eKtab
EN ع
مسير نهر
اقرأ عينة مجانية

مسير نهر

بقلم آن كونيو

صفحة 1
طريق فالسينغهام
 
في عودتك من أرض فالسينغهام المقدسة
 
هل التقيت حبيبي في الطريق؟
 
كيف أتعرف حبيبك
 
بين كثير العشاق
 
في طريق الأرض المقدسة
 
يأتون منها ويذهبون؟
 
" فالسينغهام"
 
أغنية شعبية
صفحة 2
(1)
 
في الماضي البعيد كنت أغني
 
ألحاناً عذبة ورخيصة
 
بيد أني سأسكِت هذا النشيد
 
فثمة آخرون يصغون إليه
 
بيترو بيمبو/ مونتيفيردي
 
"الكتاب الثاني للقصائد الوجدانية"
 
هذا الصباح بالذات، فكرت بإنكلترا بصورة مختلفة.
 
في هذا الفصل يبزغ الفجر باكراً. ويكون الطقس جميلاً جداً. استيقظت جراء ضجيج غير اعتيادي في قن الدجاج. قد يكون ثعلباً؟ نزلت بسرعة تفوق سرعة قدماي. اجتزت الباحة. لم تكن الخادمة ومادلين دالينج قد استيقظتا بعد، في الموقد كان الجمر نقطة محمرة.
 
ليس ثمة ثعلب.
 
كنت على وشك العودة إلى النوم عندما نظرت إلى السماء. لونها أزرق شفاف لا نراه إلا ما ندر في هذه المناطق، مرقطة بغيوم متناثرة لبنية اللون مثل الغيوم التي تتشكل في بلدي عند انتهاء الليل على طول الشاطئ. وعندما يكون الطقس جميلاً. كانت الغيوم تختفي في النهار تبددها الحرارة أو تحملها الرياح.
 
كانت تفوح من الأرض رائحة الندى، وكان العندليب يغني، ومن وراء قمة جبل جورا، كان احمرار الصباح يعلن أن هذا النهار سيكون مشمساً.
 
وفي لحظة انتقلت بتفكيري إلى الريف، كما كانت الحال يوم كنت طفلاً، حول قصر فولفيدون الريفي. قد أكون شعرت لفترة وجيزة بعباب البحر، وسمعت طبطبة الأمواج.
 
أعادتني خطوات الخادمة جاكوت إلى اللحظة الحالية. دخلت إلى المطبخ وكانت منهمكة بالعمل حول النار. نزلت السيدة دالينج بدورها. عرضت عليها الذهاب لجلب الماء كما جرت العادة، إلا أنها رفضت كعادتها. لم أعد أفكر بـ فولفيدون، ولم يبق، ومن ثم، إلا الكآبة، كآبة فكهة وغامضة. لم أجد فيها – على وجه الخصوص- أي هاجس.
 
بعد صلاة السَّحر، باشرت أعمالي، وانشغلت بها كما يجري دوماً حتى موعد صلاة التبشير في وقت الظهيرة.
 
أعيش هنا منذ نحو ربع قرن، في هذا الوقت أذهب للتنزه حتى أصل إلى لاكروازيه، أضع في جيبي كسرة من الخبز وأحيانا كتاباً. أجلس على مقعد صنعته بنفسي تحت شجرة زيزفون كبيرة. بوسعي قضاء ساعات جالساً في هذا المكان، ولا أحرم نفسي من ذلك في هذا الفصل خاصة. وعندما أُسْأَل عما سأفعله في لاكروازيه، كثيراً ما أقول أنني ذاهب إلى هناك كي أصلي. في الواقع، يوجد صليب في الطريق يبعد قليلاً عن شجرة الزيزفون. لكن في الحقيقة يسعدني أن أترك أفكاري تسرح، وإذا حدث لي أن أتوجه إلى الله، فهذا كي أتحدث حديث رجل لرجل بتعابير تتصف بالصداقة. عندما يأتون باتجاه البحيرة، يفضلون ارتيادَ طريق الفلاحين المنحدِر، الأوسع والأسرع. ومن أجل العودة، يعد منحدر الطريق أمتع من الطرف الآخر، وهذا معروف. وعلى السائر الانعطاف باتجاه مورج، ولكن سيكون هذا الطريق شاقاً إذا كان الشخص يحمل ثقلاً. أرى من وقت لآخر مرور الخيالة والسيارات وأشخاص يمشون. يأتون من القرى الموجودة في ضواحي لوزان أو جينيف، يعودون إلى إيشالين، ويذهبون إلى إيفردون أو إلى بيرن- إلى بيرن نفسها. نادراً ما يسافرون باتجاه معاكس. تكون وجوههم غير معروفة أحياناً، ومألوفة غالباً.
صفحة 3
سمعت، بقدوم سائرين هذا الصباح من بعيد. وصلوا من إيفردون، كانا شخصين يتحدثان بإسهاب، ويتقدمان بسرعة. في البدء لم أستطع تمييز أقوالهما. ولكن ما كانا يقولانه أثر في، وكأنه سهم نفذ إلى الصميم: كانا يتحدثان اللغة الإنكليزية.
 
