والوحدة. قال تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) . يقول النبي فيالتبشير بالمجدد: إن الله يبعث لهذا الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها أمر دينها. وظاهرة المجدّدين في التاريخ الإسلامي ظاهرة منيرة ومتكررة، منهم أئمة الدين والمذاهب والحديث والتفسير والدعاة الربانيون والقادة الفاتحون، أمثال عمر بن عبد العزيز والحسن البصري ومحمد النفس الزكية وموسى الكاظم وعبد القادر الجيلاني وصلاح الدين الأيوبي ومحمد الفاتح وغيرهم، من الذين أثّروا في الحياة الإسلامية وجدّدوا روح الدعوة والفكر والثقافة والجهاد. ولعل أحاديث المهدي يمكن أن تخرّج بهذا المعنى الإصلاحي التجديدي، وقد ظهر في تاريخ الأمة مهديون كثيرون على مدار القرون الماضية.
علاء الدين شمس الدين المدرس
27 رمضان 1432هـ
صفحة 2

حضارة الغرب وأثرها على البيئة والسلام العالمي

لقد أفرزت الحضارة الغربية التي كانت العولمة آخر وأعظم ثمارها، الكثير من مظاهر الظلم والفساد في الأرض، حتى طال الإنسان والحيوان والنبات، وأثّر على كافة مظاهر الحياة في المعمورة. وهذه الحقيقة المؤلمة والخطيرة لا تنفي الفضل الكبير لها على التقدم العلمي والتكنلوجي والحضاري بشكل عام، فان خمسة قرون من عمر الحضارة الغربية الحديثة، كحضارة رائدة وقائدة للحضارة البشرية، منذ عصر النهضة وحتى الآن، شهدت تطور علمي هائل في كافة الميادين، لاسيما فيما يخص الجانب المادي والتجريبي. ولكن ذلك لا يمنع من تأشير وتحديد السلبيات والإخفاقات والأخطاء التي ارتكبتها تلك الحضارة بحق الإنسان والحياة على الأرض، لاسيما ما يتعلق بالبيئة والأخلاق والسياسة والاقتصاد، التي تعبر عن أبرز أركان حضارة الإنسان المعاصر. لقد وصل خطر العبث بالبيئة وتلويثها على سبيل المثال، إننا نعيش اليوم حالة تلوث بيئي عظمى لم تشهدها الأرض فيما مضى، مما يهدد الحرث والنسل، وينذر بكارثة كبرى قد تطال الجميع، بسب الفلسفة المادية والرؤية المصلحية السائدة والنظم الميكافيلية البراكماتية الفاسدة ، التي تبنتها حضارة الغرب المادية، والتي لمس العالم آثارها خلال القرنين الماضيين، ممثلة بالتوجه الغربي الرأسمالي الاستعماري، الذي يقوم على الهيمنة والسيطرة على السوق ومصادر التصنيع الأولية، وفق رؤية الصراع مع الطبيعة وصدام الحضارات الغربية، ووفق النظرة الامبريالية الغربية لامتلاك الأسواق والخامات الأولية بمختلف الوسائل الاستعمارية المعروفة. وتشكل الصفات الرأسمالية أهم ملامح العالم الرأسمالي كالاحتكار واستهلاك المظهر والربا والسحت وتكديس المال لدى طغمة رأسمالية ترليونية محدودة، لا تكترث بمصالح الأمم والشعوب، إلا بقدر ما تحقق البرامج المعتمدة مصلحتها العليا، والمتمثلة في حصر رأس المال وأدواته بيدها وتحت سيطرتها. ومن المظاهر البيئية التي نعيش آثارها اليوم، والمسببة للفساد والتلوث العالمي، هي: تلوث الهواء والماء والتربة بالغازات الملوثة والمواد المشعة الناتجة عن التفاعلات النووية، وظاهرة الإفراط في استهلاك الطاقة - لاسيما الطاقة الأحفورية كالنفط وأشباهه- وخلال فترة قصيرة لم تتجاوز القرن، مما سبب تفاقم مشكلة التلوث البيئي والاحتباس الحراري وارتفاع نسبة الكربون والغازات الملوثة للغلاف الجوي. وهي الغازات والملوثات المنتجة في المصانع الكبرى التي تدار من قبل الشركات عابرة القارات ومتعددة الجنسيات، فضلاً عن تأثير عوادم السيارات والآليات والأدوات البتروكيمياوية التي تصنع للاستخدام البشري، دون مراعاة للبيئة والآثار البعيدة للتلوث البيئي، وغيرها من المظاهر السلبية التي أثرت على حضارة الإنسان، رغم الرقي والتقدم العلمي الذي واكب المنجزات العلمية والثورة الصناعية التكنولوجية والمعلوماتية في عالم اليوم. وقد تنبه العالم لظاهرة التلوث البيئي والتغير المناخي الحاد مؤخراً، فأقيمت خلال السنوات القليلة الماضية مؤتمرات عالمية عديدة لمعالجة آثار التلوث البيئي على المناخ، تحت مسمى قمة المناخ، كان أولها مؤتمر قمة المناخ في مدينة كيوتو/ اليابان سنة 2008م، ونتج عنه بروتوكول كيوتو البيئي الذي يلزم الدول بالتفاوض على آلية تطبيقه في المؤتمرات القادمة، ثم مؤتمر قمة المناخ في كوبنهاكن/الدانمارك في ديسمبر 2009م، وأخيراً مؤتمر قمة المناخ في كانكون/ المكسيك في ديسمبر 2010م، ولم تتفق الدول على موعد تطبيق بروتوكول كيوتو، لاسيما الدول الصناعية الكبرى بسبب اعتراضها على تقليل نسبة إنتاج الكربون الملوث الرئيسي للغلاف الجوي والبيئة، والمسبب للاحتباس الحراري وارتفاع معدلات درجة الحرارة في الأرض إلى أربع درجات فوق المعدل خلال العقود الأخيرة، فضلاً عن التلوث الإشعاعي النووي والتلوث البايولوجي الجيني والفايروسي، وغيرها من مسببات التلوث البيئي التي تحتكرها الدول الكبرى وفق برامجها السرية والتسليحية.
إزاء تلك الحالة الحرجة التي يمر بها العالم - لاسيما بعد عصر العولمة الحالي - يصبح الدور الحضاري والمشروع الوحدوي الإسلامي هو واجب الوقت، ويشكّل ضرورة حضارية وأخلاقية، لإنقاذ حضارة الإنسان المعاصرة، وآثارها الضارة على الحياة والإنسان، والتوجه الحضاري العالمي الذي يقوده الغرب، من الانحراف المهلك والمدمر للحضارة الإنسانية ولوجود الإنسان والحياة على الأرض بشكل عام. إن حالة التأزم التي يشهدها العالم اليوم، فضلاً عن حالة التخلف والفساد والتمزّق التي يمر بها العالم الإسلامي، تدعونا للعمل الجاد من أجل الخروج من تلك الهوة السحيقة التي تحيط بعالمنا، وهو ما يعوّل عليه الإنسان المعاصر في الشرق والغرب، للخروج من الأزمة الحضارية الخانقة التي تواجه الإنسان على الأرض في عصرنا الحاضر. إن الحضارة العادلة تهذّب سلوك الأقليات الدينية والعرقية، وحيثما وجدت الحضارة العادلة الرحيمة، فان أهل الكتاب من اليهود والنصارى وغيرهم يسلكون السلوك الصحيح مع من حولهم، وان كانت حضارة ظالمة، أو حُكم البلد من قبل حاكم طاغي أو مغتصب محتل، وفرض على البلد الظلم والجور والفساد، فان ذلك سيشجع الأقليات على الانفلات من الالتزام بالحدود الشرعية والأخلاقية، والاستئثار والانحياز نحو الظلم والتجاوز والعدوان، وهو ما يحصل اليوم في معظم البلاد الإسلامية.
إن العنصرية الدينية والعرقية والخصومة السياسية كانت ولا زالت من المظاهر المرضية المزمنة التي شهدها الإنسان، وقد ترعرعت تلك الثقافة العنصرية في الغرب مع بداية عصر النهضة، ثم انتقلت إلى الشرق الإسلامي عبر موجات الاستعمار المتعاقبة، منذ الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش في الأندلس ثم موجات الاستعمار الحديث، لتغرقنا في بحر من الثقافات والإيديولوجيات والتوجهات العنصرية المتصارعة، التي تداخلت مع ثقافتنا المحلية، لتصبح الجزء السلبي والمفكّك للثقافة الإسلامية الأصيلة المستمدة من القرآن وهدي النبوة، من خلال نشر دعوات الصراع العرقي والديني والسياسي، التي لم تكن في أسلافنا. يقول الإمام جعفر الصادق في ذم الخصومة في الدين: إياكم والخصومة في الدين، فإنها تحدث الشك وتورث النفاق. لقد كانت الطورانية التركية – على سبيل المثال - أول إسفين زرعه يهود الدونمة بإيحاء من الغرب وثقافته العنصرية والتوراتية، بين الترك وبين العرب وباقي القوميات في الإمبراطورية العثمانية، من خلال حزب الاتحاد والترقي الذي قاد تركيا، في أواخر عهد الدولة العثمانية، وكان معظم قادته من اليهود. وكانت تلك الفتنة العرقية من أسباب سقوط الدولة العثمانية على يد دول الغرب الاستعمارية، من خلال التحالف السياسي الذي تشكل بين العرب وبين المستعمر الغربي، وربما المخطط نفسه تكرر مع الأرمن وغيرهم من الأقليات، بما يعكس عقلية الغرب في استغلال وضع الأقليات العرقية والدينية لتحقيق مصالح غربية محددة..
