صفحة 1
المقدمة
يعتبر الاستفتاء الشعبي من روافد الديمقراطية بصفة عامة ووسيلة من وسائل مشاركة الشعب في الحكم، وتعني الديمقراطية أن يتولى الشعب حكم نفسه بنفسه، سواء بأسلوب مباشر ودون وساطة من أحد، أو من خلال نواب له يختارهم لتولي شؤون الحكم، أو من خلال امتزاج هذين الأسلوبين، وذلك بأن يتولى النواب شؤون الحكم بمشاركة من الشعب نفسه.
وتنقسم الديمقراطية إلى ثلاثة أنظمة هي: الديمقراطية المباشرة، الديمقراطية النيابية، والديمقراطية شبه المباشرة.
ففي نظام الديمقراطية المباشرة كان الشعب يمارس حكم نفسه بنفسه دون وساطة من أحد، حيث يقوم بمناقشة شؤونه العامة ويتخذ القرارات التي يراها مناسبة ومن ضمنها التصويت على مشاريع القوانين، وتعيين القضاة والموظفين، وتصريف الشؤون العامة، وكانت هذه الديمقراطية مطبقة في اليونان القديمة، وخصوصاً في دولة مدينة أثينا في حدود سنة (500 ق.م ) واستمرت حوالي (200 عام ).
شكلت الديمقراطية المباشرة رغم الثغرات التي رافقتها، الصورة المثلى للديمقراطية لأنها تجسّد السيادة الكاملة للشعب، وتؤكد التجارب العملية صعوبة تحقيقها في الوقت الحاضر بعد تطور الدولة وزيادة عدد سكانها، واتساع مساحتها، وتعقد مشاكلها وتنوع وظائفها، الأمر الذي يتطلب الحاجة إلى المختصين والمهنيين المؤهلين لقيادة الدولة وادارة شؤونها، ولا يعني ذلك غياب نظام الديمقراطية المباشرة على الصعيد العالمي، إذ يقتصر تطبيقه في الوقت الحاضر في بعض المقاطعات السويسرية وذلك لقلة سكانها وبساطة مشاكلها.
نظراً لصعوبة تطبيق نظام الديمقراطية المباشرة، للأسباب الآنفة الذكر فقد نشأ نظام آخر من أنظمة الحكم الديمقراطية يدعى الديمقراطية غير المباشرة، حيث يقوم الشعب في هذا النظام بانتخاب ممثلين له لتولي شؤون الحكم، واتخاذ ورسم القرارات نيابة عنه، وأطلق على هذا النظام الديمقراطي غير المباشر (النظام النيابي)، ويسود هذا النظام في العديد من الدول في العالم.
صفحة 2
استحدث نظام أو صورة جديدة من الديمقراطية يطلق عليها: (نظام الديمقراطية شبه المباشرة) وهي مزيج من الديمقراطيتين المباشرة والنيابية، حيث توجد في هذا النظام هيئة نيابية منتخبة تطلق عليها أسماء متعددة منها: مجلس تشريعي أو مجلس الشعب أو مجلس الأمة أو البرلمان...الخ.
وتتولى هذه الهيئة المنتخبة جانباً كبيراً من شؤون الحكم نيابة عن الشعب وباسمه، وفي نفس الوقت يزاول الشعب بنفسه قسطاً معيناً من المشاركة في الحكم، وفي هذا النظام يحتفظ الشعب بسلطة البت في بعض الأمور الهامة رغم وجود البرلمان، بحيث يقوم نوع من التعاون والتكامل بين الشعب وممثليه في ممارسة السلطة وفي المشاركة في الحكم ، دون أن يعني ذلك تعارضاً بين كل منهما.
يعني الاستفتاء الشعبي أخذ رأي الشعب في موضوع ما قد يتعلق بالدستور من حيث تعديله أو الغائه أو الموافقة عليه ويسمى بالإستفتاء الدستوري، أو أخذ رأي الشعب بقانون أو تشريع معين ويسمى حينئذ استفتاء تشريعي، أو أخذ رأي الشعب بموضوع سياسي على قدر كبير من الأهمية سواء بالنسبة للشعب أو كيان الدولة أومصالحهما العليا، ويسمى استفتاء سياسي، أو الاستفتاء على انتخاب رئيس الدولة عندما يكون مرشحاً وحيداً ويعرف بالاستفتاء الشخصي.
