eKtab
EN ع
مشكلة التقدم بين السنن الكونية والسنن القرآنية
اقرأ عينة مجانية

مشكلة التقدم بين السنن الكونية والسنن القرآنية

بقلم عبد الحليم عبد الفتاح محمد عويس

صفحة 1
تقديم
 
المستشار عبد الله العقيل
 
الدكتور عبد الحليم عويس عالم في التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، وفي العلوم الإسلامية، وله مشاركات في التأليف في جوانب شتى من هذه العلوم.
 
والدكتور عبد الحليم عويس ليس أسير (الأكاديمية) الجامدة التي تجعل هم بعض أساتذة الجامعات (إجراء) بعض البحوث التي ينالون بها الألقاب الجامعية في سلّم الترقي الأكاديمي، بل هو إلى جانب (الشخصية الأكاديمية) له شخصية الداعية، وقد جاب التاريخ الإسلامي باحثاً منقباً عن عوامل الضعف والقوة فيه، إحدى عينيه على ذلك التاريخ، والعين الأخرى على الواقع الذي يعيشه المسلمون، ونجده وقد قدم (دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية) يشغله (المسلمون في معركة البقاء) ويقدم (ثوابت ضرورية في فقه الصحوة الإسلامية) ويفكر في وضع المسلمين الذين يواجهون مشكلات كثيرة تهدد وجودهم فيكتب (المسلمون في معركة البقاء) ولا يقف في تطلعه على الماضي وحده أو الواقع وحده بل يرنو إلى المستقبل ويسجل (كتابات على بوابة المستقبل الإسلامي).
 
وكما يشغله حال المسلمين ماضياً وحاضراً ومستقبلاً ينظر إلى أبناء المسلمين براعم ناشئة وأطفالاً وفتياناً فيقدم لهم العقيدة الإسلامية وأخلاق المسلم والمواقف الإسلامية الرائعة، والسيرة النبوية، وتفسير القرآن الكريم .
 
ولا ينسى أن يكتب عن علماء هذه الأمة ورموز وعيها قديماً وحديثاً، فيكتب عن ابن حزم والشيخ محمد الغزالي وبديع الزمان النورسي.
 
وها هو في هذا الكتاب في هذا الكتاب "مشكلة التقدم بين السنن الكونية والسنن القرآنية" يقدم لنا خلاصة تفكيره، وثمرة ثقافته، ونتائج دراسته الطويلة العريضة لتاريخ المسلمين وواقعهم، ويأتي ذلك بعد (الربيع العربي) الذي كان من نتائجه حتى لحظة تأليف الكتاب تغير نظام الحكم في بلدين عربيين (مصر، وتونس)، وقد كان لهذا الحراك أثر في تحقيق ما كان يتطلع إليه د. عبد الحليم عويس من انتقال الأمة من (القابلية للذل) إلى تحقيق العزة، ومن (القابلية للاستعمار) إلى التحرر من قيوده وآثاره التي ما برحت موجودة في عهد (الاستقلال).
 
والدكتور عبد الحليم عويس يمضي بنا في هذا الكتاب في رحلة تشخص الواقع، وتربط الحاضر بالماضي، وهو متسلح بالوعي والأمل بما تملكه هذه الأمة من قدرات وطاقات، وبما لها من دور في مسيرة البشرية، وما لديها من وعود ربانية بالعز والتمكين، ولكن ذلك لا يحجب عنه واقع الأمة وما فيه من عوامل التخلف التي يحسن تشخيصها، ويحسن وصف الدواء لها، مستعينا بالنظر في تجارب الأمم الأخرى واضعا يده على نقاط خلل في (مفاهيم) يجب أن تغير، وفي ضرورة دراسة التاريخ واستخلاص العبر منه، ودراسة مصادرنا الإسلامية دراسة سننية حضارية.
 
هذا الكتاب القيم هو حلقة مضيئة في سلسلة الدراسات التي بدأت منذ زمن باحثة عن طريق نهضة الأمة وإقلاعها الحضاري نحو مستقبل تتخلص فيه من عوامل الضعف والتشتت، وتكسر فيه القيود التي تكبلها وتمنعها من القيام بدورها في مسيرة البشرية.
 
إن ما قدمه الدكتور عبد الحليم عويس من جهود فكرية ودعوية جعلته أهلا لأن يكرّم في السودان فيمنح (وسام العلم والأدب والفنون الذهبي).
 