وبعد مضي سنوات عدة! كان الرعب أول ردة فعل تصيبني. هل شاهداني؟ أين أختبئ؟ نجحت بالاستماع إلى صوت العقل، لقد نسيني كل الناس مع مرور الزمن. وإذا حدث ذلك، فقد ولد هذان الرجلان، اللذان يقتربان بخطى سريعة واللذان لاحظت وجهيهما المدورين وعيونهم المتقدة، بعد... اختفائي.
 
فضلاً عن ذلك من سيعترف بفرانسيس القديم الموجود تحت لحيتي وثيابي الخشنة؟
 
عدت إلى صوابي قبل أن يلحظا دهشتي وذهولي. وكي أحمي نفسي، لم يكن هناك إلا حل وحيد: يجب أن لا يلحظا أنني أفهم اللغة الإنكليزية.
 
في إيشالين، الجميع مقتنع بأنني يوم اصطحبني بنوا دالينج في عربته، كنت قد عدت إلى البلد بعد أن فقدت عائلتي بكاملها بوباء الطاعون. كان هو الوحيد، هنا، الذي يعلم من أين أتيت في الواقع ولماذا. ينبغي أن أقول إنه لم يكن سهلاً عدم فهم الإنكليزية هذا الصباح.
 
أحد المسافرين يدعى جون والآخر توماس. توماس، (كم من الذكريات المرتبطة بهذا الاسم)، بحار جاء من كورنويل، عرفته من لهجته ومظهره. لو قلت ثلاث كلمات بالإنكليزية، لاكتشف أنني ابن البلد. توماس ورفيقه ذاهبان إلى جنوا (في إيطاليا) سيراً على الأقدام. لم أفهم سبب ذهابهما إليها. لا يتحدثان إلا الفرنسية البدائية، ويلتقطان، بالتأكيد، ما تبقى من ثمار على الطريق. حاولت أن أطرح عليهما أسئلة دون أن أفضح نفسي، وحاولا الإجابة عليها بمفرداتهما المحدودة. بعد لحظة عادا لشجارهما من دون أن يكترثا بي.
 
وفهمت، هنا – يكاد يراعي يعجز عن صوغ الأمر لفرط ما هو مريع- بأن انكلترا ألغت الملكية، وتمّ إيقاف شارل، الملك شارل!
 
كان جون أنغليكانياً وتوماس متزمتاً دينياً. لم يمنعهما ذلك من أن يكونا صديقين. وافقا على الذهاب إلى جنوا على حساب إنكليزي قام بتجهيز السفينة. مرّا بطريق الملح، فالورب، وسيذهبان إلى لوزان ومن ثمّ سيتوجهان إلى بيمونت. وجهة نظرهما حول قضايا الحرب الأهلية متباعدة، لكنهما متفقان حول الأحداث: الملك لم يعد يحكم، وانكلترا هي نوع من جمهورية يطلق عليها الكومونويلث، والسلطة في يد مجلس العموم، ولا يقوم اللوردات إلا بالمتابعة، حتى يقال أنه سيتم إلغائهم. هل المتزمتون هم من ينتقدون الكنيسة الأنغليكانية أم العكس، كان يستحيل عليّ فهم حقيقة ما كان يُقال وأن أضع لصاقة بكل الأسماء. في رأس هرم الدولة، كان هناك شخص يدعى أوليفر كرومويل، أحد أحفاد أوليفر كرومويل، أعز صديق لجدي جون، على الأرجح. ظننت بأنني فهمت بأن كرومويل سيلغي القوانين التي تدين المعترضين (هكذا كنا نسمي الأشخاص الذين كانوا منا، وظلوا كاثوليك). قد أكون أسأت الفهم، ربما فكرت برغباتي فيما يتعلق بالواقع.
 
بودي لو أرى هؤلاء المواطنين وأتحدث معهم. طلبت إليهم – بصورة غير مباشرة- أن يبقوا بعض الوقت في زاوية ما من أرضنا. لم يفكروا بذلك.
 
توجب عليّ القيام بعمل جبار كي لا أضغط عليهم بالأسئلة. كيف يعمل هذا الكومونويلث؟ ماذا حدث في الجيش؟ ماذا حدث في الأسطول؟ ماذا حدث في الكنيسة؟
 
عندما عدت أدراجي، بعد رحيلهم، سألتني مادلين دالينج فيما لو كنت مريضاً.
 
أجبتها كي تتركني بسلام قائلاً: "متضايقاً بعض الشيء ليس إلا، وهذا ليس بالأمر المهم".
 
صعدت وهاأنذا أجلس إلى المائدة.
 
عندما التقطني دالينج من على حافة الطريق، نصف ميت وتنهشني الحمّة، سمعني أهذي بالإنكليزية.
صفحة 4
عندما شرعت بالكلام سألني: "من أين أتيت، تماماً؟"
 
"من... من البندقية".
 
"ما اسمك؟".
 
"بيرو ريكوردي".
 
لم يعلق. بالتأكيد، لكنه لاحظ أنني لم أقل الحقيقة، فأنا لم أكن يوماً كاذباً محترفاً.
 
" أنت كاثوليكياً أم بروتستانتياً؟".
 
