eKtab
EN ع
متى يختفي الآخر مني
اقرأ عينة مجانية

متى يختفي الآخر مني

بقلم عبد الستار ناصر

صفحة 1

نقطة ضوء

قصص هذه المجموعة كتبها عبد الستار ناصر بعد توقف دام أكثر من ثلاث سنوات إثر إصابته بجلطة في الدماغ التي أثرت على تركيزه، كتبها في كندا، ونشر مقدمتها في جريدة الصباح بعنوان (قصصي وأنا نتجول في كندا) كان محبطاً خلال فترة الانقطاع التي طالت أكثر مما يجب بالنسبة لكاتب عاشق للقصة بامتياز، وكنت دائماً أحثه على المحاولة حتى لو كانت شخبطة في بداية الأمر، لكنه كان يكرر: أنا لا أكذب على نفسي··وذات يوم أمسك بالقلم وكتب قصة بعنوان (يحدث في غواتيمالا أيضاً) لم ينشرها، بينما نشر القصص اللاحقة لها، كان متوجساً وهو يعود للكتابة، حتى أنه كان ينسى كتابة بعض الكلمات فيستعين بي (تعالي هدية شوفي هل هذه الكلمة صحيحة أم لا) أحياناً يكون قد كتب الكلمة صحيحة لكنه غير متأكد من صحتها، وأحياناً يتقدم حرف على حرف آخر··· وهكذا بدأت المحاولة، وتوالت القصص التي كنتُ أطبعها وأرسلها إلى الصحف لأنه ظل منحازاً للورق ومعانداً في أن يبقى بعيداً عن عالم الإنترنت، حتى رسائله الشخصية للأصدقاء كان يمليها عليّ فأكتبها وأرسلها، وخلال فترة الانقطاع عن الكتابة لم ينقطع عن القراءة، كان يقرأ بنهم وكنا نستعير الروايات من المكتبتين المركزية والفرعية في هاملتون أو تأتي إلينا عبر البريد من بعض الأصدقاء، أما قراءة الروايات من خلال النت فهو لا يقربها··
كان بيننا وعد أقسمنا عليه، إذا مات أحدنا قبل الآخر فإن الثاني يتولى طبع عمله الأخير، وفي كل تكرار لذاك الوعد كان يقول بتأكيد راسخ: طبعاً أنا أموت قبلك·
ها أنا أبر بوعدي وأقدم للقارىء هذه القصص التي لا أقول فيها سوى أنها تجربة جديدة في أسلوب عبد الستار كما أكد هو في مقدمته لهذه المجموعة، وقد وجدت في أوراقه تسلسل القصص ليس بحسب كتابتها، بل برغبته في أن تتقدم هذه القصة على تلك، لكنه لم يضع عنواناً لها، لذلك فقد قمت باختيار عنوان (متى يختفي الآخر مني) وهو عنوان إحدى قصصه التي نُشرت في مجلة نزوى العُمانية·
لا أريد هنا تذكير القراء بتراث عبد الستار ناصر، فهو معروف للجميع، فقط أدعوهم لقراءته من جديد·
هدية حسين
صفحة 2

قصصي وأنا، نتجول في كندا

ما يشبه المقدمة لكتاب قادم