نسأل الله أن يتقبل منه علمه وصالح عمله، وأن يمتعه بالصحة والعافية.
صفحة 2
بين يدي البحث
 
عندما يُصاب الإنسان باليأس يحكم على نفسه بالموت.. وهكذا الحضارات... ولهذا جعل القرآن اليأس كفراً.. قال تعالى: ﭽﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥﭼ ( ).
 
وبالأمل ينمو الإنسان وتزدهر الحضارة.
 
لقد قالها الرسول في وجه عمه أبي طالب: "يا عم: والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه"( ).
 
معلناً الأمل مهما تكن الظروف.
 
أليس هو القائل: » إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لاَ يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ »( ).
 
إن شمس الإسلام قد بزغت من جديد بعد أن انقشعت جحافل الظلام.
 
إن (الظاهرة القرآنية) تحركت مع (الظاهرة الكونية) في طريقهما إلى (كوكب المثالية)، إنها (الدورة الخالدة) التي ضمنت بقاء الحق إلى آخر أيام الدنيا، وقد ظهر الإنسان الجديد الذي استطاع أن يتخلص من (القابلية للاستعمار)، وقد دخلت الفكرة الإسلامية كمركب في تركيب عناصر التاريخ، ولم تعد بعيدة عن الفعل والبناء.
 
فافعل يا أخي شيئاً.. كن صانعاً للأشياء ولا تعبد الأشياء ..
 
ابذر يا أخي الزارع من أجل أن تذهب بذورك بعيداً عن حقلك في الخطوط التي تتناءى عنك .. في عمق المستقبل.
 
غنِّ يا أخي الزارع، ورتّل القرآن ترتيلاً بصوتك الجميل.. حتى تتناغم مع الجبال والطيور.
 
وليدوِّ غناؤك البهيج. كما دوّى من قبل غناء الأنبياء في فجر آخر.. في الساعات التي ولدت فيها الحضارات( )..( ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ) ( ).
 
***
 
إن (شروط النهضة) هي الشروط التأسيسية، "وإن الظاهرة القرآنية" هي الضابط العقلاني للقيم الغيبية المحركة للبواعث في فعالية الأداء.
 
فالنار والضوء كانا دائماً شعار الرسالة في المنعطفات الكبرى للإنسانية: موسى إذ آنس جذوة نار؛ اتخذ نحوها سبيله وحيداً في ليل الوثنية مطلقاً
 
صرخة... ( )"
صفحة 3
وعندما تلقَّى موسى (الكلمة) حوَّلها إلى (فعل) بأمر الله مع كل الأخطار المحيطة به... (ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ *ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ) ( ).
 
وهكذا لا قيمة (للفكرة) ما لم تتحول إلى (فعل) و(رسالة)، وقد فطن الاستعمار لهذا فعمد إلى إماتة الأفكار الإسلامية أو تحنيطها على الأقل.
 
وحتى القرآن أصبح مجرد الحفظ هو الغاية وأصبحت الجوائز تعطى للحافظين لا للفاهمين ولا المتدبِّرين ولا العاملين، مع أن القرآن حذّرنا من هذا المنهج وقال (ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ)( ) وحدَّد وظيفة القرآن فقال تعالى: (ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ)( ).
 
ومن هنا أورثت حركة تعطيل الاستعمار للأفكار الصانعة للتقدم والحضارة- البديل الاستهلاكي الاستيرادي، وهو المنتجات الحضارية لعالم أوربا في اتصاله بعالمنا الإسلامي .. فأوردت هذه مشكلتين أساسيتين:
 
1- مشكلة تكديس الصيغ الفكرية المبنية على تداعي الأفكار، أي الصورة ونقيضها كحل لها في الإطار الكمِّي، كمشكلة الفقر والجهل والمرض وعلاجها الغنى والعلم؛ دون اعتبار لمظاهر ضعف وحدة الأداء الاجتماعي وتخلفها.
 
2- مشكلة تقديس المنتجات الحضارية المستوردة من الغرب، بحيث أصبحنا سوقاً افتقد ثقافة إنتاج حاجاته وترتيب أولوياتها، وهكذا غابت كل خطة مبنية على المسوغات التي تنتمي إلى ما يسمى (الكفاءة الاجتماعية) ومحورها الإنسان.
 
