صفحة 1
تقـديــــم
من طبائع المقالات، أن تنشر في الصحف، وأن تكون متحررة من الأسر، وأن تذهب بحرية إلى القارئ، فيقرأها، ثم ينصرف إلى متابعة أموره، مزوَّداً بمعرفة آنية، أو رأي عابر، أو تحليل منحاز، وإن كان يدعي الموضوعية.
ولأن الكتاب أكثر ديمومة من المقالة، كنت أفضل أن يستقل بذاته، وأن يكون نصه وليد تأليف لنصوص، تستطيع الصمود أكثر. الكتاب يولد من رحم آخر، ولا يمت إلى عائلة المقاومة.
غير أن «للسفير» عيداً، ولا بد من باقة للذكرى، في احتفال نجاحها، فأطعت المناسبة، وعملت على جمع مقالات، كان لها حظ البقاء أكثر من زمنها اليومي أو مدتها الأسبوعية.
ساعدني في ذلك، أنني كنت من «أصحاب الحظوظ». الحظ الأول، أنني كنت في عائلة «السفير» عندما أنجزت المقاومة تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، فساهمت بالحبر، مقصراً بالطبع، عمن ساهموا بالدم. كانت «السفير» يومها، احتفالاً بالانتصار، عبر متابعة وقلق ومسؤولية.
الحظ الثاني، أنني عدت إلى عائلة «السفير»، عشية اندلاع الثورة العربية الديمقراطية، وفزت بمنعطف ثري جداً، غرفت منه كتابة، فيما كان حملة راية الحرية يحتلون ميادين التحرير وينطلقون لمنازلة الاستبداد ببسالة، لم يسبقهم إليها شعب من قبل.
عاصرت انتصارين في «السفير». كانت الإقامة فيها كالإقامة في التاريخ، يوماً بعد يوم، نصراً بعد نصر، تحريراً بعد تحرير..
ما أقنعني في جمع هذه المقالات، بعد تعب الانتقاء والحذف والإهمال والإسقاط، أن ما كتبته في «السفير» ما بين 2009 و2012، التمس أسلوباً جديداً. خرج عن الخط الكلاسيكي للمقالة، واختار أن يجعل من القلم، كاميرا لاقطة، مع مجموعة من المؤثرات اللغوية، التي تحاكي لغة العقل وصور المخيلة وجرأة الانفعالات. هذا الجديد، أصاب أحياناً، أخفق أحياناً، ولكنه حمل قراءة مختلفة ومتعددة تتعمد أن تحاكي العقل وأن تمس في الإنسان إحساسه ومشاعره.
تلك كانت قد حدثت في الغرب، عبر أنسنة السياسة والمقاومة، إبان انشغال الشعوب بمقاومة الاحتلال النازي.
آمل أن تكون هذه الباقة، لائقة بعيد «السفير» ومفيدة للقارئ الذي لن يوفرها، إذا قرأها، من النقد ومن الود.
9 شباط 2012
نصري الصايغ
من طبائع المقالات، أن تنشر في الصحف، وأن تكون متحررة من الأسر، وأن تذهب بحرية إلى القارئ، فيقرأها، ثم ينصرف إلى متابعة أموره، مزوَّداً بمعرفة آنية، أو رأي عابر، أو تحليل منحاز، وإن كان يدعي الموضوعية.
ولأن الكتاب أكثر ديمومة من المقالة، كنت أفضل أن يستقل بذاته، وأن يكون نصه وليد تأليف لنصوص، تستطيع الصمود أكثر. الكتاب يولد من رحم آخر، ولا يمت إلى عائلة المقاومة.
غير أن «للسفير» عيداً، ولا بد من باقة للذكرى، في احتفال نجاحها، فأطعت المناسبة، وعملت على جمع مقالات، كان لها حظ البقاء أكثر من زمنها اليومي أو مدتها الأسبوعية.
ساعدني في ذلك، أنني كنت من «أصحاب الحظوظ». الحظ الأول، أنني كنت في عائلة «السفير» عندما أنجزت المقاومة تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، فساهمت بالحبر، مقصراً بالطبع، عمن ساهموا بالدم. كانت «السفير» يومها، احتفالاً بالانتصار، عبر متابعة وقلق ومسؤولية.
الحظ الثاني، أنني عدت إلى عائلة «السفير»، عشية اندلاع الثورة العربية الديمقراطية، وفزت بمنعطف ثري جداً، غرفت منه كتابة، فيما كان حملة راية الحرية يحتلون ميادين التحرير وينطلقون لمنازلة الاستبداد ببسالة، لم يسبقهم إليها شعب من قبل.
عاصرت انتصارين في «السفير». كانت الإقامة فيها كالإقامة في التاريخ، يوماً بعد يوم، نصراً بعد نصر، تحريراً بعد تحرير..
ما أقنعني في جمع هذه المقالات، بعد تعب الانتقاء والحذف والإهمال والإسقاط، أن ما كتبته في «السفير» ما بين 2009 و2012، التمس أسلوباً جديداً. خرج عن الخط الكلاسيكي للمقالة، واختار أن يجعل من القلم، كاميرا لاقطة، مع مجموعة من المؤثرات اللغوية، التي تحاكي لغة العقل وصور المخيلة وجرأة الانفعالات. هذا الجديد، أصاب أحياناً، أخفق أحياناً، ولكنه حمل قراءة مختلفة ومتعددة تتعمد أن تحاكي العقل وأن تمس في الإنسان إحساسه ومشاعره.
تلك كانت قد حدثت في الغرب، عبر أنسنة السياسة والمقاومة، إبان انشغال الشعوب بمقاومة الاحتلال النازي.
آمل أن تكون هذه الباقة، لائقة بعيد «السفير» ومفيدة للقارئ الذي لن يوفرها، إذا قرأها، من النقد ومن الود.
9 شباط 2012
نصري الصايغ
صفحة 2
الفصل الأول :مصارع الاستبداد
الثورة ليست بحاجة إلى نظرية
الحقيقـة لا تستحـم فـي النهـر الواحـد مرتيـن
هذه الكتابة، تأتي في سياق ما نشرته «السفير» حول الثورة العربية الديموقراطية، بدءاً ببحث الدكتور علي فياض، الذي أثار نقاشاً واسعاً، شفهياً ومكتوباً، أثرى الحوار بعدد من الملاحظات والردود. وأتيح لي وأنا أتفحص النص والردود وبعض ما نشر في الصحافة الأجنبية، أن أتعلم كثيراً، وأن أفكر أكثر، بكل ما قيل وما كتب. غير أن شعوري، كما عقلي، نزعا عني الالتحاق بالكتابة النظرية، لانشغالي بالبحث والكشف عن تفاصيل التفاصيل، التي دشنت «الثورة العربية الديموقراطية...».
كان قد سبق هذه اللحظة التاريخية وهذا المنعطف العربي الحاسم نحو المستقبل، أن تخلّيت عن كل مقدس ديني، عقدي، حزبي، فكري، سياسي، ما جعل رابطتي الأولى، الغوص في الواقع والبحث عن الوقائع، وتفكيك الأجزاء إلى جزئيات، في محاولة للنأي عن الكليات والتعميمات والنظريات... وصرت في هذه الرحلة كائنا، متلقياً مستقبلاً ومتفاعلاً، ومنقلباً على ذاتي وأفكاري وطرق البحث المعتمدة. واطمأن عقلي عندما بلغت مرحلة الفوضى. غاليت في التشكيك، حتى كدت أتحوّل إلى سفسطائي جدي: لا حقيقة أبداً ودائما، كل حقيقة تحمل في ذاتها بذور تكذيبها عبر التعامل الحر والمتعدد معها. الحقيقة في التداول، هي حقائق، تصل إلى حدود التنابذ، حتى الحقيقة الدينية المثبتة نصاً، تتحول إلى أنماط من الحقائق المضادة، فكيف بحقائق الفلسفة وحقائق علوم الإنسان؟
إذاً، أنا لست من هذا العالم الذي يهتم بالكتابة وفاءً لنظرية أو بحثاً عن نظرية. التفكير عندي تحول الى آلة، لانتاج الخبز الذي يتناول بسرعة، فإذا بات، مات وتعفن. وعليه، فإن ما كتبته هنا، يجيء في سياق رفض النظرية، أي نظرية، في العلوم الإنسانية، مدافعاً عن النسبية المطلقة، التي تفرضها، أولا، حرية الإنسان المذهلة في اختراع الحقائق والتبريرات الخاصة. وثانيا، المعرفة الإنسانية الناقصة التي تعوِّض عن غنى التفاصيل، بفقر التعميم النظري. وثالثا، ثراء الواقع البشري وتغيره وتحوله الدائم، وفق ما جاء على لسان هيرقليط. مصاغاً بطريقة أخرى: «لا تستحم الحقيقة في النهر الواحد مرتين».
I ـ تثوير الكتابة
تعالوا نكتب عن الثورة. سننشئ نصوصاً سليمة اللغة. صافية الدلالة، منطقية السياق، ملتزمة قواعد الصياغة، متفرغة للدلالات بمداليل، محصّنة بأفكار فلسفية واجتماعية، مسنودة إلى أحداث تاريخية منتقاة، موثقة بمرجعيات موثوقة، مدققة في التفاصيل، متوسلة الماضي قراءة وتفسيراً، رائية للمستقبل توقعاً وتنبؤاً... ثم نرتاح إلى نشرها والدفاع عنها، والاختلاف أو الاتفاق عليها، ودعوة البعض للمنازلة والمناقشة، والتسابق في ادعاء الأولوية والأسبقية، والاهتمام بربطها بايديولوجيات ومرجعيات شرعية، فكرية أو إيمانية، وادعاء الصواب.
نكتب عن الثورة، والثورة في مكان آخر، وهي تحديداً خارج الكتاب، خارج السياقات، خارج العلوم الاجتماعية والسياسية، خارج التوقعات والتنبؤات.
تعالوا ننشئ ثورة. نتلعثم كثيراً. غير معروف كيف نبدأ بها. هي ليست نتاج خطط على الورق. قد نبدأ من هنا، أو من هناك. لا نجد أمامنا دليلاً أو خريطة طريق. لا نفتتح الثورة بتعويذة المعرفة. باختصار، ان الثوار، عندما يثورون، يجتازون من بؤس اليقين حيث هم، إلى فضيلة الشك، حيث يحاولون، إلى رحاب المجهول، حيث يتجهون.
لا نظرية للثورة، سابقة على الثورة. الثورة أولاً والنظرية تالياً. لم تسبق النظريات السوسيولوجية والسياسية وفلسفات التاريخ، التاريخ والأحداث والوقائع والأفكار المختلفة. كتب الثورة كتبت بعدها لا قبلها، بعد الثورة الفرنسية لا قبلها، بعد الثورة البولشفية لا قبلها. (ما كتب قبلها توقع الثورة في الدول الصناعية) بعد الثورة الماويه في الصين، لا قبلها. وهذا لا يعني أن الثورة تولد من فراغ أو من سديم فكري أو من «عدم» نظري. انها تولد من بيئة مكتظة بالأفكار والتيارات والعقائد والمذاهب والأنماط والفلسفات. تتفاعل وتتنافس، في رحم من «البؤس الإنساني» ومن المعاناة الفائقة والآلام الباهظة والفجيعة الدائمة. انها تولد في سياق خاص، تحتاج إلى لحظة اندلاع فقط، وفرصة انتشار الاندلاع. لا تصطف الثورة كنص مرصوص. الثورة تولد من انفجار يثير الفوضى البناءة، من عنف جديد غير مسبوق، يسفك طمأنينة السلطة (السلطات) ويبدد هيبتها، ويستدعيها إلى المنازلة المكشوفة المديدة. الثورة تولد، عندما يبلغ يأس الانسان، مرتبة الأمل من جديد.
لا نستطيع ان ننشئ ثورة. دائما، الثورة لحظة مفاجأة كبرى، تسبقها إرهاصات وإحباطات وانتفاضات وتوترات وانتكاسات. وهذه، بدورها، نتاج حراك وليست نتاج نظريات. المفاجأة التونسية، كانت كونية. لم يتوقعها ربابنة الأبحاث وخبراء التدقيق في السياسات الدولية والمحلية. مفاجأة مصر، لم ترد في أحلام المثقفين والكتاب والاعلاميين، حتى محمد حسنين هيكل، المتابع الدؤوب، الممسك بزمام التفاصيل، ونواصي التاريخ، وسياقات السيلان السياسي، قال: «مفاجأة كبرى».
التنظير، بالكاد يخرج من الكتاب. بالكاد يتخطى نصه. التنظير يكذب على نفسه عندما يضخم وضعه كفكر مناسب، وليس كفكر بين أفكار. يظن التنظير انه السبب في ما يحدث، بينما هو نتيجة ما يحدث.
الثورة ليست بحاجة إلى نظرية
الحقيقـة لا تستحـم فـي النهـر الواحـد مرتيـن
هذه الكتابة، تأتي في سياق ما نشرته «السفير» حول الثورة العربية الديموقراطية، بدءاً ببحث الدكتور علي فياض، الذي أثار نقاشاً واسعاً، شفهياً ومكتوباً، أثرى الحوار بعدد من الملاحظات والردود. وأتيح لي وأنا أتفحص النص والردود وبعض ما نشر في الصحافة الأجنبية، أن أتعلم كثيراً، وأن أفكر أكثر، بكل ما قيل وما كتب. غير أن شعوري، كما عقلي، نزعا عني الالتحاق بالكتابة النظرية، لانشغالي بالبحث والكشف عن تفاصيل التفاصيل، التي دشنت «الثورة العربية الديموقراطية...».
كان قد سبق هذه اللحظة التاريخية وهذا المنعطف العربي الحاسم نحو المستقبل، أن تخلّيت عن كل مقدس ديني، عقدي، حزبي، فكري، سياسي، ما جعل رابطتي الأولى، الغوص في الواقع والبحث عن الوقائع، وتفكيك الأجزاء إلى جزئيات، في محاولة للنأي عن الكليات والتعميمات والنظريات... وصرت في هذه الرحلة كائنا، متلقياً مستقبلاً ومتفاعلاً، ومنقلباً على ذاتي وأفكاري وطرق البحث المعتمدة. واطمأن عقلي عندما بلغت مرحلة الفوضى. غاليت في التشكيك، حتى كدت أتحوّل إلى سفسطائي جدي: لا حقيقة أبداً ودائما، كل حقيقة تحمل في ذاتها بذور تكذيبها عبر التعامل الحر والمتعدد معها. الحقيقة في التداول، هي حقائق، تصل إلى حدود التنابذ، حتى الحقيقة الدينية المثبتة نصاً، تتحول إلى أنماط من الحقائق المضادة، فكيف بحقائق الفلسفة وحقائق علوم الإنسان؟
إذاً، أنا لست من هذا العالم الذي يهتم بالكتابة وفاءً لنظرية أو بحثاً عن نظرية. التفكير عندي تحول الى آلة، لانتاج الخبز الذي يتناول بسرعة، فإذا بات، مات وتعفن. وعليه، فإن ما كتبته هنا، يجيء في سياق رفض النظرية، أي نظرية، في العلوم الإنسانية، مدافعاً عن النسبية المطلقة، التي تفرضها، أولا، حرية الإنسان المذهلة في اختراع الحقائق والتبريرات الخاصة. وثانيا، المعرفة الإنسانية الناقصة التي تعوِّض عن غنى التفاصيل، بفقر التعميم النظري. وثالثا، ثراء الواقع البشري وتغيره وتحوله الدائم، وفق ما جاء على لسان هيرقليط. مصاغاً بطريقة أخرى: «لا تستحم الحقيقة في النهر الواحد مرتين».