أعوي كالذئاب دون صوت، أعوي في المفازات مع الموج الهمجي والمحيطات العجب، لا أدري منذ متى هذا العواء، تتقلص أمعائي وأحس بالغثيان أمام غربة طال أمدها أكثر مما ظننت، مات أقرب الناس لي وأنا بعيد عنهم، في غربة أعوي فيها كالذئاب وأنا أتذكرهم وأبكيهم دون صوت، الأحبة الذين كانوا···· لم يبق بعدهم سوى انتظار موتي لئلا أعوي كل يوم وكل ساعة كما الذئاب·
أنا معلول منذ صباي (معلول بالمحبة والإفلاس) أذرف الدموع على غياب سركون بولص، أحلم بالبحر الذي أخذني إليه نصر محمد راغب، مولع حد الألم الجارح وأنا أتذكر موسى كريدي وفهد الأسدي وكزار حنتوش، معلول مع كل غياب، كيف رحل محمود جنداري وسامي محمد؟ أي ميراث تركا للريح؟ لماذا قتلوا أطوار بهجت ومحمود البريكان؟ أتموج معهم وأنا بعيد عنهم بآلاف الأحزمة الضوئية، كيف مضى ضرغام هاشم وصاحب الشاهر بهذه السرعة؟
أتذكرهم وأبكيهم، كل غياب هو فاجعة (إسمع يا فوزي كريم، لا أسمح أن تموت قبلي، لا أريد أن تموت رجاءاً) يكفي ما خسرنا من الأحبة، يوسف الصائغ وكمال سبتي ومحسن اطيمش، يا لمحسن اطيمش كيف تموت وأنت في عز الكلام؟ ألا يحق لي إيقاف الساعة وأمنع موتك سنوات أخرى كما أشاء؟ أعوي كالذئاب من فرط همومي ولوعتي بعد غياب المحبين: جليل القيسي وسليم عبد القادر ورشدي العامل، من أعطاكم الحق في أن تذهبوا بهذه العجالة؟
كالذئاب أعوي دون صوت، لم أعد أفقه ما أرى، المفردات تتأرجح ولا أعرف كيف أكتبها، صارت محض أحجية وطلاسم وألغاز، أكتب القصص بوعي مرتبك، أتعب من ترتيب الحروف، أتذكر شاعرية (النورس في مدريد) وأقف منبهراً مندهشاً أمام (سيدنا الخليفة)وأبكي بلا دموع على جماليات (شمبارة الميمونة)··· فماذا جرى لهذا الدماغ الذي ما عاد يعطي سوى الظلام···· أكتب؟ ماذا سأكتب بعد تلك النكبات المروعة؟ البلاد ترحل صوب المجهول، بلادي تتقشر كما الموز، نتزحلق بهياكلنا وهيبتنا ويضحك أمراء البترول علينا، فمتى ينشف النفط وتجف الأرض ونرجع إلى هيبتنا وحضارتنا الأولى؟
صفحة 3
قصصي وأنا، نتجول في كندا، حقائبنا فارغة، أوراقنا بيضاء حليبية كما القيمر، لكنها دون طعم ولا رائحة، الوطن يمشي من رعب إلى رعب أكبر، أريد أن أكتب عن المسالخ، عن الضحايا، عن الروح الآيلة للسقوط، السقوط في الخيبة إلى أقصاها، لكن مصيبتي تكمن في الفراغ، فراغ في الجسد، فراغ فيما أرى، فراغ الآخر الذي اكتشفت عيوبه وخياناته في نهاية عمري، فراغ بالمسافة التي تبعدني عمن أحب، ياه كم هو شاسع ورهيب حجم المسافة المظلمة بيني وبين نفسي التي ضاعت !
