eKtab
EN ع
مستقبل المرأة
اقرأ عينة مجانية

مستقبل المرأة

بقلم روجيه غارودي

صفحة 1

النظام الرجالي

ربما أصبح ممكناً للرجل أن يقوم بنقده الذاتي حول ستّة آلاف سنة من النّظام الذكوري والهيمنة التي يمارسها الرجال على كامل المجتمع.
وربّما يتاح اليوم للرجل أيضاً أن يعلن الصوت الذي يتساءل فيه حول التحوّل الجوهري في العلاقات الاجتماعية، وهو التحول تحمله الحركة النسائية.
لقد أصبحت هذه المهمة ممكنة، لأن النساء ذواتهن بدأن بهذا النقد، وبتأويل المعنى المستقبلي الخصوصي لحركتهن.
لقد سجل كتاب السيدة «ماريا دي لولاد بنتاسيلفو»، التي كانت خلال سنة 1979 رئيسة وزراء البرتغال، «النزعات النسوية الجديدة»(1) منعطفاً تاريخياً في أسلوب طرح المسألة. وفي الوقت نفسه يسمح لنا كتاب «ريجين برنود»: «المرأة في عصر الكاتدرائيات»(2) بموضعة مرحلةِ وبعضِ أسباب تدني الموقع الاجتماعي للمرأة في الأزمنة الحديثة.
تثبت «ريجين برنود» أن «موقع المرأة ضمن المجتمع، يتراجع بمقدارٍ يتناسب مع امتداد موقع البورجوازي»(3) أي حيثما أضيفت كل السلطات الأخرى الاجتماعية والسياسية إلى السلطة الاقتصادية.
لهذا القانون التاريخي قيمة عامة:
ضمن كل مجتمع يتراجع فيه اقتصاد الحاجة أمام اقتصاد السوق، يرتسم تمييز فعلي، تحاول الفئة السائدة تبريره بالجنس أو بالعرق أو بالطبقة، بين عمل «منزلي» (بكل معاني الكلمة) وسلطة «عامة» يتحكم فيها أولئك الذين ينظمون الحياة الاجتماعية خارج البيت الأسروي، على كافة مستوياتها.
لقد ألح «أنجلز» سنة 1881 في كتابه «أصول العائلة والملكية الخاصة والدولة» كما فعل «ماركس» قبل ذلك في كتاب «الأيديولوجيا الألمانية» سنة 1846 على أن «أول تقسيم للعمل قد كان بين الرجل والمرأة» كما أن أول قمع، هو ما مارسه الرجلُ على المرأة. لنتذكر إذن هنا، أن قمع المرأة هو أول أنواع القمع، سابقاً بذلك حتى القمع الطبقي الذي وُلد مع نظام الرق، والقمع العرقي الذي ولد مع إمبرياليات أثينا وروما ثم مع الاستعمار الغربي. يشير «انجلز» إلى أن هذا القمع «افتتح، إلى جانب الرق والملكية الخاصة، هذه المرحلة التي استمرت حتى أيامنا هذه، حيث أن كل تقدم فيها هو، في الآن نفسه، خطوةٌ إلى الوراء نسبياً، إذ أن رفاهة وتطور بعضهم يتم عبر آلام واستلاب الآخرين.
لقد نزع ماركس وانجلز، مقتفيين أثر الاقتصاديين الكلاسيكيين ـ خصوصاً آدم سميث و«ريكاردو» ـ إلى تضخيم أهمية الاقتصاد واعتبار المجتمع أساساً، تنظيمَ عمل وإعطاء الملكية والأجر، مثلاً، دوراً مطلقاً، تقريباً، في علاقات الهيمنة والاستغلال. إن ملكية وسائل الإنتاج خصوصاً، المصانع والآلات والرساميل، هي فعلاً وطوال المرحلة التاريخية للرأسمالية، منطلق كل السلطات الأخرى، من السياسة إلى الثقافة. إن المالك يلتبس مع من يقوم بإدارة المؤسسة (في حين أن هذه السلطة، لا تمارس، في يومنا الراهن، إلا بشكل غير مباشر، بفعل انفصال الشريك المساهم عن المدير التكنوقراطي).
إنه لذو دلالةٍ أن العمل داخل البيت الأسروي (وهو يمثل أكثر من ثلث العمل الوطني) لا يُسجَّلُ ضمن الإنتاج القومي الخام أو الإنتاج الداخلي الخام، كما لو أنه لا يساهم بشيء في الثروة الوطنية، في حين أنه عنصر جوهري في إنتاج هذه الثروة. وليس أقل دلالة من ذلك أن المرأة، حتى عندما تَخُرُجُ من دائرة العمل البيتي المجاني، غالباً ما تُلحق بالوظائف الأقل أجراً والأقل اختصاصاً والأكثر هامشية.
في فرنسا، مثلاً، لا تشغل إلا أقلُّ من 4% من النساء العاملات مواقع الكوادر العليا، و7% فقط من مدراء المؤسسات هم من النساء (وهنّ أقل من ذلك بكثير في المؤسسات الكبرى). وتُمثّلُ النساء، خلافاً لذلك، 70% من موظفي المكاتب، 80% من جهاز الخدمات و65%من الوظائف الصحية (حسب وثائق أمانة الدولة (الفرنسية) للعمل النسائي سنة 1980). في المحصلة: تدنو أجور النساء بـ 30% من أجور الرجال، شروط عمل النساء سيئة، ووظائف هامشية، واعتبار اجتماعي سلبي(4).
يسهل علينا، عبر ذلك، تفهم الضرورة المطلقة للمطالبة بالمساواة، سواء على مستوى توزيع عادل للعمل (حيث يأخذ الرجل نصيباً مساويا ًلنصيب المرأة في كل أعمال البيت والاعتناء بالأطفال) أم على مستوى العمل الاجتماعي المأجور: أجرٌ متساو لكلّ عمل متساوٍ.
إن هذا المبدأ أُعلِنَ في فرنسا سنة 1946، لكنه لم يوضع أبداً موضع التنفيذ بشكل كامل.
صفحة 2
إلا أنه من البديهي هنا، أنه في أحسن الحالات، أي عندما تتحقق هذه الأهداف، يبقى التمييز بين الأجراء والقادة قائماً. وستظل كذلك، حتى لو ألغي التمييز بين الرجال والنساء في توزيع وظائف القيادة.
سنعود إلى هذه المسألة وهي المسألة الشائكة في النضال النسائي: إن هذا النضال لا يستهدف، إقامة المساواة بين الرجال والنساء ضمن مجتمعٍ جوهرُهُ اللامساواة، فحسب، بل أيضاً التحويل الجذري لهذه البنى اللا عادلة التي أسسها الحكم الرجالي منذ آلاف السنين، منذ ما أسماه «أنجلز» عن حق «أكبر هزيمة تاريخية للجنس النسائي»(5).
لنرجعْ إذن عبر الزمن، بدءاً من العصر الذي شهد أدقّ تقسيم اقتصادي للجنسين بين الدائرة المنزلية والدائرة العامة، حيث تم «تسييج» النساء بكامل معنى الكلمة في المنزل. وقد بلغ هذا النظام قمته خلال القرن التاسع عشر.
لقد تمّ التطور قُدُماً نحو توزيع أدوار الجنسين في الأسرة، فتُركت للمرأة مهام الأعمال المنزلية (حتى عندما تكون مندمجة ضمن عالم العمل المأجور معرّضة فيه إلى استغلال فاحش» بقدر ما كان اقتصاد المعيشة (البقاء) يتراجع أمام اقتصاد السوق.