عرف نظام الاستفتاء الشعبي في أنظمة الحكم منذ قرون قديمة، فقد عرفه نظام الحكم الاسلامي منذ نشأته وان اقتصر على بعض الفئات، وورد النص عليه في المصادر الأساسية للشريعة الإسلامية وخاصة في القرآن الكريم أو في السنة النبوية الشريفة، سواء بتعبير الاستفتاء أو الإفتاء أو الشورى، وكل هذه التعابير تعني أخذ رأي المسلمين بموضوع معين، من ذلك قوله تعالى في سورة الشورى الآية رقم 38 " والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون". وقوله تعالى في سورة النمل الآية 32 " قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون". ويقول بعض علماء المسلمين في هذا الشأن ومنهم الدكتور مصطفى الرافعي " لم تكن الشورى في بدء الإسلام إلاً نوعاً من الاستفتاء الشعبي".
شهد العصر الاسلامي الأول في عهد النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وفي عهد الخلفاء الراشدين، تطبيقات عديدة لمبدأ الشورى والاستفتاء إمتثالاً لأحكام الشريعة الإسلامية، ومن أبرز هذه التطبيقات: إستشارة الرسول لأصحابه في مصير أسرى الحرب في غزوة بدر، وإسشارة الرسول للمسلمين في أمر الخروج لملاقاة الأعداء في أحد، ومن تطبيقات الشورى أيام الخلافة الراشدة رفض توزيع الأراضي كغنائم بين المقاتلين.
صفحة 3
عرفت سويسرا نظام الاستفتاء الشعبي قبل غيرها من الدول الحديثة، واعتبر بعض فقهاء القانون الدستوري، أن الاستفتاء الشعبي يعد ظاهرة سويسرية لأنه نشأ في سويسرا في القرن الثامن عشر حيث نص الدستور الاتحادي السويسري الصادر في 12 ابريل نيسان سنة 1789 في المادة (106) على الاستفتاء الدستوري، كما نص الدستور السويسري الصادر في 29 مايو أيار 1874 على تنظيم الاستفتاء التشريعي.
شهدت فرنسا الاستفتاء التشريعي في عام 1793 عندما عرضت دستورها الصادر في هذه السنة على الاستفتاء الشعبي ووافق عليه الشعب الفرنسي بأغلبية كبيرة ولكن هذا الدستور لم يجد تطبيقه على أرض الواقع، وعرفت الاستفتاء التشريعي في ظل دستورها الحالي الصادر سنة 1958.
حاز نظام الاستفتاء الشعبي نجاحاً كبيراً وحقق إنتشاراً واسعاً في الدساتير التي أعقبت الحرب العالمية الأولى بهدف القضاء على العيوب التي نشأت عن تطبيق النظام النيابي البحت، حيث كان النواب يخضعون لسيطرة رجال المال وكبار التجار ويرضخون لمطالبهم باقرار القوانين التي تحقق مصالحهم الاقتصادية والمالية، وعلى أساس ذلك نص عليه دستور فيمار في ألمانيا سنة 1919، ودستور النمسا لسنة 1920، ودستور تشيكوسلوفاكيا لسنة 1922، ودستور اليونان لسنة 1920، ودستور اسبانيا لسنة 1931.
أخذت العديد من الدساتير العربية بأسلوب الاستفتاء الشعبي بعد حصول دولها على الاستقلال الوطني، وأخذت هذه الدساتير بالمعنى الواسع لمفهوم الاستفتاء حيث تطابق لديها المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، وبات مفهوم الاستفتاء لديها يعني أخذ رأي الشعب في موضوع ما أو في شخص ما، وكان هذا المفهوم سائداً في الدساتير المصرية الصادرة بعد ثورة 23 يوليو سنة 1952، كما أخذ به الدستور الجزائري والدستور السوداني لسنة 1973، والدستور المغربي لسنة 1972، وغيرها من الدساتير العربية.
اقترح عرض الاستفتاء الشعبي على الشعب الفلسطيني عدة مرات، سواء من قبل السلطة الوطنية الفلسطينية، أو من القوى والفصائل الفلسطينية، لأخذ رأيه في بعض المسائل الهامة التي تهم مصيره ومستقبله الوطني والسياسي، وكانت الفصائل الوطنية والاسلامية الفلسطينية على حد سواء ترى في مشاركة الشعب الفلسطيني في الحكم أو في الانتخابات أو في الاستفتاء الشعبي مظهراً من مظاهر الحكم الديمقراطي، بل تجسيداً وتأكيداً لمبدأ الشعب مصدر السلطات، وأجمعت كافة مكونات النظام السياسي الفلسطيني وخاصة الفصائل الوطنية والاسلامية، على ضرورة تجسيد هذا المبدأ والدفاع عنه باعتباره خياراً ديمقراطياً بيد الشعب الفلسطيني، يمكن اللجوء اليه في كافة المنعطفات والتحولات السياسية التي تمس مصير الشعب الفلسطيني ومستقبله الوطني وخياراته الكفاحية والنضالية.
