صفحة 1
البيان النبوي
بلاغة حديث
البلاغة هي تأدية المعنى جلياً واضحاً بعبارة فصيحة بليغة لها في النفس أثر خلاق مع ملاءمة كل كلام بالموطن الذي يقال فيه والأشخاص الذين يخاطبون به، فالبلاغة هي فن من الفنون يعتمد على صفاء الاستعداد الفطري ودقة إدراك الجمال وتبيين الفروق الخفية بين صنوف الأساليب المران يد لا تنكر في تكوين الذوق الفني وتنشيط المواهب المختفية فلا بد من قراءة ظرائف الأدب والاستفادة من نبعه الفياض ونقد الآثار الأدبية والمقارنة بينها.والبلاغة فن من الفنون شأنه شأن الرسم وهو رسم بالكلمات والبليغ إذا أردنا أن ينشأ قصيدة أو مقالة أو خطبة فكر في أجزائها ثم دعا من الألفاظ والأساليب اخفها إلى السمع وأكثرها اتصالاً بموضوعه وأقواها أثراً على نفوس سامعيه، فعناصر البلاغة إذن هي لفظ ومعنى وتأليف للألفاظ تأليفاً بمنحها قوة وتأثيراً وحسناً، ثم دقة في اختيار الكلمات والأساليب على حسب موطن الكلام، وموافقة وموضوعاته وحال السامعين، والنزعة النفسية لهم التي تمكنهم وتسيطر على نفوسهم.
فالصياغة هي أساس البلاغة، إذ أن تجاور الكلمات مع بعضها هي التي تجعل من الكلام معنىً بليغاً حيث نجد كثيراً من الكلمات قد حسن مكانها ساعة صياغتها إذ لا بد للبليغ من التفكير به المعاني التي يتحين في نفسه وهذه يجب أن تكون صادقة ذات قيمة وقوة يظهر فيها أثر الابتكار وسلامة النظر ودقة الذوق في تنسيق المعاني وحسن ترتيبها. فإذا تم له ذلك عمد إلى الألفاظ الواضحة المؤثرة الملائمة فألف بينها تأليفاً يكسبها جمالاً وقوة، فالبلاغة ليست في اللفظ وحده وليست في المعنى وحده ولكنها، أثر لازم لسلامة هذين وحسن انسجامه لها.
صفحة 2
بلاغة الرسول "ص " وبيانه
كان محمد صلى الله عليه وسلم آية في فصاحة القول وسمو البيان بل كان أبلغ العرب قاطبة وهذه قصية لم تكن في يوم من الأيام موضع ارتياب من منصف قديم أو حديث صديق أو عدو، وقد كانت هذه البلاغة العالية أثراً طبيعياً لأسباب توفرت لها ونتيجة حتمية أدت إليها، فالنبي صلى الله عليه وسلم عربي وهو من خير العرب قبيلة، وفي أعلاهم نسباً ومن أعظمهم بيتاً، فالعرب سادة الأمم وقريش سادة العرب، وبنو هاشم سادة قريش ومحمد صلى الله عليه وسلم سيد بن هشام بل هو سيد الأولين والآخرين.ومن مظاهر سيادة قريش أنها كانت أفصح قبائل العرب لهجة وأصفاها بياناً وأعذبها منطقاً وأقواها لساناً، وقد تهيأ للغة القرشية قبل الإسلام من عوامل النقاء والصفاء والفصاحة والبيان ما جعلها جديرة بأن يتنزل بها القرآن الكريم، ذلك الكتاب الذي تحدى العرب ببلاغته وفصاحته ورائع الفاظه وبارع تراكيبه وسمو معانيه، وكانت العرب تفد إلى مكة. للحج ويقصدون الأسواق العربية فيها للتجارة والمفاخرة والمنازرة وينشد شعراؤهم ما تجود به قرائهم الوقادة ويلغي خطباؤهم وحكماؤهم ما تتفتح عنهم أذهانهم الصافية، وكان القرشيون يمرون بالقبائل العربية قاصدين اليمن في رحلة الشتاء أو آتين من الشمال في رحلة الصيف، وفي كل لقاء من هذه اللقاءات التجارية كانوا يأخذون عن فصحاء العرب أحسن الألفاظ وينتقون أطايب اللغات ويدخلون ما يختارون في لغتهم، وهم في ذلك حريصين كل الحرص ألا يدخل في لغتهم شيء من هنات (عيوب) لغات بعض القبائل، فقد شهدت بعض اللغات بلاغة بعض عيوب اللسان، وكان من الطبيعي أن ينفر القرشيون من إدخال شيء من هذه العيوب شأن الحاذق اليقظ إذا تخير اصطفى، ولم يكد يقترب ميلاد الإسلام حتى كانت اللغة القرشية سيدة اللغات بلاغة وفصاحة وهذا مصداق قوله تعالي في شأن القرآن: (وأنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين) الشعراء.