وبعد نشوء الدول العربية والإسلامية الحديثة في أعقاب سقوط الدولة العثمانية، ظهرت الأفكار القومية العلمانية وانتشرت بين الشعوب الإسلامية، لتشكل جداراً عازلاً وحاجزاً ثقافياً بين شعوبها الموحّدّة والمتداخلة. وكان السلاح الثاني، الذي استخدم لتمزيق الأمة إلى فرق وطوائف وأحزاب متنافرة ومتناحرة - بعد سلاح الصراع القومي - مع دخول الاستعمار الأمريكي أرضنا الإسلامية في مطلع هذا القرن، هو سلاح الاستقطاب الطائفي وتحويل الدولة، التي يراد تطبيق تكنولوجيا السلوك عليها وبث الصراع بين طوائفها، إلى أقاليم ودول طوائف وأعراق متنازعة. وقد مورس الاستقطاب الطائفي بشكل منهجي غير ظاهر، من خلال الحرب العراقية الإيرانية والحرب الأهلية اللبنانية وبعض أقطار الخليج العربي، في العقود التي سبقت حقبة الهيمنة الأمريكية الحالية على العالم العربي. لقد مورست عملية تفعيل الاستقطاب الطائفي المبرمج، سواء أكان بين السنة والشيعة، أم بين المسلمين والمسيحيين وكذلك اليهود. وتمّ تغذية الصراع والاستقطاب والتناحر العرقي والديني بين الأعراق والأقليات الدينية والقومية الأخرى، وفي أماكن عديدة من العالم الإسلامي. لكل ذلك لابد من معالجة أشكال التأزم الثقافي والديني والعرقي بين المسلمين، من خلال تسليط الضوء على مفهوم الاستقطاب الطائفي وأسباب ظهوره وتفشيه بين المسلمين، وكذلك تسليط الضوء على أبرز التيارات والجهات التي تبنته كخيار ديني أو عرقي. وسنحاول في هذا البحث المختصر طرح رؤى وأفكار معاصرة تعتمد مرجعية القرآن والسنة ومنهج الوسطية والاعتدال، في الإجابة عن أسباب التخندق الطائفي والعرقي والجهوي الذي خيّم على حياتنا، والذي أصاب ثقافتنا الأصيلة بالشلل والسلبية. وسنحاول أيضاً الإجابة على بعض الأسئلة المهمة ومنها: هل يمكن للمذهبية المنفتحة والتوجه القومي المعتدل الذي يحترم الخصوصية، أن يكون حلاً مناسباً وطريقاً صحيحاً لتفعيل التسامح والتوازن والتكامل الإسلامي وتحقيق حلم الوحدة الإسلامية، مع تعدد الدول والأقاليم، كما كان شائعاً في العالم الإسلامي في ظل حضارة القرآن وتاريخ الإسلام السياسي قبل الغزو الاستعماري الغربي؟. وكذلك العمل الجاد من أجل المشروع الوحدوي الوطني، الذي بات من ضرورات وجودنا القومي والديني والحضاري والإنساني، لضمان المصالح المشتركة للدول والشعوب الإسلامية، ومواجهة المشروع الاستعماري الغربي وأدواته المتعددة، والذي يهدف إلى فرض الهيمنة وتكريس التبعية للغرب بشتى صورها، ويسعى إلى التكيف والتطبيع مع مشروع الأمركة والعولمة، والخضوع التام لأجندة الآخر الأقوى، ممثلاً بالغرب الرأسمالي الصهيوني الصليبي، حسب نظرية تبعية المغلوب للغالب؟.
ربما يكمن جزء من الإجابة على السؤال أعلاه، في الشعار الحضاري الذي يحترم القوميات والأعراق والأقليات الأخرى، بالاتساق مع التأكيد على أسبقية وأهمية التوحيد الديني، والذي ينسجم مع روح القرآن وحضارته الواقعية المتسامحة، وهو: أسبقية التوحيد الديني على الوحدة القومية، واندماجهما في الحياة العملية بسبيكة واحدة . وهو ما يضمن ويؤمّن احترام القوميات والأديان معاً، ويدعو إلى التعايش الديني والقومي بسلام ومحبة وتكامل، وكذلك ارتباط مكونات المجتمع الإسلامي الدينية والقومية بتراث وتاريخ مشترك ومجيد، منذ ظهور الإسلام وحتى اليوم .
إن هويتنا العربية الإسلامية مرهونة بحل تلك الإشكالية، التي باتت تهدد وجودنا الحضاري والثقافي، في صميم منهجه الوحدوي الوطني في التسامح والتعايش والتحاور مع نفسه، ومن خلال أطيافه وتياراته ومذاهبه العديدة، فضلاً عن الآخر الذي أمرنا الله سبحانه أن نتعايش معه، مهما اختلف معنا في اللون أو الجنس أو الدين، باعتبارنا أمة الحضارة والرسالة، وإن التعايش والتسامح هو من أبرز ملامح حضارة القرآن، كما أكد القرآن الكريم وجسّدته سيرة المصطفى وسنته الصحيحة.قالتعالى:(ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) . كما أكد النبي هذه الوحدة بين بني البشر والمساواة بين أجناسهم وألوانهم في حجة الوداع، فتلا الآية أعلاه، ثم قال: ألا أنه لا فضل لعربي على أعجمي ولا أعجمي على عربي، ولا أسود على أحمر ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى .
صفحة 3

المذهبية بين مفهوم الوحدة والاستقطاب الطائفي

لقد توافق نشر كتابي (النسب والمصاهرة بين أهل البيت والصحابة)، مع نشر كتاب (تطور الفكر السياسي الشيعي) للأستاذ أحمد الكاتب، الذي طبع في تسعينيات القرن الماضي. وقد لاقى كتاب (النسب والمصاهرة) القبول لدى الناشرين العرب، فطبع خلال السنوات التالية بين سنة 1998-2006 طبعات عديدة في عدة عواصم عربية،في بغداد وعمان والدوحة والقاهرة ودمشق. وأصبح من المراجع المهمة في نشر الثقافة الوحدوية الإسلامية، وعبّر آنذاك عن منهج واضح لنشر الوسطية والاعتدال ومعالجة الخلاف الطائفي، وتسليط الضوء على المآثر والصور المضيئة للصلة بين الآل والأصحاب، لاسيما في الوسط السني بشتى أطيافه. وظهر بعد ذلك عدد من الكتب والمقالات والمطويات، التي اهتمت بتراث الآل والأصحاب، وبأشجار النسب والمصاهرة. تلك المصاهرات التي كانت سائدة في عصر النبوة، وفق الرؤية السنّية المعتدلة. ومن أمثلة تلك المصاهرات زواج أسماء بنت عميس من أبي بكر بعد استشهاد زوجها جعفر بن أبي طالب، ثم زواجها من علي  بعد وفاة أبي بكر. وقد أنجبت محمد بن أبي بكر الذي هو ربيب علي ، وشقيق عون بن علي من زوجته أسماء بنت عميس. وكذلك زواج عمر بن الخطاب من أم كلثوم بنت علي ، وغيرها من الزيجات والأمثلة المشرقة في حياة أهل البيت والصحابة، التي تدعو إلى الوحدة والأخوة والوفاق الإسلامي، مهما اختلفنا في الفروع والاجتهادات. وكان ذلك النشاط الثقافي والاهتمام الدعوي بتراث الآل والأصحاب، مدعاة لإنشاء العديد من الجمعيات الإسلامية في العالم العربي، لخدمة تراث الآل والأصحاب، والتوجه الوحدوي الإسلامي بشكل أو آخر. ولقد كان للمدرسة السلفية (الحنبلية) حظ وافر للاهتمام بهذه الكتب والنشاطات الثقافية، بهدف الدفاع عن السنة وعن سيرة الآل والأصحاب، يليها في الاهتمام تيار الأخوان المسلمين ثم التيار الصوفي بدرجة أقل.

نعم أنا شيعي جعفري

لقد نشرت مجلة الشورى في التسعينيات مقالاً طريفاً للأستاذ أحمد الكاتب عنوانه (نعم أنا شيعي جعفري). وقد كتبه على خلفية الجدل الذي دار في الأوساط الشيعية حول كتابه (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه) الذي سلّط الضوء فيه على التطور السياسي في الفكر الشيعي، وأظهر أهمية دور الشورى في الفكر الإسلامي وأثرها في فكر الأئمة الأوائل في صدر الإسلام. وقد شكك الكتاب أيضاً في العديد من المرويات الضعيفة والأسطورية، التي وضعت في التراث الشيعي في عصر الأئمة، بسبب الظرف السياسي الذي ساد العالم الإسلامي في عصر الأئمة وعصر الغيبة، كما شكك في قصة ولادة الإمام المهدي محمد بن الحسن ووجوده من الناحية التاريخية، وقال إن الذين فرضوا وجوده، إنما دعاهم لذلك الاعتقاد (الوجود ثم الغيبة والانتظار) هي دعاوى فكرية وفروض فلسفية، بحجة أن تلك الفكرة والفرضية هي من ضروريات المذهب. وكان ذلك التشكيك من أهم الأسباب التي دعت بعض علماء الشيعة للتشكيك في عقيدة المؤلف وولائه للتشيع. فكان ذلك المقال هو الرد المناسب على تلك الدعوات التشكيكية. فأكد الكاتب شيعيته وجعفريته، رغم إنكاره للإمام الثاني عشر، وقال انه لا ضرورة للتلازم بين التشيع والإيمان بما لم يثبت العقل والتاريخ وجوده من الأئمة المثبتين في سلسلة الأئمة الاثني عشر. وعليه – على حد قول الكاتب - فيمكن للشيعي أن يحتفظ بانتمائه الشيعي ومذهبه الجعفري، حتى إذا لم يثبت له وجود الإمام الغائب. ودعا الكاتب إلى ضرورة دراسة التاريخ الإسلامي، لاسيما تاريخ الدولة الإسلامية في صدر الإسلام، وتاريخ ظهور الفرق والمذاهب الإسلامية، لتكوين رؤية علمية عما حدث في قرون الإسلام الأولى.