ضمن اقتصاد المعيشة، أي ضمن اقتصاد تُنْتَجُ فيه المواد الحيوية الأساسية داخل الأسرة، خصوصاً في الريف، (المواد الغذائية النباتية والحوانية، الأدوات، المنسوجات، صناعة الألبسة والأثاث ومواد التنظيف...) لا يتمايز توزيع المهام كثيراً، ويظلّ، في كل الحالات، متكاملاً ضمن الوحدة الأسروية الواحدة.
ولا ينزع موقع المرأة في مثل هذه الشروط، إلى أن يكون متدنياً بكثير عن موقع الرجل.
كما أن المهن الحرفية تستوجب غالباً أيضاً، تعاوناً مستمراً بين الزوجين في عمل ينجز الشطر الأكبر منه ضمن الأسرة، وإن اتسم ذلك ببعض التباينات وحتى بتمايز أشد في المدن.
لذلك يكون موقع المرأة في مجتمع كهذا أفضل نسبياً، وذلك ـ كما ذكرت «ريجين برنود» ـ في كل فئات المجتمع، خصوصاً في القرنين العاشر والثالث عشر.
وعلى الرغم من كون المجتمع خاضعاً لتقسيم مراتبي شديد، فإن التمييز، على مستوى كل مرتبة، محدود بين الرجال والنساء: فيمكن لنساء طبقة النبلاء تولي مهام الوصاية (على عرش أو إمارة..) بدل الرجل، ويمكن للمرأة الريفية تولي الدفاع عن أملاكها بنفس مرتبة الرجل تقريباً. كما يمكنها أيضاً حضور الاجتماعات والمشاركة والتصويت فيها، حتى إن كانت وحيدة. وتقوم امرأة المدينة برعاية عملها الحرفي أو التجاري. وتتلقى المرأة في الأديرة تعليماً بنفس المستوى الرفيع الذي يتلقاه الرجل. أما على أرفع المستويات فإن النساء يُتاح لهن لعب أدوار سياسية من الدرجة الأولى مثل «أليونور داكيتان» «كاترين دسيين» لدى المقام البابوي أو «جان دارك» في مملكة فرنسا.
إنطلاقاً من القرن الرابع عشر بدأ انهيار الموقع الاجتماعي للنساء: فنجد أن رجال القانون، في بداية القرن الرابع عشر أعادوا ذكر «شريعة مسيحية» مزعومة تمنع النساء من الصعود إلى العرش الملكي، ومن تملك الأرض بالميراث، وقد أشارت لذلك، أيضاً، «ريجين برنود». وقد قامت في القرن الرابع عشر أيضاً قامت جامعة باريس بملاحقة نساء طبيبات بحجة أنهن لا يملكن الألقاب الجامعية اللازمة التي كانت تُمنع عنهن. إثر ذلك تدنى مستوى التعليم الذي تتلقاه النساء في مدارس الراهبات (الأديرة). وكانت «كاترين دي مديسي»، آخر ملكة مارست دوراً سياسياً مستقلاً، إذ صدر في 28 حزيران 1893 قرار عن برلمان باريس يمنع عن النساء كل وظائف الدولة. وقد ذكر «ريشليو» في مؤلفه «الوصية السياسية»: «لا يوجد شيء يمكن أن يسيء إلى الدول مثل هذا الجنس».
إنه لتقليد عريق أن نبحث عن حجج من كل الأنواع حتى نحافظ على تمييز أساسي. لقد وجد الاستعمار تبريرات عنصرية للهيمنة واستغلال كل القارات الأخرى، مختلقاً الأيديولوجيات الأكثر اعتباطاً وتسفيهاً حول «النقص الطبيعي» للملونين، كذلك «التمييز الجنسي»، أي هذا النمط من السلوك والإيديولوجيا الذي ينسب إلى أحد الجنسين عدداً من الخصال، وبالتالي يمنحه امتيازات يتجاوز بها الجنس الآخر. لقد اختلق الاستعمار وجمع التبريرات الأكثر تشتتاً. كما أن «اليمين الجديد» المزعوم يبتدع ويُراكم أية قرائن علمية أو بيولوجية أو فلسفية لإحياء «النظرية» السخيفة حول امتياز العرق أو الحضارة الإغريقية الرومانية. لقد تكاثرت أيضاً في كل العصور التي شهدت قمع النساء، أطروحات مزعومة تنسب للدين أو العلم أو التاريخ أو الفلسفة، وتستهدف «ترسيخ» ضرورة خضوع النساء.
صفحة 3
من وجهة النظر الدينية، قدم العهد القديم، ثم الكنيسة المسيحية ـ بحكم نشأتها في مجتمعات أبوية تعكس كل مسبقاتها المتعصبة ـ ترسانةً حقيقية من التبريرات «الماورائية» لأطروحة دونية المرأة الجوهرية. لقد أشارت السيدة «بنتا سيلغو» إلى ما أسمته «فصل المرأة بشكل كامل في المجتمع اليهودي...» وأكدت على «الدور الذي لعبته الكنيسة على مستوى دعم البنى الرجالية والأبوية، وعلى مستوى استبطان التحريمات من جانب المرأة». ولكونها عضواً في الحركة الدولية للنساء المسيحيات «غرال» فقد أدانت ما تبقى في المسيحية من بنى هيمنة واستلاب واحتقار للمرأة ـ الكائن و«ما ظل متستراً فيها طوال القرون من أبوية اجتماعية وامتثالية»(6) لقد لاحظت «فرانس كيري» وهي أخصائية بالمذهب البروتستانتي، في كتابها «المرأة المستقبل»(7) كيف أن قصة الخلق في سفر التكوين تهمل الصيغة القائلة «وخلقهما رجلاً وامرأة» (سفر التكوين 1،27) وهي تعني في شمولها أن الإنسانية متوحدة في الذكر والأنثى، فتورد في سردها أن المرأة لا تخلق إلا في مرحلة متأخرة (بعد الحيوانات) «كما لم يكن الأمر إلا استدراكاً لنسيان» حيث تخرج من ضلع زائدة من آدم قبل أن تصبح أول الخاطئين، وتكون كما أسماها «ترتوليان» بمرح «باب الشيطان».
انطلاقاً من ذلك، لا نستغرب أن علم اللاهوت المسيحي دعم بقوة أطروحة ضرورة خضوع النساء، رغم المثال المعاكس تماماً الذي قدمه يسوع الناصري (والذي سنعود إليه، عندما يتوجب تحديد الدور التنبؤي الذي تقوم به النساء وحركتهن) بدءاً من القديس بولس الذي أكد التقليد الحاخامي المعادي للمرأة «لم يخلق الرجل للمرأة، بل المرأة خلقت للرجل»(8) إلى القديس توما الأكويني الذي قال بشكل دوغمائي «إن المرأة تخضع للرجل بحكم طبيعتها، فالرجل يتمتع أكثر منها بالقدرة على التمييز العقلاني»(9) وهو، كما تذكر فرانس «أيها السيد الأسقف، لوكان لدينا ممتلكات، لاحتجنا إلى أسلحة للدفاع عنها».
إن النمو المترافق للملكية والدولة هو حقيقة دائمة. إن السلطة السياسية تعتمد بالذات على التحكم في الأشكال السلطوية للملكية. إن الدولة هي أولاً دولة مالكي العبيد، مثلما أن الدولة الإقطاعية هي دولة الملاّك الكبار، وكما أن الدولة البورجوازية هي بالتتالي دولة التجار وأصحاب البنوك والصناعيين ثم دولة «المدراء» الذي ينظمون الجهاز، خدمة للمالكين.
من ناحية وضع المرأة، يتجلى ذلك بأن الملكية تضع النساء ضمن دائرتها، فيمثلن قسماً من ممتلكات السيد.