• أتُرانا نستطيع أن نقدم بهذه الرؤية قضية (التقدم) مصطلحاً (إنسانياً) و(إسلامياً) يتسابق العالم إلى الفوز فيه بالريادة والقيادة الإنسانية الجامعة بين ما هو قاسم مشترك وما هو أدخل في الخصوصية والهوية؟!!
 
• اللهم إني قد بذلت الجهد، فمنك التوفيق والتيسير، ومني الجهد والتقصير، والحمد لله رب العالمين.
 
أ. د عبد الحليم عويس
 
القاهرة 13جماد أول 1431هـ
 
16أبريل2011م
صفحة 4
مصطلح التقدم
 
مصطلح التقدم: بين النسبية والموضوعية
 
كلمة التقدم كلمة توجد في كل اللغات بمفاهيم مختلفة، وربما أضفى نوع التقدم في كل بلد ظلاله عليه؛ فعندما تُذكر كلمة التقدم مقترنة بالحضارة الإسلامية تأتي صورة الرسول  الماثلة في قلب كل مسلم وصورة الخلفاء الراشدين يتقدمهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي (رضي الله عنهم).
 
ثم تـأتي صورة كبار الفاتحين أمثال الأبطال: خالد بن الوليد، وعمرو ابن العاص، والمثنى بن حارثة، وأبي عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص (رضي الله عنهم)، إلى أن يصل الأمر إلى عقبة بن نافع وأبي المهاجر دينار وموسى بن نصير، وطارق بن زياد، وألب أرسلان السلجوقي بطل ملاذكرد التي انتصر فيها بخمسة عشر ألف جندي على 300 ألف جندي من جنود الدولة الرومانية البيزنطية، ثم عماد الدين زنكي ونور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي بطل حطين، ومحمد الفاتح الذي قضى على الدولة البيزنطية وتأتي أيضاً صورة ابن النفيس، وابن الهيثم، والبيروني، وابن سينا.
 
* * *
 
وعندما يذكر التقدم في الحضارة الأوربية التي تُعطي نفسها مركزية عنصرية لا تستحقها، يأتي إلى الوعي فلاسفة اليونان الكبار مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو وتظهر صورة أبطالها الكبار مثل شارل مارتل وريتشارد قلب الأسد والمجرم الأحمق أرناط، ورومِل ونابليون بونابرت، وماتزيني قاتل عمر المختار وغيرهم.
 
بالإضافة إلى نيوتن وهلين كيلر وأينشتين، وفرويد وفولتير وجان جاك روسو وماركس وأنجلز وهيجل.
 
ذلك لأن التقدم في ميزان الحضارة الأوربية يقوم على ما سماه فيلسوفها الكبير اشبنجلر صاحب كتاب (هكذا تكلم زرادشت) وصاحب نظرية فلسفة القوة.
 
إنها حضارة تؤمن بالقوة فوق الحق، وبالمصلحة النفعية (البرجماتيزم) فوق مصلحة الإنسانية، ولا تؤمن إلا بنفسها، ولا تعمل إلا لتكون هي الأولى والمركز في العالم، وهي تدير التاريخ حول مراحل تقدمها وتخلفها. فالعصر الروماني يبدأ قبل الميلاد وينتهي في القرن السادس الميلادي، والعصور الوسطى هي العصور التي تسلطت فيها الكنيسة والإقطاع على عقول الناس، فحرَّموا قراءة الكتاب المقدس وفهمه، فلا يفكر فيه إلا اللاهوتيون (وهي من القرن السادس حتى القرن السادس عشر الميلادي). ثم العصر الحديث ويبدأ من القرن السادس عشر حتى ما بعد القرن العشرين.
صفحة 5
وهذا التقسيم على العكس من تقسيم التاريخ الإسلامي الذي يتألق في القرون العشرة الوسيطة التي تبدأ من القرن السابع الميلادي وتنتهي في القرن السابع عشر الميلادي، ففي هذه القرون العشرة كما يقول (ول ديورانت) كان المسلمون هم أساتذة العالم بلا منازع.. ومع ذلك تتجاهل الحضارة الأوربية أستاذية المسلمين هذه.
 
ومع بداية القرن الثامن عشر بدأ المسلمون ينامون، وكان الأوربيون قد اقتبسوا حضارتهم الإسلامية من خلال معايشتهم للمسلمين في الأندلس قريباً من ثمانية قرون، وفي الحروب الصليبية لأكثر من قرنين، ومن حركة التجارة العالمية، ومن جزر البحر الأبيض المتوسط مثل صقلية ورودس وكريت وغيرها.
 