ترددت في الإجابة. ماذا لو كان هذا المجهول متعصباً للديانة الأخرى؟ لكنه كان صريحاً ويملك عينين رماديتين هادئتين، كان حدسي يوحي لي أنه رجل متعقل.
 
قلت له: "كاثوليكي".
 
"حسناً، في هذه الحالة سأصطحبك إلى منزلي. أسكن في إيشالين، خارج البلدة على مسافة قصيرة. نحن كاثوليكيون أيضاً. في ريفنا، ليس الأمر كما هو عليه في جنيف. إن رغبت بالذهاب لحضور القداس والصلاة بهدوء لن يزعجك أحد. لا أقول أنه لا يوجد بيننا متعصبون. وإنما هناك متزمتون. منذ عامين أو ثلاثة، كادت تندلع حرب مفتوحة بين بيرن وفريبورغ، لكن بفضل الله هدأ الوضع. لا ندقق في الأمر. وأجد أنه من العبث أن نتقاتل من أجل الدين في حين أننا جميعاً مسيحيون أخيار، أتقياء ومؤمنون. لا معنى لهذه المشاجرات التي لا نهاية لها لمعرفة إن كانت طاولة العبادة من خشبٍ أم من حجارة، إن وضعناها هنا أو هناك... إن قس إيشالين الذي أثناء مراسم دفن أحد البروتستانتين سرد على مسامع العائلة المفجوعة أن كل من يمارس الدين الإصلاحي ستحل به اللعنة... والقس الذي يهرع للشكوى في بيرن لمجرد سماعه كلمة نعم أو لا... كل هؤلاء بمثابة أطفال دون فهم. ولو لم نكن كلنا نؤمن بإلهٍ واحد لكنت أفهم...".
 
نظر إليّ كما لو أنه أدرك فجأةً أنه من الأفضل عدم البوح ببنات أفكاره لمجهول، قد يكون جاسوساً. لكن، أنا لست بجاسوسٍ ولا هو بمتزمت.
 
قال لي أيضاً: "لو كنت بروتستانتياً، لكنت قد عهدت بك إلى أحد أقاربي وهو إصلاحي. نحن نتحدث من وقت لآخر حول الدين، لكننا لا نتشاجر. نتبادل الزيارات ونلتقي في الكنيسة...".
 
"كيف تنجحون في التخالط في الكنيسة؟".
 
"كما ترى، ففي القرى التابعة للأمراء في إيشالين، لا يوجد سوى كنيسة واحدة. يوم الأحد، يبدأ قداس (الكاثوليك) أولاً ثمّ يذهب البروتستانت بعد ذلك لسماع الموعظة (العظة)".
 
بدا لي لدى سماع هذا الصوت الواضح وهو يتحدث عن وجود كنيسة واحدة للكاثوليك والبروتستانت كما لو أن الأمر بدهي، وأنني قد وقعت بين أيادٍ أمينة. استرسلت ونمت نوماً عميقاً. إذ كنت أشعر بالأمان.
 
سافرنا لمدة طويلة قبل أن يطرح عليّ سؤالاً جديداً: "ما هي مهنتك؟".
 
"كنت رجل بلاط وتاجراً ومحارب. وأعزف الموسيقى أيضاً".
 
"أي نوعٍ من الموسيقى؟".
 
"أعزف على الأُرغُن والعُذراوية (1)". (الفرجينال)
 
لم أسمع عن الفرجينال من قبل
صفحة 5
"في إنكلترا يطلق هذا الاسم على الآلات الموسيقية المزودة بلوحة مفاتيح، وعلى المعزف القيثاري و"الإبينيت" و"الموزولار". إنها آلات موسيقية شعبية جداً تعلمت تصنيعها".
 
"هل بإمكانك أن تصلح أرغناً؟".
 
"أعتقد ذلك".
 
"حسناً، هل تعرف القراءة والكتابة؟".
 
"نعم".
 
"إذن، هذا سبب وجيه لأصطحبك إلى إشالنس. سأعهد إليك إصلاح أرغني. وهذا ما قد يثير غيظ البروتستانتين، هيه، هيه... هل بإمكانك نسخ الموسيقى؟".
 
للحظة، بدا لي أنه يقرأ أفكاري.
 
في النهاية أجبته: "بالطبع، أنا أنسخ على الدوام مقطوعاتي المفضلة".
 
"في هذه الحالة سيكون لك عملاً في إشالنس. والآن قبل أن أصطحبك إلى منزلي، كشقيق حيث تعيش زوجتي وأبنائي، أريد أن أعرف الحقيقة. أنت لا تدعى بيترو ريكوردي، أنت لست إيطالياً".
 
لاحظ ترددي.
 
"أقسم لك أنني لن أبوح بشيء لأي إنسانٍ كان. حتى لعائلتي".
 
استقبلني هذا الرجل ووثق بي. كان يهتم بي دون البحث عن معرفة من أنا – لوجه الله. لم أعد أتردد.
 
"اسمي فرانسيس تريجيان. أنا إنكليزي. هربت من السجن. أنا لست مجرماً، لم أقتل ولم أسرق، بل على العكس، أنا من تعرض للسرقة. ذنبي الوحيد هو أنني كنت ابن أبي وكاثوليكياً. يظنون أنني ميت، وإذا عرف أولئك الذين هربت منهم أنني حي، ربما سيحاولون قتلي. غير أنني أرغب بالحياة بسلام، بعيداً عن الحروب والنزاعات".
 