لنأخذ مثلاً خارج محيطنا الحضاري، إن ممارسة استئصال البظر على الفتيات الصغيرات، حتى يومنا هذا، في بعض مناطق إفريقيا الشرقية، تمثل امتداداً نموذجياً للحق الأبوي: فالسيد، أي الرجل، يضمن لنفسه ملكية الزوجة المقبلة، عبر هذا التشويه، مع كل الآثار النفسية والجسدية التي تسببها للفتاة والمرأة طوال حياتها، فنتيجة للبرود الجنسي الذي تخلقه هذه العملية التي تفصل المراكز الحسيّة، لن تتمكن المرأة من الحصول على المتعة مع أي رجل، وبالتالي تتيح مجالاً منفعلاً وسلبياً لمتعة زوجها وسيدها، المطلقة.
وليس ذلك إلا مثلاً محدوداً، لكن حتى لغتنا نفسها تشهد باعتبار المرأة من ممتلكات الرجل: ففي العمل الجنسي يقال إن الرجل «يمتلك» المرأة، في حين أن المرأة «تسلّم» نفسها. وليس الأمر تجريداً فحسب، بل إن دور علاقات المال والثروة والسيادة والمراتب الاجتماعية يظل غالباً في فرض علاقات جنسية لا ترغب بها المرأة سواء عبر الزواج أو غيره.
إن عالمنا نظام صنعه الرجل، سواء تعلق الأمر بملكية الأرض والمواشي والعبيد والثروة، أم بالقيادة والسلطة.
إن عالم الملكية الرجالي هو نفسه، عبر ذلك، عالم السلطة والمراتب. وكلاهما، أي السلطة والمراتب، ينزعان إلى تكثيف ومركزة الحكم نحو بُنى أكثر ذكورية، وهذا لا يعدو أن يردد ما سبق أن كتبه القديس أوغسطين قبل عشرة قرون «من نظام الطبيعة، لدى البشر، أن تخضع النساء للرجال والأطفال للأبوين. لأنه من الحق أن يخضع العقل الأضعف للعقل الأقوى»(10).
من الملاحظ أن هؤلاء السادة، بحكم عجزهم عن الاستشهاد بمثال يسوع الناصري في الموضوع، يقومون بتكديس هذا الخليط عن «الطبيعة» و«العقل» و«الحق» و«العدل» و«القوة». وباختصار، تختتم «فرانس كيريه» قائلة: «هكذا تظل حواء المغوية ومريم الأم الأليمة...» إن ذلك يسجن المرأة ضمن تناقض غريب.
لا شك أنه لا جدوى من استرجاع تاريخ بعيد في القدم لو لم يكن يوجه مواقف الكنيسة حتى يومنا هذا.
صفحة 4
فباسم هذه المغالطات التي لا تدين بشيء إلى الإنجيل، وتدين بكل شيء لمسبقات مجتمع أبوي، لا تزال الكنيسة، الكاثوليكية على الأقل، تمنع عن المرأة تولي مهام الكهانة، كما لو أن نقصاً ما ورائياً حقيقياً يرخي عليها ثقله. وتبقى جزافاً كلمة القديس بولس «لم يعد من يهودي أو إغريقي ولا عبد أو إنسان حرٍّ ولا رجل أو امرأة. لقد أصبحتم كلكم متحدين في يسوع المسيح» (غوليات ـ 3 ـ 27 ـ 28) (من الحقيقة أن هذه الكلمة تتعارض مع كل كتاباته الأخرى حيث يدعو العبيد والنساء إلى الخضوع لأسيادهم وأزواجهن).
وباسم نفس المغالطات، يتم الحفاظ على عزوبة الكهنة، ويتم تناسي المبرر التافه لمثل هذا التقليد الذي لا يوجد له أي منبع إنجيلي، بل يعود إلى قلق الكنيسة الجشع، بين القرنين الرابع والتاسع، من أن تفلت من يديها أملاكها وأراضيها بفعل الإرث والخلافات العائلية. هكذا ثبّت مجمع «لا تران» في 1139م هذه الضمانات حول الأملاك الكنسية، كما لو أن التبتّل ليس إلهاماً إلهياً بل شرطاً مسبقاً إجبارياً يصبح الكهنوت بدونه مستحيلاً(11).
باسم نفس المغالطات أيضاً يتدخل المجتمع البابوي بغرابة، مدّعياً الدفاع عن الحياة بشكل فعلي وحاسم عندما يتعلق الأمر بالوصاية على حياة النساء، في حين لا يتجاوز حدوداً عامة وضبابية لا أثر حقيقي لها عندما يتعلق الأمر بما يقوم به النظام الرجالي من تدمير للحياة.
ليس علينا هنا إلا أن نذكر الأمثلة الأقرب عهداً:
عندما طرحت مسألة (أو عندما أصبح ممكناً تقديم إجابة فعلية) الاعتراف للمرأة بحق تحديد وتنظيم الإنجاب والأمومة، صدرت سنة 1968 دورية عن الفاتيكان «هوماني جنريس: التكاثر الإنساني» لتشير إلى ضرورة «احترام قوانين الطبيعة» لمنع تنظيم النسل (كما لو كان ذلك مهمة كنسية) تماماً مثلما حرّم أحد البابوات الآخرين، منذ قرن ونصف، التلقيح ضد الجدري باعتبار أنه خرق لقوانين الطبيعة وإرادة الله. إن هذا النوع من التحريم يؤدي بكل بساطة إلى التسليم لهوى الرجل ورغباته بحق فرض الإنجاب وتوقيته وعدد مرّاته على شريكته.
لقد كان الأمر مماثلاً بالنسبة لتشريع الإجهاض: حيث اتهم أولئك الذين أرادوا تخفيف عواقب هذه الممارسة بأنهم يدعون للإجهاض كهدف، في حين أنه ليس في الحقيقة إلا أخف ضررين، دون الأخذ بعين الاعتبار كل التشويه والآثار التي تحدثها الإجهاضات السريّة على أجساد النساء، في حين أن عددها سيكون حتماً أقل بكثير لو لم يكن يحارب ضبط الولادات بشكل أعمى ولا مسؤول.
لم يختلف الأمر أيضاً بالنسبة للطلاق: لقد ألقت الكنيسة الإيطالية خصوصاً بكل قواها في هذه المسألة، بدءاً من المقام البابوي إلى الأساقفة. وعاقبت الكهنة الذين أدانوا مع «دون فرانزوني» هذا الرياء. فمرة أخرى، يتوجه هذا التحريم ضد النساء حصراً: فملايين الرجال يتركون زوجاتهم ويعيشون بشكل غير مشروع مع نساء أخريات (لقد كانت إيطاليا البلد الذي يشيع فيه أكثر وضع «القيّمة»(12) في بيوت الرجال العازبين). إن الوقوف ضد الطلاق يحرم المرأة، إذن، من كل مساندة قانونية ضد نزوات الرجل وهيمنته، وحتى من كل نفقة مادية تسمح لها بتربية أطفالها عند ترك الرجل لها.
من حسن الحظ أن الاستفتاء الشعبي قد هزم الكنيسة في هذه المواجهة، لكن ذلك لم يمنعها من مواصلة صراعها ضد الشرعية الوطنية وضد قانون أقره الشعب الإيطالي بأغلبيته العظمى.
إنه لمفهوم غريب «للدفاع عن الحياة» في حين أن السلطات الكنسية الإيطالية لم تكن بمثل هذه الجرأة في «الدفاع عن الحياة» بمفهوم أكثر اتساعاً. كـ «الدفاع عن الحياة» ضد الحرب.
منذ خمسة عشر قرناً، منذ عهد قسطنطين، لم تصدر دعوة حازمة لمنع حمل السلاح واستعماله. على العكس من ذلك، صُنِعَتْ إيديولوجيا كنسية حول «الحرب العادلة» (كما لو أن أحداً من أولئك الذين يمارسون الحرب قد امتنع عن الادعاء بعدالة حربه) في حين أن روما البابوية لم تحاول أبداً بناء «إيديولوجيا» «ثورة عادلة» كموقف ضد أقصى درجات التعسف والعنف المؤسساتي والبنيوي.