* * *
 
ويبقى بعد ذلك أنه لابد من وجود إطار موضوعي لمصطلح التقدم ينتظم الحضارات كلها، من فوق كل هذه الأطر الذاتية؛ اعتماداً على القواسم المشتركة ومقومات التقدم العامة وشروط النهضة.
 
ومن الصعب أن يقوم تقدم بدون وجود فكر أو عقيدة أو هدف مستقبلي يلتقي حوله الناس سواء أكانت هذه الفكرة أو العقيدة حقاً أم باطلاً.
 
ومع التطور وقيام النهضة المادية أو الروحية أو هما معاً، يقع التمحيص الذي وضعه الله في فطرة الكون، والوارد في قوله تعالى: (ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ)( ). وبالتالي تبقى وتزدهر الحضارة حتى وإن تعرضت لبعض فترات الضعف، تلك الحضارة القائمة على الحق، بينما تسقط في أول اختبار الحضارة القائمة على الباطل.
 
فالعقيدة هي الركن الأول لتحقيق التقدم، والإنسان هو الركن الثاني والمركزي الضروري لعملية التقدم. وتأتي الأرض أو المساحة الترابية والجغرافية الكافية لإقامة الزراعة والتصنيع والتجارة وغيرها من نشاطات الحياة هي الركن الثالث، ويأتي الزمن الذي يساوي عمر الإنسان هو الروح التي تمشي في كل ذلك؛ فلا إبداع ولا حضارة بدون زمن.
 
وكل هذه المنظومة تتجه إلى الهدف المنشود لتحقيقه، وهو أن تبني تقدماً لائقاً بإنسانية الإنسان، لا نقول إنه تقدم معصوم من الزلل أو الخطأ، فليس هذا من طبيعة البشر، كما أن سنن الله الكونية والاجتماعية تتحمل في الإنسان نسبة محدودة من السلبية والخطأ والمرض ليستمر التقدم فاعلاً وإيجابياً.
صفحة 6
إننا لا نقول بما يقول به ابن خلدون عندما يتكلم عن (الدولة) فيقول: إن الحضارة كالكائن الحي. وقد يكون كلامه كلاماً صحيحاً فيما يتصل (بالدولة). التي عكف على تشريحها بالنسبة إلى الحضارة لا سيما (الحضارة الإسلامية) فيمكن أن تضعف ثم تتقدم، ويمكن أن تُصلح أخطاءها وتستفيد من المنتصرين عليها، وأن تفرض نفسها عليهم، كما فعلت الحضارة الإسلامية مع المغول التتار الذين أصبحوا من خيرة جند الإسلام، ومنهم تفرع العثمانيون الذين حموا الحضارة الإسلامية خمسة قرون.
 
* * *
 
• والموضوعية في التعامل مع مصطلح التقدم ليست كلمة هائمة، فنحن كما حاولنا إيضاح مفهوم التقدم، فنحدد الآن مفهومنا للموضوعية التي يجب أن تقترن بالتقدم.
 
وكما تحدثنا عن مفهوم التقدم بظلاله المتباينة عالمياً نتكلم بشيء من الإيجاز عن مفهوم الموضوعية، وبإمكاننا أن نتعرف على الموضوعية عندما نذكر خصائص التفكير غير الموضوعي الذي يلاحظ فيه تمحور كثير من المسلمين حول الأشخاص لا حول الأفكار، وبروز التطرف في حالتي الحب والكره، وادعاء احتكار الحقيقة المطلقة مع غياب آداب الحوار، وبروز لغة الاتهام وحضور نظريات التفسير التآمري بقوة، وادعاء المعرفة بكل شيء، والجرأة الشديدة في إطلاق الفتاوى في كافة مجالات الحياة، وبروز الاتهام للآخر وغياب النقد الذاتي، وضعف ثقافة المراجعة، وعدم احترام التخصصات الفردية والجماعية، والحرص على الانغلاق على الذات وعدم الاستفادة من خبرات المجتمعات الأخرى، والخلط بين التفاعل الحضاري والغزو الثقافي، والميل إلى التعميم في إطلاق الأحكام.
 