ماذا فعلت أصابع يدي اليمنى طوال ما فات من سنوات عمري؟ خمسة أصابع كتبت بها أشياء لا أصدق أنني وحدي من جاء بها إلى الوجود، كدت أغرق ذات يوم في بحيرة الحبانية وأنقذني الفنان (وليد شامل)··· لكن يدي اليمنى بأصابعها الخمسة هي التي أشارت له بالهلاك، في غرفتي العارية، في السرداب الرهيب، في الجب المرعب، أنقذتني أصابعي من الحرمان وصار الوقت أقل رعباً·
في عام 1969 كتبت أصابعي ثماني قصص تحت عنوان (الرغبة في وقت متأخر) مشيت بعدها في شوارع بغداد أتساءل: من الذي يقرؤني الآن؟ والآن بعد أكثر من أربعين سنة من هوس الكتابة وعشقها تأكدت أن القراء أقل بكثير مما ظننت، وبرغم هذا جن جنوني على كتابة المزيد من القصص، أزداد قناعة وآمل أن يبتعد القراء عن المبدعين، ذلك أن المسافة جد شاسعة بين حضور المؤلف وغيابه حتى تبقى صورته في الذاكرة أجمل وأقرب ما تكون إلى قديس·
صفحة 4
أعرف بعض الأدباء وأخجل مما يفعلون، حتى أنني لم أعد أقرأ ما يكتبون، ملامحهم تقتل النص مهما كانت أهميته، النص الذي أراه والذي يمنعني كاتبه عن القراءة، في بداياتي، في أول رحلة إلى القاهرة، رأيت نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وإحسان عبد القدوس، أحببتهم، كانوا نموذجاً للمبدع حتى في المقهى، ثمة أسماء أعيش بذاكرتي معها، رحلت ومازالت تغزوني إعجاباً، سبابتي تشير إليهم من خلف الذكريات: طه حسين، الطيب صالح، سهيل إدريس، ومحمد عبد الحليم عبد الله، سأبقى على صلة مقدسة بهم حتى نلتقي وراء الأصابع·
أصابعي هاجت وماجت بين القصة والمسرحية والرواية والسيرة الذاتية التي أخذت مني أربعة كتب في الهجرة نحو الأمس وحياتي في قصصي، كنت أعيش مأخوذاً ممسوساً إلى روح الكتابة وكانت أصابع يدي اليمنى لا تتعب، كنت أضرب على الآلة الطابعة، تمضي طقطقاتها في الليل والنهار، مابين الهدوء والصخب، أكتب باليد اليمنى (مرة واحدة وإلى الأبد) وترتاح أصابعي حتى يحين الدور على (تلك الشمس كنت أحبها) أول رواية كتبتها، أول جنون قطعت به المسافة بين الهلوسة والسريالية، حروف لا تشبه الحروف، كلمات لا تشبه الكلمات، ماذا فعلت تلك الرواية؟ كم كان عمري يومذاك وأنا أخاطر بمستقبلي وأغامر بما أملك من جنون؟ كنت أدخل النهر عارياً إلا من أصابعي، قلت لها: اكتبي ما تشائين واحذري أن نغرق سوية، أنا وأنت وهذا النهر المشاكس العنيد، اكتبي ولا تخافي، حتى إذا كان الثمن سنة من عمرك في غرفة عارية ليس فيها سواك وبعض الزواحف والحشرات·
صفحة 5
الآن، لم أعد أعبأ بالمضامين، هجرتها منذ وطأت هذه الأرض، تركت ورائي مئات القصص ولم أعد (أسعد رجل في العالم) بل كتبت في مكانها (حان حيني، فصحوت مكبلاً) وأهديتها إلى المبدع العظيم محمد خضير، أخطو إلى الخلف متذكراً أخطائي، أعني تذكرت الحوارات التي فيها حفنة من غروري (أنا أخطر كاتب قصة في الوطن العربي)·· وبقيت الأخطر على مدى خمسة وثلاثين عاماً، كيف لا وأنا الذي ضيع في الأوهام عمره؟ أوهامي تناسب العمر الذي ضاع مني ولم يبق من شيء سوى (خيمة على حريق) أرجع بعدها إلى (مكتب الإنسان) الذي شاركني فيه الشاعر سلمان داوود محمد الذي صار قبلة للحساد والناقمين والنكَرية·
تغير أسلوبي، أجهزت على لب المضمون، تركت يدي بأصابعها الخمسة تأخذ المسرى الذي تريد، والمدى الذي تصل فيه حدود الممكن والمعجز مع شيء من بهارات الفانتازيا، مع شيء من المحروقات والسريالية، تغير أسلوبي، سنواتي تداهمني في غربتي ولا أعرف ماذا سأفعل في بقيتها وهي ترفع أمام وجهي كلمة (إحذر)··· أحذر من؟ ليس من حافة ولا بئر ولا مطبات ولا هاوية ولا أشواك ولا حريق، لا شيء سوى كلمة بلهاء خالية من أي معنى !