I ـ تثوير الكتابة
تعالوا نكتب عن الثورة. سننشئ نصوصاً سليمة اللغة. صافية الدلالة، منطقية السياق، ملتزمة قواعد الصياغة، متفرغة للدلالات بمداليل، محصّنة بأفكار فلسفية واجتماعية، مسنودة إلى أحداث تاريخية منتقاة، موثقة بمرجعيات موثوقة، مدققة في التفاصيل، متوسلة الماضي قراءة وتفسيراً، رائية للمستقبل توقعاً وتنبؤاً... ثم نرتاح إلى نشرها والدفاع عنها، والاختلاف أو الاتفاق عليها، ودعوة البعض للمنازلة والمناقشة، والتسابق في ادعاء الأولوية والأسبقية، والاهتمام بربطها بايديولوجيات ومرجعيات شرعية، فكرية أو إيمانية، وادعاء الصواب.
نكتب عن الثورة، والثورة في مكان آخر، وهي تحديداً خارج الكتاب، خارج السياقات، خارج العلوم الاجتماعية والسياسية، خارج التوقعات والتنبؤات.
تعالوا ننشئ ثورة. نتلعثم كثيراً. غير معروف كيف نبدأ بها. هي ليست نتاج خطط على الورق. قد نبدأ من هنا، أو من هناك. لا نجد أمامنا دليلاً أو خريطة طريق. لا نفتتح الثورة بتعويذة المعرفة. باختصار، ان الثوار، عندما يثورون، يجتازون من بؤس اليقين حيث هم، إلى فضيلة الشك، حيث يحاولون، إلى رحاب المجهول، حيث يتجهون.
لا نظرية للثورة، سابقة على الثورة. الثورة أولاً والنظرية تالياً. لم تسبق النظريات السوسيولوجية والسياسية وفلسفات التاريخ، التاريخ والأحداث والوقائع والأفكار المختلفة. كتب الثورة كتبت بعدها لا قبلها، بعد الثورة الفرنسية لا قبلها، بعد الثورة البولشفية لا قبلها. (ما كتب قبلها توقع الثورة في الدول الصناعية) بعد الثورة الماويه في الصين، لا قبلها. وهذا لا يعني أن الثورة تولد من فراغ أو من سديم فكري أو من «عدم» نظري. انها تولد من بيئة مكتظة بالأفكار والتيارات والعقائد والمذاهب والأنماط والفلسفات. تتفاعل وتتنافس، في رحم من «البؤس الإنساني» ومن المعاناة الفائقة والآلام الباهظة والفجيعة الدائمة. انها تولد في سياق خاص، تحتاج إلى لحظة اندلاع فقط، وفرصة انتشار الاندلاع. لا تصطف الثورة كنص مرصوص. الثورة تولد من انفجار يثير الفوضى البناءة، من عنف جديد غير مسبوق، يسفك طمأنينة السلطة (السلطات) ويبدد هيبتها، ويستدعيها إلى المنازلة المكشوفة المديدة. الثورة تولد، عندما يبلغ يأس الانسان، مرتبة الأمل من جديد.
لا نستطيع ان ننشئ ثورة. دائما، الثورة لحظة مفاجأة كبرى، تسبقها إرهاصات وإحباطات وانتفاضات وتوترات وانتكاسات. وهذه، بدورها، نتاج حراك وليست نتاج نظريات. المفاجأة التونسية، كانت كونية. لم يتوقعها ربابنة الأبحاث وخبراء التدقيق في السياسات الدولية والمحلية. مفاجأة مصر، لم ترد في أحلام المثقفين والكتاب والاعلاميين، حتى محمد حسنين هيكل، المتابع الدؤوب، الممسك بزمام التفاصيل، ونواصي التاريخ، وسياقات السيلان السياسي، قال: «مفاجأة كبرى».
التنظير، بالكاد يخرج من الكتاب. بالكاد يتخطى نصه. التنظير يكذب على نفسه عندما يضخم وضعه كفكر مناسب، وليس كفكر بين أفكار. يظن التنظير انه السبب في ما يحدث، بينما هو نتيجة ما يحدث.
صفحة 3
II ـ مكة قبلها.. والمدينة أولاً
الفعل سابق على العقل. أول ديموقراطية، لم تكن نصاً. أول صَلْب، (صلب المسيح) أنشأ عقيدة الخلاص. النبوة المحمدية، شديدة التعلق باللاهوت في مكة، كثيفة الحضور في اتجاهات الروح، قليلة الالتفات إلى شؤون المادة. غير ان تغيير الواقع، وخلق وقائع جديدة. (الهجرة إلى يثرب) أضاف إلى خطاب الروح وآيات التسبيح المكية، قولاً آخر، نصاً جديداً، يعطي لفضاء الروح بيئة جديدة يتأسس عليها اجتماع بشري/ سياسي جديد. الآيات المكية أحدثت التغيير الروحي. قرار الهجرة أحدث التغيير المادي. كانت الروح بحاجة إلى جسدها، فصارت المدينة جسد الدعوة.
مكة، قبل يثرب (المدينة). غير ان المدينة احتلت المرتبة الأولى، في فعل التأسيس وفعل التغيير، وانطلاقته التي لم تتوقف، حتى بلغت القارات.
لا علاقة لما أسرده بعلم الكلام، ولا بما إذا كان القرآن أزلياً أو مخلوقاً، ولا أعود إلى محنة المعتزلة. إنما هي عودة، تفرضها بيئة نعيش فيها، تؤكد على النص وتستشيره دائماً، فيما المطلوب، ابتداع نصوص جديدة، تفرضها وقائع «المدينة» الحديثة، في سيدي بوزيد، وميدان التحرير، وساحة اللؤلؤة، ومدارس درعا...
إذا كان هذا قد حصل في الديانات (أسبقية الفعل على النص) فكيف في الاجتماعيات والإنسانيات؟
إن اللبيب من المقارنة يعلم.
III ـ لا يشبه الكتاب إلا نفسه
لا علم للثورة. وبالتالي، لا جدوى من تأسيس نظرية. كل الجدوى، في إعادة صياغة الأسئلة السابقة. في نفض النصوص السابقة. في نقدها ونقضها. تعالوا نراجع ما كتب. كتب كثيرة أفتت بمآلات العرب، ورأت أن هذه الشعوب ملوّثة. لقد أهينت شعوب عربية في أزمنة عديدة، ولقد أهان كتاب كثيرون شعوبهم وسفكوا كراماتها، أكثر مما فعلته أنظمة الاستبداد. للنصوص، عندما تزين بالدكتوراه، ولقب الخبراء، ومكاتب الدراسات والأسماء اللامعة، طاقة على السحق والسحل أكثر من بلطجية النظام. الكتب والمقالات أهانت بشراً يتسلقون عذاباتهم القصوى بصبر وحيلة، لبلوغ خلاص خاص أو الحلم بخلاص عام.
الثورة شيء، والكتابة الثورية شيء آخر. ويصح القول كذلك: علم الاجتماع شيء، والاجتماع الإنساني، شيء آخر مختلف. علم الاقتصاد شيء، وسياق النشاطات الاقتصادية شيء آخر مختلف وكأن لا علاقة له بالاقتصاد المكتوب. (ولا نظرية اقتصادية ثبت انها صحيحة. أفضل النظريات أدت إلى كوارث اقتصادية عالمية. برغم ادعاء مكاتب البحث والدراسات، عصمة النظريات الليبرالية والنيوليبرالية والاشتراكية قبلها). الكتب السماوية شيء، والمؤمنون بها شيء مختلف، أو اشياء مختلفة. وعليه فليس النص أولاً، بل هو متأخر. الواقع أولاً، والوقائع أولاً، ثم... «أنا أفكر إذاً أنا أفهم الواقع».
لكل ثورة خصوصية وذاتية، وقرابتها مع الثورات السابقة واللاحقة، تحتاج إلى شهادة إثبات. لا تشابه للثورات في الدولة الأموية، ولا تحصى الفروقات والاختلافات والتناقضات بين الثورات العشوائية المتعددة، في العصور العباسية الأربعة. أما في أوروبا، فأوجه الشبه تكاد تتفوق عليها، أوجه الاختلاف. كل ثورة في أوروبا، هي وحيدة زمنها وأزمنة الآخرين.
للثورات تأثيرات هائلة، غير أن نسخها ممتنع. جوهر الثورات، يتشابه أحياناً، ما عدا ذلك فهو مختلف.
IV ـ «علم الشعوب»
متى يولد، «علم الشعوب»؟
«علم الطبقة وافر». «علوم الدين» غزيرة. «علوم» الاقتصاد رائجة. نظريات الاجتماع السياسي منتشرة. آليات البحث والسبر والاستطلاع دقيقة. أجهزة مراقبة الناس والانفاس مندسة. ومع ذلك، فإن مجهولاً عظيماً لم يكتشف بعد، وقد يطول أمل اكتشافه لاستعصائه، وهو الشعب.
في رواية «الأشجار واغتيال مرزوق» يقول عبد الرحمن منيف على لسان بطله: «علينا اعادة النظر في التاريخ المكتوب نفسه، انه ركام من الأكاذيب والافتراءات. انه تاريخ الملوك والجواري، لا تاريخ الشعوب.»
غريب... عندما ارتفع شعار «الشعب يريد إسقاط النظام»، راح المفكرون والاعلاميون يبحثون عما اعتادوا عليه. من هو القائد؟ من هي القيادة؟ من هو الحزب؟ من هي الأحزاب؟ من هو المحرك، ما هي الحركات؟ وداوموا على البحث عن قائد أو حزب أو حركة أو دين أو مذهب... وبلغ بالبعض صلف «الاكتشاف». فقال: أميركا وإسرائيل والمؤامرة.
غريب... لم يتنبهوا إلى كلمة «الشعب». الشعب ليس زعيماً، ولا طبقة ولا مذهب.
الفعل سابق على العقل. أول ديموقراطية، لم تكن نصاً. أول صَلْب، (صلب المسيح) أنشأ عقيدة الخلاص. النبوة المحمدية، شديدة التعلق باللاهوت في مكة، كثيفة الحضور في اتجاهات الروح، قليلة الالتفات إلى شؤون المادة. غير ان تغيير الواقع، وخلق وقائع جديدة. (الهجرة إلى يثرب) أضاف إلى خطاب الروح وآيات التسبيح المكية، قولاً آخر، نصاً جديداً، يعطي لفضاء الروح بيئة جديدة يتأسس عليها اجتماع بشري/ سياسي جديد. الآيات المكية أحدثت التغيير الروحي. قرار الهجرة أحدث التغيير المادي. كانت الروح بحاجة إلى جسدها، فصارت المدينة جسد الدعوة.
مكة، قبل يثرب (المدينة). غير ان المدينة احتلت المرتبة الأولى، في فعل التأسيس وفعل التغيير، وانطلاقته التي لم تتوقف، حتى بلغت القارات.
لا علاقة لما أسرده بعلم الكلام، ولا بما إذا كان القرآن أزلياً أو مخلوقاً، ولا أعود إلى محنة المعتزلة. إنما هي عودة، تفرضها بيئة نعيش فيها، تؤكد على النص وتستشيره دائماً، فيما المطلوب، ابتداع نصوص جديدة، تفرضها وقائع «المدينة» الحديثة، في سيدي بوزيد، وميدان التحرير، وساحة اللؤلؤة، ومدارس درعا...
إذا كان هذا قد حصل في الديانات (أسبقية الفعل على النص) فكيف في الاجتماعيات والإنسانيات؟
إن اللبيب من المقارنة يعلم.
III ـ لا يشبه الكتاب إلا نفسه
لا علم للثورة. وبالتالي، لا جدوى من تأسيس نظرية. كل الجدوى، في إعادة صياغة الأسئلة السابقة. في نفض النصوص السابقة. في نقدها ونقضها. تعالوا نراجع ما كتب. كتب كثيرة أفتت بمآلات العرب، ورأت أن هذه الشعوب ملوّثة. لقد أهينت شعوب عربية في أزمنة عديدة، ولقد أهان كتاب كثيرون شعوبهم وسفكوا كراماتها، أكثر مما فعلته أنظمة الاستبداد. للنصوص، عندما تزين بالدكتوراه، ولقب الخبراء، ومكاتب الدراسات والأسماء اللامعة، طاقة على السحق والسحل أكثر من بلطجية النظام. الكتب والمقالات أهانت بشراً يتسلقون عذاباتهم القصوى بصبر وحيلة، لبلوغ خلاص خاص أو الحلم بخلاص عام.
الثورة شيء، والكتابة الثورية شيء آخر. ويصح القول كذلك: علم الاجتماع شيء، والاجتماع الإنساني، شيء آخر مختلف. علم الاقتصاد شيء، وسياق النشاطات الاقتصادية شيء آخر مختلف وكأن لا علاقة له بالاقتصاد المكتوب. (ولا نظرية اقتصادية ثبت انها صحيحة. أفضل النظريات أدت إلى كوارث اقتصادية عالمية. برغم ادعاء مكاتب البحث والدراسات، عصمة النظريات الليبرالية والنيوليبرالية والاشتراكية قبلها). الكتب السماوية شيء، والمؤمنون بها شيء مختلف، أو اشياء مختلفة. وعليه فليس النص أولاً، بل هو متأخر. الواقع أولاً، والوقائع أولاً، ثم... «أنا أفكر إذاً أنا أفهم الواقع».
لكل ثورة خصوصية وذاتية، وقرابتها مع الثورات السابقة واللاحقة، تحتاج إلى شهادة إثبات. لا تشابه للثورات في الدولة الأموية، ولا تحصى الفروقات والاختلافات والتناقضات بين الثورات العشوائية المتعددة، في العصور العباسية الأربعة. أما في أوروبا، فأوجه الشبه تكاد تتفوق عليها، أوجه الاختلاف. كل ثورة في أوروبا، هي وحيدة زمنها وأزمنة الآخرين.
للثورات تأثيرات هائلة، غير أن نسخها ممتنع. جوهر الثورات، يتشابه أحياناً، ما عدا ذلك فهو مختلف.
IV ـ «علم الشعوب»
متى يولد، «علم الشعوب»؟
«علم الطبقة وافر». «علوم الدين» غزيرة. «علوم» الاقتصاد رائجة. نظريات الاجتماع السياسي منتشرة. آليات البحث والسبر والاستطلاع دقيقة. أجهزة مراقبة الناس والانفاس مندسة. ومع ذلك، فإن مجهولاً عظيماً لم يكتشف بعد، وقد يطول أمل اكتشافه لاستعصائه، وهو الشعب.
في رواية «الأشجار واغتيال مرزوق» يقول عبد الرحمن منيف على لسان بطله: «علينا اعادة النظر في التاريخ المكتوب نفسه، انه ركام من الأكاذيب والافتراءات. انه تاريخ الملوك والجواري، لا تاريخ الشعوب.»
غريب... عندما ارتفع شعار «الشعب يريد إسقاط النظام»، راح المفكرون والاعلاميون يبحثون عما اعتادوا عليه. من هو القائد؟ من هي القيادة؟ من هو الحزب؟ من هي الأحزاب؟ من هو المحرك، ما هي الحركات؟ وداوموا على البحث عن قائد أو حزب أو حركة أو دين أو مذهب... وبلغ بالبعض صلف «الاكتشاف». فقال: أميركا وإسرائيل والمؤامرة.