رويت له كلَ شيء.
 
لم يعلق على كل ما سردته واكتفى بإحداث أصواتٍ في فمه عندما كنت أذكر المراحل الأكثر إثارة في مسار حياتي.
 
لاحظ على سبيل الاستنتاج قائلاً: "أنت تتحدث الفرنسية بطلاقة".
 
"نعم، موهبة على ما أظن. الأذن الموسيقية. في هولندا، لا أحد يقول أنني لست هولندياً، وفي ريمس لا أحد يقول أنني لست من ريمس، وفي إيطاليا لا أحد يقول أنني لست إيطالياً".
 
"رائع. لن نتحدث عن إنكلترا، وإذا كان لا بد من الحديث عنها فأنت لا تعرف اللغة الإنكليزية. تبنى من ديارنا كنية واحتفظ باسمك الأول. أعرف عائلة من رانس تدعى تريهان. بوسعك أنت تكون فرانسوا تريهان".
 
"لا، هذا يشبه اسمي الحقيقي".
 
"صحيح، إذن، يمكنك أن تكون فرانسوا كوزان اسم جدٍ قديم لك عاش في إيطاليا. زوجتي من عائلة كوزان".
صفحة 6
"اسم كوزان موجود في انكلترا أيضاً".
 
"هل يروق لك ذلك؟ على أية حال في هذا البلد هناك الكثير ممن يكنى بـ كوزين أكثر من الذين يكنون بـ دالينج. وهذا أحد الأسباب كي تحمل هذا الاسم. اتفقنا؟".
 
على الفور، لم يكن أمامي خيارات أخرى.
 
لا أعرف كيف جرى الأمر، لكثرة ما يروني أعمل في الكنيسة وقلم المحكمة وترددي على عائلة الدالينج بدأ الأهل بالوصول إلى لاكروازيه للبوح بأسرارهم وطلب النصيحة أو لأقرأ وأكتب لهم رسائل شديدة الخصوصية. نسي الناس أنني في عصر ما لم أكن معهم. كان أطفال عائلة دالينج ينادونني بالعم فرانسوا منذ اليوم الأول، والآن أولادهم ينادونني بالجد. شغلت غرفة واسعة تحت سقف ورشة دالينج لصناعة البراميل. وفيها أملك مكتباً صغيراً يحتوي طاولة عليها جميع لوازم تحضير أو - تصنيع - الآلات الموسيقية التي يحملها إليّ الأشخاص من أماكن بعيدة.
 
قدم لي دالينج ثلاثة مجلدات سميكة وجدها في لوزان، حيث كانت تقوده تجارته في بعض الأحيان، وهما "مقالات لميشيل دو مونتين. خُيل لي أنني وجدت صديقاً من جديد. تكلمت اللغة الفرنسية بسرعة كبيرة بلهجة أهل المنطقة. تعلمت اللهجة الإقليمية. بالنسبة للمنطقة كلها، أنا فرانسوا كوزان، صانع الآلات الموسيقية والمكلف بالنسخ والكتابة، يعود أصلي إلى غراندسون. هكذا كان يسجل اسمي الكثير من سادة بيرن وفريبورغ. وهكذا قدمني دالينج إلى القس وإلى الكاهن في المنطقة. لم يعد يكلمني عن ماضيّ على الإطلاق، غير أنه كان يلح في الطلب بصورة متكررة قائلاً: "فرانسوا، عليك كتابة قصتك. قلائل هم الناس، قصة حياتهم كقصتك".
 
" من أجل من تريدني أن أكتب؟".
 
" من أجل الأجيال. من أجلي. من أجلك".
 
رفعت كتفيّ.
 
"قصتي لا تهم أحداً، فضلاً عن أنني لا أعرف الكتابة".
 
لم يلح، ولكن ذات مرة كان عليه الذهاب إلى لوزان، وعاد منها حاملاً ماعوناً من الورق.
 
وقال: "من أجلك ومن أجل مذكراتك".
 
مضت سنوات على ذلك.
 
لا زلت أحتفظ بهذا الورق. في الواقع لم أفكر حتى هذا الصباح باستخدامه.
 
لكن هذين الإنكليزيين... هذه السماء الصافية في كورنويل...
 
كنت متأهباً، على الأرجح، لقد نضجت القصة في ذاتي منذ أن حرضني دالينج، للمرة الأولى، على الكتابة.
 
كانت تواجهني عقبتان. أولاً، ما عرفت على الإطلاق التعبير عن نفسي بنفسي: كي أُعرف عن نفسي، كنت أحتاج دوماًً إلى كلمات وإلى موسيقى الآخرين. وثانياً لا أعرف في أية لغة عليّ أن أكتب. منذ ربع قرن بالتمام لم أعد أستخدم الإنكليزية، وحتى عندما أتضرع إلى الله، فإنني أخاطبه بالإيطالية أو بالفرنسية.
 
