eKtab
EN ع
مشاهد من عالم القهر
اقرأ عينة مجانية

مشاهد من عالم القهر

بقلم د. مأمون فريز جرار

صفحة 1
مشاهد من عالم القهر
 
(1)
 
أشرق في عتمة هذا اللّيل المُظلمْ
 
واهتف: إني مسلمْ
 
أشرق في هذا الزمن المتخم بالأحزانْ
 
والموت المجّانيّ وأغلال السجّانْ
 
والمسخ الإجباريّ لتكوين الإنسانْ
 
زمن الإحصاء لطَيْف الفكر ووسوسة الشيطانْ
 
زمن الجاسوس اللاّهث خلفك في كل مكانْ
 
أشرق في عتمة هذا الليل المظلمْ
 
واهتف: إني مسلمْ
 
(2)
 
الجوّ كئيب هذا اليومْ!
 
الشمس هي الشمس ولكن.. في نفسي بعض الغيمْ!!
 
هذا شرطيّ يقبل نحوي..
 
يسحقني هذا الشرطيّ بهاتين العينين
 
"بالقايش" .. "بالبُسطار" المستوردِ
 
بالكلمات السّوقية
 
بالحقد الصّاعد من عينيه كلفح شيطاني
 
بالذل الكامل في عينيه يطل عليّ..
 
- من أنت؟
 
- أنا؟!!
صفحة 2
- لم يخطر قط ببالي.. أن أسأل نفسي!
 
هات المرآة.. أنا؟!
 
أنكر نفسي..!!
 
وأحسّ بصفعٍ.. ركلٍ.. سيلٍ
 
من تلك الألفاظ السوقيّة
 
ويطل عليّ شعار الحرّية
 
مرفوعاً فوق بيوت الأمن السرّية!!
 
وأنا بين اليقظة والغيبوبة
 
أسمع صوت هديرٍ من عُمق الأعماق
 
يتنامى الصوتُ.. يطلّ الموتُ..
 
يعمّ الرعبُ.. يلوح الغيبُ
 
يتفجّر من بين الأنقاض البشريّة
 
إنسان مكتمل القَسَماتْ
 
يتحصّن باسم الله.. يناجي في الآفاقْ:
 
يا مسلمُ! هذا العصر زمانكْ
 
فالبس أكفانك
 
وأطل على هذا البشَر المقهورْ
 
الغارق في ليل الديجورْ
 
أشرق في عتمة هذا الليل المظلمْ
 
واهتف: إني مسلمْ
صفحة 3
(3)
 
أتأمل خارطة الوطن العربيّ
 
مشوّهة هذي الخارطة العربيّهْ
 
مكتوبٌ بحروف سوداءْ
 
لا يُسمح بالتّجوال عليها.. إلاّ للغرباءْ!
 
وأمرّ بكفي في حذرٍ
 
فوق الخارطة العربيّة
 
وأحسّ دماملَ حقدٍ في كلّ الأرجاءْ
 
وأرى أصناماً بشريّة
 
وشعوباً يقتلها الإعياءْ!
 
(4)
 
وأمرّ بكفّي فوق القدسْ
 
ما زال المنبر مشتعلاً
 
ما زال دخان المسجد ممتدّاً
 
عبر الآفاق العربيّة
 
وهتاف فتاةٍ قدسيّة:
 
- وا معتصاه!
 
- وا إسلاماه!
 
سيُبَحُّ الصوتُ الهاتفُ
صفحة 4
فالآذان العربيّة
 
ملأتها أوحال الأحقاد الشخصيّة
 
وحديث الأرض المحتلّةْ
 
ما عاد يثير شجون القلب
 
ولا يجتثّ رؤانا الورديّة!!
 
عفوَ الأطفال المحترفين تحدّي القهرِ
 
عُراة الصدرْ
 
إلا بعصي وحجارة
 
عفوَ الروّاد المحترقينْ
 
في نار المعتقلاتْ
 
المنتظرين شروق الفجر
 
ويومَ النصرْ
 
(6)
 