بل إن الكنيسة تعودت حتى مباركة السلاح، أو على الأقل نوعاً معيناً منه: مثلاً، فِرَقُ موسوليني التي أرسلت إلى أثيوبيا، أو فرق النازية الهتلرية عندما أعلنت الأسقفية الألمانية المجتمعة في «فولدا» بتاريخ 24 كانون أول 1936 «لقد أدرك الزعيم ومستشار الرايخ، أدولف هتلر، خطر تقدم البلشفية الشيوعية في الوقت المناسب. لقد نذر نفسه بالكامل لإبعاد هذا الخطر الرهيب عن شعبنا الألماني وعن الغرب. إن الأساقفة الألمان يعتبرون من واجبهم مساندة زعيم الرايخ في هذا النضال، بكل الوسائل التي يملكونها في المجال الديني».
صفحة 5
لكن لم يوجد، بالعكس، أي بابا لمعارضة مجزرة «أشفتيز» والمخاطرة بحياته فيها.
كذلك بورك سلاح الفاشيين الفرانكيين، وبارك الكاردينال «سيلمان» سلاح الغزاة الأمريكان في فيتنام، وأطلق على فرق القتال لقب «جنود المسيح» دون أن يصدر أي احتجاج عن كنيسة روما».
ولم تصدر أية إدانة، ولو خفيفة، لدكتاتوريات القمع في أمريكا اللاتينية وإيديولوجيتها السوداء حول «أمن الدولة»، والتي مارست أعتى المجازر.
أين يذهب «الدفاع عن الحياة» المتحمس حول الإجهاض كما لو أن الإنسان وحياته ليسا جديرين بالاحترام المطلق إلا في الحالة الجنينية، ويفقدان هذا الحق بعد بلوغ النضج؟ هل قتل الأطفال لا يعود جريمة إذا ما تأجل سنوات حتى عمر الجندية؟
لو أن الكنيسة كرست جهداً وتحريماً حاسماً مماثلين ـ بنفس الدقة والوضوح لإدانة عنف الاعتداءات العسكرية والديكتاتوريات الدموية ـ لما أطلقته من تحريمات ضد تنظيم الإنجاب والإجهاض والطلاق «للدفاع عن الحياة»، لو كان ذلك لأمكن الوعي بشكل أوسع بأخطار المجازر النووية وآلاف ضحايا الحروب «التقليدية» التي قضت على خمسةٍ وثلاثين مليون نسمة منذ 1945، وإلا كان ثبت عجز الكنيسة عن «الدفاع عن الحياة».
إن ما يبقى هو المثابرة على نزع حق التحكم في أجسادهن من النساء اللواتي يصنعن الحياة، وفن الحديث الأجوف التافه عندما يجب التوجه إلى النظام الرجالي صانع الحرب والدكتاتورية، مدمر الحياة.
لكن حين فقدت الدوغمائية نفوذها انطلق بعضهم، بعيداً عن الدين، يبحثون عن قرائن وبراهين حول ضرورة بقاء المرأة في «سياجها المنزلي» وطلبت النجدة من العلوم الطبيعية التي قدمت البرهان أن الأنثى، من الطيور إلى القرود، تحرس العش، بينما يصطاد الذكور. فالزعم إذن هو أن «حراسة العش» مهمة «أنثوية» خصوصية بينما يظل الصراع من أجل غنم المكتسبات الثمينة حكراً على الرجل.
من الغريب أن علماء الأنثروبولوجيا(13) والإتنولوجيا(14) نزعوا إلى دراسة قبائل الأمازون أو سكان غابات استراليا بدل دراسة الآليات الفعلية لمجتمعاتنا ذاتها. وأسقطوا بكل دقة المسبقات الخصوصية لمجتمعاتنا في «تفسير» المجموعات البشرية التي راقبوها من الخارج بأبوية متعاطفة، لذلك اكتشفوا فيها، بالطبع، تأكيداً لفرضياتهم الغريبة الموروثة.
وقد أضاف الفلاسفة حبة ملح من عندهم عندما قارنوا المرأة التي تقوم بمهمة الإنجاب، أي تكاثر العالم الموجود، بالرجل الذي يقوم بوظيفة الإنتاج النبيلة، مصدر كل «تقدم» بشري وكل تطور.
لقد التقط الاقتصاديون، بالاعتماد بمهارة على التمييز بين العمل المنتج و«غير المنتج» هذه الرؤية الفلسفية. هكذا تم بأعجوبة تجميع أصحاب العمل والمأجورين تحت اسم «العمال المنتجين» ضمن فئة واحدة للذين يساهمون في «النمو»، وصُنفت «المرأة في المنزل» «كغير منتجة» بالطبع.
يمكننا الاستمرار في تقديم الأمثلة الكثيرة لهذه الأيديولوجيات التبريرية، لكن يبدو لنا أكثر جدوى أن نستكشف المصادر التي تنبع منها.
منذ أن احتل اقتصاد السوق مكان اقتصاد المعيشة، لم يتوقف موقع المرأة في المجتمع عن التراجع على جميع مستويات الحياة الاجتماعية.
ليس ذلك ظاهرة اقتصادية فحسب، بل سياسية وثقافية أيضاً: لقد أصبح المجتمع ازدواجياً. وحصل انفصال بين دائرة الحياة المنزلية ودائرة الحياة السياسية.
إذّاك، اكتسب «تقسيم العمل» القديم العهد، عنفواناً جديداً، نابذاً المرأة، ضمن عالم العلاقات الداخلية، إلى البيت. إن المرأة، أمُّ لنوع حيواني يختلف عن غيره من الحيوانات، من حيث أنه يظل عاجزاً، لفترة طويلة جداً، عن الحياة بشكل مستقل. لذلك يبقى مرتبطاً بأمه لمدة طويلة، مما يجعلها مرتبطة به خلال تلك المدة.
مادام القسم الأساسي من وسائل المعيشة ينتج في المنزل، فإن التفاوت مع الرجل يظل ضعيفاً نسبياً، لكن عندما يصبح التبادل التجاري، المظهر السائد للاقتصاد، وعندما يخلق ضبط وتوجيه هذه المبادلات آليات معقدة من الإدارة والتنظيم السياسي وتنويع وتوسع المعارف، تصبح كل هذه الأدوات الجديدة الإدارية والتوجيهية نوعاً من الامتيازات الرجالية، فلا يغدو الاقتصاد التجاري ثم الصناعي فحسب، إذّاك، حِكْراً على الرجال. بل أيضاً: السياسة، وقوى الأمن والجيش والثقافة والمراتب الاجتماعية. انطلاقاً من هذه السلطات وما ينبع عنها من مواجهات ومنافسات، وحتى من «القيم الأخلاقية» التي يُنتجها النظام، تهيمن «قيم» تُعتبر، عبر ذلك «رجولية» (مادام الرجال هم الذين يمارسونها) منها القوة والعنف والنجاح الناجم عن الانتصار على الأضعف. إن «المجد» هو الانتصار بسحق الخصم سواء تعلق الأمر بالحرب أو الاقتصاد أو السلطة. هكذا يتراكب عالمان: عالم خارجي، عام، رجالي تسيطر فيه القوة، وعالم داخلي، منزلي، أنثوي تحكمه «الخدمة».
إن كل أنواع الهيمنة الطبقية أو العرقية أو الملكية أو المرتبية، هي في جوهرها، هيمنة أساسية، أكثر عمقاً وشمولية، للرجل على المرأة.
صفحة 6
ولا صعوبة في التحقق من هذا القانون التاريخي الرئيسي في كل العصور وفي كل الحضارات.