غريب... لم يتنبهوا إلى كلمة «الشعب». الشعب ليس زعيماً، ولا طبقة ولا مذهب.
صفحة 4
أورد نصاً لعبد الرحمن منيف (مواقف. عدد 69 ـ عن كتاب حليم بركات، غربة الكاتب العربي): «منذ ان كنت صغيراً كان يبدو العالم هلامياً، وكان يفترض بكل إنسان... ان يساهم، يشكل ما في اعطائه ملامح معينة... ولذلك افترضت... انني قادر على اعادة تشكيل العالم... بالعمل السياسي... ومن خلال اكتشاف الدجل في السياسة لم أتردد في اختيار الرواية». لماذا اختار الرواية؟ لأن مهمة الروائي بشكل خاص ان يصل إلى الينابيع وإلى الجذور فتفتح له الباب واسعاً للوصول إلى الروح الشعبية (مدن الملح). وعلاقة الروائي بالمجتمع تشبه علاقة الطبيب بالمريض.
V ـ إمشِ.. ثم قل كلمتك
العلم، يجمع الأجزاء، يستقرئها، ثم يصوغ العام من الخاص. إنه يعمم. وفي التعميم افتراق. النظرية العلمية، مفارقة للعالم. قالت العرب: ليس هناك مرض، هناك مرضى. المرض، نظرية. المريض، معاناة. لا تشفي النظرية المريض. ولا تدلنا نظرية الثورة على الطريق الثوري. الطريق ترسمه الخطوات. التاريخ، ليس تاريخ الأفكار، بل تاريخ الاقدام. وفي خضم التقدم، يتنكب العقل عبقرية ابتداع الوسائل وابتداع الشعارات، وابتداع لغة التواصل، وتحديد الأهداف وصياغة الآمال وصناعة الانجاز، والاحتيال على الاخفاقات لتتجنب الهزيمة.
إمشِ، أولاً... وتعقَّل ثانياً
قليل من المرويات لما حدث في تونس ومصر وليبيا وسوريا، يوفر لنا، بعض المعارف. حيث ان أوجه الشبه في البيئة العربية السياسية، كثيرة. فالاستبداد عقيدة السلطات العربية من المحيط إلى الخليج. الظلم، خبز الشعوب العربية، باستثناء أسياد الظلم وأتباعه. الفساد، دين الطبقات السياسية الحاكمة عائلياً، في أنظمة ملكية أم جمهورية. الشعور بالدونية، ثقافة سائدة جعلت من الشعب عالة سياسية وخائنة قومياً... إلى آخر ما رأته العين وما ذاقه القلب وما أذل الجباه وما شرّد أهلاً وقمع أجيالاً ونهب أملاكاً...
أوجه الشبه هذه، قديمة. عمرها من عمر الدكتاتوريات العربية المتوارثة. ومع ذلك، فإن شيئاً مضافاً قد حدث. جاء من خارج المعروف، وضد المتعارف عليه. كان يعوّل على الأحزاب. ماتت هذه ولا تزال خارج قبورها. الحركات الإسلامية، افتتنت بالشكل والحجاب والصلاة والشريعة، تعويضاً عن عجزها... كان يعوّل على نخب ثقافية، نخب عجزت عن القراءة. لجأت إلى إهانة الشعب وتعذيب الذات. نخب فضّلت أن تحظى ببطاقة لاجئ في السلطة برتبة موظف أو خبير أو وزير أو... كان يعوّل على كل ما عرفناه سابقاً، من طبقة، أو حزب، أو دين، أو نخب ثورية، أو.. ولم نحصل إلا على قوة مجهولة هائلة، هي «الشعب».
فجأة، ولد «الشعب» كله تقريباً، ولم يتنبأ بولادته أحد. «الشعب يريد إسقاط النظام». «شعب»، جاء من أدوات الاتصال الاجتماعية. ولد من معاناة في داخل الشبكة العنكبوتية. أنتج معارفه وشعاراته، من خلال «الفايسبوك»... «شعب» جاء، تتقدمه حقائقه المنتقاة وشعاراته الرائعة: «الحرية، العمل، الكرامة» (شعار رفع في تونس أولا) وأردفته بمطالب مشتقة من الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، ومن الحقائق السياسية الواضحة: الديموقراطية، التنمية، محاربة الفساد، الخ، ومن ضرورة إسقاط النظام، برأسه ورموزه وزبانيته، لإقامة نظام الحرية والمساواة واحترام الحقوق...
ثورة بكل معنى الكلمة... وبلا نظرية.
VI ـ بوعزيزي وتشومسكي
الكل يستعمل الانترنت. الكل يتقن التواصل العنكبوتي. صح. من تدرب على عقيدة «الشبيه يدرك الشبيه»، سيتمسك بوهم انتاج نظرية. «ثورة الفايسبوك»... لا نظرية يا ناس! «الفايسبوك والانترنت» وسائل. احراق بوعزيزي لنفسه، لم يكن بسبب الفايسبوك، ولا تأييداً لنظرية، بل لأنه بلغ مرحلة انسداد الأفق، التي يقول عنها نعوم تشومسكي، انها أقسى أنواع الدكتاتوريات التي عرفها القرن العشرون، إلى جانب دكتاتوريتي ستالين وهتلر.
أحرق نفسه؟
ليس إحراق النفس، منتجاً لثورة أو نظرية ثورية. سبق بوعزيزي كثيرون. إلا أن بوعزيزي، من مدينة تشرفت بأنها تضم قافلة من الشهداء الذين سفكوا دماءهم في مواجهة الاستعمار الفرنسي. سيدي بوزيد، مدينة صحراوية، لا تزال ريفاً بلا مصانع ولا خدمات ولا سوق عمل. مدينة شديدة العصبية. عائلاتها متضامنة، وبين أبرز العائلات، عائلة بوعزيزي.
عندما أشعل بوعزيزي نفسه، «احترقت» عائلته واندلعت تظاهراً وتحدياً و.. تكبّدت مشقة المواجهة. ثم احترقت المدينة، فاندلعت كذلك، ثم انتقل الحريق إلى منطقة بوزيد... فالقصرين.
لم تتحول لحظة بوعزيزي إلى ثورة، إلا عندما بلغت مدينة صفاقس الساحلية وتونس العاصمة. الغضب في بوزيد، تحوّل إلى ثورة بشعار: «الشعب يريد إسقاط النظام»... فسقط.ماذا تقول مروية مصر، عن الشهيد خالد سعيد؟ ماذا تقول مروية بنغازي ومقتلة السجن؟ ماذا تقول مروية أطفال المدرسة في درعا؟؟؟
من هنا تبدأ القراءة... من هنا تبدأ الرواية.وللرواية تتمات كثيرة، تكتب في غير هذه المحاولة.
(6/6/2011)
V ـ إمشِ.. ثم قل كلمتك
العلم، يجمع الأجزاء، يستقرئها، ثم يصوغ العام من الخاص. إنه يعمم. وفي التعميم افتراق. النظرية العلمية، مفارقة للعالم. قالت العرب: ليس هناك مرض، هناك مرضى. المرض، نظرية. المريض، معاناة. لا تشفي النظرية المريض. ولا تدلنا نظرية الثورة على الطريق الثوري. الطريق ترسمه الخطوات. التاريخ، ليس تاريخ الأفكار، بل تاريخ الاقدام. وفي خضم التقدم، يتنكب العقل عبقرية ابتداع الوسائل وابتداع الشعارات، وابتداع لغة التواصل، وتحديد الأهداف وصياغة الآمال وصناعة الانجاز، والاحتيال على الاخفاقات لتتجنب الهزيمة.
إمشِ، أولاً... وتعقَّل ثانياً
قليل من المرويات لما حدث في تونس ومصر وليبيا وسوريا، يوفر لنا، بعض المعارف. حيث ان أوجه الشبه في البيئة العربية السياسية، كثيرة. فالاستبداد عقيدة السلطات العربية من المحيط إلى الخليج. الظلم، خبز الشعوب العربية، باستثناء أسياد الظلم وأتباعه. الفساد، دين الطبقات السياسية الحاكمة عائلياً، في أنظمة ملكية أم جمهورية. الشعور بالدونية، ثقافة سائدة جعلت من الشعب عالة سياسية وخائنة قومياً... إلى آخر ما رأته العين وما ذاقه القلب وما أذل الجباه وما شرّد أهلاً وقمع أجيالاً ونهب أملاكاً...
أوجه الشبه هذه، قديمة. عمرها من عمر الدكتاتوريات العربية المتوارثة. ومع ذلك، فإن شيئاً مضافاً قد حدث. جاء من خارج المعروف، وضد المتعارف عليه. كان يعوّل على الأحزاب. ماتت هذه ولا تزال خارج قبورها. الحركات الإسلامية، افتتنت بالشكل والحجاب والصلاة والشريعة، تعويضاً عن عجزها... كان يعوّل على نخب ثقافية، نخب عجزت عن القراءة. لجأت إلى إهانة الشعب وتعذيب الذات. نخب فضّلت أن تحظى ببطاقة لاجئ في السلطة برتبة موظف أو خبير أو وزير أو... كان يعوّل على كل ما عرفناه سابقاً، من طبقة، أو حزب، أو دين، أو نخب ثورية، أو.. ولم نحصل إلا على قوة مجهولة هائلة، هي «الشعب».
فجأة، ولد «الشعب» كله تقريباً، ولم يتنبأ بولادته أحد. «الشعب يريد إسقاط النظام». «شعب»، جاء من أدوات الاتصال الاجتماعية. ولد من معاناة في داخل الشبكة العنكبوتية. أنتج معارفه وشعاراته، من خلال «الفايسبوك»... «شعب» جاء، تتقدمه حقائقه المنتقاة وشعاراته الرائعة: «الحرية، العمل، الكرامة» (شعار رفع في تونس أولا) وأردفته بمطالب مشتقة من الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، ومن الحقائق السياسية الواضحة: الديموقراطية، التنمية، محاربة الفساد، الخ، ومن ضرورة إسقاط النظام، برأسه ورموزه وزبانيته، لإقامة نظام الحرية والمساواة واحترام الحقوق...
ثورة بكل معنى الكلمة... وبلا نظرية.
VI ـ بوعزيزي وتشومسكي
الكل يستعمل الانترنت. الكل يتقن التواصل العنكبوتي. صح. من تدرب على عقيدة «الشبيه يدرك الشبيه»، سيتمسك بوهم انتاج نظرية. «ثورة الفايسبوك»... لا نظرية يا ناس! «الفايسبوك والانترنت» وسائل. احراق بوعزيزي لنفسه، لم يكن بسبب الفايسبوك، ولا تأييداً لنظرية، بل لأنه بلغ مرحلة انسداد الأفق، التي يقول عنها نعوم تشومسكي، انها أقسى أنواع الدكتاتوريات التي عرفها القرن العشرون، إلى جانب دكتاتوريتي ستالين وهتلر.
أحرق نفسه؟
ليس إحراق النفس، منتجاً لثورة أو نظرية ثورية. سبق بوعزيزي كثيرون. إلا أن بوعزيزي، من مدينة تشرفت بأنها تضم قافلة من الشهداء الذين سفكوا دماءهم في مواجهة الاستعمار الفرنسي. سيدي بوزيد، مدينة صحراوية، لا تزال ريفاً بلا مصانع ولا خدمات ولا سوق عمل. مدينة شديدة العصبية. عائلاتها متضامنة، وبين أبرز العائلات، عائلة بوعزيزي.
عندما أشعل بوعزيزي نفسه، «احترقت» عائلته واندلعت تظاهراً وتحدياً و.. تكبّدت مشقة المواجهة. ثم احترقت المدينة، فاندلعت كذلك، ثم انتقل الحريق إلى منطقة بوزيد... فالقصرين.
لم تتحول لحظة بوعزيزي إلى ثورة، إلا عندما بلغت مدينة صفاقس الساحلية وتونس العاصمة. الغضب في بوزيد، تحوّل إلى ثورة بشعار: «الشعب يريد إسقاط النظام»... فسقط.ماذا تقول مروية مصر، عن الشهيد خالد سعيد؟ ماذا تقول مروية بنغازي ومقتلة السجن؟ ماذا تقول مروية أطفال المدرسة في درعا؟؟؟
من هنا تبدأ القراءة... من هنا تبدأ الرواية.وللرواية تتمات كثيرة، تكتب في غير هذه المحاولة.
(6/6/2011)
صفحة 5
الأنبياء الكذبة:مثقفون ومنظرون وأحزاب
I ـ هذا هو بلدي
وقف متظاهر مصري في الشارع، وأعلن انتماءه، وهو يبكي: «هذه أول مرة اشعر فيها ان هذا البلد بلدي». لعله كان فعل انتماء جديد، للذين غادروا غربتهم في مصر، وقرروا ان مصر، هي لهم، بعدما سرقت منهم.
إذاً، ماذا تفعل الآن يا مبارك؟ لقد أخذت مصر منهم، وها هم قد استعادوها منك، ومن سلالتك. لم يعد لك مكان فيها. صك ملكيتها انتقل الى «بهية» بصيغة الجموع الحقيقية، الناصعة في ما ملكته أيديها من عري وقوة وبسالة.
ماذا تفعل الآن؟ لماذا لم تحزم حقائبك وترحل؟ لم يعد مجدياً اللعب بأوراق مقروءة سلفاً. أم انك تراهن على جيش تستأجر منه قيادة مؤقتة، لتعيد الأمور الى نصاب الحريق.
واحد فقط سبقك. واحد فقط قبلك. شاهد بلده يحترق، فجلس على شرفة استبداده. ليتمتع بخراب روما. ها هي القاهرة تحترق، وأنت تتفرج على رمادها، لتقنع الناس بـ: إما أنا او النار.
لكن ذلك فات أوانه. فالمصري، استعاد مصر، بدون إذن منك، ورغماً عنك. استعادها من دون أحزاب تلكأت في مواجهتك، من دون تيارات صبت مياهاً في أنهارك، من دون يسار تحول معك الى يمين، من دون نقابات حوّلها قمعك الى معتقلات. استعاد المصري بلده، وصار يليق به ان يسير، «واثق الخطوة يمشي ملكاً»... وهو ينشد: بلادي بلادي.
الرجل الذي بكى في الشارع وهو يقول: لأول مرة اشعر ان مصر بلدي، لم يقل شيئاً عابراً، لأن هنا لبّ المسألة كلها. هنا تحديداً، معقل التحول والتغيير. مصر التاريخ استبدلت في زمن حسني مبارك، بمصر الغياب. لا حضور لها ولا وزن ولا فعل. أقالها مبارك من مخزونها، وجعلها اقرب الى أوراق البنكنوت... مصر العروبة، (يا حرام!) ممنوعة بالقوة من الحضور. لا عروبة لمصر، وهي التي خاضت معارك العروبة، وكانت قاطرة شعوب المنطقة الى الاستقلال والسيادة والحرية... مصر الريادة في محيطها، تحوّلت الى مقطورة مطيعة، تسير وفق أوامر البنك الدولي الانتحارية، وإرشادات «الولي الدولي» الأميركي المنحرفة، وضرورات «الولي الإقليمي» الإسرائيلي المذلة... مصر مبارك، لا علاقة لها بمصر النهضة، ومصر الكلمة، ومصر التراث، ومصر القومية، ومصر الاشتراكية ومصر التي صرخت: «إرفع رأسك يا أخي».