صفحة 6
أحدهم ـ بغرور ومباهاة ـ قال بموت القصة القصيرة، لقيت حتفها على فمه في الطريق، وقبلها قتلوا الشعر وشيعوا القصائد إلى مثواها الأخير··· وماذا بعد ذلك؟ من الذي سيأخذونه إلى المقبرة ونقرأ الفاتحة على جرمه التأريخي اللامع الكبير؟ الفلسفة مثلاً؟ علم الجمال؟ المقالة النقدية؟ التصوف؟ التابوت جاهز للميت المثالي الذي سيأتي (أحدهم ) ويطعنه من الخلف ويصرخ الله أكبر كما يحدث في السينما العربية !
ها أنا أكتب القصة واتجول معها في شعاب كندا، لم أشعر بموتها، بل أتوهج وأذوب عشقاً بها، صحيح أن البعض عافها بعد أن تبوأ على عرشها حيناً من الدهر، لكنه وبعدما انثلم العرش إلى نصفين تحت عجيزته، راح إلى الرواية وقال: عليّ وعلى أعدائي، ومشى في ركب السيد (أحدهم) وقال قولته الشهيرة بموت القصة وأجدادها واولادها وأحفادها من بعد !
تغير أسلوبي كما تغير إحساسي بالأشياء، كنت أرتجف هلعاً وأنا أغير جلدي كما الأفعى، هنا في كندا صرت وجهاً لوجه أمام القصة التي أكتبها، لا شيء من الماضي وأبطاله، لا شيء من الإيروتيكية ولا النساء العاشقات، أنظر إلى عنوان القصة (قبل كابوسي، سعيد بموتي) لتأتي بعدها (جلدي يتشقق على الأرض) كأنني أشرح المعنى قبل الدخول إلى ملكوت القصة، بينما الحال ليس على نفس المنوال، إنني أجمع ذاكرتي حتى أرى (التيس المبجل يخبو) والنص يتطور باتجاه عميق، عميق جداً، يلبسني كثوب أبيض يشبه الكفن، أرفع يدي باصابعها الخمسة سعيداً أنني انتهيت من التجربة·
صفحة 7
برغم كل ما جرى في حياتي مازلت أعوي كما الذئاب دون صوت، يبدو أن الماضي متأصل في زمرات دمي، منذ رأيتهم في قصة (منتظراً رائحة النعناع والكمثرى) الذين ذكرتهم في البرزخ ما بين الجنة والجحيم، جئت الآن أرثيهم مرة ثانية وثالثة، إنهم الأحبة، رحلوا دون حقائب، لا شيء سوى قطعة قماش ناصعة البياض يغلفها التراب، مع السلامة يا جليل، نراك متى تشاء يا محسن، عيني عليك يا سركون، مبكراً ذهبت يا موسى، وداعاً يا نصر سنلتقي ثانية عند البحر، ويلي على شبابك الغض الذي توارى يا أطوار، متى أراك يا جنداري؟ وينهمر التراب، ينهمر التراب، ينهمر، ينهمر، التراب يغطي كل شيء، تلك هي النهاية، المقابر تنتظر، تنتظرنا، وتنتهي القصة، تنتهي، لكنها لم تمت ولن تموت·
والشعر كذلك·
عبد الستار ناصر
حزيران 2013
صفحة 8

قبل الكابوس، سعيد بموتي!