لو حصرنا بحثنا في العالم الغربي للاحظنا أن الأمر هو كذلك عبر كل الأنظمة التي سبقت، مثل تلك التي لحقت، هذه المرحلة من القرون الوسطى التي هيمن فيها اقتصاد معيشي، تحسّن فيه موقع المرأة.
أما عندما شهد اقتصاد السوق عصور ازدهاره القصوى، في العالمين الإغريقي والروماني، مع السلطات الإمبراطورية التي نجمت عنه في أثينا ثم في روما، فلم تتسم هذه المجتمعات «الازدواجية» بتوسع أعظمي للرق فحسب، بل، أيضاً بإخضاع شديد الحزم للمرأة.
لقد سُجنت المرأة الإغريقية في الخدر، ومُنعت من المشاركة في الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية للمدنية. وباستثناء بعض المحظيات ومومسات «المجتمع الراقي» وهي حالات نادرة جداً، تسود القاعدة التي عبر عنها سقراط نفسه بقوله «السياسة للرجال والمنزل للنساء». إن الدور الوحيد للزوجة هو إنجاب الأطفال والاعتناء بعالم المنزل المغلق.
في روما لم يكن للمرأة موقع في القانون الروماني أفضل من العبد. ففي دراسة ذكرتها «ريجين برنود» حول «وضع المرأة في روما» يلخص لنا «روبير فليرز» هذا الوضع بقوله «في روما لم تكن المرأة مواطناً ذا حق.. فوضعها الشخصي وعلاقتها مع أهلها أو زوجها من صلاحيات «البيت» (Domus) الذي يتزعمه بشكل مطلق الأب أو الحمو أو الزوج... أما المرأة فليست إلا قطعة أثاث».
لذلك يسهل علينا، عندما انطلقت «نهضة» اقتصاد السوق بدءاً من القرن الرابع عشر، وخصوصاً في القرن السادس عشر، أن نتفهّم انتشار إطراء مزايا القانون الروماني الذي يلائم، على أتم وجه، تنظيم مجتمع تتحكم فيه الملكية الخاصة بشكل مطلق. لقد وصل هذا التطور إلى نهايته المنطقية بتولي البورجوازية السلطة. لقد استمد تشريع نابليون في بداية القرن التاسع عشر منابعه من القانون الروماني. وقد اكتشف نابليون بوضوح العلاقة بين المنظور الروماني للملكية (الحق بالاستعمال والاستهلاك المطلق Jus utendi et aboutendi والمفهوم البورجوازي للزواج والأسرة، بحيث أملى هو نفسه، على مجلس الدولة، بنود التشريع المدني، مكرّساً خضوع المرأة الكامل.
ليس أغرب من أن يستمر، حتى يومنا هذا، اعتبار التشريع الروماني في كليات الحقوق والعلوم الاقتصادية، مكوناً لعلم خاص يقوم بعقلنة وتنظيم المبادئ الأساسية لكل نظام ملكية وهيمنة.
* * *
انطلاقاً من ذلك يمكننا تحديد السمات الرئيسية والدائمة للنظام الرجالي الذي لم يتوقف (مع التعديلات التي أسلفنا الإشارة إليها) عن تسيير كل المجتمعات البشرية منذ نشوء الزراعة وتربية الماشية والكتابة والملكية الخاصة والدولة.
لقد أبرز ماركس وإنجلز الدور الذي لعبته الملكية الخاصة في وضع بنيان المجتمعات الأولى.
لقد أدى التملك الفردي للأرض، إثر الخطوات الأولى في مسار التقدم التقني (حيث مكنت الزراعة وتربية الماشية من الاستقرار على الأرض) إلى نشوء الرق: إن فائضاً وتراكماً في فائض الإنتاج الغذائي (مما لم يكن متاحاً للرجال الذين يمارسون الصيد والتقاط الثمار فحسب) جعلا، مثلاً، من سجين الحرب، قوة عمل ذليلة صالحة للاستثمار، كما أتاح دفع سوية إنتاجية العمل وتقسيمه إلى زيادة دور المبادلات والتجارة. وفرضت، حمايةُ هذا النظام الجديد، إحداث وظائف سلطة ودفاع.
إن هذا الارتباط بين الملكية واستعمال العنف لم ينفصم منذ ذلك الحين. البيروقراطية وضياع الشخصية والاغتراب فحسب، بل أيضاً ما اصطلح على تسميته «عقلنة» المنظومة الاجتماعية في مجموعها، والعمل خصوصاً.
وتُلغي ضرورة العقلنة هذه، شيئاً فشيئاً، كل أبعاد الحياة الاجتماعية الأخرى في هذا النظام الرجالي. باسم الفاعلية و«النمو».
تعطي هذه العقلنة، ولا شك، دفعاً قوياً للتقدم التقني، والمردود والإنتاجية، ونتيجة لذلك لاقتصاد السوق في شكله الأكثر اكتمالاً: شكل سوق عالمية تهيمن عليها بضع عشرات من الشركات متعددة الجنسية. إن ذلك ليتحقق بأي ثمن كان: حتى لو أدى نمو خمس البشرية إلى إفقار وتجويع القسم الأكبر من العالم، وحتى لو أدى تقدم التنظيم الآلي (الأتمتة) والمعلوماتية إلى تزايد البطالة وأخطار الحرب والاغتراب الاجتماعي.
من منطق هذا النظام الرجالي، الذي صنعه الرجال، لخدمة الرجال، وطوّره هؤلاء بطريقة عمياء، أن كل شيء، في هذا العالم يصبح أداة، أداة للاستعمال.
صفحة 7
بهذا الأسلوب بنيت المؤسسة العسكرية (وهي الأكثر تعبيراً عن النظام الرجالي) نموذجاً لكل المؤسسات الأخرى، معتمدة على الطاعة المطلقة، ساحبة من الإنسان بعده البشري الأكثر خصوصية: بعد الاستقلالية الواعية، والمبادرة والمسؤولية، دون ذلك لا يمكن أن توجد مجموعة بشرية بالفعل، ولا إبداع أشكال جديدة من الحياة، ولا حتى الدفاع ذاته من نوع «المقاومة» وحركات «التحرر» التي لا يمكن تصوّرها دون انتظام بإرادة حرة، ودون مخاطرة وتضحية تم اختيارهما بشكل شخصي.
إن الجيش هو نموذج كل الأشكال الأخرى من تفويض واستلاب المسؤولية. ويدمّر هذا الاختراع الرجالي الخصوصي، في مبدئه ذاته، كل إمكانية للدفاع الحقيقي، أي الدفاع عن ذاتية الكيان البشري ضد كل غزو خارجي، وكل قمع داخلي.
وليست الدولة إلا تعميماً للعلاقات العسكرية ـ بالهيمنة وخنق ذاتية الكيان البشري ـ على كل التظاهرات الأخرى للتنظيم الاجتماعي.
تمثل المرْكَزَةُ العسكرية للعنف نموذجاً لكل أشكال المركزة الأخرى: الرأسمالية، البيروقراطية، الإدارية، البوليسية، وحتى التربوية والثقافية.
إن مدينية التجمعات الكبرى الخانقة ليست إلا المثيل المدني للثكنة بنفس درجة الجامعة والمعهد، من أصل نابليوني، كمصدر للموظفين والضباط في فكر مؤسسهما، ومصدر للتكنوقراطيين والبيروقراطيين في غياب فكر أخلافه.
إنه المنتهى المحتّم لحضارة (تولد أو تبرر البنى) لم يضعها إلا نصف فقط، هو النصف الرجالي من البشرية.