غير أنني قلت لنفسي بأن زمرة من أصدقائي وشركائي المختفين يقفون إلى جانبي ويدعمونني. فأنا أكتب من أجلنا. من أجلنا نحن الفرنسيين واللاتينيين والإيطاليين والهولنديين والإنكليز، ما الفرق؟
صفحة 7
(2)
 
في موسم البازلاء
 
حين يعير رهط من الكلاب السمع (لأبواق الصيد)
 
حتى الإجهاز على الطريدة
 
مزامير الصبية القصبية
 
تلزم (تلك) الحيوانات الضارية المثول للأوامر
 
أغنية شعبية
 
تفسد الريح تسريحة شعري، والشمس تبهرني، أمضغ سنبلة منسية، الأمر الذي جعلني أفكر بأن الذكرى تقبع إبان الحصاد وما بعده، نهاية شهر آب أو بداية أيلول.
 
"تعال، يا فرانسيس، تعال!".
 
إنه صوت جين، مرضعتي. جين ذات الشعر الأصهب الخريفي والعيون الزرقاء كالبحيرات. تكلمني، وأسمعها، لكنني لا أرها.
 
"انهض أيها الكسول، تعال إلى هنا".
 
أتدحرج على سوق مقطوعة توخز ظهري وركبتي ويديّ. أقول لنفسي: أريد المسير. فراغ في ذاكرتي، ثمّ ترنحت بين الحقول المزروعة، والريح تداعب وجهي وتسحب تنورة جين، الواقفة، قالت لي بابتسامتها الفاتنة وذراعيها ممدودة: "رائع يا فرانسيس. تابع، لا تتوقف، تعال، تعال..".
 
أنا مندهش. إنني أمشي. أتقدم بوسائلي الخاصة. أتقدم خطوة، ثم خطوة أخرى، ولا أزال واقفاً.
 
"جهد أخير، يا صغيري، خطوة أخرى، خطوة أخرى...".
 
انتهى الأمر بي بين ذراعي جين كباخرة تدخل المرفأ. تفوح منها رائحة الخبز الخارج من الفرن ورائحة السماء والأرض الدافئة والحليب الذي ترضعني إياه.
 
تغمرني بالقبلات قائلةً: "أحسنت يا سيد فرانسيس، لعبت جيداً!"
 
في الأفق (في أفقي) ترتسم سطوح غولدن ميل في السماء، يطلق على المكان اسم طاحونة غولدن حيث لم يعد ثمة طاحونة منذ زمن بعيد. غولدن هو الاسم الذي يطلقه كل الناس على قصر فولفيدون الريفي- كل الناس باستثناء والدي. كانت والدتي وشقيقتي ماري تعيشان في هذا القصر الذي أعرفه. كان والدي في أغلب الأحيان في مكان آخر في لندن أو لانهرين، مكانين مجهولين لم يعنيا لي في تلك الفترة سوى أنهما "بعيدان".
 
أقول لنفسي إن ذكرياتي لم تعد قديمة باستثناء ذكرى حقل القمح.
 
ولدت، كما قيل لي، في السنة الخامسة عشرة من عهد الملكة إليزابيث. فإذا كان ذلك صحيحاً، فقد ولدت في الشتاء، وفي أسوأ الأحوال في الربيع، طالما أنه ينبغي كي أمشي، كما يبدو لي، أن يكون عمري على الأقل ثمانية عشر شهراً.
 
في عيد الميلاد تقريباً بدأت الكلام، وصار لديّ أخ جديد، يدعى أدريان. جاؤوا كي يصطحبوني لحضور حفل العماد. ذهبنا بأبهة إلى كنيسة بروبوس. لديّ أفكار غير واضحة عن هذا اليوم. كان والدي في لندن، ووالدتي هي التي تنظم الحفل والاستقبال مع عزف الموسيقى والرقص. تلقيت أول ضربة من سيدة طويلة تعيش في لانهيرن، لم أرها في حياتي قط ولا أعرفها، وضربة أخرى جعلتني أبكي أمام جدتي آن. كان هناك الكثير من الناس. ذهب الكبار إلى الطاولة في الصالة الفاخرة، وغادرنا نحن الصغار مع مرضعاتنا. كانت راحتي الكبرى عندما تمّ وضع أدريان لدى مرضعة أخرى غير مرضعتي.
صفحة 8
كان عمر والدتي عشرين عاماً فقط. قامتها قصيرة وبشرتها بيضاء، ذات شعر أسود وعينين لوزيتين. كانت تدير المنزل والأراضي. تراقب عملية جزّ الخرفان وغزل الصوف والنسج والخياطة، وتهتم بالمرضى وتُوُلّد النسوة الفلاحات وتخرج، وتستقبل سيدات الأراضي المجاورة اللواتي يفعلن مثلها. كانت عصبية، نافذة الصبر ومتحفظة ومن غير الممكن جذب انتباهها في وقت غير مناسب. كان يشغل بالها بصورة مستمرة تجمع الغيوم في الأفق.
 
كان عمر أبي سبعة أو ثمانية وعشرين عاماً. لا أمتلك في مخليتي إلا ذكريات متقطعة عنه. لم يكن يناديني إلا بالسيد فرانسيس. نادراً ما كان يبتسم، ويلقي عليّ خطابات طويلة عن الإيمان الحقيقي ومسؤولياتي. كان يضربني بالسوط كي أحفظ دروسه.
 