صفحة 4

التأثير الثقافي للمنهج الوسط في نشر ثقافة الوحدة

لقد كان كتاب (ثقافة الوسط) الذي نشر في بغداد سنة 2004م وفي عمان سنة 2006م، هو المكمل لمنهج الوسطية والاعتدال والتعايش والتسامح الإسلامي، الذي طرحه كتاب (النسب والمصاهرة) فيما يخص تراث الآل والأصحاب والصلة بينهما، والمعزز للثقافة المذهبية المتسامحة في النظر للأمور الخلافية بين السنة والشيعة. والكتاب عبارة عن مجموعة بحوث إسلامية حول الوسطية والاعتدال في التراث والتاريخ الإسلامي في ضوء منهج الوحدة والتقريب، كانت قد نشرت متفرقة في بغداد قبل ذلك ببضع سنين .
لقد كان تأثير هذه الكتب التي نشرت في العقدين الماضيين، والمعبرة عن المنهج الإسلامي الوسط، الذي يؤمن بالوحدة والتعايش المذهبي، ضعيف ولا يلبي طموح التيار الوحدوي في تغيير الثقافة السائدة وتحجيم التشدد الطائفي، رغم أنها كانت تشكل رؤية إسلامية معتدلة جديدة، مغايرة للرؤية السلفية التي كانت سائدة في الوسط السني المعاصر، وتعبر عن محاولة فكرية جادة للتأصيل لمنهج الوحدة والتقريب، والعمل على إيجاد رؤية إسلامية معاصرة للتعايش البنّاء بين السنة والشيعة في زمن الفتن والصراع الطائفي، الذي تم تغذيته منهجياً - داخلياً وخارجياً - من قبل خصوم الإسلام. ولقد كانت تلك الكتب بالتضافر مع نظائرها، تدعو إلى دراسة الخلافيات والتوافقات بين الفريقين وتعميق النظرة فيها وفق مفهوم الوسطية والاعتدال القرآني، ولتأكيد حاجة المسلمين إلى الالتقاء والتعايش والتسامح حول مفاهيم الوحدة والإخوة والتآلف الإسلامي، بغية رصّ الصف الإسلامي وتوحيد الجهود في مواجهة التحدي الخارجي والغزو الفكري والاختراق الثقافي والسياسي الأجنبي المستمر، الذي كان ولا يزال يستهدف هويتنا ووحدتنا وثقافتنا ورسالتنا، كأمة كلّفت بالرسالة الخالدة لهداية الناس إلى المنهج القويم.
ورغم كل تلك التحديات التي تحيط بالأمة والحاجة لتبني وتشجيع تلك التوجهات الوحدوية في الثقافة الإسلامية المعاصرة، والجهد الذي بذل من قبل الكثير من الكُتّاب والعلماء والدعاة، للتأسيس والتأصيل للوحدة الإسلامية، ومحاولات حلّ الخلاف المزمن بين المذاهب الإسلامية وفق المنهج الوسط، فان الاستجابة لذلك المنهج الوحدوي لم تكن بالمستوى المطلوب، إلا بقدر استغلال المحتوى الثقافي لهذه الكتب، لتحصين الثقافة الإسلامية والدعوة للتسنن السلفي والتبشير به، والتصدي للثقافة المتشددة والمغالية لدى الآخر. ولقد أضافت النظرة الحزبية والمذهبية القاصرة، مزيداً من الأحجام عن السير في مشروع الوحدة والتقريب القرآني وتعضيده، من قبل التيارات الإسلامية العاملة، وفي مقدمتها التيار السلفي (الحنبلي). أضف إلى ذلك فان التبعية المنهجية لتيار الأخوان للتيار السلفي، لاسيما في الخليج والعراق ، كان من بين الأسباب المهمة لمحاصرة التوجه الوحدوي المكرّس لمعالجة الملف الطائفي وتدعيم الوحدة الإسلامية، رغم كونه صاحب التوجه الوسطي والوحدوي في شعاراته وأدبياته منذ مرحلة التأسيس. وكذلك فان انزواء التيار الصوفي في حدود الزهد والعبادة والطقوس الدينية والمنهج التربوي، ومحاصرته ومحاربة دعاته من قبل التيار السلفي (الحنبلي) المهيمن على الثقافة السنية، بحجة قيام العقائد الصوفية على البدع والشركيات والأساطير والشطحات، دون تبنّي عناء التدقيق والتمييز بين المعتدلين والغلاة منهم، كان من بين أسباب انتشار النظرة الأحادية المتشددة وتكريس ظاهرة التشرذم والتمزق بين المسلمين وإضعاف المشروع الوحدوي المعاصر، الذي يهدف إلى جمع المسلمين تحت مظلة الإسلام الواسعة.
لقد كان لتلك الأسباب المعرقلة ولذلك التدافع الميداني في الساحة الثقافية الإسلامية، الأثر الواضح في حالة الإحباط والصدمة التي أصابت الناس، وانسحابهم من التمسّك بالإسلام كحل وحيد ينقذهم من براثن الجهل والتخلف والتشرذم، وفي تراجع الصحوة الإسلامية التي وصلت إلى قمتها في أواخر القرن الماضي، وتناقص شعبيتها لصالح التوجه العلماني الغربي. لذلك فقد واجهت دعوة الوحدة والتقريب والتسامح الإسلامي حالة من الشك وفقدان المصداقية، وأصاب منهج الوسطية والاعتدال، الضعف والفتور في الوسط الإسلامي وتخلى عنه أصحابه وتدهورت شعبيته وتقلصت منابره. ولقد ازداد - مع الزمن - نفس الغلو والتشدد والتعصب، وغلبت على الناس نزعة الاستقطاب والاصطفاف الطائفي لدى الفريقين، وأصبحت فتاوى التكفير والإقصاء والظلم للآخر أكثر سماعاً واستمراءً، بعدما كانت تلك الدعوات الطائفية نادرة ومستهجنة قبل عقود قليلة. لذلك كان لا بد من الوقوف في وجه الغلو والتشدد ، الذي ذمّه الله ورسوله في القرآن والسنة، قال تعالى:(ياأهلالكتابلاتغلوافيدينكمولاتقولوا على الله إلا الحق).وقال: قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواءقومٍقدضلوامنقبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل. وقال النبي : إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق، فان المنبتّ لا أرضاً قطع ولا ظهراًأبقى .وقال: خير الأمور أوسطها. وقال: سددوا وقاربوا وأبشروا، وشيء من الدلجة (أي قيام الليل) والقصد القصد تبلغوا. وفي لفظ آخر: سددوا وقاربوا، واعلموا أنه لن يدخل أحدكم عمله الجنة، وان أحب الأعمال أدومها إلى الله وان قل . وقال: إن الله رفيق يحب الرفق، ويعين عليه ما لا يعين على العنف . وقال عن العصبية وكل أشكال التعصب الديني والعرقي: دعوها فإنها منتنة . وقال النبي لعلي: يا علي يهلك فيك اثنان، محب غالٍ ومبغض قالٍ . وقال الإمام علي : هلك فيّ رجلان: محب غالٍ ومبغض غالٍ (أو قالٍ)  . وقال في تعريف الغلو: الغلو في الدين هو التعمّق في الرأي، والتنازع فيه، والزيغ والشقاق . وغيرها من الأحاديث والأقوال المأثورة التي تنبذ الغلو والعنف والتعصب وتحث على الرفق والتلطّف والتوسّط والإحسان في الأمور.
لذلك لابد من العمل الجاد والمتعدد الجوانب لمعالجة الاستقطاب الطائفي والتعصب والتشدد والتنطع في العقيدة والسلوك والثقافة الإسلامية، بعد معرفة أسبابه ودوافعه في ثقافة المجتمع السائدة، لفتح الباب من جديد أمام مدرسة الوحدة والتقريب، التي كانت سائدة بين المسلمين ولقرون طويلة، وكذلك محاولة بثّ مفاهيمها الوحدوية في المجتمع من جديد. قال النبي : لا يقوم بدين الله إلا من حاطه من جميع جوانبه. وفي لفظ: إن دين الله تعالى لن ينصره إلا من أحاطه من جميع جوانبه. وفي لفظ آخر: إن اللهلا يتم هذا الأمر إلا إذا أحيط به من جميع جوانبه .