لأن كل هذه الإيديولوجيات التي تبرر الهيمنة الرجالية المطلقة على التخطيط الأخرق واستلاب الذاتية البشرية تحت حجة «التنظيم العقلاني» وترسيخ التنافس والتنازع ـ وهما ليسا إلا تسميات مختلفة للعنف والازدواجية تحت وجوه متعددة، بين المستبدين والمقهورين ـ تقود (هذه الايديولوجيات) إلى أشكال حضارية جزئية ومفقرة. وليست العنصرية، التي تقسم وترتب الإنسانية حسب معايير بيولوجية وحيوانية ولا إنسانية إلا شكلاً أقصى منها. وليس أي مفهوم لـ «شعب مختار» حسب الوراثة والامتيازات الدموية أقل تدميراً للوحدة البشرية. هذه الرؤية الخاطئة التي دعمتها الخرافات الغربية بقوة كعماد إيديولوجي لكل أنواع الاستعمار، من مجازر هنود أمريكا إلى تجارة العبيد الإفريقيين إلى الهيمنة الاستعمارية في القرن التاسع عشر والتسلط والمبادلات غير العادلة التي تستمر حتى نهاية القرن العشرين، هذه الرؤية، ليست إلا تنويعاً لأطروحة العنصرية، حيث أخذ التاريخ، ببساطة مكان البيولوجيا، يشكل مذهب النمو بطقوسه الجنوبية في الدعاية والتسويق واقتسام أسواق المواد الأولية والقوى العاملة الرخيصة، العالمية، كما يشكّل البعد الاقتصادي لايديولوجيا الهيمنة هذه التي يؤدي فيها «نمو» بعضهم إلى خلق تخلف كل الآخرين كعاقبة مباشرة لها.
إذا كان «النظام الرجالي» المسيطر منذ آلاف السنين، بهذا الشكل، فإن حركة الاحتجاج النسائية لا يمكن أن تقتصر على مطالبات تؤدي إلى تغيير في وضع المرأة فحسب، بل إلى تغيير جذري في مجموع العلاقات الاجتماعية.
فالأمر يتعلق بشيء يختلف عن المطالبة المحتمة بمساواة المرأة للرجل، لأن ذلك يقود، فحسب إلى مساواة داخل منظومة هيمنة وضع بناءها الرجال والرجال فقط.
إن الحركة النسائية تضع هذه البنى ذاتها موضع الاتهام.
إن المطالبة بحق المساواة كانت مرحلة ضرورية لا غنى عنها، أما اليوم فإن المطالبة بحق الاختلاف والخصوصية هي التي تأخذ دورها. وتثبت «ماريا دي لورد بنتاسيلغو» أن الموجة الثانية من الحركة النسائية تستوجب تحتيم «ثورة مؤسسة»(15). وهي تقول إن النساء يكثفن كل أشكال الهيمنة، وتكون الطاقة الثورية لحركتهن من خلال ذلك هائلة: «إن المساءلة والاتهام لا يتوجهان إلى مجتمع دولة أو أخرى أو نظام أو آخر، بل إلى المجتمع الذي يشمل كل المجتمعات، والذي يصبح مستحيلاً ضمنه، لأية «مجموعة» وطنية محصورة، تحديد مصير جديد لها»(16).
صفحة 8

الحركة النسائية

لم يكن إعلان حقوق الإنسان سوى إعلان لحقوق الرجال؟ من هذا الكشف انطلقت الحركة النسائية، منذ حوالي قرنين.
منذ سنة 1791 نشرت «أولمب دي غوج» «إعلان حقوق المرأة والمواطنة،(17) لكن لم يكن، بين الرجال، من يطالب بحق النساء في التعليم وممارسة السياسة وتولي الوظائف العامة، سوى «كوندرسيه»(18).
في سنة 1793 اعترضت، مجموعةٌ من النساء، على رأسهن «أولمب دي غوج» و«روز لاكومب» على «الإعلان» الشهير، بالبنود السبعة عشر المتضمّنة في «حقوق النساء» وسّلمنها إلى كومونة باريس. لقد كان ـ في 20 تشرين ثاني 1793 ـ الرد على قرار اتفاقية 17تشرين أول وذلك بإغلاق كل «الأندية النسائية»(19).
انطلقت «حقوق المرأة» من المبدأ التالي «إن كان للمرأة الحق بالصعود إلى المقصلة، فيجب أن يكون لها أيضاً حق الصعود إلى المنبر»... وفيما يخص المقصلة فقد حصلن على تلبية كاملة إذ أعدمت «أولمب دي غوج» في تشرين الثاني.
ذلك، رغم أن النساء كنّ منذ بدء الثورة الفرنسية «في طليعة الثورة» كما كتب «ميشليه». لم يكنّ مشاركات فحسب، بل كنّ شعلة كل الأيام التاريخية التي رسمت وقع مراحل انتصار العالم الجديد.
لكن حقوق الإنسان كانت تتضمن مبدأ نفي: فهي تحدد جيداً وبدقة حقوق الذكر الأبيض والمالك. تماماً، كما لم يُلْغِ إعلان الاستقلال الأمريكي الرق (كخرق فاضح للمبادئ، وقد أطلق عليه باحتشام اسم «المؤسسة الخاصة») بعد أن أكد بقوة تساوي كل الكائنات البشرية أمام الله، كذلك، بعد إعلان المجلس أن «كل الناس يولدون أحراراً ومتساوين في الحقوق»، أكد تملك مستعمري «الأنتيل» لعبيدهم السود، ولم يعترف للنساء، لا بملكية أملاكهن، ولا بحق التصويت، ولا بتولي الوظائف القيادية في أي مجال. هكذا، ولمرة أخرى، يُبنى النظام الجديد تحت سيادة السلطة الذكرية على البشرية ولأجلها. ويبقى لذلك مشوّهاً في بنيته وفي حضارته.
رغم ذلك، استكشف «بواسيل» في ما أسماه «جوريس» التظاهرة الاشتراكية الأولى للديمقراطية»، المستقبل الذي تحمله النساء في حركتهن، وأدان في كتابه «عقيدة النوع البشري» المنشور في 1789 والذي تصاعدت شهرته في 1793، مبدأ النفي الذي حمل في ذاته تقنين الملكية البورجوازية. لم يكن في المرأة قاعدة ارتكاز كل تقدم بشري فحسب، بل، أيضاً، القوة التي تفجّر حدود المبدأ الديمقراطي للبورجوازية: إن الملكية تولد الأنانية والمنافسة بينما تعلن حركة النساء قطيعة فعلية مع «شهية الربح والطموح». كان يوجد، هناك، بذرة اشتراكية تمتد بديمقراطية شاملة إلى الاقتصاد والثقافة وإلى السياسة أيضاً، بحيث تمثل، حسب قوله، اكتمال وعود الثورة الفرنسية.
لقد كان القرن التاسع عشر قاتلاً، أكثر من غيره، بالنسبة للنساء. ومن تمكّن منهن من الكلام، كتبن مؤلفات، تمثل عناوينها ذاتها صرخات ألم وحنق من «ارتحالات منبوذة» (1838) لـ «فلورا تريستان» إلى «ذكريات ميتة ـ حية» لـ «فيكتورين بروشر» (تأخر نشر كليهما إلى سنة 1906). طوال ذلك القرن نشاهد الحركة نفسها: تساهم النساء، في الصف الأول، في تصاعد الحركة العمالية، من إنشاء «فلورا تريستان» للاتحادات العمالية، حتى كومونة باريس التي كانت «لويز ميشال» من أبرز وجوهها القيادية، ولكن، دون أن تتاح الفرصة أبداً لهن، كنساء، لتحقيق أهدافهن، رغم أنها كانت تتجاوز أهداف الحركة التي دفعن حياتهن من أجلها.
لقد وضعت «فلورا تريستان» في مقدمة أحد مؤلفاتها، مقولة «فورييه»: «يتحقق التقدم الاجتماعي وتغيرات المرحلة تبعاً لتقدم النساء نحو الحرية.. إن توسع امتيازات النساء هو المبدأ العام لكل أنواع التقدم الاجتماعي».