وعلى العكس من الفكر اللاموضوعي قدم لنا الإسلام من خلال ما يمتلكه من قدرة في مجال العدل وما يمتلكه من قدرة ذاتية بصورة عامة، مع حضور رائع في مجال الالتزام بقيم الموضوعية فكراً وخلقاً، قدم لنا إطاراً محدداً، تمثل واقعياً في الأجيال الأولى التي تحلت بأخلاق الموضوعية، وعُرفت بالانحياز إلى القيم المُعلية للعقل والتخصص العلمي والاعتدال في عواطف الحب والكره، وعدم ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، مع احترام (الآخر) ومحاورته بالتي هي أحسن، وتغليب مفردات النقد الذاتي والتواضع وامتلاك شجاعة الاعتراف بالجهل، وإعلاء شأن التخصصات العلمية، والانطلاق في المواقف والأحكام من قاعدة النسبية بعيداً عن التعميم( ).
صفحة 7
مصطلح التقدم في الإسلام
 
يرى فهمي جدعان أن مصطلح التقدم هو نقل حرفي لكلمة progres، الفرنسية وقرينتها الإنجليزية والألمانية، وأنه ليس هو المصطلح الأكثر استخداما عندهم، إذ ثمة مصطلحات أخرى مكافئة له تماماً مثل مصطلح الترقي الذي نجده أوسع انتشاراً حتى فترة ما بين الحربين الكونيتين في القرن العشرين، ومصطلح التمدن الذي يشير في أغلب الأحيان إلى ما يعبر عنه اليوم مصطلح الحضارة، لكنه يشير في بعض الأحيان إلى عين ما يفهم من "التقدم" حين يجرد من حتمية الحركة الغائية نحو الأفضل( ).
 
وجدير بالذكر أن الطابع الأخلاقي المعياري لمفهوم التقدم يعني قبل كل شيء ما هو مرغوب فيه أو ما هو الأفضل والأصلح أو ما هو المثالي الذي يرجى تحقيقه في المستقبل القريب أو البعيد، ومع ذلك فإن نسبية هذا المفهوم تتطور بصورة طبيعية عن طابعه القيمي الأخلاقي.
 
لكن الإسلام يقدم طريقاً آخر لمصطلح التقدم – بداية ومفهومًا- بعيدًا عن النسبية المتقلبة، فهو خاتم كلمات الله إلى الأرض (معرفة دينية ومنهجية للحياة) وهو خلاصة أثر السماء في الوجود، وفي الفعل والتقدم إلى الأمام، هو أيضًا ـ وبنفس القدر ـ حركة راجعة إلى البداية أو الأصل؛ لأن الحنيفية الإبراهيمية هي الأصل النقي الخالص للوحي، وما حدث في الحقبة الزمنية الإنسانية التي تفصل الحنيفية عن الإسلام مما يبدو "تقدمًا" هو في حقيقة الأمر تراجع حقيقي.
 
وقد اتخذ هذا التراجع أشكالاً عدة في اليهودية وفي خرقها للميثاق، وفي المسيحية وتأليهها للإنسان، أو تأنيسها لله، أو في الديانات الطبيعية السادرة في غيِّها الممعنة في التنكر لرسالات السماء، في التنكب عن طريق النور( ).
 
فالتقدم في الإسلام يبدأ من الحنيفية الإبراهيمية، ويمتد في حركة غير مستقيمة متعرِّجة – قريبًا من الأنبياء أو بعيدًا عنهم لتصل إلى خاتم الأنبياء محمد عليه السلام سنة 571م( ).
 
لقد بدأت الأمة الإسلامية تستيقظ من نومها، وتشعر بأنها أمة متخلفة، وأن الماضي لا يغني عنها شيئاً؛ إلا إذا جاهدت في بعثه بأسلوب عصري جديد.
 
ولقد بدأت الأمة تشعر بالقلق والتوتر مع الأزمة الحضارية التي وجدت نفسها فيها منذ قرنين على الأقل، وكان من نتيجة هذا أن ظهر في هذين القرنين مصلحون كثيرون؛ اعتمدوا على محاولات الإصلاح التي قام بها المصلحون الأوائل وعلى رأسهم: الإمام على بن أحمد بن حزم (ت 456هـ) وشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية (728 هـ) والعلامة بن خلدون (ت 808هـ) ( ).
صفحة 8
وعلى خطى هؤلاء ظهرت في العصر الحديث محاولة الشيخ محمد ابن عبد الوهاب (1115 – 1206هـ) إحياء فكر ابن تيمية، وحركة محمد بن علي السنوسي في ليبيا (ت 1859م) وحركة المهدي في السودان (ت 1885م) وحركة عبد الحميد بن باديس في الجزائر (ت1940م). الإسلامية الإصلاحية التي أسست لجهاد الجزائر واستقلالها الذي تحقق عام 1962م، ومنها إصلاحات سلاطين آل عثمان المدنية والعسكرية بدءًا بالسلطان سليم الثالث (1897م) وانتهاء بالسلطان عبد الحميد الثاني (ت1918م) وحركة جمال الدين الأفغاني (ت1897م) الإصلاحية الفكرية السياسية، ومدرسة محمد عبده (ت1905م) في الإصلاح الديني والثقافي.
 