ومن المؤكد أن القرآن نزل جله بلغة قريش، وقد وصف الله سبحانه وتعالى قرشياً باللدد في الخصومة فقال تعالى (فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوماً لداً).
وأكد هذا المعنى في قوله تعالى : (وقالوا إلهتنا خيرٌ أم هو ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون ) الزخرف (5)، فوضعهم بالجدل والخصومة الشديدة واللدد (المبالغة في الخصومة) كلها تعني زراية اللسان و وتصاعد البيان والقدرة على تصريف القول وتشقيقه والذهاب به كل مذهب عند الحاجة.
وبين هذه القبائل القرشية المستقرة في بطحاء مكة بين هؤلاء القوم الذين عرفوا والفصاحة عاش محمد بن عبد الله طفولته الثانية وشبابه وكهولته، أما طفولته الأولى فقد قضاها في ربوع قبيلة بني سعد إذا سعدت به هذه القبيلة خمس سنوات من عمره المبارك بعد ولادته مباشرة وقد شرف صلوات الله عليه وسلامه فيما شرف الفصاحة الصافية من فصحاء هذه القبيلة، وقبيلة بني سعد من القبائل التي كانت تسكن سرة الجزيرة العربية وبذلك ظلت لغتها خالصة لم تشبها شائبة ولم يدخل عليها ضيم كما حدث للغات القبائل التي كان موطنها في إطراق الجزيرة العربية حيث اصاب لغاتها بعض الوهن نتيجة لاختلاط لغاتها بالروم في الشام أو بالفرس في العراق أو بالقبط في مصر، وقد ذكر بعض العلماء في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم (لأن هذا القرآن انزل على سبعة أحرف) أنها سبع لغات لسبع قبائل وعد منها قبيلة بني سعد وهي وثلاث قبائل تجاورها تسمى عليا هوزان وفيهم يقول ابو عمرو بن العلاء العالم اللغوي المشهور وصاحب القراءة المشهورة.
أفصح القبائل عليا هوزان و سفلى تميم ويريد بسفلى تميم بنو ورام وهم قوم الفرزدق والذي قيل فيه لولا الفرزدق لضاع ثلث اللغة.
ويصرح النبي صلى الله عليه وسلم بأثر نسبة في قريش واسترضاعه من بني سعد (أنا اعربكم أنا في قريش أنا من قريش ولساني لسان سعد بن بكر) هذا واشتهر بين الناس حديث ينسب اليه صلى اله عليه وسلم : أنا أفصح العرب يبد انى من قريش واستعرضت في بني سعد بن بكر إلا أن حديثاً آخر ورد في الصحيحين يقول فيه (ص) أنا أفصح من نطق بالضاد يبدأ أنى من قريش.
أما السر الأعظم في بلاغة الرسول (ص) فهو التدبير الآلهي لأن يكون محمد أفصح العرب ودليل ذلك قوله تعالى: وانزل عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً.