لقد بُذلت جهود متواصلة من قبل دعاة الوسطية والوحدة والتقريب القرآني، لتدعيم ذلك التوجه الرباني الوحدوي، وإعلان البراءة من منهجية الاستقطاب والاستغلال الطائفي، لما يكتب من كتب ومقالات في التراث الوحدوي، وقطع الطريق أمام ثقافة الغلو والتشدد وتكفير المخالف، والعمل على وقف الصراع والصدام الفكري والثقافي الذي يسبّب الخصومة والتنافر بين الفريقين. وكذلك الوقوف بوجه محاولات تجيير الرؤى والمنهجيات الموجودة على الساحة الثقافية، لصالح الثقافة الوافدة والغريبة عن ثقافتنا الأصيلة، وفق منهجية الفوضى الخلاقة والصدام الحضاري والثقافي، وعدم السماح لثقافة العولمة والتبعية للغرب ومنهجه المناوئ لحضارة القرآن بالظهور والانتشار بين المسلمين.
لقد استطاع التيار الوحدوي - رغم قلة إمكانياته - كشف اللثام عن الأسباب الكامنة وراء ذلك الاستقطاب الطائفي والعرقي الممنهج، الذي يراد له أن يجعل العالم الإسلامي في حالة صدام وصراع بين قطبين معدين سلفاً بشكل كامل، لتحويل الخصومة والاستقطاب والقطيعة إلى واقع حقيقي ومبرر، من خلال إثارة الصراع وإراقة الدم البريء وإصدار الفتاوى الطائفية الجاهزة لاستباحة الآخر في دمه وماله وعرضه، كما حدث في الماضي القريب، ونراه اليوم في بقاع عديدة من العالم الإسلامي.
إن تسييس الدين والمذهب وتوظيفه لأغراض ومصالح سياسية وطائفية، هو من أبرز الأسباب التي أدت إلى شيوع الاستقطاب الطائفي والتعصب المذهبي بين المسلمين. وأدت إلى تحويل الشعوب العربية والإسلامية التي يتكون نسيجها الاجتماعي من طوائف وتيارات متنوعة، إلى كتل متصارعة ومتعارضة ومتخاصمة، بسبب جعل الانتماء الطائفي فوق الانتماء الإسلامي والقومي والوطني. وحينما نعرض قضية تسييس الدين والمذهب على الشرع الحنيف، نجدها عمل باطل يدعو المسلم للتعاون على الإثم والعدوان، وهي عادة جاهلية كان النبي قد حرّمها من خلال قلبه للمعنى الجاهلي إلى معنى إسلامي، في نصرة المظلوم ومنع الظالم عن الظلم، قال النبي :
انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً. فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوماً، أرأيت إن كان ظالماً كيف أنصره؟ قال: تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره. لذلك فان تسييس الدين واستغلاله لمصلحة فئة أو حزب ومذهب، هو نصرة للظالم بالمعنى الجاهلي، وهو عمل سلبي لا يأتي بخير، بل يجرّ على الشعوب المسلمة الويلات والفتن والمصائب والصراع الدموي المدمّر، ويقضي على حالة الأمن والعدل والسلام ويفشي الفساد والظلم والصراع بين أفراد المجتمع. وان تسييس الدين والمذهب هو نوع من المداهنة في الدين، التي قد تخرج المسلم من الملّة، إذا ما اعتقد باستباحة دم الآخر (أخيه المسلم) وماله وعرضه، تحت مبرر الاختلاف المذهبي. فالمداهنة – كما يقول العلماء - هي أن نبذل الدين من أجل الدنيا، والمداراة هي أن نبذل الدنيا من أجل الدين. وشتّان بين المعنيين، فالأول عمل نفاقي خبيث لا يليق بالمسلم والثاني عمل صالح كريم يليق به وبخلقه القويم. وذلك لأن المسلم مجبول على الخير وعلى التعاون على البر والتقوى وبذل الغالي والنفيس من أجل دينه وأمته، ويفعل ذلك مع المسلمين مداراة لوضعهم ومتطلباتهم وحاجاتهم ومساعدتهم والتعاون معهم على الخير والإصلاح، وهو بذلك يقوم بدوره الحقيقي في إعمار الأرض وعبادة الخالق سبحانه، لنشر نور الإسلام وخلافة الأرض على أكمل وجه. بينما جُبل المنافق والمداهن على بذل الدين وتغيير تعاليمه وأحكامه وثوابته، وعلى الاجتراح على الله ودينه القويم والإثم والعدوان على أخيه المسلم، من أجل مصالح دنيوية ومكاسب سياسية أو حزبية أو مذهبية، وهو ما نهى عنه الشرع الحكيم في كل المذاهب والأديان والأعراف.
صفحة 5

نعم أنا عربي مسلم وسطي

إن رد الفعل الطبيعي لذلك الخلل المنهجي الذي فاقم المرض الطائفي المزمن، هو التواصي بالحق والصبر والتكاتف بين دعاة الوحدة من الفريقين، للعودة إلى منهج الوحدة والتقريب القرآني، والعمل على إيقاف حالة الاستقطاب الطائفي وعلى تقليل أثره على المسلمين بشتى السبل. وللوصول إلى ذلك الهدف، لابد من الإعلان عن الهوية القرآنية الأصيلة، في وجه ذلك الحراك الطائفي المتشدد، والتي تبدأ بالتعريف القرآني الواضح البسيط لملامح هويتنا العربية الإسلامية. إن التعريف الرباني للهوية سيحدد المنهجية الوحدوية، التي نحن بحاجة إليها للدعوة إلى الوسطية والاعتدال والتعايش البنّاء، وفق منهج الوحدة والتقريب القرآني، لتدعيم المشروع الوحدوي الذي نؤمن به وندعو له. وللإعراب عن الهوية العربية الإسلامية، يمكن القول وبحزم وثقة ومن دون تردد أو استحياء، بأن الانتماء للإسلام والعروبة هو من الملامح الأصيلة لهويتنا الجامعة، فالإسلام هو الاسم الكريم الذي سمانا به نبينا إبراهيم ، قال تعالى: ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل، وفي هذاليكونالرسولشهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس. والعروبة هي صفة النبي محمد ، الذي بعث إلى الناس كافة بلسانها من أقدس بقاع الأرض في مكةوأرض الجزيرة العربية، قال تعالى: الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل. فالتراث والتاريخ العربي الإسلامي، منذ عصر إبراهيم وحتى اليوم، هو تراث وتاريخ مشترك يربط المسلمين جميعاً في العالم الإسلامي كله، سواء العرب منهم أم الترك والفرس والكرد والهنود وباقي القوميات المتآخية المتعايشة، بصبغته وحضارته الإسلامية التوحيدية الوحدوية.
إن المسلم ينبغي أن يكون عربي الهوية مسلم العقيدة وسطي المذهب. فقولك نعم أنا عربي مسلم وسطي تعني أنك عربي الانتماء والهوية، ولكن ليس بالمعنى العرقي والقومي، الذي قد يفهمه السامع لأول وهلة، وإنما عربي قرآني بمعنى رباني أصيل كما بينه الله ورسوله في القرآن والسنة. لقد ورد وصف القرآن العربي واللسان العربي والحكم العربي في القرآن الكريم، وتكرر ذلك في عدة آيات منها قوله تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وقوله: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المنذرين * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ . وقوله: وكذلك أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا* .
أي قراناً ولساناً وحكماً ربانياً صادقاً محكماً، معرباً عن الحق والنور ٍالذي نزل به، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وفي المعنى ذاته يقول النبي الكريم : أيهاالناس إن الرب واحد والأب واحد، وليست العربية بأحدكم من أبٍ ولا أم، إنما العربية اللسان، فمن تكلم العربية فهو عربي .(
فالعربية بهذا المعنى ليست عرق أو قومية تخص عرب الجزيرة والمشرق العربي فحسب، وإنما هي انتماء لمنهج الله ورسالته والى لغة القرآن ومنهجه وتعاليمه الإلهية المنزلة، والعربي بهذا المعنى القرآني يشمل العربي والأعجمي، ممن آمن برسالة الإسلام الخاتمة وبأن الله هو رب العالمين، سواء كان من الناطقين بالعربية والمحبين لها، أم الباحثين عن الحق والحقيقة والمؤمنين بالله وكتابه العزيز، في كل الأرض، وليس فقط في الأرض التي أطلق عليه اصطلاحاً (أرض العرب أو العالم العربي). ومع ذلك فان أرض المشرق العربي أرض مقدسة، لأنها كانت مهد النبوة وقلب الإيمان النابض بالحياة والنور والتاريخ الأصيل، ولأنها أرض الأنبياء والمرسلين. وهي الأرض المباركة التي ورد ذكرها في القرآن، وأهم معالمها مكة والمدينة وبيت المقدس، وهي مواطن المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها، كما في الحديث الشريف: لا تشدّ الرحال إلا إلى المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا . وهي الأرض التي شهدت مسرى النبي ومعراجه من الفرات إلى النيل، وهما النهران اللذان أشار لهما النبي في حديث المعراج. وقد شرفها القرآن ببعث الأنبياء منها وبإضافة البركة والقداسة إليهاً، وسماها (الأرض المباركة والمقدسة)، والتي شهدت تاريخ النبوة والوحي والرسالة منذ ظهور الإنسان على الأرض حتى الرسالة الخاتمة. قال تعالى: ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين وقال: سبحان الذي أسرى بعبده من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله، لنريه من آياتنا انه هو السميع العليم . وقال: هلأتاك حديث موسى، إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى.. وقال: يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم، ولا ترتدوا على أدباركم،فتنقلبواخاسرين. وكذلك قول النبي في تحديد الأرض المباركة الإسلامية، أو أرض الجزيرة والعراق والشام ومصر، أرض الإسلام والعروبة والحضارة والتاريخ ورسالة التوحيد، كما جاء في حديث الإسراء والمعراج الذي رواه مسلم وغيره. فقد روى مسلم عن أنس بن مالك في حديث الإسراء والمعراج الطويل عن النبي : انه رأى في معراجه أربعة أنهار، يخرج من أصلهما نهران ظاهران هما النيل والفرات، ونهران باطنان هما نهران في الجنة. وعليه فان انتماء المسلم للعربية بلسانه وحبه لنبيه وإتباعه لكتابه المقدس وارتحاله لأرضه وقبلته المقدسة، وهو انتماء رباني أصيل. وفي القول المأثور والمروي عن النبي ، قوله في حبّالعرب والعربية: أحب العرب لثلاث، لأني عربي، ولأن القرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي .
صفحة 6
أما المسلم الحنيف فقد ورد ذكره في القرآن بضعة عشر مرة، وهي التسمية اللائقة بالمؤمن الموحّد، والتي اختارها الله سبحانه، والإسلام ملة أبينا إبراهيم الخليل الذي سمانا مسلمين. قال تعالى: وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين. وقال: وما أمرو إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة .
وقال: ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله، وهو محسن، واتبع ملة إبراهيم حنيفاً، واتخذ الله إبراهيم خليلاً .
والإسلام هو عقيدة جميع الأنبياء والمرسلين، لذلك لا ينبغي للمسلم أن يسمي نفسه باسم آخر يكافئ ويوازي الإسلام ديناً وعقيدة. قال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإسلاموَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ. ويجدر بالمسلم أن يبتعد عن التسميات الطائفية والحزبية في التدليل على الدين والعقيدة. وإذا استقر اسم الإسلام الحنيف في الوجدان، فلا بأس حينئذٍ من الانتماء المذهبي أو النسبي أو القبلي أو القومي، لغرض التعارف والتكامل وتعلم الفقه والعبادة. قال تعالى: يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم.
إن التسمية الفرعية يمكن أن تستخدم كَكُنْية، للتدليل على الشعب والقبيلة والمدرسة الفقهية، دون أن نرتبط بها تعصباً أو تفاخراً أو تمييزاً بين المسلمين. والحنيف هو المائل إلى الحق والمنحاز له والعائد إلى مرجعية القرآن وتعاليمه ولغته المقدسة، مقارنة مع أية لغة أخرى يتكلم بها بنو قومه أو غيرهم من الأمم والشعوب. والحنيفية أيضاً هي الانتماء إلى المنهج الرباني، كما ورد في القرآن الكريم، وتمثّله الأنبياء والمرسلون على الأرض، وفي مقدمتهم نبينا إبراهيم الحنيف أبو الأنبياء، وبقية الأنبياء والمرسلين من آل إبراهيم وآل عمران والنبي العربي الخاتم وآله وصحبه الميامين. قال تعالى: : قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وماكان من المشركين. وقال: ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان في المشركين. وقد قال نبي الرحمة في توكيد أهمية الحنيفية والانتماء إليها: إنما بعثت بالحنيفية السمحاء. وفي لفظ آخر: إن أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحاء .
أما تبني المذهب الوسطي الحنفي (أو ما يشابهه من المذاهب المعروفة) فهي مسألة اجتهادية، سواء أكانت اختياراً أم وراثة عن الأهل والمحيط الذي يعيش فيه المسلم. إن الإتباع المذهبي في الفقه والعبادات دون تعصب مذهبي، أمر واجب عند الكثير من العلماء والفقهاء، لأن المذاهب الإسلامية المعروفة، هي مدارس أصيلة متفق عليها، وطريقة شرعية للتفقه في الدين والتعبّد لله سبحانه. وهي بالطبع لا ترقى إلى مستوى الدين الواحد الذي يجمع المسلمين، ولكنها تثمر عن الفهم والفقه المطلوب بحدّه الأدنى للتكاليف الشرعية. وان الدعوة إلى ترك التمذهب والإتباع المذهبي التي شاعت في عصرنا الحالي، إنما هي دعوة متعسفة فيها نظر. وهي دعوة مبطّنة لصالح أحد المذاهب أو أحد الرموز الدينية، أو هي عملية تجهيل للمسلم بأمور دينه والتفقه فيه ـ سواء بقصد أم بغير قصد ـ فلا تعارض ولا تناقض بين الدعوة للوحدة الإسلامية عقيدة وديناً والإيمان بها وبين إتباع المذاهب الإسلامية المعروفة، سواء عند الجمهور أم الإمامية أم الظاهرية، ولا يمكن بأي حال لأحد المذاهب الإسلامية أن يستوعب أو يمثّل التسنن أو التشيع، فضلاً عن استيعاب الإسلام كله كدين، يمثّل رسالة الله الخاتمة على الأرض، ولكن المذهب يمكن أن يمثّل فئة من المسلمين لهم مدرستهم الفقهية والتعبدية، وهو جزء من كل يمثّل أمة الإسلام بمذاهبها وتياراتها وشعوبها وقبائلها، وهم سواسية مع غيرهم كأسنان المشط، ولا يقبل من أحد فرداً كان أم جماعة أم مذهب، أن يزكّي نفسه ويميّزها عن باقي المسلمين. ولا يمكن أن يُقبل من أحد الادعاء بالفوقية أو الانفراد بتمثيل الدين أمام الله أو الادعاء بأنه وجماعته يمثلون الفرقة الناجية في الآخرة، فان ذلك في علم الله سبحانه. والفرقة الناجية -كما يذكر العلماء- هي منْ تنطبق عليها صفات الإسلام والإيمان والإحسان، بغض النظر عن المذهب والتوجه. يقول الإمام حسن البنا، وهو يحث أتباعه على فضل إتباع المذاهب الإسلامية التي تأسست على هدي الكتاب والسنة: ينبغي على المسلم أن يتبع أحد المذاهب الإسلامية للتفقه في الدين، ما لم يصل درجة النظر في النصوص الشرعية. ويقول أحد الفقهاء من أئمة التابعين: ليس الفقيه من يعلم الحلال والحرام، إنما الفقيه من يعرف أفضل المصلحتين وأخف الضررين . وتلك هي درجة النظر التي ينبغي أن يصلها المسلم حتى يستغني عن إتباع أحد المذاهب الفقهية. ولذلك من الحكمة والمصلحة أن يتبع المسلم المذهب الفقهي الذي نشأ عليه وتعلم أصوله وتعرف على أحكامه، لأداء الشعائر والعبادات، لحين وصوله مرحلة التفقه في الدين والارتقاء إلى درجة النظر في النصوص الشرعية والله أعلم.
صفحة 7

صور الإسلام الثلاثة في القرآن والسنة

إن بعض الناس يقصرون الإسلام على رسالة محمد وعلى الإسلام الخاتم فقط، وهذا خطأ وتضييق لمفهوم الإسلام الذي عرضه لنا القرآن وأكدته السنة النبوية، في العديد من النصوص الإسلامية المقدسة. لقد أطلق القرآن الكريم اسم الإسلام على ثلاثة معانٍ ربانية كريمة. وهي الإسلام العام وهو خضوع الكون لله سبحانه. والثاني هو الإسلام الخالد، الذي أنزله سبحانه على الأنبياء، وهو رسالة الأنبياء والمرسلين جميعاً. والثالث هو الإسلام الخاتم وهو رسالة النبي محمد للعالمين منذ بعثته والى يوم الدين.
إن الإسلام الكوني يشمل جميع المخلوقات في الكون، لأن دينونة الخلق وعبوديتهم وخضوعهم بالفطرة هي لله رب العالمين، وان إسلامهم - أي استسلامهم - له دون غيره سبحانه. وهو الخضوع التام لكافة المخلوقات والكائنات على الأرض وفي كونه الفسيح لله سبحانه. والإسلام الكوني يعني التسليم والخضوع والانقياد لمشيئته المطلقة، والتسبيح والعبادة له سبحانه، بما نعلم وما لا نعلم من طرق التسبيح والعبادة التي يُلهمها الله سبحانه لمخلوقاته التي لا تحصى في الكون. وهو بهذا المعنى يشمل جميع ما خلق الله في هذا الكون الفسيح، في السماوات وفي الأرض. فالشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب، كلها مخلوقات مسلمة لله، والملائكة كلهم مسلمون لله، قال تعالى: ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات، ومن في الأرض، والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب، وكثير من الناس وكثير حقعليهالعذاب، ومن يهن الله فما له من مكرم، إن الله يفعل ما يشاء. وقال: يسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وان من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم، انه كان حليماً غفوراً .