صفحة 4
عندما أبرمت منظمة التحرير الفلسطينية اتفاقية أوسلو واتفاقية إعلان المبادىء مع الحكومة الاسرائيلية في شهر أيلول / سبتمبر عام 1993 وما أعقبها من اتفاقيات، رفضت هذه الاتفاقيات من أوساط واسعة في الشعب الفلسطيني داخل الوطن وفي بلدان اللجوء والشتات، كما رفضها عدد هام من الفصائل الوطنية والاسلامية، وتبنت هذه الفصائل خيار تحكيم الشعب بشأن هذه الاتفاقيات، وطالبت بعرض هذه الاتفاقيات على الشعب الفلسطيني ليقرر رأيه بشأنها عبر الإستفتاء الشعبي، قبل أن تأخذ هذه الاتفاقيات طريقها للنفاذ والتطبيق العملي.
لم تكن هذه الدعوات موضع خلاف أو استهجان من أحد من حيث المبدأ كأسلوب لتحكيم الشعب في ما ينشأ من خلافات سياسية بين الفلسطينيين، بل كان الجميع مجمعاً على حق الشعب الفلسطيني في إبداء رأيه عبر الاستفتاء الشعبي، كأسلوب ديمقراطي بشأن مصيره ومستقبله الوطني ومصالحه الوطنية العليا، تجسيداً للمباديء والأسس الديمقراطية التي يقوم عليها أي نظام ديمقراطي.
كانت حركة المقاومة الفلسطينية حماس، من بين الفصائل الفلسطينية التي تبنت في العديد من المراحل السياسية فكرة مشاركة الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وتحديد خياراته وبرامجه الكفاحية والسياسية، عبر الأساليب الديمقراطية سواء من خلال المشاركة في الانتخابات العامة، أو بواسطة الاستفتاء الشعبي.
في مقابلة صحافية مشهورة مع صحيفة ("النهار الـمقدسية" بتاريخ 30 نيسان 1989) أجاب الشيخ أحمد ياسين عن سؤال حول موقف حركته في حال أرادت غالبية الشعب الفلسطيني حلاً أو أيّدت رؤية إستراتيجية مخالفة لرؤية حماس، وكان السؤال يدور حول طبيعة الدولة التي تبتغيها بعد التحرير فأجاب ياسين: "إذا ما أعرب الشعب الفلسطيني عن رفضه الدولة الإسلامية، فأنا أحترم وأقدّس رغبته وإرادته".
وفي مقابلة خاصة لـموسى أبو مرزوق عضو المكتب السياسي لحركة حماس مع الصحافي خالد الحروب في نيسان 1995 منشورة أيضاً في كتاب "حماس: الفكر والـممارسة السياسية" للكاتب الصحفي نفسه، من إصدار مؤسسة الدراسات الفلسطينية سنة 1996 أوضح فيها بشكل جلي موقف حماس من موضوع الاستفتاء الشعبي حيث قال "… خيارات الشعب الفلسطيني الإستراتيجية والـمصيرية يجب أن تكون عن طريق الاستفتاء الحر، والانتخابات التشريعية التمثيلية الـمطلقة. وتشمل تلك الخيارات ما هو مطروح من تسويات سياسية، وتشمل أيضاً اختيار قيادة ممثلة، وتلتزم حماس في مثل سيادة هذا الوضع بقبول الخيار الشعبي، سواء في الاختيار السياسي الشعبي للـمشروعات الـمطروحة أو رفضها، أو على صعيد انتخاب قيادة لها حق الشرعية التمثيلية وتقوم بتنفيذ برنامجها الذي انتخبت على أساسه".
صفحة 5
طرح الاستفتاء الشعبي من قبل العديد من القوى والأحزاب السياسية ومن ضمنها حركة حماس قبل إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية، وقبل وجود القانون الأساسي الفلسطيني، كما طرح بعد ذلك، ولم يثر موضوع الاستفتاء الشعبي أي خلاف أو جدل حول مشروعيته، لكن هذا الخلاف نشأ بعد دعوة رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس الشعب الفلسطيني إلى الاستفتاء على وثيقة الأسرى في حزيران عام 2006، تلك الوثيقة التي صاغها ممثلوا الحركة الأسيرة في سجون الاحتلال وتضمنت حلولاً للأزمة الداخلية الفلسطينية التي عصفت بالنظام السياسي الفلسطيني، في أعقاب فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية الثانية، وفوزها الساحق بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي، وقيامها بتشكيل الحكومة الفلسطينية لأول مره منذ تولي السلطة الوطنية الفلسطينية حكم الشعب الفلسطيني، في جزء من الأراضي الفلسطينية بعد عام الانتخابات التشريعية الأولى عام 1996، بعد أن كانت حركة حماس تتبوأ موقع المعارضة للسلطة الوطنية الفلسطينية.