الرجل الذي قال للجموع باكياً: هذه بلدي، كان يعني ان حقبة رثة ستزول، وان منعطفاً تاريخياً سيبدأ يستعيد فيه شعب مصر حقوقه في بلده.
مصر الناس، كانت مؤجرة، للعائلة المالكة وزبانيتها وفروعها المنتشرة في الشركات والأعلام والأمن لـ«الحزب الحاكم». مصر الناس، سلبت منها الحرية. القمع واجب يومي، الاضطهاد، برنامج سياسي. السرقة، حلال حكومي. الانتخابات، تهريج ديموقراطي. الاقتصاد، أرقام تدور في فلك طبقة العشرة بالمئة. الاستبداد، محفوظ ومدعوم، من قبل أوصياء مصر الدوليين.
أما زلت تأمل بحكم مصر يا رئيس؟ أما زلت تسعى لتولية من يتشبه بك بلباس عسكري؟ أما عرفت ان مصر استعادت مصريتها، ولا تقبل ان تكون ضعيفة إزاء اعدائها وخصومها، وقوية فقط على شعبها. مصر المصرية، ترفض ان تكون حارساً إسرائيلياً بتوصية أميركية. وترفض أن تكون خادمة تأكل من فتات مائدة العولمة.
أنور السادات، خرج من المعركة أبان كامب ديفيد، وروج لمقولة: «أريد ان أطعم شعبي». فلا قاتل ولا أطعم شعبه. قال للمصريين: «الانفتاح باب الحرية». ولم تعرف غير الانتهاك. وحدها حرية الرساميل والشركات كانت محفوفة بالرعاية والاحترام. وحدها حرية السرقة «المشروعة»، كانت مدعومة من السلطة. وحدها هذه الحرية التي جعلت من مصر سلعة كبيرة، كانت محروسة ومباركة... كل الحريات الاخرى، كانت محرومة... وليس غريباً، ان غض الغرب الطرف عن ارتكابات السلطة وانتهاكها لحقوق الإنسان، لأنه معني فقط، بحرية السوق وقدسية السلعة، وايديولوجية تسييل الأموال، واعتبار الخصخصة مفتاح النجاح الاقتصادي.
لا خوف على مصر من المصريين الذين استعادوا بلدهم، وهم الآن في الشارع يعلنون فعل انتماء لبلدهم. وفعل رفض لمن أخذها منهم.
كل الخوف، ان يظل مبارك، لفترة ما، تصيح فيها مصر المحترقة، «وامباركاه». وبهذا، يكون التاريخ قد استضاف الريس الى شرفة نيرون.
II ـ اعتذار عن إهانة
«إنهم لا يفكرون مثلنا. إنهم يفكرون أحسن منا».
هل يمكن التحقق من هذه النتيجة التي توصل إليها مثقف تونسي مخضرم، لدى مقارنته بين جيله وجيل محمد بو عزيزي؟ ويمكن التأكد من ذلك، بعدما ظهر أنهم في مصر «لا يفكرون مثلنا، وإنهم يفكرون أفضل منا» .
لم يعد بوسع المثقفين والنخب وأصحاب الأفكار وأتباع المناهج وخريجي النظريات ومهندسي الثورات في المناشير والكتب، ومن تبقى من أجيال المستحثات الحزبية، إلا الاعتذار من جيل جديد تربى على يديه هو، وتعرف على نفسه بأدواته، وقاد ذاته بإرادته، وبحث عن أفقه بعينيه، وراوده الأمل كإنجاز ممكن...
بل يجب ان نعتذر جميعاً، من جيل بو عزيزي، في المدن التونسية من أطراف حمراء «الجريد» في الجنوب، ومطاطه وجرجيس، في الشريط الرملي الاجرد، ومن قلاع قرطاج الى صفاقس، ومن حنايا سيدي بوسعيد الى شارع الحبيب بورقيبة، بل يجب ان نرفع صوتنا ونكفر عن ذنوبنا، من كل مصري أذقناه من حبرنا طعم المهانة والنكران، فأنكرنا عليه غضبه الكامن، وإنسانيته المنتهكة، وصورناه على انه تابع وخانع وصابر، ولن يتحرك من مطرح إقامته المهني، إلا بعد عودة الحياة المستحيلة لأبي الهول... وفراعنة الأزمنة المحنطة.
لقد أهنا شعبنا الذي لا نشبهه، لأنه يشبه ذاته بحواسه الخمس، بأفكاره الملموسة، بحياته المعيوشة، بهمومه الباهظة، بيأسه الموقت، بأحزانه المقيمة، بتعبه الايجابي... لقد أهنّا أهلنا، من المحيط الى الخليج، حين ظلمناهم بأستذتنا، لانهم لا يتلاءمون مع قنوطنا النضالي، وتجاربنا الفاشلة وأفكارنا المغسولة بنقاء المنطق، وكتبنا المهترئة نظرياً، ومقالاتنا المتأرجحة بين تبرير وتفسير. ومواقفنا المجترة لنبرة الهزيمة بلغة انتصارية لا تقارن من حيث خفتها، بوزن «البوشار».
III ـ استدعينا الثورة... فلم تسمعنا
صدقونا أحياناً. قلنا لهم: هذا قدر. نحن جنس عاطل عن التطور. نحن نقبّل الأيدي ولا ندعو عليها بالكسر. نحن متخلفون جينياً، أعراب لا عرب، ندخل الأمصار ونهدمها لندك وتداً. نحن نحتاج الى آلهة تأكلنا ولا تطعمنا، نحن من صنف بشري متمرّس بالقعود، مثقف بالاتكالية، متحصن بالآية، متشبث بالمقدس والمنزه، يتبع رجال دينه، لا دينه، وقيادات «شعبه»، لا شعبه، وزعامات «قضاياه»، لا قضاياه... صدّقونا مراراً. وأقنعوا أنفسهم بـ«لا حول ولا قوة»، و«العين لا تقاوم المخرز»، والسياسة شر فاجتنبوها، وعاشوا حياتهم كقطعان، ترعى إذا أذن لها في مراعي الاقطاعات الدينية والمالية والسياسية، أكانت عربية أم أميركية أم صهيونية مستترة.
I ـ هذا هو بلدي
وقف متظاهر مصري في الشارع، وأعلن انتماءه، وهو يبكي: «هذه أول مرة اشعر فيها ان هذا البلد بلدي». لعله كان فعل انتماء جديد، للذين غادروا غربتهم في مصر، وقرروا ان مصر، هي لهم، بعدما سرقت منهم.
إذاً، ماذا تفعل الآن يا مبارك؟ لقد أخذت مصر منهم، وها هم قد استعادوها منك، ومن سلالتك. لم يعد لك مكان فيها. صك ملكيتها انتقل الى «بهية» بصيغة الجموع الحقيقية، الناصعة في ما ملكته أيديها من عري وقوة وبسالة.
ماذا تفعل الآن؟ لماذا لم تحزم حقائبك وترحل؟ لم يعد مجدياً اللعب بأوراق مقروءة سلفاً. أم انك تراهن على جيش تستأجر منه قيادة مؤقتة، لتعيد الأمور الى نصاب الحريق.
واحد فقط سبقك. واحد فقط قبلك. شاهد بلده يحترق، فجلس على شرفة استبداده. ليتمتع بخراب روما. ها هي القاهرة تحترق، وأنت تتفرج على رمادها، لتقنع الناس بـ: إما أنا او النار.
لكن ذلك فات أوانه. فالمصري، استعاد مصر، بدون إذن منك، ورغماً عنك. استعادها من دون أحزاب تلكأت في مواجهتك، من دون تيارات صبت مياهاً في أنهارك، من دون يسار تحول معك الى يمين، من دون نقابات حوّلها قمعك الى معتقلات. استعاد المصري بلده، وصار يليق به ان يسير، «واثق الخطوة يمشي ملكاً»... وهو ينشد: بلادي بلادي.
الرجل الذي بكى في الشارع وهو يقول: لأول مرة اشعر ان مصر بلدي، لم يقل شيئاً عابراً، لأن هنا لبّ المسألة كلها. هنا تحديداً، معقل التحول والتغيير. مصر التاريخ استبدلت في زمن حسني مبارك، بمصر الغياب. لا حضور لها ولا وزن ولا فعل. أقالها مبارك من مخزونها، وجعلها اقرب الى أوراق البنكنوت... مصر العروبة، (يا حرام!) ممنوعة بالقوة من الحضور. لا عروبة لمصر، وهي التي خاضت معارك العروبة، وكانت قاطرة شعوب المنطقة الى الاستقلال والسيادة والحرية... مصر الريادة في محيطها، تحوّلت الى مقطورة مطيعة، تسير وفق أوامر البنك الدولي الانتحارية، وإرشادات «الولي الدولي» الأميركي المنحرفة، وضرورات «الولي الإقليمي» الإسرائيلي المذلة... مصر مبارك، لا علاقة لها بمصر النهضة، ومصر الكلمة، ومصر التراث، ومصر القومية، ومصر الاشتراكية ومصر التي صرخت: «إرفع رأسك يا أخي».
الرجل الذي قال للجموع باكياً: هذه بلدي، كان يعني ان حقبة رثة ستزول، وان منعطفاً تاريخياً سيبدأ يستعيد فيه شعب مصر حقوقه في بلده.
مصر الناس، كانت مؤجرة، للعائلة المالكة وزبانيتها وفروعها المنتشرة في الشركات والأعلام والأمن لـ«الحزب الحاكم». مصر الناس، سلبت منها الحرية. القمع واجب يومي، الاضطهاد، برنامج سياسي. السرقة، حلال حكومي. الانتخابات، تهريج ديموقراطي. الاقتصاد، أرقام تدور في فلك طبقة العشرة بالمئة. الاستبداد، محفوظ ومدعوم، من قبل أوصياء مصر الدوليين.
أما زلت تأمل بحكم مصر يا رئيس؟ أما زلت تسعى لتولية من يتشبه بك بلباس عسكري؟ أما عرفت ان مصر استعادت مصريتها، ولا تقبل ان تكون ضعيفة إزاء اعدائها وخصومها، وقوية فقط على شعبها. مصر المصرية، ترفض ان تكون حارساً إسرائيلياً بتوصية أميركية. وترفض أن تكون خادمة تأكل من فتات مائدة العولمة.
أنور السادات، خرج من المعركة أبان كامب ديفيد، وروج لمقولة: «أريد ان أطعم شعبي». فلا قاتل ولا أطعم شعبه. قال للمصريين: «الانفتاح باب الحرية». ولم تعرف غير الانتهاك. وحدها حرية الرساميل والشركات كانت محفوفة بالرعاية والاحترام. وحدها حرية السرقة «المشروعة»، كانت مدعومة من السلطة. وحدها هذه الحرية التي جعلت من مصر سلعة كبيرة، كانت محروسة ومباركة... كل الحريات الاخرى، كانت محرومة... وليس غريباً، ان غض الغرب الطرف عن ارتكابات السلطة وانتهاكها لحقوق الإنسان، لأنه معني فقط، بحرية السوق وقدسية السلعة، وايديولوجية تسييل الأموال، واعتبار الخصخصة مفتاح النجاح الاقتصادي.
لا خوف على مصر من المصريين الذين استعادوا بلدهم، وهم الآن في الشارع يعلنون فعل انتماء لبلدهم. وفعل رفض لمن أخذها منهم.
كل الخوف، ان يظل مبارك، لفترة ما، تصيح فيها مصر المحترقة، «وامباركاه». وبهذا، يكون التاريخ قد استضاف الريس الى شرفة نيرون.
II ـ اعتذار عن إهانة
«إنهم لا يفكرون مثلنا. إنهم يفكرون أحسن منا».
هل يمكن التحقق من هذه النتيجة التي توصل إليها مثقف تونسي مخضرم، لدى مقارنته بين جيله وجيل محمد بو عزيزي؟ ويمكن التأكد من ذلك، بعدما ظهر أنهم في مصر «لا يفكرون مثلنا، وإنهم يفكرون أفضل منا» .
لم يعد بوسع المثقفين والنخب وأصحاب الأفكار وأتباع المناهج وخريجي النظريات ومهندسي الثورات في المناشير والكتب، ومن تبقى من أجيال المستحثات الحزبية، إلا الاعتذار من جيل جديد تربى على يديه هو، وتعرف على نفسه بأدواته، وقاد ذاته بإرادته، وبحث عن أفقه بعينيه، وراوده الأمل كإنجاز ممكن...
بل يجب ان نعتذر جميعاً، من جيل بو عزيزي، في المدن التونسية من أطراف حمراء «الجريد» في الجنوب، ومطاطه وجرجيس، في الشريط الرملي الاجرد، ومن قلاع قرطاج الى صفاقس، ومن حنايا سيدي بوسعيد الى شارع الحبيب بورقيبة، بل يجب ان نرفع صوتنا ونكفر عن ذنوبنا، من كل مصري أذقناه من حبرنا طعم المهانة والنكران، فأنكرنا عليه غضبه الكامن، وإنسانيته المنتهكة، وصورناه على انه تابع وخانع وصابر، ولن يتحرك من مطرح إقامته المهني، إلا بعد عودة الحياة المستحيلة لأبي الهول... وفراعنة الأزمنة المحنطة.
لقد أهنا شعبنا الذي لا نشبهه، لأنه يشبه ذاته بحواسه الخمس، بأفكاره الملموسة، بحياته المعيوشة، بهمومه الباهظة، بيأسه الموقت، بأحزانه المقيمة، بتعبه الايجابي... لقد أهنّا أهلنا، من المحيط الى الخليج، حين ظلمناهم بأستذتنا، لانهم لا يتلاءمون مع قنوطنا النضالي، وتجاربنا الفاشلة وأفكارنا المغسولة بنقاء المنطق، وكتبنا المهترئة نظرياً، ومقالاتنا المتأرجحة بين تبرير وتفسير. ومواقفنا المجترة لنبرة الهزيمة بلغة انتصارية لا تقارن من حيث خفتها، بوزن «البوشار».
III ـ استدعينا الثورة... فلم تسمعنا
صدقونا أحياناً. قلنا لهم: هذا قدر. نحن جنس عاطل عن التطور. نحن نقبّل الأيدي ولا ندعو عليها بالكسر. نحن متخلفون جينياً، أعراب لا عرب، ندخل الأمصار ونهدمها لندك وتداً. نحن نحتاج الى آلهة تأكلنا ولا تطعمنا، نحن من صنف بشري متمرّس بالقعود، مثقف بالاتكالية، متحصن بالآية، متشبث بالمقدس والمنزه، يتبع رجال دينه، لا دينه، وقيادات «شعبه»، لا شعبه، وزعامات «قضاياه»، لا قضاياه... صدّقونا مراراً. وأقنعوا أنفسهم بـ«لا حول ولا قوة»، و«العين لا تقاوم المخرز»، والسياسة شر فاجتنبوها، وعاشوا حياتهم كقطعان، ترعى إذا أذن لها في مراعي الاقطاعات الدينية والمالية والسياسية، أكانت عربية أم أميركية أم صهيونية مستترة.