عندما أتذكره، أكثر شيء يؤثر في هو نظرته. فعيناه شديدتا الزرقة وغائرتان، وكأنه في حالة حداد مستمرة، لكنهما قويتان جداً تشدان الانتباه على الفور. وأتذكره أصهب بقرطيه اللامعين ولحيته الصغيرة وشاربه. في أفكاري كطفل أراه جميلاً جداً، وعرفت فيما بعد أنني شغوف به.
 
كانت أملاك فولفيدون هي مهر جدتي جين فولفيدون التي ورثتها عن جدتها عندما تزوجت من جون تريجيان خلال فترة حكم الملك هنري الثامن. قيل لي بأن اسم عائلتنا يعني "أرض العمالقة". وبأكثر ركاكة، أظن اليوم بأن الاسم يترجم بـ "أرض جون"، ولكنني عندما كنت طفلاً كان الاتجاه الآخر مقبولاً بشكل مجمع عليه. ربما ذلك بسبب قامتنا. ففي عائلة تريجيان قامة الرجال جميعهم تتجاوز ست أقدام، والنسوة أطول من المتوسط، وكان لجون العجوز كتفين عريضين وقورين جداً لدرجة أن الحديث عنهما استمر بعد وفاته بنصف قرن.
 
الصور التي أملكها، في ذلك الوقت، عن فولفيدون مشوشة. سماء رمادية قاتمة تسير فيها غيوم تدفعها ريح غاضبة. يحدث انفراج في الطقس وفجأة تجهر الشمس. الفلاحون الذين يحرثون الأرض وعمال المناجم الذين يعودون، لحظة الغسق - يغني الشباب أقدم الأغاني وهم يقهقهون. أرى عودتهم في الليل من تحت شال جين التي تشدني إليها وهي تجري تقريباً، ويصبح نفسها قصيراً. من أين جئنا؟ لا أعلم. أرى أنني خُدعت حتى العظم، وضعتني جين أمام النار في المطبخ، وركضت لتجلب لي ثياباً جافة.
 
أجهل كيف وصلت إلى هنا وأنا أشعر أنني مهدد. ربما، لأنهم في منزل والدي كثيراً ما يتهامسون في الزوايا.
 
لا يظهر كوثبيرت في ذاكرتي، رجلاً يجسد الخطر، وإنما شخصاً مثيراً للقلق. إنه رجل وديع وأنيس، وفي حركةٍ دائمة. كان يقوم، كما قيل لي، بدور القيم على الأراضي. غالباً، ما كان يسافر لإدارة بعض الممتلكات البعيدة. وكان هو أيضاً يلقي عليّ خطابات طويلة حول الإيمان الحقيقي، ويباركني قبل أن يرحل.
 
لن أقول إنني لم أذهب لحضور القداس إطلاقاً حتى بلغت في الثالثة من عمري. أقول بصورة منطقية: "هذا مؤكد". لكني لا أتذكر ذلك. ربما كانت حركات كوثبيرت وهمهمته بمثابة قداس؟".
 
بدأت حياتي الفكرية باكراً. كثيراً ما روت لي جين هذه المعجزة، تعلمت القراءة على حين غرة. ربما يعود ذلك إلى أني أملك أكثر الذكريات في هذا القصر. كان يفتنني الأشخاص الذين يكتبون أو يقرؤون. كوثبيرت ووالدي وخادمه فيليب وجين التي كثيراً ما كانت تقرأ بكتابها الخاص بالصلاة وجدتي كاترين تريجيان، أرملة جدي جون (الذي لا أملك سوى صورة غامضة عنه لأنه مات عندما كنت صغيراً). عاشت في القصر الجديد، وهي التي كانت تشرح لي طوال اليوم بصبر وأناة الأحرف في كتاب ابنها للهجاء، والدي. الغرفة واضحة في ذهني، تبدو مغطاة ببساط ثمين. بالطبع، نحن في الصالة الخاصة بالسيدة كاترين، كما نسميها جميعاً. إنها من عائلة الآرانديل، عائلتها الأغنى والأكثر نفوذاً في المنطقة. كنت أجلس على ركبتيها. كتاب الهجاء عبارة عن صفحة رقيقة بقياس 4 أو 5 أنش/6 أو 7 داخل إطار متين ومقبض على غرار مقبض المرآة. تجد الأبجدية في أعلى الصفحة، وترتيب الأحرف في أسفلها، وفي الجزء الأوسط السفلي كُتبت كلمة أبانا.
 
" سيدتي، ما هذا؟".
 
"حرف الألف، يا فرانسيس. اذهب فأنا متعبة".
 
"حاضر، ولكن هذا الحرف فقط".
 
" إنه حرف الباء، يا صغيري، والآن هذا يكفي. انزل".
 
"حاضر يا سيدتي. فقط هذا الحرف الموجود هنا".
 
"هذا الطفل عنيد مثل والده. هذا الحرف قلت لك ما اسمه مسبقاً، عليك أن تعرفه".
 
"حرف... الألف؟".
 