وجدت من الضروري البحث في موضوع الاستفتاء الشعبي الذي دعا له الرئيس الفلسطيني بسبب ما أثير حوله من رؤى وتباينات مختلفة حول مشروعية هذه الدعوة في أوساط القوى والأحزاب السياسية الفلسطينية، وفي أوساط الرأي العام الفلسطيني بشكل عام، حيث انقسمت هذه الأوساط بين مؤيد لهذه الدعوة ومتحفظ عليها ورافض لها.
الأمر الذي يثير الجدل في هذا الشأن هو موقف الإتجاه الرافض لمشروعية الاستفتاء الشعبي الذي دعا له رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، علماً أن موقف هذا الاتجاه كان من ضمن المواقف التي كانت تدعو لتنظيم الاستفتاء الشعبي قبل دعوة الرئيس الفلسطيني، وتعتبره أسلوباً وخياراً ديمقراطياً، يتيح للشعب ممارسة سلطته وسيادته ويمكنه من ممارسه حقه في المشاركة السياسية في الحكم.
تمحور الخلاف حول مشروعية الاستفتاء الشعبي إنطلاقاً من النظرة المختلفة لنظام الحكم في فلسطين، الذي يعتبر وفقاً للمادة (5) من القانون الأساسي للسلطة الوطنية الفلسطينية المعدل لعام 2005 بأنه: (نظام ديمقراطي نيابي يعتمد على التعددية السياسية والحزبية وينتخب فيه رئيس السلطة الوطنية انتخاباً مباشراً من قبل الشعب وتكون الحكومة مسؤولة أمام الرئيس والمجلس التشريعي الفلسطيني). علماً أن القانون الأساسي لم ينص على تنظيم الاستفتاء الشعبي.
يستمد بحث هذا الموضوع أهميته القانونية أيضاً من الجدل والخلاف الواسع المثار حوله بين مختلف فئات الشعب الفلسطيني وفي أوساطه القانونية ، خاصة أن ما أثير من جدل قانوني حول تنظيم الاستفتاء الشعبي، لا يتعلق بالخلاف من حيث المبدأ على استفتاء الشعب وأخذ رأيه في بعض القضايا الهامة التي تتصل بمصالحه الوطنية العليا، بل يتعلق الخلاف حول مشروعية الدعوة لإجراء الاستفتاء الشعبي في ظل النظام النيابي الديمقراطي للسلطة الوطنية الفلسطينية من جهة، وعدم نص القانون الأساسي على إجراء الاستفتاء الشعبي من جهة أخرى.
وإنطلاقاً مما تقدم يتناول الباحث دراسة موضوع الاستفتاء الشعبي في ظل غياب النص الدستوري (الحالة الفلسطينية نموذجاً) دراسة قانونية مقارنة، استناداً إلى قواعد ومباديء القانون الدستوري والمبادئ العامة للقانون، بما في ذلك دراسة الضوابط والآليات القانونية السليمة التي تضمن إجراء الاستفتاء الشعبي في إطار من المشروعية والنزاهة، حتى لا يخرج الاستفتاء عن تحقيق الغايات المرجوة منه.
إجراء الاستفتاء الشعبي في ظل النظام السياسي الفلسطيني القائم في الضفة الغربية وقطاع غزة تحت ولاية السلطة الوطنية الفلسطينية، يثير إشكالية هامة تكمن في مدى مشروعية الاستفتاء الشعبي في ظل غياب النص الدستوري المتمثل في (القانون الأساسي الفلسطيني)، حيث يخلو القانون الأساسي للسلطة الوطنية الفلسطينية من أي نص صريح يدعو لتنظيم الاستفتاء الشعبي بعكس دساتير أخرى سواء كانت عربية أو أجنبية والتي نصّت بشكل واضح وصريح على تنظيم الاستفتاء الشعبي ضمن ظروف وشروط محددة، ووفق آليات وضوابط واضحة نذكر منها الدستور المصري لسنة 1971 والدستور الفرنسي لسنة 1958.