ثم ظهرت الحركة الإصلاحية للإمام حسن البنا (ت1949م) التي انتشرت في مصر والبلاد العربية، إلى جانب سلسلة طويلة من المفكرين والإصلاحيين منهم: الشيخ ولي الله الدهلوي (1763م) والعلامة محمد إقبال (1938م) وخير الدين التونسي (ت1890م) وعبد الرحمن الكواكبي (ت1902م) ومحمد رشيد رضا (ت1935م) وسيد قطب (ت 1966م) ومالك بن نبي (ت 1973م) وغيرهم ...
 
* * *
 
ومع هذه الصحوة لا يزال المسلمون كالنائم الذي استيقظ بعد مروره بفترة تيه وغيبوبة، ولقد سبق أن قارن جمال الدين الأفغاني بين حال المسلمين وحال المسيحيين في أواخر القرن الماضي ليرى السبب في ضعف الأولين وتقدم الآخرين، فوجد أن أهل المسيحية قد حوَّلوها عن أصولها الأولى، من الوجهة العملية، فبعد أن كانت ديانتهم ديانة زهد وتنسك وانصراف عن الدنيا وندم وحسرة على الخطيئة الأولى التي أخرجت آدم من الجنة؛ إذ بهم يرفضون المسيحية عمليًا، ويسخِّرون الدين من أجل الدنيا، ويقدمون أمور دنياهم على أخراهم.
 
وعلى الجانب الآخر؛ ذهب المسلمون في انحدارهم؛ يتقبلون صاغرين كل قانون ولو كان مخالفًا لشريعتهم، ويتسابقون إلى الاعتراف بسلطان من ليس على دينهم، وليس أدل على أن المسلمين خسروا دينهم ودنياهم ـ على حد تعبير جمال الدين مما نراه من تضاد بين صفاتهم وصفات أسلافهم "فنحن لا نحفظ عهدًا ولا نفي بوعدٍ".
صفحة 9
إن ما نزل بالمسلمين فيما مضى يرجع في الأغلب إلى تشويه إحدى العقائد الإسلامية، ونعني بها عقيدة القضاء والقدر؛ حيث تعاملوا مع تخلفهم على أنه قدر الله لهم، وبقدر عجزهم عن النهوض بأنفسهم، ونفورهم من التضحية من أجل الآخرين؛ تراهم يجعلون بأسهم بينهم، فلا رفق ولا هوادة في الخصومة، والرغبة في الثأر بحق أو بغير حق( ).
 
ومع ذلك فقد كان من ثمرات هذه اليقظة بروز بعض المفاهيم الحضارية، منها:-
 
• أن النهضة لا تأتي دون جهد، وإنما تنبعث من أعماق الأمة، ويجب أن تصنع بأيدي أبنائها.
 
• الشعور بضرورة مقاومة النظام الاستبدادي وما صحبه من انقسام المسلمين إلى فرق ومذاهب دينية متناحرة.
 
• مقاومة نوع غريب من التصوف جاءتهم عناصره من الغرب والشرق على حد سواء فحجب عنهم عقيدة التوحيد واتجه بهم نحو لون من الشرك الخفي أو الصريح.
 
• وشعورهم بأنهم لم يعودوا ممثلي الحضارة الإنسانية. وأن هذا وضع يجب أن ينتهي.
 
وفي ظل هذا بدأ الزحف الأوربي يبطِّئ من سيره ثم ينحسر بعد أن ظهرت ثمرة الجهود التي بذلها كبار المصلحين، من أمثال ذلك الحركة الوهابية، وقد عرفت الحركة الإصلاحية أنها تسير في الاتجاه الصحيح؛ لأنها ليست قاصرة، وظهرت بين المسلمين الرابطة الإسلامية التي بدأت تتأكد من جديد بين المسلمين في مختلف بقاع الأرض( ).
 