أتجوّل عبر أزقّة بيت المقدس
 
أُبصر فوق البيت ملاكاً محزوناً
 
أتتبّع آثار الفاروق على صفحات الصخر
 
وأشمّ تراب صلاح الدين
 
يُبصرني جندي عبريّ
 
ويُصوب نحوي مِدفعه الهمجيّ
 
- وا إسلاماه... وا إسلاماه
 
يتدافع صوت في الآفاق
 
يسّاقط ناراً فوق وجوه الدجالين
 
ويمدّ الجسر ليعبر جيش المقهورين
 
.. وسمعت نداء دم الشهداء
 
أشرق في عتمة هذا الليل المظلمْ
 
واهتف: إني مسلمْ
 
الشارقة 1980
صفحة 5
رجاء
 
إنّا عبيد الله يا إخوتي
 
فليفعل الله بنا ما يشاءُْ
 
نخوض بحر الخوف والمحنةِ
 
ونربط القلبَ بحبل الرجاءْ
 
1968
صفحة 6
مشاهد من عالم الفناء
 
لا ترثوا من مات شهيداً
 
وارثوا من يحيا في الذلّة
 
أشباح تخلُف أشباحاً
 
ودموع في عيني طفلة
 
ورصاص يخترق الأضلاع
 
ورعد يهدُر في الأسماع
 
وجرح ينزف لا يهدأ
 
والدنيا مازالت دنيا!
 
...
 
نبكي.. يا ضيعة من يبكي
 
نبكي.. يا ضيعة من يدمع
 
نبكي.. يا ضيعة من يَنْدُب
 
من مات إلى الله سيمضي
 
ويغرّد في الكون الأرحب
 
ويطل على الدنيا ويقول:
 
يا ليت الأمة أن تسمع
 
الموت حياة لا موتٌ
 
والعيش هو الموت الأكبر!
صفحة 7
- لو مات الموت..
 
ماذا ستكون الدنيا؟
 
- ستكون الدنيا غابة
 
الموت يصولْ
 
الموت يجولْ
 
و (شواهد) من ماتوا تصرُخْ..
 
والدنيا ما زالت غابة!
 
...
 
أتمنى لو لم أخلق
 
أتمنى لو كتب تراباً
 
أتمنى لو كنت يبابا
 
أتمنى لو كنت هباء
 
قالت لي الجدة يوماً:
 
أتمنى لو لم أُخْلَق!
 
أتمنى لو لم (أعلق)!
 
...
 
قلت لشيخ قد بلغ التسعين
 
أشبعت من الدنيا؟
 
بهت الشيخ وقال:
 
ما زلت صبيّا
صفحة 8
لم أبلغ عقداً أو عقدين
 
مازال القلب غنيّا
 
ما زال النبع غزيراً
 
قلت: أتاك الموت!
 
ضج الشيخ ودبت في يده رجفة:
 
لا سمح الله... لا سمح الله
 
في العمر بقية.. في العمر بقية!
 
ورجعت لنفسي أسألها
 
ماذا تبغين من الدنيا
 
الحُسْن سيذوى
 
والمال سيفنى
 
والجسم ستأكله الديدان!
 
قالت: أبغي كأس سعادة
 
أن أرتاح من الآلام
 
وأفرَّ من الأوهام
 
وأعيش هنيّة!
 
قلت لنفسي:
 
العمر ثوانٍ معدودة!
 
والكأس أراها مسمومة
 
والموتُ! الموتُ أمامكِ بالمرصاد
 
ينتظر الساعة واللحظة
 
ليخرّ شهابْ!
 
وتذوب شموعْ
 
وتسحّ دموْع!
 
3/9/1969
صفحة 9
سباق مع الطوفان
 
في أعين النجوم رعشة دفينةْ
 
تثقب وجه الليلْ
 
تبحث عن مرافئ السكينةْ
 
تنام فوق جبهةٍ معروقةٍ
 
أرهقها السهرْ
 
وفي المدى وقع خطى ثقيلةْ
 
وضجّة تحملها سفينة الرياحْ
 
تُبحر في المفاوز المجهولةْ
 
تبحثُ عن مغارة أو ملجأ
 
أو سبب إلى السماءْ
 
والجبل الراقد في المنبطح الفسيحْ
 
يحمل في جنبيه ثورة العواصفْ
 
ولعنة الأقدارْ
 
تقذف جيلاً كاملاً
 
في غير ما قرارْ
 
وعند باب الأفقْ
صفحة 10
تجمهرت سحائب داميةٌ الوجوه
 
مثقلة بِحملها
 
تبحث عن مرابع ظماءْ
 
مزّق وجهها الهشيمُ والحصى
 
وغابت الخضرةُ عن عيونها
 
...
 
وأنتِ يا جزيرتي الصغيرة
 
تموج من حولكِ أمواج المحيطْ
 
وليس من سفينة
 
أو جبل نأوي إلى قمّته الأمينةْ
 
وليس في رجالنا من يصنع السفينةْ
 
وشيخنا الكبير نوحْ
 
غاب ولم يعدْ
 
ونحن والطوفان في سباقْ
 
عمان 15/9/1970