صفحة 6
أسس المشروعية في غياب النص الدستوري
يعتبر مبدأ المشروعية أو سيادة حكم القانون من المبادئ الأساسية التي تقوم عليها دولة القانون والمؤسسات، إذ تحرص الدول على تضمين دساتيرها بنداً مستقلاً تحت عنوان سيادة حكم القانون، ويعني ذلك أن جميع تصرفات الدولة يجب أن تصدر في حدود القانون، وأن يخضع الحكام والمحكومين لسيادة حكم القانون، ولا يقتصر واجب الدولة على حماية حقوق الأفراد وفرض القانون عليهم وحدهم، بل أن من واجبها أن تخضع هي نفسها لأحكام القانون في كل عمل أو تصرف أو قرار يصدر منها، ويستثنى من ذلك أعمال السيادة أو القرارات التي تصدر في حالة إعلان الطوارئ، حيث يباح للسلطة التنفيذية ما لا يباح لها في الظروف العادية، ولو أن بعض الفقهاء يرى أن نظرية أعمال السيادة تعتبر علامة سوداء في جبين مبدأ المشروعية، ويعني مبدأ المشروعية أن تخضع الدولة حكاماً ومحكومين لأحكام القانون، وأن لا تخرج عن حدوده، ومن مقتضيات هذا المبدأ أن تحترم الإدارة في تصرفاتها أحكام القانون، و إلا عدت أعمالها باطلة وغير مشروعة، وخضوع الدولة لهذا المبدأ هو الذي يمنح تصرفاتها طابع المشروعية، ويضعها في مصاف الدول القانونية وبخروجها عنه تصبح دولة بوليسية.
يخضع الحكام والمحكومون في دولة القانون لأحكام القانون، وهذا يعني التزام سلطات الدولة الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية بنصوص القانون وخضوعها لأحكامه، مما يحول دون الإعتداء على حقوق الانسان وحرياته، وعلى هذا الأساس فان سلطة الحاكم سلطة مقيدة تتقيد بالقانون بمفهومه الواسع سواء أكان قاعدة مكتوبة أم قاعدة عرفية أم مبدأ قانونياً عاماً.
تشمل مصادر المشروعية المصادر المكتوبة وتتمثل في القواعد الدستورية، وقواعد التشريع العادي والقواعد اللائحية، والمصادر غير مكتوبة التي تتمثل في العرف والمباديء القانونية العامة وأحكام القضاء. ويكمن المصدر الطبيعي للمباديء العامة للقانون في قواعد العدالة وروح التشريع العام المستمدة من الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة في المجتمع.
توضح المحكمة الإدارية العليا في مصر بأن "المبادىء العامة للقانون هي قواعد غير مدونة مستقرة في ذهن وضمير الجماعة يعمل القاضي على كشفها بتفسير هذا الضمير الجماعي العام، وتلك القواعد المستقرة في الضمير تمليها العدالة المثلى ولا تحتاج إلى نص يقررها ".
ورغم اختلاف الفقه حول القيمة القانونية التي تتمتع بها المبادئ العامة للقانون، فقد استقر القضاء على تمتع هذه المبادئ بقوة قانونية ملزمة بحيث يجوز الطعن بإلغاء القرارات التي تتضمن انتهاكاً لهذه المبادئ والتعويض عن الأضرار التي تسببها للأفراد.
يتناول هذا الفصل دراسة المباديء العامة للقانون خاصة مبدأ الشعب مصدر السلطات في الدولة (المبحث الأول) ومبدأ أعمال السيادة لتحقيق المصلحة العامة (المبحث الثاني).
صفحة 7
المبحث الأول
الشعب مصدر السلطات في الدولة
يعتبر مبدأ الشعب مصدر السلطات في الدولة أحد المرتكزات والمباديء الأساسية للنظام الديمقراطي في الدولة المعاصرة، وتؤكد الأنظمة الديمقراطية أن الشعب هو مصدر السيادة وصاحب السلطة التأسيسية الأصلية في الدولة التي هي أعلى السلطات قاطبة: أعلى من السلطة التشريعية وأعلى من السلطة التنفيذية وأعلى من القضائية، وبناء على ذلك فان الشعب في الأنظمة الديمقراطية هو صاحب السيادة، وتنبع منه سائر السلطات، وسلطته الأصلية لا تنبع من أحد، وهو بحكم وضعه هذا يعتبر هو الذي يملك أعلى السلطات في الدولة.
أكّد الدستور المصري المؤقت لسنة 1964 على أن السيادة للشعب وحده، فهو صاحب هذه السيادة، وهو وحده مصدر جميع السلطات، ونص الدستور أن الشعب يمارس هذه السيادة ويحميها ويصون الوحدة الوطنية على الوجه المبين في الدستور، كما تبنى دستور مصر لسنة 1971 نظرية سيادة الشعب فجعله هو صاحب السيادة ومصدر كل لسلطات، ونتيجة لذلك تم تغيير اسم الهيئة التشريعية في مصر من مجلس الأمة كما كانت قبل دستور 1971 إلى مجلس الشعب.