صفحة 6
المؤسف، انهم صدّقونا كثيراً، عندما قلنا: الاستبداد العربي عقيدة مزمنة. لا مفرّ من الهروب او الخضوع... القبيلة، أرومتنا السياسية، ولأننا لا نريد ان نكون أيتاماً، فقد اخترنا القبيلة وعشيرتنا، آمالنا. نحن اجسام ولدت من الرحم الديني ولا مفر من استمرار حبل الصرة. نحن كل ما لا يمت الى الجماعة والوطن والأمة والدولة. نحن كائنات بيولوجية، الرغيف واجبنا اليومي، فلنقم بتخميره وعجنه بعرق الجبين.
الديون، واجبنا المالي. فلنسدد ما علينا من فقرنا وتعبنا، لدين كنا فائدة له ولم يكن مفيداً لنا. نحن، هذا قدرنا، ان نكون مقهورين ومسحوقين وممتنعين عن الفعل والإبداع... لا نفعل إلا ما يؤذن به لنا.
هكذا كنا نقول عن شعبنا. أطعمناهم من يأسنا، ومنعنا عنهم الحلم بالأمل.
المؤسف، اننا فكرنا عنهم، وأسبغنا عليهم ما عندنا من عجز وجبن، وأضفينا على أفكارنا وقناعاتنا، عبقرية الثبات والرسوخ والدقة والصحة وقلنا: نحن الاستثناء في هذا العالم. ومن يفكر مثلنا، مغامر او مشبوه. ولقد صدقونا بألم عندما ضخمنا من حجم السلطة، وصوّرنا الاستبداد العربي، كأنه أبد جاثم بلا زمن، أي، لا مفر منه، أي، نحن سكان هذا الجحيم، المؤسف اننا رفضنا الاستبداد لفظاً، وطوّبناه، عندما اعتبرناه راسخاً وهائلاً ومنتشراً ومنظماً و... لا مفر منه.
فظيع ما ارتكبه المثقفون من يأس. ما كتبوه من أمور معقدة، وما استعادوه من كتب الآخرين. استعادوا ماركسية معقدة ولينينية بائدة، وقوميات محتضرة، وتجارب مخزية، ليبرهنوا أن المسألة فكرية أولا، حزبية أولا، نقابية أولا، اقتصادية أولا، اجتماعية أولا... وضعوا كل ما هو نظري أولاً، ولم يشعروا أن العالم ليس عقلاً، وأن العالم ليس نظاماً أو أنظمة، لقد أصرّوا على أن الخط النضالي، هو خط معرفي مستقيم، وهو أقصر طريق بين نقطتي الانطلاق والوصول. صدّقوا أن اقليدس كان على حق. لو عرفوا برتولت بريشت، لأدركوا، ان أقرب خط بين نقطتين، هو الخط المتعرج. (وفق شهادة غاليليو غاليلي لتلميذه أندريا).
أفظع ما ارتكبناه، ما يشبه الشتيمة واللعنة، عندما اتهمنا شعوبنا بالقصور والعجز، وهو ما لم يتجرأ عليه عنصري أجنبي، في عز أزمنة الاستشراق الغربي.
كنا ننتظر الثورة. استدعيناها ولم تحضر. بينما غيرنا كان ينسج خيوطها من آلامه وأوجاعه وكرامته المهدورة وصمته البليغ... لقد كان شعبنا حياً يرزق. وبحاجة إلى لحظة التعبير عن حياته.
IV ـ كانوا أحياء وكنا أمواتاً
يقول كزافييه بيتا: «اننا نبحث دائماً في التفكير المجرد عن تعريف للحياة. لن نجد تعريفاً نظرياً أفضل من اعتبار كون الحياة، مجموعة الأفعال التي تقاوم الموت».
كان شعبنا حياً، لأنه يقاوم الموت، وكان في ذلك طبيعياً جداً. لم يتبع نصاً عن كيفية مقاومته الموت. العامل قاوم موته برفضه المبطن لاستغلاله. الفقراء، قاوموا موتهم، بإدراكهم لحقوقهم الطبيعية والبديهية، (الطعام والمسكن والصحة والتعليم). وما كانوا بحاجة إلى عبقرية الفكر الإنساني التي أنجبت بعد حروبها المدمرة، الشرعة الدولية لحقوق الإنساني.
ما كانوا بحاجة إلى فلاسفة، يعقدون عليهم وسائل مواجهتهم لموتهم الخاص، وهم أحياء. كانوا على وعي بأن الديموقراطية، هي حاضنتهم الممتنعة عنهم. كانوا يشعرون أن العدالة حقهم المهضوم أو المختصر، وأن الحرية فضاؤهم المخنوق، وأن الفرح فرصتهم المستباحة... كانوا بشراً حقيقيين يحبون الحياة، ويقاومون على طريقتهم، بأحاسيسهم ومشاعرهم وغضبهم وصحتهم، كل ما يمكن ان يسلب إنسانيتهم، وكل ما يحوّلهم إلى قطعان، تقودها الدكتاتوريات إلى حتفها الحياتي.
كانوا أحياء يرزقون. فهل كنا نحن الأموات؟
V ـ السلطة.. نمر من كرتون!
وجاءت اللحظة، حيث لم تكن في توقيت أحد.
السلطات كانت تسير وفق توقيت الفساد والسرقة والقمع والاستبداد والإهمال والاحتقار والتبعية. السلطات كانت مطمئنة إلى كلاب حراستها، من رجال أعمال، ورجال إعلام، وكتاب خطابات، وموزعي نشرات أنباء ومعلومات. كانت مطمئنة إلى جهازها الأمني الذي أنفقت عليه، رعاية وتدريباً وتوحّشاً وافتراساً، مليارات كثيرة. كانت السلطات مطمئنة، إلى تقارير البنك الدولي، ومشاريع التنمية أو الأصحّ، الإفقار المستدام. كانت محصنة بأرقام وثروات وشركات وأنشطة، مربوطة ببطون العائلة المالكة. وكانت... يا للغباء، مطمئنة إلى أن شعبها خائف وجبان ولا آلهة تساعده، بعدما صادرت الدين والملائكة، في خدمة أهدافها، وباعت الغرب بضاعة فاسدة: نحن هنا لنساعدهم على محاربة التطرف الإسلامي.
وفي لحظة بدت السلطة نمراً من كرتون. يا لسرعة الانهيار. هذا الركام السلطوي كان يحكم شعباً ممتلئاً بالحياة.. أجهزة الأمن انهارت بساعات. السلطة اختفت. الدكتاتور جثا على ركبتيه متوسلاً. العائلة هربت. الإعلام خرس. وكما فوجئت السلطة، فوجئ العالم وفوجئ المثقفون. وحدهم الذين صنعوا الثورة، كانوا يقومون بوظيفتهم اليومية، عبر استعمال الوسائل والأفعال جميعها لمقاومة موتهم... ولو بالموت. إذ، حياة تخشى الموت، ليست إلا موتاً مؤجلاً. أما الحياة التي توظف الموت في خدمتها، فهي حياة مستدامة.
لذلك، عذراً يا شعب مصر. اغسل خطايانا بانتصارك القريب.
(31/1/2011)
الديون، واجبنا المالي. فلنسدد ما علينا من فقرنا وتعبنا، لدين كنا فائدة له ولم يكن مفيداً لنا. نحن، هذا قدرنا، ان نكون مقهورين ومسحوقين وممتنعين عن الفعل والإبداع... لا نفعل إلا ما يؤذن به لنا.
هكذا كنا نقول عن شعبنا. أطعمناهم من يأسنا، ومنعنا عنهم الحلم بالأمل.
المؤسف، اننا فكرنا عنهم، وأسبغنا عليهم ما عندنا من عجز وجبن، وأضفينا على أفكارنا وقناعاتنا، عبقرية الثبات والرسوخ والدقة والصحة وقلنا: نحن الاستثناء في هذا العالم. ومن يفكر مثلنا، مغامر او مشبوه. ولقد صدقونا بألم عندما ضخمنا من حجم السلطة، وصوّرنا الاستبداد العربي، كأنه أبد جاثم بلا زمن، أي، لا مفر منه، أي، نحن سكان هذا الجحيم، المؤسف اننا رفضنا الاستبداد لفظاً، وطوّبناه، عندما اعتبرناه راسخاً وهائلاً ومنتشراً ومنظماً و... لا مفر منه.
فظيع ما ارتكبه المثقفون من يأس. ما كتبوه من أمور معقدة، وما استعادوه من كتب الآخرين. استعادوا ماركسية معقدة ولينينية بائدة، وقوميات محتضرة، وتجارب مخزية، ليبرهنوا أن المسألة فكرية أولا، حزبية أولا، نقابية أولا، اقتصادية أولا، اجتماعية أولا... وضعوا كل ما هو نظري أولاً، ولم يشعروا أن العالم ليس عقلاً، وأن العالم ليس نظاماً أو أنظمة، لقد أصرّوا على أن الخط النضالي، هو خط معرفي مستقيم، وهو أقصر طريق بين نقطتي الانطلاق والوصول. صدّقوا أن اقليدس كان على حق. لو عرفوا برتولت بريشت، لأدركوا، ان أقرب خط بين نقطتين، هو الخط المتعرج. (وفق شهادة غاليليو غاليلي لتلميذه أندريا).
أفظع ما ارتكبناه، ما يشبه الشتيمة واللعنة، عندما اتهمنا شعوبنا بالقصور والعجز، وهو ما لم يتجرأ عليه عنصري أجنبي، في عز أزمنة الاستشراق الغربي.
كنا ننتظر الثورة. استدعيناها ولم تحضر. بينما غيرنا كان ينسج خيوطها من آلامه وأوجاعه وكرامته المهدورة وصمته البليغ... لقد كان شعبنا حياً يرزق. وبحاجة إلى لحظة التعبير عن حياته.
IV ـ كانوا أحياء وكنا أمواتاً
يقول كزافييه بيتا: «اننا نبحث دائماً في التفكير المجرد عن تعريف للحياة. لن نجد تعريفاً نظرياً أفضل من اعتبار كون الحياة، مجموعة الأفعال التي تقاوم الموت».
كان شعبنا حياً، لأنه يقاوم الموت، وكان في ذلك طبيعياً جداً. لم يتبع نصاً عن كيفية مقاومته الموت. العامل قاوم موته برفضه المبطن لاستغلاله. الفقراء، قاوموا موتهم، بإدراكهم لحقوقهم الطبيعية والبديهية، (الطعام والمسكن والصحة والتعليم). وما كانوا بحاجة إلى عبقرية الفكر الإنساني التي أنجبت بعد حروبها المدمرة، الشرعة الدولية لحقوق الإنساني.
ما كانوا بحاجة إلى فلاسفة، يعقدون عليهم وسائل مواجهتهم لموتهم الخاص، وهم أحياء. كانوا على وعي بأن الديموقراطية، هي حاضنتهم الممتنعة عنهم. كانوا يشعرون أن العدالة حقهم المهضوم أو المختصر، وأن الحرية فضاؤهم المخنوق، وأن الفرح فرصتهم المستباحة... كانوا بشراً حقيقيين يحبون الحياة، ويقاومون على طريقتهم، بأحاسيسهم ومشاعرهم وغضبهم وصحتهم، كل ما يمكن ان يسلب إنسانيتهم، وكل ما يحوّلهم إلى قطعان، تقودها الدكتاتوريات إلى حتفها الحياتي.
كانوا أحياء يرزقون. فهل كنا نحن الأموات؟
V ـ السلطة.. نمر من كرتون!
وجاءت اللحظة، حيث لم تكن في توقيت أحد.
السلطات كانت تسير وفق توقيت الفساد والسرقة والقمع والاستبداد والإهمال والاحتقار والتبعية. السلطات كانت مطمئنة إلى كلاب حراستها، من رجال أعمال، ورجال إعلام، وكتاب خطابات، وموزعي نشرات أنباء ومعلومات. كانت مطمئنة إلى جهازها الأمني الذي أنفقت عليه، رعاية وتدريباً وتوحّشاً وافتراساً، مليارات كثيرة. كانت السلطات مطمئنة، إلى تقارير البنك الدولي، ومشاريع التنمية أو الأصحّ، الإفقار المستدام. كانت محصنة بأرقام وثروات وشركات وأنشطة، مربوطة ببطون العائلة المالكة. وكانت... يا للغباء، مطمئنة إلى أن شعبها خائف وجبان ولا آلهة تساعده، بعدما صادرت الدين والملائكة، في خدمة أهدافها، وباعت الغرب بضاعة فاسدة: نحن هنا لنساعدهم على محاربة التطرف الإسلامي.
وفي لحظة بدت السلطة نمراً من كرتون. يا لسرعة الانهيار. هذا الركام السلطوي كان يحكم شعباً ممتلئاً بالحياة.. أجهزة الأمن انهارت بساعات. السلطة اختفت. الدكتاتور جثا على ركبتيه متوسلاً. العائلة هربت. الإعلام خرس. وكما فوجئت السلطة، فوجئ العالم وفوجئ المثقفون. وحدهم الذين صنعوا الثورة، كانوا يقومون بوظيفتهم اليومية، عبر استعمال الوسائل والأفعال جميعها لمقاومة موتهم... ولو بالموت. إذ، حياة تخشى الموت، ليست إلا موتاً مؤجلاً. أما الحياة التي توظف الموت في خدمتها، فهي حياة مستدامة.
لذلك، عذراً يا شعب مصر. اغسل خطايانا بانتصارك القريب.
(31/1/2011)
صفحة 7
بو عزيزي أقوى من بن علي
I ـ ثورة الصبَّار
لا يشبه الياسمين. محمد بو عزيزي ينتمي إلى الصبار. فلماذا سميت ثورة تونس باسم الياسمين؟ أتقليداً للثورات الأنيقة، كالثورة البرتقالية أو الثورة المخملية؟ أتأثراً بغرب يستبدل إنساننا وقضايانا، بتواريخ وأرقام محايدة، وأنواع من النباتات الراقية؟
هي ثورة الصبار...
لم تكن حياة بو عزيزي من ورود. طريقه لم يعشب فيه ياسمين. بيته جار للصحراء، وفي صحراء بلدته، ينبت الصبَّار. هكذا، يولد الصبَّار في الأرض العاقر، في التربة القاسية، تحت سماء بلا غيوم... يولد الصبَّار من شقاء الطبيعة. يعلو بقامته ويفتح كفيه بصيغة الجمع، يستقي من الشمس الحارقة كلوروفيل الماوية. يصمد ويصمد ولا يتألم. ينفجر ثماراً شائكة، ولبلوغها مشقة الجرح، وقطافها محفوف بالأشواك.
إلى الصبَّار ينتمي بو عزيزي. عندما دخلت كاميرا «الجزيرة» منزله، كان مجللاً بالفراغ. الجدران فارغة. السقف فارغ.. وأمام باب البيت، عربة الخضار والفاكهة، متكئة على جانبها، كالقتيل الذي سقط للتوّ بعد إصابته في الجبهة... عربته الفقيرة، شهادته الجامعية الحقيقية. شهادة الدراسة غير صالحة للاستعمال، والجامعة مصنع عاطلين من العمل، بلا توقف.
لم يكن بو عزيزي بيّاع ورد وأحلام. كان بيّاع صبار. كل بضاعته تشبه تلك النبتة العاصية والشحيحة. يبيع ليأكل. تقوده عربته إلى حيث سواء الكرامة وندرة المنتوج... لا وردة في ياقته. قمصانه تحتضن عرقه، وثيابه تلتف بحنان حول بؤسه... الأفق المسدود مداه، يسدّ عليه أنفاسه، ويقلص له أحلامه...