والمعنى الآخر للإسلام الذي يعبّر عن صورته الثانية، هو أنه دين الأنبياء والمرسلين جميعاً، ورسالة التوحيد التي بشّروا بها الناس، من عصر آدم إلى عصر النبي محمد . والإسلام بهذا المعنى هو كل رسالة أرسل الله بها إلى رسولٍ من رسله، وكل وحي أوحاه الله إلى نبي من أنبيائه. وان كل نبي من السابقين هو مسلم، وجاء بالإسلام، وان دينه هو الإسلام، ورسالته رسالة الإسلام، وأتباعه الذين آمنوا به هم المسلمون. إن أتباع نوح مسلمون، وأتباع إبراهيم مسلمون، وأتباع موسى وهارون – أي بنو إسرائيل – مسلمون أيضاً، وكذلك أتباع داوود وسليمان وعيسى كلهم مسلمون، مثل أتباع محمد لا فرق بينهم، فهم كتائب الإسلام الخالد عبر الزمن، منذ عصر آدموحتى قيام الساعة. قال تعالى: وإن هذه أمتكم أمةً واحدةً وأنا ربكم فاعبدون. ترى هل يمكن لدين أن يجمع كتائب الإيمان وأتباع الرسل في كل العصور بتلك الصورة التوحيدية الوحدوية الرائعة، ويجمع تراث الأنبياء وسيرتهم ورسالتهم للجبابرة والطغاة والظَلَمَة، بأن يسلموا لله الواحد الأحد، مثلما صوّر القرآن الكريم وقاله نبي الإسلام ؟.
فالأنبياء كلهم مسلمون وأقوامهم كلهم مسلمون موحّدون بنص القرآن والهدي النبوي. قال تعالى مخبراً على لسان نوح وهو يقول لقومه: فان توليتم فما سألتكم منأجر،إن أجري إلا على الله، وأمرت أن أكون من المسلمين. وقال عن إسلام إبراهيم: ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه، ولقد اصطفيناه فيالدنيا، وانه في الآخرة لمن الصالحين، إذا قال له ربه أسلم قال: أسلمت لرب العالمين. ويقول تعالى على لسان بني إسرائيل قوم موسى: ربنا أفرغعليناصبراً وتوفنا مسلمين .وعن الحواريين أتباع عيسى وصحابته المقربين، قال تعالى: قال الحواريون نحن أنصار الله، آمنا بالله، واشهدبأنامسلمون، ربنا آمنا بما أنزلت، واتبعنا الرسول، فاكتبنا مع الشاهدين( (55. وقال تعالى مخبراً عن إسلام الأنبياء والرسل أجمعين: قل آمنا بما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم، لا نفرق بين أحدٍ منهم، ونحن له مسلمون.
وقال النبي محمد : الأنبياء أخوة، لعلّات أمهاتهم شتى، ودينهم واحد. وفي الإسراء والمعراج صلى النبي محمد بالأنبياء إماماً في بيت المقدس، مؤكداً بذلك أن دينهم واحد وأنه إمامهم وقائدهم وخاتمهم، في أروع تعبير رباني عن وحدة الدين والرسالة التي أرسل بها الأنبياء جميعاً. ويبين الرحمة المهداة في حديث جميل آخر، أن رسالته هي الرسالة المتممة للرسالات السابقة، والمكملة لها، فيما يروي البخاري ومسلم، فيقول : مثلي ومثل الأنبياء قبلي، كمثل رجل بنا بنياناً، فأحسنه وأجمله، إلاموضع لَبِنَة، من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت تلك اللَبِنَة، فأنا تلك اللَبِنَة، وأنا خاتم النبيين .
وأخيراً وفي صورته الحسنى التي ينبغي أن يعرفها الناس ويؤمنوا بها كما نزلت من عند الله، هي الإسلام الخاتم والرسالة الخاتمة الصافية الواضحة الخالية من التحريف والنقص، الذي أصاب بقية الكتب السماوية والرسالات الإلهية السابقة، بما استحفظ الناس من كُتب وزُبر ورسالات إلهية، قال تعالى: بما استحفظوا من كتاباللهوكانوا عليه شهداء. فلم يحافظوا عليها ويمنعوا عنها التغيير والتبديل والإضافة والحذف، على أيدي النسّاخ والكتبة الذين غيّروا الكلم عن مواضعه في الكتب المنزلة على أنبيائهم، من الذين استعاذ منهم النبي (أرميا) نفسه، الذي عاصر الغضب الإلهي على بني إسرائيل، وتسليط الملك البابلي نبو خذنصر عليهم، بسبب كفرهم وكذبهم وانحرافهم عن منهج الإسلام. فأنذر قومه بالعذاب والعقوبة الماحقة، التي لا تبقي ولا تذر، وهو يلعن أصحاب الأقلام الكاذبة . قال تعالى: منالذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ودين محمد هو الرسالة الخاتمة التي نزلت على قلب النبي العربي، لتكون نسخة الإسلام الكاملة الخالية من التحريف والتغيير والناسخة لما قبلها، والباقية إلى يوم الدين. فدينه هو الإسلام، وأتباعه هم المسلمون، وهذه الصورة وهذا المعنى للاسلام هو المعروف عند الناس، واليه ينصرف معنى الإسلام عند استعماله. ولا تناقض بين استعمال الإسلام بهذا المعنى الخاص، واستعماله بالمعنيين السابقين اللذين ورد ذكرهما في القرآن أيضاً. لأن الإسلام هو دين الوجود كله، فهو دين البشر جميعاً، جاء به كل نبي من السابقين، وبه جاء خاتم النبيين، وبه ختمت جميع الرسالات، وبه نسخت جميع الشرائع . إن الإسلام هو الدين عند الله، ورضيه لنا ديناً، وهو سبحانه الذي تعهّد بحفظه من التبديل والتحريف والتغيير، مهما حاول خصوم الإسلام أن يكيدوا ويخططوا لتبديله والقضاء عليه، لأنه الرسالة الإلهية الخاتمة، التي جعلها الله مهيأة وجاهزة لإنقاذ البشر في كل الأرض، حين يطلبون الهداية والنور والحق.
صفحة 8
قال تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام ديناً. وقال: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون والإسلام بهذا المعنى الخاص بالرسالة الخاتمة، هو الدين المقبول عند الله، قال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإسلام وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًابَيْنَهُمْ .ومن لم يتّبع الإسلام بهذا المعنى الخاص فهو على غير هدى، وأي دين غير الإسلام لا يقبل عند الله، قال تعالى: ومن يبتغي غيرالإسلامدينافلنيقبلمنه،وهوفي الآخرة من الخاسرين .وقال النبي : والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ، يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار . وقال تعالى عن إسلام إبراهيم ونفي يهوديته ونصرانيته: ما كان إبراهيم يهودياًولانصرانياًولكنكان حنيفاً مسلماً وما كان في المشركين. وقد أكدت الأبحاث اللاهوتية والتاريخية واللغوية، فيما يخص علوم الكتب المقدسة وتاريخ تدوين نصوصها وعلم مقارنة الأديان، بأن النسخ الأصلية لكتاب العهد القديم المكتوبة باللغة العبرية، وقبل ترجمتها إلى اللغات الأخرى قبل وبعد الألفية الأولى قبل الميلاد، كانت تطلق اسم الإسلام والمسلمين على الأنبياء السابقين لمحمد ، وعلى أتباعهم من الأقوام التي آمنت بدعوتهم ورسالتهم التوحيدية، وهو ما يتفق تماماً معالتسمية القرآنية، التي يرفضها معظم علماء الدين اليهود والنصارى وبدون أساس علمي ، إما جهلاً أو تعصباً وكرهاً للتسليم بمعطيات القرآن، التي تتحدى الموروث الثقافي اللاهوتي التوراتي. قال تعالى في قصة بناء إبراهيم وإسماعيل للكعبة: وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل: ربنا تقبل منا انك أنتالسميعالعليم، ربنا واجعلنا مسلمَين لك، ومن ذريتنا أمة مسلمة لك. ويقرر القرآن صراحة أن يعقوب كان مسلماً، وأن جده إبراهيم قد أوصاه بالإسلام.قال تعالى: ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب، يا بني إن الله اصطفى لكم الدين، فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون. وينقل لنا القرآن الحوار الرباني بين يعقوب وبين بنيه، وهو على فراش الموت، فيقول تعالى: أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت، إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي. قالوا نعبد إلهك واله آبائك،إبراهيموإسماعيل وإسحاق، إلهاً واحداً ونحن له مسلمون. وكذلك يقول تعالى على لسان يوسف : رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويلالأحاديث، فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة، توفني مسلماً وألحقني بالصالحين. أما موسى فقد طلب من قومه أن يسلموا لله ويؤمنوا به ويتوكلوا عليه، قال تعالى: وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا ان كنتم مسلمين فقالوا على الله توكلنا.. أما داود وسليمان، فقد كانا حاكمين مسلمين لله، ولا صلة لهم بالأساطير اليهودية والتوراتية، التي تجعلهم يهود ومؤسسي الدولة اليهودية في فلسطين، وقادة الشعب المختار بزعم التوراة المحرفة. وقد أكد القرآن مبدأ إسلام الأنبياء جميعاً، ومنهم هذين النبيين الكريمين، وشعبهما العربي المسلم من قبائل بني إسرائيل ومن كان معهم من المؤمنين. وان أسطورة هيكل سليمان اليهودية ليس لها وجود تاريخي، إلا في خيال اليهود الصهاينة، وهي من جملة الأساطير التوراتية الصهيونية المؤسسة لما يسمى بدولة إسرائيل، ولتبرير وشرعنة اغتصاب فلسطين من أهلها العرب الشرعيين .وقد قال المفكر الفرنسي المعروف غوستاف لوبون في ذلك: ستبقى فلسطين من الناحية القانونية والتاريخية ملكاً للعرب باعتبارهم أصحابها الشرعيين. والهيكل في حقيقته ما هو الا بناء صغير من المسجد الأقصى بناه النبي سليمان ليكون مصلى له ولوزرائه وقادته وأتباعه المقربين، قد ضخّم ذلك المصلى وتوسّع الخيال الصهيوني في وصف شكله وبنائه، حتى بدا كأنه رمز مستقل عن المسجد الأقصى الذي باركه الله، كما بارك المسجد الحرام منذ عصر آدم، الذي بنا المسجد الحرام كأول بيت وُضع للناس يعبد فيه الله تعالى، ثم بنا المسجد الأقصى بعده بأربعين سنة، كما جاء في الحديث الشريف. وقد أعاد إبراهيم بناءهما، بعد أن جرفهما الطوفان في عصر نوح، وتهدّم بنيانهما بتقادم القرون، ولم يبق من بنائهما إلا القواعد، التي استند عليهما إبراهيم في إعادة البناء وتأسيس المسجدين من جديد، وهما المسجدان المباركان اللذان كانا مبدأ إسراء النبي ومنتهاه، وكذلك معراجه الشريف. قال تعالى: سبحان الذي أسرى بعبده ليلاًمنالمسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، الذي باركنا حوله، لنريه من آياتنا، انه هو السميع البصير. وقد أقام سليمان في فلسطين وما حولها حكماً إسلامياً عادلاً ومنيراً، يسلم فيه الناس مع سليمان لله رب العالمين، ولم يكن حكماً يهودياً عنصرياً طائفياً. قال تعالى على لسان بلقيس ملكة سبأ في اليمن: قالت رب إني ظلمتنفسي، وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين.