يقتضي دراسة دور الشعب كمصدر للسلطات في الدولة البحث في نظرية سيادة الشعب( المطلب الأول ) ودور الشعب في ممارسة السلطة ( المطلب الثاني ).
صفحة 8
المطلب الأول
نظرية سيادة الشعب
تتمتع الدولة بالسيادة وهذه الصفة التي تستأثر بها الدولة تعني أن يكون للدولة الكلمة العليا التي لا تعلوها سلطة أو هيئة أخرى، فسيادة الدولة تعني ببساطة أنها منبع السلطات الأخرى، فهي أصلية ولصيقة بالدولة.
تعني السيادة الهيئة العليا في الدولة التي لا توجد سلطة أعلى منها أو سلطة تساويها، وتعتبر السلطة الأصلية لجميع السلطات الأخرى.
إن مناقشة موضوع السيادة في الدولة يطرح سؤالاً جوهرياً مفاده لمن السيادة في الدولة ؟
تجيب جميع النظم السياسية الديمقراطية على هذا التساؤل بان السيادة للشعب. أما المذاهب التيوقراطية التي كانت سائدة في العصور القديمة، يجمعها أنها تنسب مصدر السلطة إلى الإله، وتجعل له دوراً مباشراً أو غير مباشر في تحديد الجهة المختصة بممارسة السيادة في الدولة، ولكنها تختلف في القدر الذي تتركه للإرادة البشرية في تحديد صاحب السيادة. ومن هنا نشأت عن هذه المذاهب عدة نظريات وهي نظرية الطبيعة الالهية للحكام الذين يعينهم الله، كالأباطرة الرومانيون وفراعنة مصر، الذين كانوا يعتبرون أنفسهم آلهة ومن نسل الآلهة، ونظرية الحق الالهي المباشر التي تقول أن الحكام لا يعدون كالآلهة وانما يقتصر دور الالهة على تعيينهم وهم كسائر المحكومين بشراً من بشر، وقد استخدم الملوك هذه النظرية لتدعيم حكمهم وتدعيم سلطانهم المطلق، حتى لا يحاسبهم الشعب نظراً لتعيينهم من الآلهة تعييناً مباشراً، وأخيراً نظرية الحق الالهي غير المباشر، وهي أخف من الأولى في تدعيم الحكم المطلق، فالسلطة وفقاً لهذه النظرية مصدرها إلهي ولكن السماء لا تتدخل مباشرة في اختيار الحكام بل توجه الأمور بشكل يؤدي إلى إختيار الحاكم، أي يختار من السماء ولكن بطريق غير مباشر.
تقر كافة أنظمة الحكم الحديثة على اختلاف أنواعها الديمقراطية أو الدكتاتورية، بان الشعب هو صاحب السلطة ومصدرها، فقد مضت إلى غير رجعة نظرية التفويض الإلهي المباشر أو غير المباشر، التي كانت ترجع السلطة بشكل أو بآخر إلى الإله الذي يفوضها إلى الحاكم.
وتقرر المذاهب الديمقراطية أن الديمقراطية هي أن يحكم الشعب نفسه بنفسه، وما يميزها أنها تجعل من الشعب صاحب السيادة ومصدر السلطات.
على أساس هذا المبدأ نشأت نظريتان متميزتان للسيادة، يترتب على كل واحدة منهما نتائج تختلف عن الأخرى، وهما نظرية سيادة الأمة ونظرية سيادة الشعب، وحيث أننا سنركز بحثنا حول نظرية سيادة الشعب فلا نرى ضررورة لدراسة نظرية سيادة الأمة إلاً بالقدر الذي تقتضيه دراسة كل من مضمون نظرية سيادة الشعب (الفرع الأول)، وباعتبار الشعب هو مصدر السلطة التأسيسية الأصلية في الدولة (الفرع االثاني).
صفحة 9
الفرع الأول
مضمون نظرية سيادة الشعب
تقر كافة أنظمة الحكم الديمقراطية الحديثة، بان الشعب هو صاحب السلطة ومصدرها، وسيتناول هذا الفرع دراسة مضمون نظرية سيادة الشعب من حيث: جوهرها أولاً، والآثار المترتبة على الأخذ بمبدأ سيادة الشعب ثانياً.