تقول الكاميرا، كان بو عزيزي يعد لنفسه مستقبلاً متواضعا: الزواج مؤجل. الحب، على قارعة اللقمة. الأم، يكفكف خاطرها باستعارة ابتسامة. الشاي الأخضر الداكن، خمرة مترعة بالمرارة.
...واكتمل إيقاع الظلم. اعتقلت عربته وثمار الصبار فيها. أشعل بو عزيزي عود ثقاب وأشعل جسده الجميل، جسده الشبابي. جسده الحر. جسده الذي تآخى مع الطرقات وما تجود به مهنة التجوال في الشوارع والساحات... فسوق الوظيفة مقفل، وسوق العمل بلا عمل، وسوق الأمل بلا أمل، إلا لمن انحنى ومن تواطأ ومن باع نفسه، ومن وطئ جبينه بنعليه.
لا ينحني الصبار أبداً. يصبر على عطشه. لا يبيع ثمره رخيصاً. لا تؤخذ منه، إلا وهي بكامل كبريائها وأشواكها. تذبل ولا تنحني، أو تتدلى.
لذا، أعيدوا إلى ثورة تونس اسمها الحقيقي... ريثما يعطى للياسمين مكانة يستحقها في مستقبل تونس الأخضر. الثورة صبار، والمستقبل ياسمين.
II ـ سر التحنيط الحديث
إلى بو عزيزي يعود الفضل. فمن كان يصدق أن عود ثقابه، سيلهب تونس ويوقظها من نومها الإلزامي وإدمانها الصبر بلا أمل؟ من كان يصدق، أن بو عزيزي، هذا المجهول، المركون في الاهمال الأقصى، سوف يطرد زين العابدين بن علي الذي ملأ الإعلام وشغل الغرب إعجاباً.
كنّا، قبل بو عزيزي، نصدّق يأسنا. كنا نطمئن إلى «أن لا حول ولا قوة». واحتلنا على قعودنا بتبرير وتحليل ونتائج مبرمة: «هذه أمة لا تغير ما فيها». كل ما عداها يتغير. كل من حولها يتحول. وحدها في محيطها، من سلالة المتحجرات والمومياءات والمستحثات.
أمة، اكتشفت أسرار التحنيط السياسي، وعاقرته لتخلد قادتها في الحكم كآلهة، لا يدانيها اعتراض، من أي جهة.
من أسرار التحنيط السياسي، القبض على السلطة بكل الوسائل. بالقوة دائماً، بالإقناع قليلاً، بالمنفعة دائماً، بالإرهاب إجمالا، بالقمع تواتراً، بالسرقة حراما، بالإعلام ترويجا، بالانتخابات تزويرا، بالنهب أبداً، بالاستتباع عبيدا، بالأمن شعاراً، ببيع الشعب أوهاماً.
وعليه، تصادر المؤسسات، يباح المال العام للخاصة من أهل وزبانية، توضع اليد على الأجهزة. تفرّغ المواطنة من حضورها. توظف التنمية لاستكثار السلبطة والتبعية.. وعليه كذلك، فإن منطق التحنيط بحاجة إلى مسحوق ثقافي حيوي، فيتم لملمة مثقفين ونخب وكتاب وفنانين للترويج لعبقرية القيادة. التي لا يأتيها خطأ من أي جانب.
وعليه أيضا وأيضا، فإن السلطة تضع شعبها أمام خيارات براقة، مدفوعة الثمن: الاستقرار بديل عن الديموقراطية. الأمن بديل عن الحرية. القمع بديل عن الفوضى. السلطة بحاجة إلى الصمت الشعبي. ويكتمل التحنيط، بتسوير السلطة بالخوف منها، فهي مدججة بوسائل النميمة والقمع والتعذيب والاعتقال والقتل... ولأن الشعب، كما تظن السلطة، عجينة تصنع منه خبزها وخيرها، فإنه موعود بأن يظل على قيد الحياة، بلا حياة، بشرط أن يكون مطيعاً... أن يكون قطيعاً... يساق إلى بؤسه برضاه.
كانت السلطة في تونس بين قدمي بن علي وحده، على مدى عقدين ونيف. سلطة مترامية الأطراف، فضفاضة، فاسدة، ناهبة، بائعة، شارية، سلطة تتسع وتتسع ولا يبقى من تونس في تونس، إلا بن علي وحاشيته وخدمه وعبيده ومثقفوه وأدوات قمعه.
مطمئناً كان، إلى أن شرعيته مضمونة. فرنسا ترعاه. أميركا تحضنه. والمؤسسات الدولية تعتبره نموذجاً.. فتشبهوا به. ومقابل ذلك، أخذت فرنسا حصتها في بعض تونس، وأخذت أميركا صكاً مبرماً، لتكون تونس جزءاً من الأمن القومي الأميركي. أما إسرائيل، فكانت حصتها فوق المتوقع. وخسارتها بهرب بن علي جسيمة.
ماذا فعلت يا بو عزيزي؟ تمرّدت وانتقمت من النظام بإحراق جسدك. وإذ، عود ثقابك يحرق سارق قرطاجة. أيقظ اللهب جمراً يتحرق في شعب تونس. لم يكن شعب تونس ميتاً. كان كالصبار، يعتمر شوكه وثمره، وينتظر أوان المطر. كان شعب تونس مغلولاً، وبحاجة إلى من يفك أسره من الخوف المزمن. كان بحاجة إلى شعلة تضرم فيه الأمل: «ان الجبروت السياسي آيل إلى الاندثار». والمحنّطات آيلة إلى توابيتها. كان شعب تونس بحاجة إلى أن يصدّق نفسه:«بو عزيزي أقوى من بن علي».
I ـ ثورة الصبَّار
لا يشبه الياسمين. محمد بو عزيزي ينتمي إلى الصبار. فلماذا سميت ثورة تونس باسم الياسمين؟ أتقليداً للثورات الأنيقة، كالثورة البرتقالية أو الثورة المخملية؟ أتأثراً بغرب يستبدل إنساننا وقضايانا، بتواريخ وأرقام محايدة، وأنواع من النباتات الراقية؟
هي ثورة الصبار...
لم تكن حياة بو عزيزي من ورود. طريقه لم يعشب فيه ياسمين. بيته جار للصحراء، وفي صحراء بلدته، ينبت الصبَّار. هكذا، يولد الصبَّار في الأرض العاقر، في التربة القاسية، تحت سماء بلا غيوم... يولد الصبَّار من شقاء الطبيعة. يعلو بقامته ويفتح كفيه بصيغة الجمع، يستقي من الشمس الحارقة كلوروفيل الماوية. يصمد ويصمد ولا يتألم. ينفجر ثماراً شائكة، ولبلوغها مشقة الجرح، وقطافها محفوف بالأشواك.
إلى الصبَّار ينتمي بو عزيزي. عندما دخلت كاميرا «الجزيرة» منزله، كان مجللاً بالفراغ. الجدران فارغة. السقف فارغ.. وأمام باب البيت، عربة الخضار والفاكهة، متكئة على جانبها، كالقتيل الذي سقط للتوّ بعد إصابته في الجبهة... عربته الفقيرة، شهادته الجامعية الحقيقية. شهادة الدراسة غير صالحة للاستعمال، والجامعة مصنع عاطلين من العمل، بلا توقف.
لم يكن بو عزيزي بيّاع ورد وأحلام. كان بيّاع صبار. كل بضاعته تشبه تلك النبتة العاصية والشحيحة. يبيع ليأكل. تقوده عربته إلى حيث سواء الكرامة وندرة المنتوج... لا وردة في ياقته. قمصانه تحتضن عرقه، وثيابه تلتف بحنان حول بؤسه... الأفق المسدود مداه، يسدّ عليه أنفاسه، ويقلص له أحلامه...
تقول الكاميرا، كان بو عزيزي يعد لنفسه مستقبلاً متواضعا: الزواج مؤجل. الحب، على قارعة اللقمة. الأم، يكفكف خاطرها باستعارة ابتسامة. الشاي الأخضر الداكن، خمرة مترعة بالمرارة.
...واكتمل إيقاع الظلم. اعتقلت عربته وثمار الصبار فيها. أشعل بو عزيزي عود ثقاب وأشعل جسده الجميل، جسده الشبابي. جسده الحر. جسده الذي تآخى مع الطرقات وما تجود به مهنة التجوال في الشوارع والساحات... فسوق الوظيفة مقفل، وسوق العمل بلا عمل، وسوق الأمل بلا أمل، إلا لمن انحنى ومن تواطأ ومن باع نفسه، ومن وطئ جبينه بنعليه.
لا ينحني الصبار أبداً. يصبر على عطشه. لا يبيع ثمره رخيصاً. لا تؤخذ منه، إلا وهي بكامل كبريائها وأشواكها. تذبل ولا تنحني، أو تتدلى.
لذا، أعيدوا إلى ثورة تونس اسمها الحقيقي... ريثما يعطى للياسمين مكانة يستحقها في مستقبل تونس الأخضر. الثورة صبار، والمستقبل ياسمين.
II ـ سر التحنيط الحديث
إلى بو عزيزي يعود الفضل. فمن كان يصدق أن عود ثقابه، سيلهب تونس ويوقظها من نومها الإلزامي وإدمانها الصبر بلا أمل؟ من كان يصدق، أن بو عزيزي، هذا المجهول، المركون في الاهمال الأقصى، سوف يطرد زين العابدين بن علي الذي ملأ الإعلام وشغل الغرب إعجاباً.
كنّا، قبل بو عزيزي، نصدّق يأسنا. كنا نطمئن إلى «أن لا حول ولا قوة». واحتلنا على قعودنا بتبرير وتحليل ونتائج مبرمة: «هذه أمة لا تغير ما فيها». كل ما عداها يتغير. كل من حولها يتحول. وحدها في محيطها، من سلالة المتحجرات والمومياءات والمستحثات.
أمة، اكتشفت أسرار التحنيط السياسي، وعاقرته لتخلد قادتها في الحكم كآلهة، لا يدانيها اعتراض، من أي جهة.
من أسرار التحنيط السياسي، القبض على السلطة بكل الوسائل. بالقوة دائماً، بالإقناع قليلاً، بالمنفعة دائماً، بالإرهاب إجمالا، بالقمع تواتراً، بالسرقة حراما، بالإعلام ترويجا، بالانتخابات تزويرا، بالنهب أبداً، بالاستتباع عبيدا، بالأمن شعاراً، ببيع الشعب أوهاماً.
وعليه، تصادر المؤسسات، يباح المال العام للخاصة من أهل وزبانية، توضع اليد على الأجهزة. تفرّغ المواطنة من حضورها. توظف التنمية لاستكثار السلبطة والتبعية.. وعليه كذلك، فإن منطق التحنيط بحاجة إلى مسحوق ثقافي حيوي، فيتم لملمة مثقفين ونخب وكتاب وفنانين للترويج لعبقرية القيادة. التي لا يأتيها خطأ من أي جانب.
وعليه أيضا وأيضا، فإن السلطة تضع شعبها أمام خيارات براقة، مدفوعة الثمن: الاستقرار بديل عن الديموقراطية. الأمن بديل عن الحرية. القمع بديل عن الفوضى. السلطة بحاجة إلى الصمت الشعبي. ويكتمل التحنيط، بتسوير السلطة بالخوف منها، فهي مدججة بوسائل النميمة والقمع والتعذيب والاعتقال والقتل... ولأن الشعب، كما تظن السلطة، عجينة تصنع منه خبزها وخيرها، فإنه موعود بأن يظل على قيد الحياة، بلا حياة، بشرط أن يكون مطيعاً... أن يكون قطيعاً... يساق إلى بؤسه برضاه.
كانت السلطة في تونس بين قدمي بن علي وحده، على مدى عقدين ونيف. سلطة مترامية الأطراف، فضفاضة، فاسدة، ناهبة، بائعة، شارية، سلطة تتسع وتتسع ولا يبقى من تونس في تونس، إلا بن علي وحاشيته وخدمه وعبيده ومثقفوه وأدوات قمعه.
مطمئناً كان، إلى أن شرعيته مضمونة. فرنسا ترعاه. أميركا تحضنه. والمؤسسات الدولية تعتبره نموذجاً.. فتشبهوا به. ومقابل ذلك، أخذت فرنسا حصتها في بعض تونس، وأخذت أميركا صكاً مبرماً، لتكون تونس جزءاً من الأمن القومي الأميركي. أما إسرائيل، فكانت حصتها فوق المتوقع. وخسارتها بهرب بن علي جسيمة.
ماذا فعلت يا بو عزيزي؟ تمرّدت وانتقمت من النظام بإحراق جسدك. وإذ، عود ثقابك يحرق سارق قرطاجة. أيقظ اللهب جمراً يتحرق في شعب تونس. لم يكن شعب تونس ميتاً. كان كالصبار، يعتمر شوكه وثمره، وينتظر أوان المطر. كان شعب تونس مغلولاً، وبحاجة إلى من يفك أسره من الخوف المزمن. كان بحاجة إلى شعلة تضرم فيه الأمل: «ان الجبروت السياسي آيل إلى الاندثار». والمحنّطات آيلة إلى توابيتها. كان شعب تونس بحاجة إلى أن يصدّق نفسه:«بو عزيزي أقوى من بن علي».
صفحة 8
تونس المسالمة، كذبة. تونس المنحنية تهمة ظالمة. طبيعة شعبها، هدوؤه، حبه، خضرته، لا تقف حائلاً أمام قبضته. بو عزيزي دل التوانسة على تراثهم النضالي. لم تكن تونس عاقراً، وبو عزيزي من رحمها الذي حفل بنضالات وثورات وأفكار وقيادات وتظاهرات. بو عزيزي من سلالة ما أنتجه مناضلون ومثقفون ونقابيون ومقاتلون.
قال بو عزيزي للتوانسة: «ماضينا، ليس من ركام». وارتفع رفاق بو عزيزي، إلى مقام الحسم. نريد «الحرية والعمل والكرامة». شعار أبدي إنسانيا. فليرحل الطاغية، فليسقط النظام.
وكان لهم حتى الآن ما أرادوا... والطريق إلى الياسمين ماضية في خضرتها.
III ـ Taisez – vous...
ساهم الغرب «الجميل»، بكتابة السيرة المبجلة لزين العابدين بن علي. (الغرب المقصود، ليس ناسه، بل ثقافة نخبه السياسية والإعلامية النافذة). قال الغرب عن بن علي هو صاحب المعجزة التونسية، التنمية المستدامة، الثورة الخضراء، السياحة الفاضلة، التصنيع السياحي، النموذج الناجح... ولا شيء أبداً عن «سلعة» حقوق الإنسان. أقفل الغرب بوزه عن كل ما يمت إلى قيم ثوراته المتتالية، لنصرة حقوق الإنسان وحقوق المواطن.
عندما اندلعت الثورة وبلغت شوارع تونس العاصمة، عقدت ندوة في محطة تلفزيونية فرنسية، شارك فيها سياسيون ونخبويون وليبراليون ويساريون ويمينيون... وامرأة فرنكوـ تونسية.
قالوا ما قالوه، فتوجهت المرأة إلى عدد منهم وصرخت في وجوههم. «Taisez – vous. اخرسوا... لا شيء أبداً نتعلمه منكم».