أنا رجل كثير الأحلام، وبالدقة، كثير الكوابيس، أدخل في بيت معتم، وأخرج من العتمة يأخذني عنكبوت أشقر برأس أسود ويشبك سيقانه حولي، ثم يرميني إلى بيت آخر بين حفنة حشرات وزواحف تلسعني وتضحك، لا أدري هل تضحك الزواحف والحشرات؟
بمرور الزمان تغيرت الحالة تماماً، صارت الكوابيس واضحة وجارحة ومفهومة، أرى زوجتي على فراشي مع رجل آخر، بينما كنت مسافراً إلى دمشق، عدت قبل موعد الرجوع، وكان ما كان، شهقت وكدت أختنق، صحوت من النوم وحمدت الله أنني لم أتزوج بعد؟
من غرائب الكوابيس التي حطمتني تماماً، يوم حلمت بأنني خروف في طريقي إلى المسلخ، أنا الخروف الوحيد الذي يعرف أنهم سيذبحونه، حاولت أن أهرب، لكن القصاب ركض خلفي وأوسعني ضرباً، كررت الهروب، إذا بالقصاب يحيط رأسي بحبل متين بينما كنا نقترب من المسلخ، وكان دوري الأول بين الخراف جزاء ما فعلت بالقصاب·
مسكوني من أطرافي، جاءت السكين العملاقة وجزت رأسي، فصلته عن جسدي، تقيأت دماً في ساقية المسلخ وصحوت من النوم، كانت الساعة في غرفتي تشير إلى الرابعة فجراً ولم أعد إلى فراشي، قطعت بقية الوقت في القراءة بعد ان غسلت رأسي تحت الحنفية وتأكد لي أنني صحوت، كل شيء كما هو في غرفتي، المكتبة، شيء من الفوضى، حذائي عند الباب، ليس من خوف ولا حشرات ولا زواحف، المصباح في مكانه، وكذلك الملابس معلقة بالترتيب على مسامير الحائط، ورحت أقرأ·
مرت أيام دون كوابيس، ولا أحلام، أتأخر في النوم حتى الواحدة بعد منتصف الليل، أشرب شيئاً من الخمرة وأقرأ بعض القصائد والقصص العجيبة، ثم أمضي إلى سريري مطمئناً أن الكوابيس غادرتني ولن تعود، حتى أصدقائي لطيف ججو وسامي الحلو قالا: أنت في صحة جيدة، ولا أدري هل يعيشون الكوابيس مثلي؟
تغيرت حياتي فعلاً، منذ أن اختفت آخر رحلة مرعبة قطعوا فيها رأسي، ومنذ أن خذلتني زوجتي التي ما اقترنت بها حتى الساعة، صارت أيامي هادئة وأنفاسي منتظمة، أمشي في الشوارع وادندن مع آخر أغنية تمر على خاطري، أبتسم مع الناس من فرط النشوة، بل أكاد اصدق أن الناس يبتسمون معي، العالم يمكنه سهواً أن يكون أجمل·
صفحة 9
لم تعد الذاكرة تتجول في الأحزان، ولم تعد الذكريات تسبح في بحر المذابح والأوجاع، ذهبت الكوابيس إلى غير رجعة، أستطيع القول: أنا في قمة الهدوء، الثلج سقط على نيراني ولم يعد من شيء يحرقني ويلوث ساعات عمري، أجلس في المقاهي وأذهب إلى دور السينما وأحتسي البيرة في البارات وأمشي في الشوارع والأزقة، أشتري المجلات والكتب حتى تكون المتعة أكبر·
نسيت الكوابيس، اندثرت في أعماق نفسي إلى غير رجعة، سواء نمت مبكراً أو في آخر الليل، أصحو سعيداً وفي غاية النشوة كأنني أمضيت الليل مع أجمل النساء، وهكذا تمر أيامي، من حلاوة إلى أحلى، وقد أحلم، هكذا مصادفة، فهو محض حلم بسيط يداعبني ويمضي، حت أنني لا أتذكره حين أصحو·