أولاً: جوهر نظرية سيادة الشعب
ترتب على التطور الذي لحق بالمذهب الفردي والانتقادات التي وجّهت إلى مبدأ سيادة الأمة ارتفاع الأصوات الداعية إلى التمثيل الحقيقي للشعب من منظور حقيقته وتكوينه، لا بوصفه المجرّد كوحدة متجانسة، مستقلة عن الأفراد المكونين له، لذا فقد هجر الفكر السياسي والدستوري نظرية سيادة الأمة ونادى بنظرية سيادة الشعب.
تقوم نظرية سيادة الشعب على أن السيادة للجماعة بوصفها مكونة من عدد من الأفراد، لا على أساس أنها وحدة مستقلة عن الأفراد المكونين لها، كما نادت بذلك فكرة نظرية سيادة الأمة. وعلى أساس هذه النقطة نشأ الخلاف بين مبدأي سيادة الأمة وسيادة الشعب، حيث أن المبدأ الأول يعطي السيادة لمجموع الأفراد منظوراً إليه كوحدة مجرّدة ، لا يقبل التجزئة ومستقلة عن الأفراد ذاتهم، أما مبدأ سيادة الشعب فانه ينظر إلى هذا المجموع من خلال الأفراد الذين تقرر لهم السيادة، وتنقسم بينهم بحيث يكون لكل فرد جزء من هذه السيادة، وبالتالي تصبح السيادة مقسمة على الأفراد بحيث يمتلك كل فرد في المجتمع السياسي جزأً من هذه السيادة.
تعد نظرية سيادة الشعب أكثر واقعية من سيادة الأمة، حيث تنظر إلى الشعب باعتباره مجموعة من الأفراد المكونين له، وتقرر أن السيادة تتجزأ على أفراد الشعب، وهم الناخبون، بحيث يكون لكل فرد منهم جزء منها، وهذا ما عبر عنه المفكر جان جاك روسو في عقده الاجتماعي حين قال "لو فرضنا أن الدولة تتكون من عشرة آلاف مواطن فان كل مواطن يملك جزءاً من عشرة آلاف جزء من السلطة ذات السيادة". وهكذا يتلخص جوهر هذه النظرية في تجزئة السيادة على أفراد الشعب السياسي في الدولة، أصحاب حق الاقتراع بالتساوي بينهم.
أخذت الدساتير الفرنسية بمبدأ سيادة الشعب بعد قيامها فقط بأربع سنوات، حيث اعتنقه دستورها الصادر في 24 حزيران 1793، ودستور السنة الثالثة، أما دستوري 1946 ، 1958 والمعمول بها حالياً فقد تبنى وفقا لم يراه أغلب الفقه التوفيق بين وجهات النظر المتعارضة التي شكّلت منها اللجنة التأسيسية، فنص كل منهما في فقرته الأولى من المادة الثالثة أن " سيادة الأمة ملك الشعب الفرنسي". ويشير الدكتور نعمان الخطيب أن الترجمة الحقيقية للنص الوارد في هذه الفقرة من الدستور الفرنسي الحالي، ليست أن " سيادة الأمة ملك للشعب الفرنسي" وإنما السيادة الوطنية ملك للشعب الفرنسي" .
تبنت الكثير من الدساتير العربية مبدأ سيادة الشعب نذكر منها الدستور المصري المؤقت لعام 1964 والدستور المصري الحالي الصادر عام 1971 إذ نص في المادة الثالثة على أن " السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات ويمارس الشعب هذه السيادة ، ويحميها ويصون الوحدة الوطنية، على الوجه المبين في الدستور. وتبنى الدستور التونسي 1959 هذا المبدأ ونص في الفصل الثالث من الباب الأول على أن " الشعب التونسي صاحب السيادة يباشرها على الوجه الذي يضبطه هذا الدستور"وسار على هذا النحو الدستور الجزائري الصادر عام 1976 والذي نص في مادته الخامسة على أن " السيادة الوطنية ملك للشعب يمارسها عن طريق الاستفتاء أو بواسطة ممثليه الحقيقيين.
صفحة 10
وفي فلسطين أكد القانون القانون الأساسي في المادة الثانية منه على أن الشعب هو مصدر السلطات. يلاحظ أن الدساتير العربية التي أخذت بمبدأ سيادة الشعب كانت منسجمة مع النظام القائم فيها وهو النظام الجمهوري، باستثناء دولة البحرين التي أخذت بالنظام الملكي فرغم تبني دستورها لمبدأ سيادة الشعب، إلاّ أنه لم يرتب على هذا النص الآثار التي يفرضها هذا المبدأ.