بالفعل. لا شيء يستطيعه هذا الغرب أن نتعلمه منه. دينه المصالح. كنيسته المال. آياته النفاق. حتى الذين يدّعون الطهارة الإنسانية، منافقون. منذ عقدين وهم صامتون على الطغيان. هائجون على كل من ليس صديقاً لهم. هم ضد نتائج الانتخابات الايرانية، بحجة دعم الاصلاحيين.. كذابون.. لا تهمهم الديموقراطية أبداً، ولا تهمهم حقوق الإنسان. هم ضد إيران، ولو كان منسوب الديموقراطية فيها متقدماً بأشواط على الانعدام الديموقراطي، في أنظمة الاستبداد العربي. هم ضد ديموقراطية فلسطينية أفرزت نتائج الانتخابات فوزاً لحماس. هم ليسوا ضد حماس. بل هم مع اسرائيل، ولا يرون الجرائم العظمى التي ترتكبها اسرائيل. (تستحق اليو ماري ما ناله في السابق ليونيل جوسبان: البيض والأحذية أقل عقوبة ينالانها).
ولا مرة كان الغرب مع الشعوب العربية. أحضرناه عبر رواد النهضة، فكراً، وحقوقاً ودستوراً وديموقراطية وإنسانية. أحضرناه علمانياً تقدمياً وداعية حرية، رواد النهضة العربية أطنبوا في الأخذ من هذا الغرب الفكري. لكن أنظمة الغرب السياسية جاءت إلينا بعدتها العسكرية، وأنزلت فينا القمع والقتل والنهب والسلب (زمن الاستعمار) ثم عوّضت عن رحيلها عنا، بإقامة وكلاء لسياساتها وشركاتها ومصالحها. ولما تمردنا كشعوب، مراراً، دعمت أنظمة الفساد والظلم العربية ضدنا.
كان الغرب ضدنا، مع حكامنا، الذين هم في الغالب أشد وطأة علينا من سادتهم. الغرب كان مع الطغاة والدكتاتوريين، يباركهم بعد كل صفقة، ليحميهم بعد كل تنازل، يدعمهم بعد كل انحياز إليه، ويصفق «لحضاريتهم» عندما يصيرون أصدقاء إسرائيل.
فلنخرس هذا الغرب. ليس لديه شيء نتعلمه منه. كفانا نفاقه الباهظ ودجله المفضوح. وإذا كان لنا أن نقرأ الغرب، فليس في كتبه الرائجة وإعلامه المنحاز وادعاءاته الفارغة. لقد سقط عندنا في امتحانه، سياسيا وأخلاقيا وإنسانيا. سقط شعاره «الاعتراف بالآخر». هو لا يعترف بنا كشعوب، إلا عندما نكون عنده مختلفين عنه. والحجاب فضيحته.
ليس لدى الغرب السائد أمثولة فاضلة. فليفرنقع عنا، وليأخذ معه بن علي ومن معه ومن مثله.
IV ـ مئة مرة جبان
كنت أظن أن بن علي رجل شجاع. مسكين أنا. أخون ما أعرفه لأني أقع تحت تأثير المقامات. أهم صفات الدكتاتور الخوف. إنه جبان. يخاف من الكلمة فيمنعها، يخاف من الحرية فيعتقلها. يخاف من الأحزاب فيحرمها. يخاف من المساءلة فيمنع السؤال. يخاف من النقابات فيقفلها ويسرح عمالها ويعتقل قياداتها. يخاف من الإعلام فيصادره ويؤلف مشاهده وحده. يخاف من التظاهر السلمي، فيقمعه بالهراوات والرصاص الحي. يخاف من الانتخابات فيزوّرها. يخاف من أعدائه، فيصفيهم. يخاف ويخاف ويخاف فقط. حتى انه يخاف من النوايا.
أتصور بن علي الخائف وهو يهرب. خرج من مكتبه بدون حذاء. هرب كمجرم. ترك قبيلته لمصيرها الأسود. كان بإمكانه تنظيم هرب لائق، وتدبير منفى فاخر، قبل هربه.
أتصوره هلِعاً، ترتجف يداه ويتصبب عرقاً بارداً. ينعشونه بعصير ودواء مهدئ. أتصوره منهاراً، جاثياً على ركبتيه وهو يتوسل النجاة سريعاً. ومن يتصوّر غير هذا المشهد، عليه أن يثبت ذلك بالصوت والصورة.
VI ـ علمانية تونس والقرضاوي
سقط بن علي ولم تسقط تونس.
سقط السودان ولم يسقط البشير.
لا يستطيع لبنان أن يسقط أكثر من سقوطه المزمن.
لكل سقوط قصة. لكل سقوط بيئة. لكل سقوط أسباب. غير ان القرضاوي تفرد في دعوته إلى إسقاط نظام تونس بسبب علمانيته. فظيع هذا!!! كيف يقرأ بعين واحدة. ألا يرى إلى أنظمة ودول استبدادية ترفع دين الدولة الإسلام. أليست هذه أسوأ الأنظمة الاستبدادية! لا علاقة للإسلامية بالاستبدادية، إلا إذا كانت مطيّة، وكم مرة كانت كذلك. ولا علاقة للعلمانية بالاستبداد، إلا إذا كانت مطيّة، ولكم كانت كذلك.
الذي يعصم الأنظمة من الاستبداد، ليس دينها ولا عقيدتها، بل الديموقراطية والمحاسبة والمساءلة، ولو كان أهل النظام من غير المؤمنين بتاتا، الأمل في تونس، أن لا تستمع إلى القرضاوي، وان تحتفظ بمكتسباتها وتضيف إليها شرعاً ديموقراطياً خالصاً، وشرعاً يقوم على الحرية وحد المسؤولية... وإلا... فالله يرحم بو عزيزي. يكون قد أشعل جسده سدى.
(24/1/2011)
قال بو عزيزي للتوانسة: «ماضينا، ليس من ركام». وارتفع رفاق بو عزيزي، إلى مقام الحسم. نريد «الحرية والعمل والكرامة». شعار أبدي إنسانيا. فليرحل الطاغية، فليسقط النظام.
وكان لهم حتى الآن ما أرادوا... والطريق إلى الياسمين ماضية في خضرتها.
III ـ Taisez – vous...
ساهم الغرب «الجميل»، بكتابة السيرة المبجلة لزين العابدين بن علي. (الغرب المقصود، ليس ناسه، بل ثقافة نخبه السياسية والإعلامية النافذة). قال الغرب عن بن علي هو صاحب المعجزة التونسية، التنمية المستدامة، الثورة الخضراء، السياحة الفاضلة، التصنيع السياحي، النموذج الناجح... ولا شيء أبداً عن «سلعة» حقوق الإنسان. أقفل الغرب بوزه عن كل ما يمت إلى قيم ثوراته المتتالية، لنصرة حقوق الإنسان وحقوق المواطن.
عندما اندلعت الثورة وبلغت شوارع تونس العاصمة، عقدت ندوة في محطة تلفزيونية فرنسية، شارك فيها سياسيون ونخبويون وليبراليون ويساريون ويمينيون... وامرأة فرنكوـ تونسية.
قالوا ما قالوه، فتوجهت المرأة إلى عدد منهم وصرخت في وجوههم. «Taisez – vous. اخرسوا... لا شيء أبداً نتعلمه منكم».
بالفعل. لا شيء يستطيعه هذا الغرب أن نتعلمه منه. دينه المصالح. كنيسته المال. آياته النفاق. حتى الذين يدّعون الطهارة الإنسانية، منافقون. منذ عقدين وهم صامتون على الطغيان. هائجون على كل من ليس صديقاً لهم. هم ضد نتائج الانتخابات الايرانية، بحجة دعم الاصلاحيين.. كذابون.. لا تهمهم الديموقراطية أبداً، ولا تهمهم حقوق الإنسان. هم ضد إيران، ولو كان منسوب الديموقراطية فيها متقدماً بأشواط على الانعدام الديموقراطي، في أنظمة الاستبداد العربي. هم ضد ديموقراطية فلسطينية أفرزت نتائج الانتخابات فوزاً لحماس. هم ليسوا ضد حماس. بل هم مع اسرائيل، ولا يرون الجرائم العظمى التي ترتكبها اسرائيل. (تستحق اليو ماري ما ناله في السابق ليونيل جوسبان: البيض والأحذية أقل عقوبة ينالانها).
ولا مرة كان الغرب مع الشعوب العربية. أحضرناه عبر رواد النهضة، فكراً، وحقوقاً ودستوراً وديموقراطية وإنسانية. أحضرناه علمانياً تقدمياً وداعية حرية، رواد النهضة العربية أطنبوا في الأخذ من هذا الغرب الفكري. لكن أنظمة الغرب السياسية جاءت إلينا بعدتها العسكرية، وأنزلت فينا القمع والقتل والنهب والسلب (زمن الاستعمار) ثم عوّضت عن رحيلها عنا، بإقامة وكلاء لسياساتها وشركاتها ومصالحها. ولما تمردنا كشعوب، مراراً، دعمت أنظمة الفساد والظلم العربية ضدنا.
كان الغرب ضدنا، مع حكامنا، الذين هم في الغالب أشد وطأة علينا من سادتهم. الغرب كان مع الطغاة والدكتاتوريين، يباركهم بعد كل صفقة، ليحميهم بعد كل تنازل، يدعمهم بعد كل انحياز إليه، ويصفق «لحضاريتهم» عندما يصيرون أصدقاء إسرائيل.
فلنخرس هذا الغرب. ليس لديه شيء نتعلمه منه. كفانا نفاقه الباهظ ودجله المفضوح. وإذا كان لنا أن نقرأ الغرب، فليس في كتبه الرائجة وإعلامه المنحاز وادعاءاته الفارغة. لقد سقط عندنا في امتحانه، سياسيا وأخلاقيا وإنسانيا. سقط شعاره «الاعتراف بالآخر». هو لا يعترف بنا كشعوب، إلا عندما نكون عنده مختلفين عنه. والحجاب فضيحته.
ليس لدى الغرب السائد أمثولة فاضلة. فليفرنقع عنا، وليأخذ معه بن علي ومن معه ومن مثله.
IV ـ مئة مرة جبان
كنت أظن أن بن علي رجل شجاع. مسكين أنا. أخون ما أعرفه لأني أقع تحت تأثير المقامات. أهم صفات الدكتاتور الخوف. إنه جبان. يخاف من الكلمة فيمنعها، يخاف من الحرية فيعتقلها. يخاف من الأحزاب فيحرمها. يخاف من المساءلة فيمنع السؤال. يخاف من النقابات فيقفلها ويسرح عمالها ويعتقل قياداتها. يخاف من الإعلام فيصادره ويؤلف مشاهده وحده. يخاف من التظاهر السلمي، فيقمعه بالهراوات والرصاص الحي. يخاف من الانتخابات فيزوّرها. يخاف من أعدائه، فيصفيهم. يخاف ويخاف ويخاف فقط. حتى انه يخاف من النوايا.
أتصور بن علي الخائف وهو يهرب. خرج من مكتبه بدون حذاء. هرب كمجرم. ترك قبيلته لمصيرها الأسود. كان بإمكانه تنظيم هرب لائق، وتدبير منفى فاخر، قبل هربه.
أتصوره هلِعاً، ترتجف يداه ويتصبب عرقاً بارداً. ينعشونه بعصير ودواء مهدئ. أتصوره منهاراً، جاثياً على ركبتيه وهو يتوسل النجاة سريعاً. ومن يتصوّر غير هذا المشهد، عليه أن يثبت ذلك بالصوت والصورة.
VI ـ علمانية تونس والقرضاوي
سقط بن علي ولم تسقط تونس.
سقط السودان ولم يسقط البشير.
لا يستطيع لبنان أن يسقط أكثر من سقوطه المزمن.
لكل سقوط قصة. لكل سقوط بيئة. لكل سقوط أسباب. غير ان القرضاوي تفرد في دعوته إلى إسقاط نظام تونس بسبب علمانيته. فظيع هذا!!! كيف يقرأ بعين واحدة. ألا يرى إلى أنظمة ودول استبدادية ترفع دين الدولة الإسلام. أليست هذه أسوأ الأنظمة الاستبدادية! لا علاقة للإسلامية بالاستبدادية، إلا إذا كانت مطيّة، وكم مرة كانت كذلك. ولا علاقة للعلمانية بالاستبداد، إلا إذا كانت مطيّة، ولكم كانت كذلك.
الذي يعصم الأنظمة من الاستبداد، ليس دينها ولا عقيدتها، بل الديموقراطية والمحاسبة والمساءلة، ولو كان أهل النظام من غير المؤمنين بتاتا، الأمل في تونس، أن لا تستمع إلى القرضاوي، وان تحتفظ بمكتسباتها وتضيف إليها شرعاً ديموقراطياً خالصاً، وشرعاً يقوم على الحرية وحد المسؤولية... وإلا... فالله يرحم بو عزيزي. يكون قد أشعل جسده سدى.
(24/1/2011)
صفحة 9
مبارك خلف القضبان.. ويخلق من الشبه عشرين
قليل من المخيلة
لا شيء يمنع التزوير الجميل لمشهد مبارك ونجليه في قفص الاتهام. قليل من تحريض المخيلة على الجرأة، قليل من دفعها إلى مغامرة اقتراف المحرّم المزمن، قليل من المجازفة الممتعة، قليل من السادية الحلال، قليل من كل ذلك، لتعديل المشهد. كأن تكون المخرج الحقيقي لمشهد صنعه غيرك الذي لا تشبهه. غيرك الذي له صفة الجموع التي خرجت بصدورها العارية وقبضاتها الملتمعة بالغضب، وقالت للطاغية: إرحل، فامتثل.
قليل من المخيلة
لا شيء يمنع التلاعب بالصورة. بإمكان المشاهد العربي أن يختار من يشاء من رؤساء وملوك وأمراء وسلاطين وجنرالات وقادة، ليضعهم في القفص. لا شيء يمنع الجماهير العربية المطحونة بأنظمة القمع والقتل والفساد، بأنظمة تعميم الصمت وممارسة اللغو، لا شيء يمنعها من التمتع بالتفرج على حكامها، واحداً واحداً، وهم خلف القضبان يجيبون إن سئلوا: «حاضر أفندم» أو «حاضر سيدي». ويصمتون صمتاً هرمسياً إن لم يسألوا.
أمس، في مصر الثورة التي صنعها جيل الشباب، لا جيل الشيوخ والمشايخ والمثقفين المعقدين والقاعدين عن... لا جيل الصبورين على الجبن والمذلة... أمس، مصر الشباب، الموقّع على جسارته بدمه في ميادين التحرير، أعادت للقضاء قوسه، بعدما كانت ساحة العدالة، تشهد على مدى عقود، مذبحة الحرية... لشعب عومل كشاة سيقت إلى موتها.
أمس، دعتنا مصر الثورة، إلى الاحتذاء بها، بلا انتقام. ودلتنا علينا وهي تقول: ويخلق من الشبه عشرين... حاكما ورئيساً وملكاً وأميراً و...
قليل من الذاكرة
لا شيء يمنع استعمال المنشطات، ذاكرة الكسل العربي، بحجم زمن وبقياس قرن. قرن كامل من الاستبداد، بأسماء جليلة وشعارات ساحرة: فلسطين وحدة. حرية. اشتراكية. استقلال. تنمية. قرن كامل من الظلم، بتبريرات فائقة الدهاء، حوّلت الشعوب العربية إلى دهماء، لا تستحق الحياة، أو ما دونها بكثير، إلا بأمر ووصاية من القائد الذي تخلى عن معارك وجبهات القتال، ليمارس سياسة القتل العمد، لكل من يظنه أنه يفكر. فالفكر كفر في سياسات الاستبداد العربي.