لا يتعلق الأمر أبداً بوضع المساهمة الرجالية، وما يمكن أن يصبح مشاركة نسائية في بناء المجتمع والحياة، على طرفي نقيض وكأنهما متعارضان، بل نقصد إثبات إمكان تكاملهما، وما يمثله عزل النساء عن المساهمة في إبداع الحضارة والمدنية، من إفقار للتراث البشري.
لنحددْ ذلك لمرة حاسمة وأخيرة: كلما عارضنا في هذه الدراسة بين سلوكيات نسائية ورجالية، فإننا لا نقصد بذلك اختلافات بيولوجية ولا ميتافيزيقية، بل تاريخية. لا توجد «طبيعة» أو «جوهر» خصوصيان للمرأة ولا للرجل، في أي حال. فالمرأة، مثل الرجل تماماً، لها تاريخ. فكما كتبت «سيمون دي بوفوار»: «لا يولد إنسان امرأةً، بل يصبح كذلك»، إلا أن هذا التاريخ، أفقر الحضارة الإنسانية، منذ آلاف السنين. بإقصاء مُركّبه الأنثوي.
لأنه يوجد على المستوى التاريخي «نمط» ومقاربة، أنثويان نوعياً، لكل من المسائل: من الحياة الاقتصادية والاجتماعية إلى السياسة والثقافة والفنون ومن العلم إلى العقيدة.
لنقارن، مثلاً، مقاربتي «ماركس» و«فلورا تريستان» للمجتمع، في أواسط القرن التاسع عشر.
تربط «فلورا تريستان» مثلما يفعل ذلك ماركس، قضية التحرر النسائي بالتحرر العمالي»(20).
صفحة 9
وتقارب «فلورا تريستان» نفس المسائل، وبنفس إرادة توحيد وتحرير الطبقة العمالية «انطلاقاً من القاعدة» وعلى مستوى «الاقتصاد الأصغري: الميكرو اقتصاد» والنضالات اليومية. لقد حلل ماركس، في المكتبة الملكية بلندن، بشكل باهر «علاقات مفتشي المصانع» في انجلترا زمن «عربدات الرأسمالية» واستخرج منها مرافعة قوية ضد النظام. أما «فلورا تريستان» فأشارت، منذ 1840، في كتابها «نزهات في لندن» إلى تجربتها المباشرة في مأساة التصنيع الإنجليزي.
إن مسار «فلورا تريستان» لمثاليٌّ حقاً.
في الكتاب"1" الرائع الذي خصصه لها «بيير لبروهون» نجد: «انطلقت «فلورا تريستان»، على العكس من معظم الفلاسفة وعلماء الاجتماع، ليس من أفكارها، بل من تجاربها، وليس من التأمل، بل من المراقبة». إن هذه القاعدة الواقعية لتفكير «فلورا» أساسية واستثنائية بشكل يحمل على التأكيد عليها.
«كانت «فلورا تريستان» ابنة محرومة من حقوقها (إرث أبيها) وزوجة مستلبة الحرية (الزواج الذي لا يفصم) وامرأة أقصتها عائلتها (الرحلة إلى «البيرو») لذلك، عبر صراعها من أجل مصيرها، تطالب وتناضل لفائدة أولئك الذين يقاسون نفس أنواع المعاناة وغيرها، تلك التي كانت هي ضحيتها أو شاهدة عليها خلال صيرورة الأحداث». فهي، مثلاً تقود حملة من أجل العبيد السود في «البيرو» ومن أجل الحركة العمالية، كما النساء، في فرنسا. تقول لنا صديقتها وتلميذتها «إيلينور بلان»: «كانت تريد معرفة كل شيء ومراقبة كل شيء، وعاشت كل ما تحمله هذه الأمة (انجلترا) من جراح قبيحة وعميقة، مجزأة بين أرستقراطية حاكمة وشعب من العبيد».
عند عودتها، قامت «فلورا» بالتنقل عبر كامل فرنسا. ولم تُنّشر مذكراتها التي دونتها خلال ذلك إلا متأخرة بأكثر من مائة وثلاثين سنة، في 1975، وهي تشكّل وثيقة مؤثرة عن الحياة العمالية اليومية، ومختلف الطبقات الاجتماعية وأولى محاولات التعبير السياسي لدى العمال: «كانت لديّ مهمة يجب إنجازها، وهي أن أذهب بنفسي، وبيدي مشروع الاتحاد، من مدينة إلى أخرى، ومن أقصى فرنسا إلى أقصاها لأتحدث إلى العمال الذين لا يعرفون القراءة والذين لا يجدون الوقت للقراءة». وهي تحدد العقبات فتقول: «إن كل الناس الذين يقفون ضدي هم الرجال، لأني أطالب بتحرير المرأة، والمالكون لأني أطالب بتحرير المأجورين» «أوكسير» «أفالون» «شالون سيرسون» «ماكون» «ليون»، إحدى بؤر التمرد العمالي وقمع الدولة، النامية والدامية، «سانت إتيين»، «روان» «آفينيون» «نيم» حيث لم يسمح لها بلقاء «باريس» في سجنه، «مونبيلييه» حيث تمخض إضراب كبير حولها، «تولوز» حيث فرّق البوليس العمال الذين أتوا للاستماع إليها، «آجن» حيث عبّرت الصحافة المدجّنة عن حقدها مشيرة إلى «السيدة (فلورا تريستان) التي جعلتها، بعض الأقاصيص التافهة ومآسي شبابها المنزلية، على أعتاب الشهرة، والتي أصبحت، الآن، تلاحق الناس من أجل نشر أفكار شيوعية ومثاليات أخرى مشابهة».
قالت بعد أيام من ذلك في بوردو، وهي تكاد تموت إرهاقاً في سن الواحدة والأربعين «أحس في ذاتي بعالم جديد». لكن كانت «تزرع دائماً على أرض قاحلة» وقد انهارت قبل أن تتمكن من بث الحب، الذي لا ينفصل، عندها، عن الحرية، في الحركة الثورية: «ماذا يعني أن نحب؟ إنه الاختيار، لكي نحبّ، يجب أن نكون، إذن، أحراراً».
«إن الثورة ستحقق تفتح البشرية كما يحقق الحب تفتح القلب»، تجيبها «لويز ميشال» مرددة صداها على المنحدر الآخر من القرن. هي، أيضاً، ربطت، بعمق، مصير المرأة ومصير البروليتاري، ونضالهما الذي لا ينفصم، فهي تكتب في مذكراتها «البروليتاري عبدٌ، إلا أن إمرأة البروليتاري تعاني العبودية أكثر من أي آخر.. «في كل مكان يتعذب الإنسان في المجتمع اللعين، لكن لا يوجد عذابٌ يضاهي عذاب المرأة.
«إنها في الشوارع، سلعةٌ،
«وفي مدارس الراهبات تأخذها النُظُم في قبضتها، محطمةً قلبها وعقلها.
«وفي بيتها، يسحقها العبء: ويتمسك الرجل بأن تظل هكذا، حتى يتأكد من أنها لن تتطاول على وظائفه وألقابه.
«... ألسنا إلى جانبكم من أجل المعركة الكبرى؟.. هل ستجرؤون على تخصيص نصيب لحقوق المرأة، عندما يحوز الرجال والنساء على حقوق الإنسانية؟(21)
لأنه: «لن يكون...» عبر هذا التكامل الضروري الذي يضع حداً لعزل نصف الإنسانية، كما تقول: «... لا وحشية السيد ولا مكر العبد»(22).