"نعم، حرف الألف. والآن، يا فرانسيس، انزل عن ركبتيّ واتركني".
صفحة 9
نزلت، ولكن يستحيل تجاهل التهديد الذي يعتري صوتها. ذهبت حتى الباب وأنا أملك رغبة أقوى من الخوف، فعدت إليها.
 
"سيدتي؟".
 
"ماذا بعد؟".
 
"ألا تريدين تعليمي كيف أكتب اسمي؟".
 
"سيد فرانسيس، عندما أقول لا فهذا يعني لا. انتبه، أنت لم تتعلم المشي عملياً، وعليك أن تتعلم الكلام بصورة صحيحة قبل أن تتعلم الكتابة".
 
"حسناً، يا جدتي. أريد أن أحاول فقط".
 
إنها تستجيب. ينتهي بها الأمر دوماً إلى الاستجابة. تمضي وقتها وهي تقول: "من يحب شيء ما، عليه أن يتحمل عذاب هذا الحب"، وتطلب منهم أن يصححوا لي ما كتبت، أما هي لم تقم بذلك لسبب اكتشفته فيما بعد، هو أنني كنت أسليها.
 
***
 
عندما كنت صبياً صغيراً، كان قصر غولدن مكاناً ضخماً. كنت أخاف من الظلال الممتدة إلى الغرف، وظلمتها في ساعات النهار. كنت أفضل اجتياز الباحة والذهاب إلى مطبخ القصر القديم حيث كان يوجد فيه أحد ما على الدوام.
 
يتكون غولدن من قصرين. هناك القصر الجديد الذي بناه والد جدي وفيه عاشت عائلتي وجدتي كاترين وخدامهم الشخصيين. يقع القصر الجديد في جنوبي الطريق الواصل بين غولدن ميل وبروبوس، تحيط الباحة الوسطى بمبانيه من ثلاث جهات، وهو مفتوح على الممشى. ويقع القصر القديم، الذي يعود تاريخ بنائه إلى ثلاثة أو أربعة قرون، على ما أظن، في شمالي الطريق وينزاح قليلاً عن البيت الجديد، ويستند إلى حقل مرتفع كان الفلاحون يسمونه الحقل الروماني. يقال في البلد، بأن القصر القديم كان ديراً للراهبات في قديم الزمان. إنه مسكن عال وممل، نوافذه قليلة العدد، يحتوي سلسلة من المباني النفعية المصفوفة على شكل مربع حول باحة مغلقة، بُنيت في عصر توجب فيه مقاومة الحيوانات المفترسة والقراصنة وقطاع الطرق، ومن أجل ذلك كان الأسياد يحصنون مساكنهم. يُستخدم قصر غولدن القديم اليوم كمزرعة ومستودع ومسكن لعدد كبير من الخدم. أصبحت صالته الكبيرة مطبخاً للقصر.
 
يعج باستمرار بالخدم والخادمات والفلاحين والوصفاء والوصيفات. يبدو لي بأن هؤلاء الأشخاص يتحدثون ويصرخون ويركضون في الاتجاهات كلها في آنٍ واحد.
 
الرجل الوحيد الذي ينفصل عنهم هو توماس الكبير، توماس العجوز، الذي تُظهر ابتسامته أسنانه المزالة، شعره أبيض اللون وقليل، فهو لا يتحرك إلا بمساعدة عكاز ويمشي "ببطء". يتهامسون ويقولون بأن عمره ثمانون عاماً، وقد كان مدير القصر لدى والد جدتي جين، وكان وقتها في المنزل عندما جلبته جين فولفيدون مع مَهْرها إلى جون تريجيان، قبل بناء القصر الجديد. يقال أيضاً إنه رحل مع جين فولفيدون لأنه كان يعشقها بجنون. لم تذكر الإشاعات فيما لو كانت تبادله هذا الحب .
 
عندما كنت طفلاً، كان توماس العجوز يمضي القسم الأكبر من وقته في زاوية من زوايا الموقد، وكنت على يقين بأنه ينام فيه. كان يعرف القصور بأدق تفاصيلها، وكنا نقوم باستشارته عندما نعجز عن حلّ الصعوبات التي تواجهنا. حتى والدي كان يتنازل ويبحث عنه هنا وهناك ليستطلع رأيه.
 
***
 
كان كل شيء لدى توماس العجوز قديماً، ولا صوت له. كان صوته عميقاً ويبعث على الاطمئنان، وكان قريباً من الأرواح الطيبة والشريرة التي كانت تضرب الريف. والله أعلم فيما لو كان الريف الكيرنيفوتي يذخر بأرواح من كل جنس ولون. يتميز صوته بلكنة سلتية، لغته الأم التي علمني مبادئها، فقد كان يحدثني عن تربيجيان.
 
"كانت ذراعاه طويلتين ما يكفي كي يمدها وينتشل الرجال من القوارب المارة. كان يأكل لحماً طازجاً كل يوم. آه! كم طفلاً التهم لحمه نيئاً. لا نعلم كيف توفي. عثروا على هيكله العظمي منذ فترةٍ وجيزة".
 