قليل من الذاكرة
لا شيء يمنع مقارنة قاعة محكمة أكاديمية الشرطة في القاهرة، مع قاعات محاكمة لا شبيه لها في التاريخ، حيث تحوّل القضاء إلى جلاد، والمواطن إلى مشتبه به دائم. حيث التزمت أكثرية القضاة، بأوامر «الريس» التي كانت تصاغ وفق سياق عسكري: «نفذ ولا تعترض»... لقد خربت أنظمة الاستبداد، نظام القضاء عمداً. ألحقته بأقبية التعذيب ومنابر التشهير، فامتلأت السجون بالشرفاء والعقلاء والنجباء والمفكرين... فاستطابت السلطة فردانيتها، وتفرغت لإسماع صوتها، الواحد الأحد، الذي لا شبيه له، والذي يشبه عواء يطرب له جلاوزة السلطة وخدمها.
قليل من الذاكرة
لا شيء يمنع أن نبحث في ذاكرتنا عن قضاء عربي نزيه. ما كان منزهاً عن السلطة كان نادراً ومغامراً. امرأة قيصر، استثناء ومؤقت. في الذاكرة، مهداوي عراقي ومن يشبهه من المغرب في تمنارست، إلى بغداد وحوض الخليج الدامي. في الذاكرة محاكم تفتيش، لا دين لها ولا مذهب، سوى دين الاستبداد، دينها الحاكم بأمره لا غير. لا قاعات منزهة عن السلطة. لقد اجتاح الحكام العرب المحاكم كلها، وضموها إلى ممالك الخوف والرعب التي سيّجوها بالعسكر.
أمس، دعتنا مصر الثورة، إلى الإيمان مرة أخرى، بأن محاكمة الشفيع في السودان، اغتيال. وان محاكمة المحجوب اغتيال. وان فرج الحلو كان يستحق وساماً لا أسيداً. وان محاكمة انطون سعاده اغتيال، وقع عليه ثلاثة من «رجالات الاستقلال»: بشاره الخوري ورياض الصلح ومجيد ارسلان.. وفي الذاكرة أسماء جليلة، جدير أن نستعيدها، كي نعيد للقضاء سلطانه.
قليل من المخيلة
لا شيء يمنع التزوير الجميل لمشهد مبارك ونجليه في قفص الاتهام. قليل من تحريض المخيلة على الجرأة، قليل من دفعها إلى مغامرة اقتراف المحرّم المزمن، قليل من المجازفة الممتعة، قليل من السادية الحلال، قليل من كل ذلك، لتعديل المشهد. كأن تكون المخرج الحقيقي لمشهد صنعه غيرك الذي لا تشبهه. غيرك الذي له صفة الجموع التي خرجت بصدورها العارية وقبضاتها الملتمعة بالغضب، وقالت للطاغية: إرحل، فامتثل.
قليل من المخيلة
لا شيء يمنع التلاعب بالصورة. بإمكان المشاهد العربي أن يختار من يشاء من رؤساء وملوك وأمراء وسلاطين وجنرالات وقادة، ليضعهم في القفص. لا شيء يمنع الجماهير العربية المطحونة بأنظمة القمع والقتل والفساد، بأنظمة تعميم الصمت وممارسة اللغو، لا شيء يمنعها من التمتع بالتفرج على حكامها، واحداً واحداً، وهم خلف القضبان يجيبون إن سئلوا: «حاضر أفندم» أو «حاضر سيدي». ويصمتون صمتاً هرمسياً إن لم يسألوا.
أمس، في مصر الثورة التي صنعها جيل الشباب، لا جيل الشيوخ والمشايخ والمثقفين المعقدين والقاعدين عن... لا جيل الصبورين على الجبن والمذلة... أمس، مصر الشباب، الموقّع على جسارته بدمه في ميادين التحرير، أعادت للقضاء قوسه، بعدما كانت ساحة العدالة، تشهد على مدى عقود، مذبحة الحرية... لشعب عومل كشاة سيقت إلى موتها.
أمس، دعتنا مصر الثورة، إلى الاحتذاء بها، بلا انتقام. ودلتنا علينا وهي تقول: ويخلق من الشبه عشرين... حاكما ورئيساً وملكاً وأميراً و...
قليل من الذاكرة
لا شيء يمنع استعمال المنشطات، ذاكرة الكسل العربي، بحجم زمن وبقياس قرن. قرن كامل من الاستبداد، بأسماء جليلة وشعارات ساحرة: فلسطين وحدة. حرية. اشتراكية. استقلال. تنمية. قرن كامل من الظلم، بتبريرات فائقة الدهاء، حوّلت الشعوب العربية إلى دهماء، لا تستحق الحياة، أو ما دونها بكثير، إلا بأمر ووصاية من القائد الذي تخلى عن معارك وجبهات القتال، ليمارس سياسة القتل العمد، لكل من يظنه أنه يفكر. فالفكر كفر في سياسات الاستبداد العربي.
قليل من الذاكرة
لا شيء يمنع مقارنة قاعة محكمة أكاديمية الشرطة في القاهرة، مع قاعات محاكمة لا شبيه لها في التاريخ، حيث تحوّل القضاء إلى جلاد، والمواطن إلى مشتبه به دائم. حيث التزمت أكثرية القضاة، بأوامر «الريس» التي كانت تصاغ وفق سياق عسكري: «نفذ ولا تعترض»... لقد خربت أنظمة الاستبداد، نظام القضاء عمداً. ألحقته بأقبية التعذيب ومنابر التشهير، فامتلأت السجون بالشرفاء والعقلاء والنجباء والمفكرين... فاستطابت السلطة فردانيتها، وتفرغت لإسماع صوتها، الواحد الأحد، الذي لا شبيه له، والذي يشبه عواء يطرب له جلاوزة السلطة وخدمها.
قليل من الذاكرة
لا شيء يمنع أن نبحث في ذاكرتنا عن قضاء عربي نزيه. ما كان منزهاً عن السلطة كان نادراً ومغامراً. امرأة قيصر، استثناء ومؤقت. في الذاكرة، مهداوي عراقي ومن يشبهه من المغرب في تمنارست، إلى بغداد وحوض الخليج الدامي. في الذاكرة محاكم تفتيش، لا دين لها ولا مذهب، سوى دين الاستبداد، دينها الحاكم بأمره لا غير. لا قاعات منزهة عن السلطة. لقد اجتاح الحكام العرب المحاكم كلها، وضموها إلى ممالك الخوف والرعب التي سيّجوها بالعسكر.
أمس، دعتنا مصر الثورة، إلى الإيمان مرة أخرى، بأن محاكمة الشفيع في السودان، اغتيال. وان محاكمة المحجوب اغتيال. وان فرج الحلو كان يستحق وساماً لا أسيداً. وان محاكمة انطون سعاده اغتيال، وقع عليه ثلاثة من «رجالات الاستقلال»: بشاره الخوري ورياض الصلح ومجيد ارسلان.. وفي الذاكرة أسماء جليلة، جدير أن نستعيدها، كي نعيد للقضاء سلطانه.
صفحة 10
قليل من الندم والخجل
لا شيء يمنع الأجيال العربية التي تناسلت في الهزيمة، ان تخجل قليلا من جيل شاب، هاله ما تحملنا. استفظع قعودنا.. هو جيل يسألنا: ماذا فعلتم بكم؟ انحناؤكم سواكم بأحذية السلطة. أحزابكم التافهة عملة صدئة غير قابلة للصرف. منابركم جعجعة كلام ومواقف كرتونية. كتبكم، باستثناء ما ينتسب منها إلى الكواكبي ورفاقه، كلمات يستتر خلف حروفها عجز وتبرير وآمال مفرطة في السخف. لا طحين في معجنكم. أكلتم من صحن السلطة أو مما رمته على قارعة السياسة... كيف لم تثوروا؟ ولما ثرتم لماذا لم تفوزوا؟ ولما هزمتم لماذا لم تقضوا على أنفسكم؟
لا شيء يمنع أجيالنا الفاشلة من التواضع قليلا. من محاسبة الذات والندم على ما لم نفعله وما فعلناه. كنا الفشل والجبن والمراوغة. إذ، كيف يعيش شعب كحذاء؟ كيف يعامل شعب كخرقة؟ كيف يستباح ولا ينحر سيده أو ينتحر؟ من حق أبناء يصنعون الثورة بسواعدهم وقبضاتهم ان ينصحونا بالرجولة، وليس بالذكورية الفارغة.
ما زلنا نبحث عن قائد لثورة الشباب. سخف هذا. انتصر هؤلاء بلا قائد. لا أب لهم. هم آباء لأنفسهم. ولدوا أنفسهم أحراراً، وليسوا بحاجة إلى من يقودهم من الأمام، (فهم في المقدمة). ولا من الخلف ولا من فوق. كل المسافات تلغى أمام الإنجاز. ولقد أنجز هؤلاء عصرهم، عصر المسافات البعيدة والآفاق الواسعة.
قليل من المستقبل
قَتَلَنا ماضينا. ماضينا القديم وماضينا الماثل والرابض علينا الآن. ماضينا القديم، قضاء ديني لا يستعاد ولا معنى له. وماضينا المستدام راهنا، قضاء على الوعي والأمل... لا شيء يمنع العرب اليوم، من النظر إلى الأمام، فلا يرون في أيامهم القادمة، ماضيهم المقيت... قليل من المستقبل، يحيي قلب الأمة. محاكمة حسني مبارك وزبانيته على ما افتعلوه وانتهكوه، لا شبيه لها في التاريخ العربي المعاصر. انها محاكمة في بلد سيد، بكامل سيادته على نفسه. وهي محاكمة، ليست غب الانتقام، بل من أجل نصرة العدالة... محكمة مصرية مئة بالمئة. لا شبهة فيها لغريب. تجري وفق الاصول القانونية، وعلى الملأ. ليس كي يتفرج الناس، بل لكي يروا بأم العين، ان مصر بعافية. وأنها «بهية» بكل بهاء طلتها وطلعتها. وأن مصر تحاسب رؤساءها، «فتفكروا يا ذوي الأبصار في بقية الأمصار العربية». وأن مصر دولة قانون ومؤسسات، لا دولة شبكات وجزمات وعصابات بربطات عنق، ومشاريع مليارية، للعائلة المالكة، والعائلات المالكة في كل البلاد العربية.
لا تشبه هذه المحكمة، تلك التي نصبها الاحتلال، لمحاكمة الطاغية الأول صدام حسين. يستحق هذا الطاغية العقوبات القصوى، وهو نالها، ليس بمحكمة تسير وفق المعايير القانونية، بل وفق أحقاد وغرائز. كانت رداً مهداوياً، على محاكمات صدامية، مذهلة في دمويتها.
أمس، قالت لنا مصر... هذا هو البدء. هذا هو القليل الكثير الجميل والصعب قادم. لا عودة إلى عصور الظلام التي كحلت أمة بكاملها.
قليل من المستقبل
لمَ لا... مصر تبشرنا بأننا شعب. وتنذر الحكام العرب برمتهم، بأنهم إلى قفص الاتهام... ذاهبون.
(5/8/2011)
لا شيء يمنع الأجيال العربية التي تناسلت في الهزيمة، ان تخجل قليلا من جيل شاب، هاله ما تحملنا. استفظع قعودنا.. هو جيل يسألنا: ماذا فعلتم بكم؟ انحناؤكم سواكم بأحذية السلطة. أحزابكم التافهة عملة صدئة غير قابلة للصرف. منابركم جعجعة كلام ومواقف كرتونية. كتبكم، باستثناء ما ينتسب منها إلى الكواكبي ورفاقه، كلمات يستتر خلف حروفها عجز وتبرير وآمال مفرطة في السخف. لا طحين في معجنكم. أكلتم من صحن السلطة أو مما رمته على قارعة السياسة... كيف لم تثوروا؟ ولما ثرتم لماذا لم تفوزوا؟ ولما هزمتم لماذا لم تقضوا على أنفسكم؟
لا شيء يمنع أجيالنا الفاشلة من التواضع قليلا. من محاسبة الذات والندم على ما لم نفعله وما فعلناه. كنا الفشل والجبن والمراوغة. إذ، كيف يعيش شعب كحذاء؟ كيف يعامل شعب كخرقة؟ كيف يستباح ولا ينحر سيده أو ينتحر؟ من حق أبناء يصنعون الثورة بسواعدهم وقبضاتهم ان ينصحونا بالرجولة، وليس بالذكورية الفارغة.
ما زلنا نبحث عن قائد لثورة الشباب. سخف هذا. انتصر هؤلاء بلا قائد. لا أب لهم. هم آباء لأنفسهم. ولدوا أنفسهم أحراراً، وليسوا بحاجة إلى من يقودهم من الأمام، (فهم في المقدمة). ولا من الخلف ولا من فوق. كل المسافات تلغى أمام الإنجاز. ولقد أنجز هؤلاء عصرهم، عصر المسافات البعيدة والآفاق الواسعة.
قليل من المستقبل
قَتَلَنا ماضينا. ماضينا القديم وماضينا الماثل والرابض علينا الآن. ماضينا القديم، قضاء ديني لا يستعاد ولا معنى له. وماضينا المستدام راهنا، قضاء على الوعي والأمل... لا شيء يمنع العرب اليوم، من النظر إلى الأمام، فلا يرون في أيامهم القادمة، ماضيهم المقيت... قليل من المستقبل، يحيي قلب الأمة. محاكمة حسني مبارك وزبانيته على ما افتعلوه وانتهكوه، لا شبيه لها في التاريخ العربي المعاصر. انها محاكمة في بلد سيد، بكامل سيادته على نفسه. وهي محاكمة، ليست غب الانتقام، بل من أجل نصرة العدالة... محكمة مصرية مئة بالمئة. لا شبهة فيها لغريب. تجري وفق الاصول القانونية، وعلى الملأ. ليس كي يتفرج الناس، بل لكي يروا بأم العين، ان مصر بعافية. وأنها «بهية» بكل بهاء طلتها وطلعتها. وأن مصر تحاسب رؤساءها، «فتفكروا يا ذوي الأبصار في بقية الأمصار العربية». وأن مصر دولة قانون ومؤسسات، لا دولة شبكات وجزمات وعصابات بربطات عنق، ومشاريع مليارية، للعائلة المالكة، والعائلات المالكة في كل البلاد العربية.
لا تشبه هذه المحكمة، تلك التي نصبها الاحتلال، لمحاكمة الطاغية الأول صدام حسين. يستحق هذا الطاغية العقوبات القصوى، وهو نالها، ليس بمحكمة تسير وفق المعايير القانونية، بل وفق أحقاد وغرائز. كانت رداً مهداوياً، على محاكمات صدامية، مذهلة في دمويتها.
أمس، قالت لنا مصر... هذا هو البدء. هذا هو القليل الكثير الجميل والصعب قادم. لا عودة إلى عصور الظلام التي كحلت أمة بكاملها.
قليل من المستقبل
لمَ لا... مصر تبشرنا بأننا شعب. وتنذر الحكام العرب برمتهم، بأنهم إلى قفص الاتهام... ذاهبون.
(5/8/2011)