أما آل عمران، من الأنبياء والصالحين والحواريين، من نبي الله زكريا ويحيى وأمه وخالته زوجة عمران وأم مريم، إلى مريم الصديقة البتول وابنها عيسى المسيح وأتباعه الحواريون ومن تبعهم بإحسان، فان نصوص القرآن التي تسرد قصصهم وإسلامهم كثيرة. ونبي الله عيسى هو آخر الأنبياء والمرسلين قبل بعثة محمد نبي الإسلام الخاتم. وهو المبشّر الأكبر به وببعثته وانتصاره وهيمنته على الدين كله. قال تعالى: وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم، مصدقاًلمابين يدي من التوراة، ومبشراً برسولٍ يأتي من بعدي اسمه أحمد، فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين. وأخيراً يأمر الله تعالى النبي محمد وأتباعه المسلمون والمؤمنون بتعاليم الكتاب العزيز، بقوله: قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين .وقال: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة، أنا ومن اتبعني، وسبحان الله، وما أنا من المشركين .
صفحة 9

مفهوم الأمة الواحدة في المنظور القرآني

لقد ورد ذكر عبارة (الأمة الواحدة) في القرآن مرتين وفي آيتين متقاربتين في اللفظ والمعنى، في سورة الأنبياء وسورة المؤمنون، في سياق الحديث عن قصص الأنبياء السابقين لرسالة النبي محمد . وهي قوله تعالى في سورة الأنبياء: إن هذه أمتكم أمةً واحدةً وأنا ربكم فاعبدون. وقوله في سورة المؤمنون: وان هذه أمتكم أمةًواحدةً وأنا ربكم فاتقون.
وينتهي السياق في السورتين، بالإشارة إلى أن أتباع الرسل وأقوامهم الذين آمنوا بهم، هم كتائب الإيمان عبر العصور، التي تشكل الأمة الواحدة، التي هي بنفس الوقت أمة الإسلام الخاتم، كما أشار القرآن. ويذكرنا الله سبحانه، بأنه تعالى ربنا الواحد لا شريك له، وهو الخالق العظيم رب العالمين على امتداد الزمان والمكان. وهذه حقيقة قرآنية مهمة، تؤسس تصور متميز في ثقافة المسلم، بأنه جزء من أمة الإسلام الخالد الذي بعث به الأنبياء جميعاً، ودينهم دين واحد وربهم واحد ورسالتهم واحدة، وهم الأمة الواحدة المؤمنة بالله وكتبه ورسله، التي شكلت تلك الكتائب المباركة عبر الزمن، وفي شتى بقاع الأرض، منذ عصر آدم وحتى قيام الساعة، مما يعطي المسلم شعوراً ربانياً وحدوياً فريداً مهما استوحش الطريق، ومهما عظمت الفتن والكروب من حوله، فيقرأ في القرآن ما يطمئن قلبه ويقرّ عينه بتلك الأمة الواحدة المؤمنة بربها عبر العصور.
تتناول سورة الأنبياء قصص بعض الرسل، فتتحدث عن قصة إبراهيم مع قومه الوثنيين، بأسلوب مشوق مع بيان قرآني معجز ونصاعة متألقة وقوة حجة وبرهان.. وفي قصته وسيرته عبر وعظات. ثم تتحدث السورة عن الرسل الكرام (إسحاق ويعقوب ولوط ونوح وداود وسليمان وأيوب وإسماعيل وإدريس وذي الكفل وذو النون وزكريا وعيسى) بإيجاز، مع بيان الشدائد التي تعرضوا لها، وتختم ببيان سيرة سيد المرسلين محمد . وقد سميت (سورة الأنبياء) لأن الله تعالى ذكر فيها جملة من الأنبياء الكرام في استعراض سريع، وذكر جهادهم وصبرهم وتضحيتهم في سبيل الله وتفانيهم في تبليغ الدعوة لإسعاد البشرية.
تتحدث السورة في الآيات من 51 إلى 94 عن قصص الأنبياء وأقوامهم باعتبارهم يشكلون أركان الأمة الواحدة الربانية الممتدة عبر الزمان والمكان، والمستوعبة الزمان كله لوجود الإنسان على الأرض، والمكان كله أينما وجد الإيمان والتوحيد على الأرض. وحيثما كانت الرسالة ونشأت الدعوة إلى دين الله في العصور السابقة واللاحقة، على يد الدعاة والربانيين والأولياء الصالحين، ليس في أرض العرب والمسلمين فحسب، بل في كل أرض يذكر فيها اسم الله وتدين بالعبودية له. وتلك الرؤية القرآنية لها تأثير عميق في شعور المؤمن، وهي تربط بين عصور الأنبياء وتجعلها في إطار واحد هو إطار الأمة الواحدة المرتبطة بالله ورسالته الخالدة. وحينها سيشعر المسلم - أينما كان - بأنه جزء مهم من كتائب الإيمان عبر تاريخ الإنسان الطويل، ويتأمل قصص الأنبياء كما وردت في القرآن، باعتبارهم أبطال عالمه وحياته في الصراع بين الحق والباطل، وما يواجهه من صعاب في طريق الدعوة الى الله سبحانه، ويعدّهم القادة الميدانيين الذي رفعوا راية التوحيد في الأرض، يتقدمهم ويأمّهم النبي الخاتم محمد ، ويستخلص من جهادهم ودعوتهم العبرة والموعظة، ويستمد القوة منهم وهو يقرأ القرآن لمواصلة الطريق والوصول إلى الهدف الأسمى، ألا وهو حسن الخاتمة ودخول الجنة، وتحقيق العدل والسلام والسعادة في الأرض، بمعية من معه من المؤمنين، الذين يشكّلون في عصرنا الحاضر البقية الباقية من الأمة الواحدة، التي تشترك فيما بينها بوحدة العقيدة والدين ووحدة الرسالة والهدف والأخلاق. لأن أتباع الأنبياء جميعهم يعبدون إله واحد ودينهم واحد هو الإسلام الخالد.
قال تعالى: ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياءاً وذكراً للمتقين. الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون. وهذا ذكرٌ مباركٌ أنزلناه أفأنتم له منكرون. ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين... ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلةً وكلاً جعلنا صالحين. وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين. ولوطاً آتيناه حكماً وعلماً ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوءٍ فاسقين. وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين. ونوحاً إذ نادى من قبل فاستجبنا له، فنجيناه وأهله من الكرب العظيم. ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوءٍ فأغرقناهم أجمعين. وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين... وأيوب إذ نادى ربّه أني مسني الضرُّ وأنت أرحم الراحمين. فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضرٍّ وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمةً من عندنا وذكرى للعابدين. وإسماعيل وإدريس وذا الكفلِ كلٌّ من الصابرين. وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين. وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظنّ أنْ لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا اله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. فاستجبنا له ونجّيناه من الغمِّ وكذلك ننجي المؤمنين. وزكريا إذ نادى ربه ربّ لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين. فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين. والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آيةً للعالمين. إن هذه أمتكم أمةً واحدةً وأنا ربكم فاعبدون. وتقطّعوا أمرهم بينهم كلٌّ إلينا راجعون. فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون .
وفي الآيات أعلاه يتحدث الله سبحانه عن الرسل ودورهم في الدعوة إلى دين الله، ثم يعرّج على توكيد مفهوم الأمة الواحدة في وعي المؤمنين، {إن هذه أمتكم أمة واحدة} أي إن دينكم وملتكم التي يجب أن تكونوا عليها أيها الناس، مِلّة واحدة غير مختلفة وهي مِلّة الإسلام، والأنبياء كلهم جاءوا برسالة التوحيد، قال ابن عباس: معناه دينكم دين واحد . وتفسير {وأنا ربكم فاعبدون} أي وأنا إلهكم لا ربّ سواي فأفردوني بالعبادة. {وتقطّعوا أمرهم بينهم} أي اختلفوا في الدين وأصبحوا فيه شيعاً وأحزاباً، فمن موحد ومن يهودي ونصراني ومجوسي. {كلٌّ إلينا راجعون} أي رجوعهم إلينا وحسابهم علينا، قال الرازي: معنى الآية، جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعاً، كما تتوزع الجماعة الشيء ويقسمونه، تمثيلاً لاختلافهم في الدين وصيرورتهم فرقاً وأحزاباً شتى . إن المسلم الرباني في القرآن هو كائن حيوي حضاري يمتد عبر التاريخ، وعمره يتجاوز آلاف السنين، كما يمتد في حركته وأثره الحضاري والديني ليشمل الأرض كلها، مهما حاول الطغاة أن يصدوا الناس عن دين الله وينقصون الأرض من أطرافها. لذلك تتشابه أرواح المؤمنين من أتباع الرسل وتتماثل أخلاقهم وطباعهم وسبلهم ووسائلهم في تحقيق العبودية لله.
صفحة 10
إن دمج الزمن منهج قرآني فريد نلمسه في سور عديدة من القرآن، في العقيدة الواحدة التي بلّغها الرسل الكرام لأقوامهم. وفي سورة إبراهيم – مثلاً - نقرأ تعبيراً مجازياً ساحراً، يقدّم الرسل جميعهم في مشهد رائع ومؤثر أمام أقوامهم وكبرائهم من الطغاة الكافرين برسالاتهم، فيخاطبهم الرسل بلسانٍ واحدٍ - وهم مجتمعون - رغم اختلاف عصورهم. وبعد أن يدمج القرآن الزمن، يتقارب الزمان وتتداخل العصور في لحظة واحدة، في مواجهة متكررة بين الحق والباطل، فيكون الحق على لسان الرسل، والباطل على لسان الطغاة والمجرمين. وحين يندمج الزمن ويتصاغر في تصور المؤمن وهو يقرأ كتاب الله، حتى ينحصر في لقطة واحدة وفي عصر واحد، يستطيع المسلم أن ينتقل بقلبه وروحه إلى العصر الذي يعيشه، ويرى كتائب الإيمان المباركة التي يقودها الرسل، وكأنه مشهدٌ حيٌّ، لا تفصله عنه تلك الدهور المتطاولة في القدم، ويرى نفسه وكأنه أحد هؤلاء الأتباع والجنود لإحدى الكتائب الربانية تلك، يشارك في أحداثها وأعمالها وجهادها المتواصل، حتى يخيّل إليه أنه يخضع لتلك التوجيهات والأوامر الصادرة من قائده الأعلى سواء أكان نبياً أم أحداً من أتباعه الصالحين، يسعى مع إخوته المؤمنين لكي تتجلى إرادة الله في إزهاق الباطل الذي يرعاه الطغاة، والفساد الذي يحدثه المجرمون. ونرى ذلك جلياً في سورة إبراهيم، وكأن الرسل جميعاً يقولون قولاً واحداً ويردون رداً واحداً على كيد الكافرين، رغم تباعد الأزمان والعصور بينهم، ويبلّغون رسالة واحدة إلى البشر على مدار التاريخ. وهم يعلنون عن منهج واحد هو منهج التوحيد وسبيل المؤمنين، مهما اختلفت أزمانهم وأجناسهم وثقافاتهم ومواطنهم. ويصل الإيحاء القرآني للمؤمنين إلى درجة أن نعيش حالة الحوار والجدال بين الرسل وبين خصومهم، وكأن الرسل تخاطبهم كشخصٍ واحد بلسانٍ واحد، لإقامة الحجة والبرهان على القوم ودعوتهم لتقبل رسالة الإسلام، في أبلغ تعبير وحوار بين الكفر والإيمان، لكي يستقر في قلب المؤمن وعقله، أن رسالة الله واحدة وأن الإله المعبود واحد وأن الأمة واحدة، لا تتغير بتغير الزمان والمكان، مهما تغيرت الأقوام والأمم عبر التاريخ الطويل لرسالة التوحيد في الأرض.
ولقد تناولت سورة إبراهيم موضوع العقيدة وأصولها، وإن محورها الرئيسي هو (الرسالة والرسول). وتناولت دعوة الرسل بشيء من التفصيل، ووضحت معنى وحدة الرسالات السماوية، فالأنبياء جميعاً جاءوا لتشييد صرح الإيمان، وتعريف الناس بالإله الحق، وإخراج البشرية من الظلمات إلى النور، فدعوتهم واحدة وهدفهم واحد، وان كان بينهم اختلاف في الفروع، التي تخص الشريعة والمنهج الملائم لكل أمة وعصر . وتناولت السورة أيضاً موضوع الرسل مع أقوامهم على مرّ العصور والدهور، وحكت ما جرى بينهم من حوارات ومناورات انتهت بإهلاك الظالمين.
قال تعالى: {ألم يأتكم نبؤا الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله، جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب. قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى، قالوا إن أنتم إلا بشرٌ مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطانٍ مبين. قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشرٌ مثلكم ولكن الله يمنّ على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون... وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنّكم من أرضنا أو لتعودنّ في ملتنا، فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين} .
أما في سورة المؤمنون، فتتكرر فيها نفس الصورة الإيمانية التي استعرضتها سورة الأنبياء وكذلك سور القرآن الأخرى كسورة الأنعام وسورة إبراهيم. إنها صور ربانية يعرضها القرآن لكل عصر من عصور الأنبياء الكرام، ليصل بنا إلى نفس النتيجة والهدف المنشود، ويضمنا من خلالها إلى الأمة الواحدة ذاتها، وفي الكتيبة الإيمانية التي قدّرها لنا، حسب العصر والزمان والمكان، فهنيئاً للسابقين الأولين من أتباع الرسل والأنبياء، وفي مقدمتهم أتباع النبي الأمي الرحمة المهداة وخاتم النبيين، من الآل والأصحاب ومن تبعهم بإحسان من الأولياء والصالحين السائرين على خطى الحبيب محمد .
لقد عرضت سورة المؤمنون المكية قصص بعض الأنبياء والرسل الكرام، لكي يطمْئِن قلب النبي محمد ويُسَلّيه عما كان يلقاه من أذى المشركين، فذكرت قصة نوح، ثم قصة هود، ثم قصة موسى، ثم قصة مريم البتول وولدها عيسى المسيح، ثم عرضت عناد كفار مكة ومكابرتهم للحق. وأقامت الحجج والبراهين على البعث والنشور، فقصمت السورة ببيانها الساطع ظهر الباطل، الذي كان يتعصب له كفار قريش.
قال تعالى: {ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه، فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره أفلا تتقون... ثم أنشأنا من بعدهم قرناً آخرين. فأرسلنا فيهم رسولاً منهم أن اعبدوا الله، ما لكم من إلهٍ غيره أفلا تتقون. وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا، ما هذا إلا بشرٌ مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون... ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين. ما تسبق من أمةٍ أجلها وما يستأخرون. ثم أرسلنا رسلنا تترا، كل ما جاء أمة رسولها كذبوه، فأتبعنا بعضهم بعضاً وجعلناهم أحاديث، فبعداً لقومٍ لا يؤمنون. ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين. إلى فرعون وملأه فاستكبروا وكانوا قوماً عالين... وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرارٍ ومعين. يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم. وان هذه أمتكم أمةً واحدةً وأنا ربكم فاتقون. فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كلُّ حزبٍ بما لديهم فرحون. فذرهم في غمرتهم حتى حين} .
والمعنى بعد أن استعرض قصص الأنبياء السابقين بدءاً من نوح وحتى عيسى ابن مريم، وكيف عانوا ولاقوا من الصعاب في طريق الدعوة إلى منهج الله سبحانه، يختم تلك القصص العطرة، بالنداء العلوي الكريم للرسل جميعاً، بقوله لهم: أيها الرسل كلوا من الحلال الطيب وتقربوا إلى الله بالأعمال الصالحة، والنداء بطبيعة الحال لكل رسول في زمانه، ووصى به كل رسول إرشاداً لأمته، كما تقول حين تخاطب تاجراً: يا تجار اتقوا الربا. {إني بما تعملون عليم} انه وعيد وتحذير، أي إني عالم بما تعملون، لا يخفى علي شيء من أمركم، قال القرطبي: شمل الكل في الوعيد، وإذا كان هذا مع الرسل والأنبياء، فما ظن كل الناس بأنفسهم؟. {وان هذه أمتكم أمةً واحدةً وأنا ربكم فاتقون} أي دينكم يا معشر الأنبياء دين واحد، وملتكم واحدة وهي ملة ودين الإسلام. {وأنا ربكم فاتقون} أي أنا ربكم لا شريك لي فخافوا عذابي ومقامي. {فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا} أي تفرقت الأمم في أمر دينهم فرقاً عديدة وأدياناً مختلفة، هذا يهودي وهذا مجوسي وهذا نصراني، بعدما أمروا بالاجتماع. {كل حزب بما لديهم فرحون} أي كل فريق منهم مغتبط بما اتخذه ديناً لنفسه معجب به، يرى أنه المحق الرابح، وان غيره المبطل الخاسر .