ومرةً أقحم العجوز توماس نفسه بموضوع الوحوش، وكان يستفيض بالحديث عنها. حدثني عن جون غانت الذي ترك آثار مسيره على هضبة كارن بريا بالقرب من ريدروث: الصخور الموجودة هناك تدعى بالتابوت والعجلة ويد المارد بل ومهده أيضاً. يعتقد توماس أن كورنويل تعج بالعمالقة. وحتى اسم بلدنا يرتبط بهم.
صفحة 10
"يقال بأن اسم كورنويل مشتق من كورينوس الذي استلم بلدنا كمكافأة من بروتوس دو تروينوفانت (اسم لندن في ذلك الوقت)، لأنه دحر المارد غوغمارول بعد صراع مرير وجهاً لوجه على مرتفعات بليموث. آه، يا لها من مشاجرة! كان عليك رؤيتها"، يقول متعجباً وكأن الحدث يعود تاريخه إلى معرض العام المنصرم.
 
ينظر إليّ راضياً. أستفيد من ذلك كي أقحمه في أحد الموضوعات التي أفضلها.
 
"حدثني، يا توماس، عن كورموران".
 
"كورموران؟ هو الذي بنى جبل سان مايكل. ويطلق عليه آخرون من بيننا اسم جبل كاريغ -اوز- اين- كوز، ويعني ذلك باللغة السلتية "الحجر الأبيض في الغابة". يوجد، في منتصف الطريق، صخرة كبيرة بين القصر وأرض المزرعة، يطلق عليها اسم صخرة الكنيسة، ولكن لم يعد هناك ثمة كنيسة، فقد هدمتها المطرقة. وزوجة كورموران هي التي تركتها تسقط. أمر زوجها ببناء قصر من الحجارة البيضاء، إلا أن ذلك يتطلب الذهاب بعيداً للعثور عليها، فقالت لنفسها وقتذاك بأن الصخر الجيد المائل للخضرة المتوافر لدينا سيفي بالعرض. لكن كورموران لم يتفق مع رأيها، وعندما اكتشف حيلتها ركل زوجته ركلة قوية على مؤخرتها، إيه! إيه!... أصابتها الضربة فتعثرت وهوت. انقطع حزام صدريتها المصنوع من الجلد فسقطت الصخرة التي كانت تحملها".
 
"هل انتهى أمر كورمورون بالضرب؟ هل قُتل؟".
 
"نعم، يا سيد فرانسيس. ضربه جاك وقتله، إنه صبي يقظ مثلك. كان يعيش بالقرب من لاند اند. كان كورمورون في ذلك الوقت هائجاً. سرق ماشية الفلاحين، وعلق الأبقار في حزامه وحمل العجول السمينة على كتفيه، ثمّ عاد إلى قصره في جبل سان مايكل والتهم كل ما كان بحوذته. ومن أجل ذلك رصد الملك آرثر مكافأة لمن سيقتله. فكر جاك ملياً، وخطرت له فكرة. حفر حفرة كبيرة في أرض يابسة مقابل جبل سان مايكل. غطى الحفرة بالأغصان وعيدان القش. وبعد ذلك نفخ بالبوق، سارع المارد الذي لم يكن يطيق اقتراب أحد من قصره ليقتله، ولكن عندما كان مسرعاً لم ير الفخ وسقط فيه وعلق رأسه أولاً. انهال جاك على رأسه بضربة قوية بالفأس، وطمر الحفرة بسرعة كبيرة ظناً منه بأن المارد لا يزال حياً، أو قد يكون لديه القوة السحرية ليعود إلى الحياة".
 
"هل حاز على المكافأة؟".
 
"بالطبع، حاز على سيف رائع وحزام نُقش عليه بأحرف مُذهبة ما يلي:
 
ها هو الكيرنيفوتي الشجاع
 
الذي قتل المارد كورمورون.
 
منذ ذلك الحين والناس تتحدث عنه، وكانوا لا ينادونه إلا بجاك قاتل المارد. امتدت شهرة الصبي البسيط من لاند اند إلى ما وراء البحار".
 
كنت أصدق هذه القصص بسهولة. وحلمت بأن أصبح يوماً رجلاً بطولياً مثل جاك فرانسيس قاتل المردة، إنه لقب جميل للمجد.
 
***
 
تعلمت الأبجدية والحساب من دون أن ألحظ ذلك. استوعبت اللغة اللاتينية واليونانية التي كان يتحدثها كل من حولي، وكان من الطبيعي أن تستحوذ أساطير توماس السلتية على تفكيري.
 
عندما فُطمت، ما كان جديداً وطارئاً عليّ هو تلقي الضربات: كل شخص كان يظن أنه مسموح له أن يضربني، وكان أهلي يجهلون الأمر، أو لم يقولوا شيئاً على وجه الاحتمال. لكن ذات يوم أرادت إحدى الخادمات ركلي، اكتشفت أنني أملك وسيلة للتأنيب، بكل بساطة، نظرت إليها. عندما رجعت إلى الوراء كانت تهمس وهي ترسم إشارة الصليب: "عيون الشيطان".
 
لم تكن وحدها من يفكر بهذا الأمر، فلعل البعض يعتقد أني مرسلٌ من قبل بيلزيبوث أو كورمورون.
 
بالطبع، كان توماس العجوز يملك تفسير ذلك. كان يرى أن عيوني تشبه عيون جين فولفيدون كلياً.