لقد كادت هذه الرابطة تنفصم عراها بسبب ضروب الاستبداد السياسي والروحي التي استسلم لها المسلمون، منذ أن غابت عن قلوبهم الأصول الدينية الأولى التي حجبها جدل الفقهاء في العقائد، وتعنتهم وتشددهم وغلوهم في الفروع (الفقه) والتي صمَّت آذانهم عن سماع نداء الشريعة بسبب صخب الدفوف والمزامير في حلقات أهل التصوف.
 
ومن أول هذه الأمراض أن كثيراً من المسلمين يغررون بأنفسهم، فيذكرون ماضيهم الذي لم يصنعوه بأيديهم، لكي ينسوا حاضرهم الذي يتبرؤون منه.
 
وقديماً ضاق الأفغاني بغرورهم، فقال لمن يحدثه عن عبور العرب للمحيط الأطلسي وكشفهم لأمريكا قبل الأوروبين: "إن المسلمين أصبحوا كما قال لهم الإسلام: كونوا بني آدم فأجابوه إن آباءنا كانوا كذا وكذا، وعاشوا في خيال ما فعل آباؤهم، غير مفكرين بأن ما كان عليه آباؤهم من الرفعة لا ينفي ما هم عليه من الخمول والضعة( ).
صفحة 10
ويعد الفقر ثمرة من ثمرات خمولهم واعتمادهم على الماضي، فبلاد المسلمين قد عمها الفقر، وشملها البؤس، وغلب على أهلها ملوك مستبدون يتخذون أعوانهم وبطانتهم إما من رجال أجانب أو من قوم زعموا أنهم قوَّامون على الناس في عقائدهم وخلجات نفوسهم؛ فاجتمع الفقر مع الاستبداد وسطوة الكهنوت على قوم من البؤساء، ففسدت عقولهم وشُوِّهت أخلاقهم، واندثر ما قد عسى أن يكون قد بقي في نفوسهم من أثر للعزة والنخوة( ).
 
ولكي يبحر المسلمون إلى المستقبل كما ينبغي؛ عليهم أن يعقدوا العزم على حصر سلبيات وأمراض الماضي والتخلص منها تمهيداً للانطلاق.
 
ويقول أستاذنا الدكتور محمود قاسم: إن للفقر في البلاد الإسلامية حليفاً ليس أقل منه خطراً وقهراً، وهو (الجهل)، فالعلوم الحديثة لم تطرق دور الدراسة إلا بعد جهد وصراع طويلين، وإلا بعد مقاومة علماء الدين الذين يحرصون عادة على إبقاء القديم على قدمه؛ إما خوفاً على نفوذهم أن ينحسر عن أفئدة العامة، وإما طمعاً في التقرب إلى الحكام المستبدين الذين يحسبون أن سلطانهم لا يستقر ولا يزدهر إلا بفضل الجهالة الشاملة( ).
 
ولقد ظن المسلمون في عصور تدهورهم أن الحجاب معناه (حرمان نصف المجتمع) أو أكثر من نصفه، من حقوقه الاجتماعية والروحية والعقلية واعتقدوا أن صلاح حالهم إنما يكون بأن تعامل المرأة معاملة الرقيق، وأن يُضيَّق عليها الخناق حتى يُؤمن شرها وكيدها.
 
ويظن الرجال أن هذا السجن (شريعة إلهية)، وأن (جهل النساء ضمان لعفتهن)؛ في حين أن عدم تعليمهن أدعى إلى فجورهن. وقد نسي هؤلاء أن النساء المسلمات في عصر القوة لم يكنّ سجينات دورهن؛ بل كان منهن العالمات والشاعرات، وكن يسهمن في الحياة العامة أكبر إسهام؛ يحرضن على القتال ويفتين أخواتهن في أمور دينهن.
 
• إن ابتعاد المسلمين عن المنطلق الإسلامي لنهضتهم هو الذي أوقع بهم في القرون الأخيرة.. فالمنطلق القرآني يركز على العوامل الداخلية التي تعيش في داخل الفرد والمجتمع.. إن القرآن يضع أيدينا على المنطلق الوحيد الداخلي للتقدم في قوله تعالى: (ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ) الرعد: ١١ وأيضًا: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣﭼ الأنفال: ٥٣.