ثانياً: الآثار المترتبة على الأخذ بمبدأ سيادة الشعب
يترتب على الأخذ بمبدأ سيادة الشعب عدد من النتائج الهامة ومنها أنه يسمح لأفراد الشعب بممارسة شؤون الحكم بأنفسهم دون وساطة من أحد، انسجاماً مع نظام الديمقراطية المباشرة ونظام الديمقراطية شبه المباشرة، وكلا النظامين يتيحان للشعب ممارسة الحكم عن طريق الاستفتاء أو الاعتراض، أو الاقتراح، أو العزل.
ذهب البعض إلى القول بأن مبدأ سيادة الشعب هو أكثر ديمقراطية من مبدأ سيادة الأمة، لأن المبدأ الأول يفسح المجال للشعب لممارسة السلطة، إما بنفسه من خلال نظام (الديمقراطية المباشرة) أو بممارسة بعض مظاهر السلطة إلى جانب المجالس النيابية من خلال نظام(الديمقراطية شبه المباشرة).
وفقاً لهذا المبدأ فان الانتخاب هو حق لكل فرد من أفراد الشعب وليس وظيفة طبقاً لمبدأ سيادة الأمة، كما أن النائب لا يمثل مجموع الأمة في المجلس النيابي كما يقضي مبدأ سيادة الأمة ، وإنما يعتبر وكيلاً عن الناخبين وهي وكالة إلزامية تلزمه بتعليمات ناخبيه الذين يحق لهم عزله في حالة مخالفته لتعليماتهم.
يعتبر الانتخاب وفقاً لمبدأ سيادة الشعب حق لكل فرد من أفراد الشعب السياسي، فكل فرد يمارسه إذا كان مستوفيا الشروط التنظيمية العامة، وهذا التكييف للانتخاب لا يجوز تقييده بشروط مالية أو علمية أو ثقافية، والتي يمليها مبدأ الاقتراع المقيّد الذي يسود في ظل مبدأ سيادة الأمة، وعلى هذا الأساس ففي ظل مبدأ سيادة الشعب يسود الاقتراع العام وليس الاقتراع المقيّد.
شهدت الديمقراطية النيابية مزيداً من الديمقراطية نتيجة الأخذ بمبدأ سيادة الشعب، فقد أصبح للناخبين تأثير كبير على نوابهم، ولم تعد علاقتهم تنتهي بهم بمجرد انتخابهم، بل أصبح النائب يخضع لتعليمات ورغبات ناخبيه الذين يباشرون سلطة الرقابة الجماعية والتوجيه الجماعية من خلال الأحزاب السياسية التي ينتمون لها، فهذه الأحزاب بحكم مقدرتها ومؤهلاتها وخبراتها الفنية وإمكانياتها المادية تستطيع إخضاع النائب لبرامجها، لذا كان النائب يلتزم بتعليمات الحزب الذي يمثله طمعا في إعادة انتخابه من جديد. وهكذا أصبح النائب يمثل الحزب قبل أن يمثل الأمة.
شجع منطق نظرية سيادة الشعب، وواقعيتها وطابعها الديمقراطي ـ حديثاً على زيادة الإتجاه إليها وتطبيق نتائجها في كثير من الدول بعد أن أهملت لفترة وجيزة نتيجة سيطرة نظرية سيادة الأمة التي اشتهرت وذاع صيتها لإرتباطها بالثورة الفرنسية والمبادىء التي أتت بها وخاصة المتعلقة منها بحقوق الإنسان، ولعبت الأحزاب السياسية في الديمقراطيات الغربية دورا كبيرا في عملية الانتخاب، وأخذت تقوم بتجميع المواطنين حول اتجاهات وأفكار معينة فتقلل من أثر التمثيل المجزأ القائم على أساس السيادة المجزاة لصالح المصلحة العامة.
يتفق مبدأ سيادة الشعب مع مبدأ سيادة الأمة في أن السيادة تعود لمجموع الشعب، وأنهما يهدفان لمحاربة الاستبداد بالسلطة وإلى حماية الحقوق والحريات العامة وأنهما أديا دوراً كبيراً في تاريخ الشعوب والأمم وخاصة في أوروبا في القرنين الماضيين.
ويرى الباحث أن جوهر هذين المبدأين وهدفهما ديمقراطي، ولا يجوز النظر إليهما على أنهما مبدأين متناقضين رغم اختلاف الآثار المترتبة عليهما، فالعبرة دائما بالتطبيق العملي، ولا نجافي الحقيقة أن رأينا أن مبدأ سيادة الشعب ذو مضمون أكثر واقعية، وأدق تصوراً لممارسة الديمقراطية حيث أخذت به العديد من الدساتير الحديثة ومنها القانون الأساسي الفلسطيني، ومن هنا يركز الباحث على مبدأ سيادة الشعب لأنه الأكثر التصاقاً بموضوع هذا الكتاب.