مازلت أظن أن الكوابيس قد تقتل أصحابها في جزء من ساعات نومهم، لاسيما ضعاف القلوب، وقد مرت المحنة على خير ولم أمت في واحد من كوابيسي الفاجعة، البعض مثل القش ما إن يدخل أول باب من أبواب الكابوس حتى يحترق، هب··· وترى النار في كل مكان، وأنا كنت كثير الأحلام، وبدقة كما أخبرتكم (كثير الكوابيس) وها أنا أنقذ نفسي بنفسي وأعود إلى انسانيتي بسرعة مذهلة مثل نيزك خاطف جاء من مكان بعيد وراح إلى مكان أبعد·
عائلتي لا تعرف شيئاً عما كنت أعانيه، فأنا لا اصرخ ولا أهذي ولا أشكو ولا أتذمر، أغسل وجهي صباحاً وأحياناً رأسي كله حتى يتم صحوي، الفطور جاهز قبل أن أطلبه، لا كلام ولا دردشة ولا شكوى من أحد، مع السلامة، أقولها دون معنى، ويأتي الجواب دون معنى، أرى خردوات البيت تعترض طريقي ولا أعترض، قميصي وبنطلوني دون مكوى ولا أعترض، المهم أن الكوابيس تفككت ومضت إلى غير رجعة ولا أظنها ستعود وتلبسني كما ثيابي·
صفحة 10
مرة قرأت ما يشبه الشعر، يقول كاتبه( هذا ما أعرفه، الموت هو الموت، وما من أحد عاد من موته ليقول لنا شيئاً)··· وكلام كهذا يطربني ويرعبني في وقت واحد، أسأل نفسي مع كل موت أراه: هل سيعود هذا الذي مضى؟ هل يعيش حالة أخرى غير التي نحياها؟ ربما يرانا كل يوم عبر غلاف سحري شفاف بينما نحن نفعل الحسنات والسيئات غير مصدقين أنه مازال على قيد الوجود·
الكوابيس كانت تغطي جسدي وأنا أفكر في الموت، كم مرة دخلت ذاك البيت المعتم وكم مرة خرجت؟ كم مرة أخذني ذاك العنكبوت ذو الرأس الأسود ورماني إلى جمهرة الحشرات والزواحف وصارت تضحك مني؟ كم مرة جئت من دمشق ورأيت زوجتي مع رجل في غاية الوسامة، تشهق جزعاً وأشهق مخنوقاً وأصحو على رائحة الخيانة مع أنني لم أتزوج بعد؟ ولعل أكثرها رعباً ذهابي إلى المسلخ أنا الخروف العنيد الذي حاول الهروب من الموت فما كان أمامه غير السكين العملاقة تقطع رأسي ويضحك القصاب من غبائي قبل أن أصحو من أكثرها تحطيماً لعظامي وجلدي، أعني ذاك الكابوس الذي غربلني وخرمني وسمرني ورماني إلى مابعد الخوف بفراسخ لا ترى·
**
في بار( المرايا) على موعد مع سامي الحلو ولطيف ججو الذي يسمونه الحمار بسبب أذنيه الطويلتين وصوته المنكر الذي يمنعه من قول ما يريد ويكتفي بإشارات نفهم معناها جيداً، جلسنا نحتسي البيرة هادئين كأننا في عزاء، حتى بدأنا نشرب القنينة الثالثة، وفجأة، سمعنا لطيف ججو يضحك، ولم نفهم السبب، وبعد رشفة أخرى من البيرة ودونما سبب أيضاً راح سامي الحلو يضحك، نظرت اليهما مستغرباً، ماذا جرى؟ يبدو أن البيرة لها سحرها بعد القنينة الثالثة، ماذا سيحدث إذا بدأنا في ارتشاف الرابعة والخامسة؟
دخل البار جوقة من المخبرين والجندرمة السرية، نعرفهم من طبيعة هندامهم وملامحهم، وقبل أن نقول أو نفعل أي شيء، رأينا أحدهم يشير الينا، وبدون كلام وجدنا أنفسنا داخل سيارة مصفحة سوداء، ومن السيارة إلى غرفة مظلمة، ومنها إلى سرداب تحت الأرض، ومن السرداب إلى جب معتم، بل هو في غاية العتمة، نمسك الحائط لئلا نسقط أرضاً، نخاف أن ننطق، إذا تكلم لطيف ججو، الحمار الجميل، ستكون الطامة الكبرى، طارت البيرة ولم يبق منها غير التبوّل، أظنني فعلتها، ثمة رائحة زنخة عندما نفرز البيرة من شدة الخوف·