صفحة 10
إن ما يميز أسلوب عمل «لويز ميشال» السياسي، وما هو أنثوي نوعياً في هذا الأسلوب، هو العطاء الكامل والتفتح باتجاه الآخر. عندما نفيت إلى «كاليدونيا الجديدة» إثر سقوط كومونة باريس، كانت الوحيدة، من بين رفاقها، التي تعلمت لغة الكاليدونيين وجمعت أغانيهم وأشعارهم وترجمتها، وكانت تنتقل من السرد إلى الشعر، لتنقل إلينا بشكل حساس ومباشر ما لا يمكن التعبير عنه بأسلوب آخر: «الحق في أن نكون ذواتنا وأن نعبّر عمّا نُحِسَ»(23). وهي تبثّ، عبر كامل حياتها المأساوية والمتمردة، أملها الأقصى «خذوا مصائرنا المحطمة لتصنعوا منها شروقاً».
لا أعيد رسم حياة هؤلاء النساء بهدف التلذذ باستدعاء التاريخ، بل أقصد، على مستوى النضالات، محاولة إبراز المكوّن الأنثوي الذي حرمت الحركة الثورية منه نفسها، منذ قرنين، على حساب هذه الحركة ذاتها، والتي أصيبت لذلك بنقص شديد.
لقد كان المثال الأكثر توهّجاً، في القرن العشرين، هو «روزا لوكسمبرغ» التي قدمت تحليلات وانتقادات أنثوية نوعياً، حين اعترضت على نظرية تنظيم الحزب لدى لينين وهي التي تقر بعظمته السياسية.
لقد عارضت ما رأته مفهوماً ميكانيكياً للتناقض بين طبقة عمالية وحزب، عارضته بمفهوم «عضوي» وكتبت «لا يمكن أن تولد الاشتراكية إلا عبر صيرورة التاريخ الحي، تماماً مثل الطبيعة العضوية...»(24).
إن الوعي الطبقي، لا يصبح «حقيقياً وفاعلاً» إلا «عبر مدرسة الأحداث، الحية»(25) إلا أن «نبع التجربة السياسية أنضب» «بسحق الحياة العامة»(26).
إن ديكتاتورية البروليتاريا لا يمكن أن تكون «دولة رأسمالية معكوسة». «لأنه لا ضرورة لتكوين مجموع الشعب سياسياً حتى تتمكن الطبقة البورجوازية من ممارسة هيمنتها... في حين أن ذلك هو العنصر الحيوي في ديكتاتورية البروليتاريا وهو النَّفَسُ الذي لا يمكن أن تعيش من دونه».
إن التجربة هي الوحيدة التي تتيح التصحيحات وانفتاح آفاق جديدة. ولتحقيق ذلك لا بد من صحافة حرة ومن إحياء الجمعيات والاجتماعات حتى «تشعر مجالس العمال والجنود بأنها مَدْعُوَّةً لتصبح القوة الاجتماعية الوحيدة وتتعلم أن تكون كذلك»(27).
«فالحياة الفوّارة، ودون عراقيل، وحدها، تنعكس إلى ألف شكل جديد وألف ارتجال، فتضيء الطاقة المبدعة، وتصحح بنفسها كل الأخطاء»(28).
يصعب، دون شك، في يومنا هذا، التحدث عن الإخلاص اللا محدود والذكاء اللامع اللذين، تقرُّ بهما روزا لوكسمبرغ، عن حق، للينين وتروتسكي ورفاقهما... إلا أن تقييمها الشامل لمفهوم كهذا للحزب والدولة ـ وهو تقييم لا علاقة له بالإصلاحية السطحية لأمثال «برنشتاين» و«كاوتسي» ولا بالحقد الحيواني للمحافظين والرجعيين من كل الآفاق على كل تجربة ثورية أو اشتراكية ـ إن هذا التقييم ليبدو لنا اليوم بكامل قوته التنبؤية.
ونجد، تحقيقاً لذلك، في 1980، في شهادة، يتجلى عمقها الإنساني، لمناضلة من العالم الثالث، هي الهندية البوليفية «دوميتيلا باريوس دي شونغارا» التي لم تقرأ أبداً لروزا لوكسمبرغ، ولا حتى، على الأرجح لماركس أو لينين، والتي تكتشف نفس الحقيقة الجوهرية انطلاقاً منتجربتها، كامرأة مناضلة: «لقد حصلت على وعي سياسي... رغم ذلك يدّعي الكثير من الناس، أن هذا الوعي لا يمكن أن يتم إلا عبر حزب. بالنسبة لي، كان ذلك، ثمرة تجربة شعب، وتجاربي ذاتها، وبعض الكتب التي تمكّنت من قراءتها»(29).
وهي تطلق، انطلاقاً من ذلك، تقييماً واضحاً حول مختلف أشكال العمل السياسي بما في ذلك الحركة النسائية.
فكما أنها رفضت تحوير نشاطها باسم «نظريات ثورية» مجردة، صيغت في ظروف تاريخية مختلفة، هي ظروف الغرب، لا تنحني، دون نقد، أمام نظريات رجال العصابات الذين يدّعون خلق بؤر ثورية، خارج نضج عميق ينطلق من تجربة الشعب ذاته. فهي، مع إقرارها ببطولة «شيء غيفارا» وتجرده هو ورفاقه، لا تتردد كمناضلة في مناجم بوليفيا في القول «يبدو لي أن رجال العصابات ارتكبوا خطأ عدم إشراك الشعب بشكل كاف»(30).
كذلك، ضمن مداخلتها في مكسيكو سنة 1976 في مؤتمر السنة الدولية للمرأة، استغربت الموقع المكرّس للجنسية المثلية النسائية أو لمسائل أخرى «فعلية لكنها ليست جوهرية»(31)، دون أن تتجاهل أهمية هذه المسائل. لقد احتجت، هذه المرأة المنتمية للعالم الثالث ضد تلك اللواتي «يرين في ضبط الولادات حلا لقضايا الجوع» وأكثر من ذلك ضد اللواتي اقترحن «إن كان للرجل حق التمتع بعدد من النساء، ليس على المرأة إلا أن تتمتع بعدد من الرجال هي أيضاً» تحت تبرير المساواة(32).
تقص دوميتيلا بكثير من المرح حوارها مع رئيسة الوفد المكسيكي «إنك كل صباح، تُقْبلين بفستان جديد... متبرجة وبتسريحة جديدة، وهذا يدل على أن لديك الوقت للذهاب إلى صالون تجميل، ولديك المال لإنفاقه.. لديك، في كل مساء، سائق يوصلك إلى بيتك... أما نحن، نساء عمال المناجم، فلا نملك إلا شقة صغيرة مستأجرة... فما علاقة وضعي بوضعك؟... إذن بالنسبة لك، الحل هو الصراع ضد الرجل؟ وذلك كل شيء؟ إلا أن ذلك ليس الحل الرئيسي بالنسبة لنا، لا... قلت كلّ هذا، يدفعني الغضب، ثم نزلت» وتختم دوميتيلا قائلة: «أعتقد أنه كان مهماً لي أن ألاحظ، مرة أخرى بمناسبة هذا الاتصال بأكثر من خمسة آلاف إمرأة من كل بلاد العالم، أن مصالح البورجوازية لا علاقة لها إطلاقاً بمصالحنا».
لا يعني هذا، إطلاقاً، أن النساء ليس لهن قضايا نوعية، بل يعني ببساطة وحتمية، أن هذه القضايا لا يمكن فصلها عن كل قضايا التحرر الأخرى، وأن قمع النساء عموماً، يأخذ أشكالاً مختلفة حسب الطبقات الاجتماعية، يقول «كلود الزون» بقدر ما نصعد درجات المجتمع يقل استغلال المرأة، لكن بالمقابل، تزداد الهيمنة التي تمارس عليها»(33).
ذلك ما يعلل مشاركة الحركات النسائية، والنساء النشطات، في كل النضالات الاجتماعية في الصفوف الأولى.