فقد امتن الله سبحانه وتعالى على رسوله (ص) بأنه انزل عليه الكتاب والحكمة وأنه علمه علوماً لم يكن يدري عنها شيئاً، والله سبحانه وتعالى إنما يمنن بجلاله النعم، فلا شك أن ما تدل عليه هذه الآية إن الله عز وجل الهم رسوله صلى الله عليه وسلم روائع البيان وخصه بالمثل الأعلى بفصاحة اللسان، وفي قوله تعالى واعلمك ما لم تكن تعلم دليل على سمو بلاغة النبي (ص) ذلك إن الله امنن عليه علمه ما لكن يعلم وبأن فضله عليه عظيم فلا جرم أن يكون الرسول (ص) في الفصاحة مثلاً، يحتذى بين قوم يقدسون البيان بينما كان مثالاً يحتذي في مكارم الأخلاق، فالله سبحانه وتعالى لا يمكن على رسوله إلا بالفضائل الكبرى ولا يصف فضله بأن عظيم حتى يكون في ذلك تميز له على قومه بفصاحة اللسان وقوة البيان وربما أشارت إلى ذلك أيضاً الآية الكريمة ولسوف يعطيك فترضى فهي لم تذكر ما يعطيه الله لرسوله أي أن المفعول الثاني للفعل يعطى قد حذف وحذف المفعول يؤذن بالعموم فلا شك أن ما أعطاه الله لرسوله فرض هو البيان، ولا يكون الرضا حتى يكون متفوقاً على غيره من فصحاء العرب" والبيان فضيلة في كل بيئة وفي كل زمان ومكان، وهو عند العرب في حياة النبي وقبلها فضيلة الفضائل فبديهي أن الله سبحانه وتعالى أعطى رسوله هذه الفضيلة وأعطاها على أتم ما يكون مما يدل على ذلك أيضاً ما ورد في الآية الكريمة فاعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً قيل في تفسيرها أي قل لهم في شأن أنفسهم أي بأن تذكر لهم في شأنها وما تنطوي عليه سرائر . وأن هذه السرائر ليست خيراً لهم في دنياهم ولا في دينهم وقبل المعنى قولاً بليغاً في أنفسهم أي يغوص فيها ويبلغ غاية المراد منها، وقبل أن المراد بالقول البليغ أن يكون الوعظ بالكلام البليغ، ولكن المعاني تؤكد ما يقوله الرسول (ص) يتسم بالبلاغة ويمتاز بها، وقال الشيخ رشيد رضا في تفسيره المنار وفي الآية شهادة للنبي (ص) بالقدرة على الكلام البليغ وهي شهادة له بالحكمة وفضل الخطاب، وما أوتى من فضيلة إلا أوتى مثلها خاتم النبيين وشهادة الله له في هذا المقام أكبر شهادة وقد تكرر في القرآن الكريم ذكر النبيين، قال تعالى (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذين اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) ولا يمكن أن يقوم الرسول (ص) بهذا التكليف الشاق وأن يؤدي على أكمل هذه المهام المتعددة إلا إذا كان غاية في البيان ومثلاً عالياً في الفصاحة كما لا بد له أن يكون له امتياز على أولئك الفصحاء الأنبياء حتى يظهر فضله عليهم وتعظم مكانته بينهم.
والبيان كما هو معروف موضع فخرهم وأنبل فضائلهم فلا بد أن يكون الرسول فيه أعلى وعلماً مفرداً، ولكن حجة موسى عليه السلام التي طلب بها من الله سبحانه وتعالى أن يرسل معه أخاه هرون وزيراً لأن هرون كان أفصح منه لساناً فأرسله معي ردءاً يصدقني أني أخاف أن يكذبون فرد عليه تعالى قائلاً سنشده عضوك باخيك ونجعل كلما سلطاناً فالبيان هو الوسيلة الناجحة في الإقناع والزام المدعوين الحجة حيث يفحم البرهان بالفصاحة التي وهبها الله لهرون وقد خاف موسى أن يضيق صدره ولا ينطلق لسانه حين يكذبه القوم الظالمون فرعون رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدره ولا ينطلق لساني فارسل معي هرون.
وعبارة القرآن سنشده عضوك بأخيك رائعة قوية ولا شك أن فصاحة هرون كانت الدرجة الأقوى في شد العضد لأنها هي التي دعا إليها موسى وأعلن عن حاجته القصوى لها فالفصاحة إذن من أقوى الدعائم التي تقوم عليها الرسالات ومن أهم الوسائل التي تتحقق بها البلاغة، ولمكانة البيان وسموه فكان من أعظم ما عادى به فرعون بني الله موسى لأنه ليس مبيناً فتوجه إلى الملأ من قومه ذاكراً أن موسى ليس برسول وإذا صح جدلاً أن يكون رسولاً لأحد فلا يصح أن يكون رسولاً لفرعون، ولعل فرعون كان على درجة عالية من البيان يقول تعالى ونادي فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أقلا تبصرون أن أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين.
ولذلك دعا موسى أن يمنحه الله قوة فصاحة البيان وأن يزيل من لسانه كلما يحول بينه وبين فصاحة الداعي إلى الله حتى يفقه قومه ما يقول فقال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.
صفحة 3
منطق الرسول " ص "
ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح أن الأنبياء قليلو الكلام فقال :-إنا معشر الأنبياء بكاء، وقد رواه الأصمعي وابن الأعرابي كما أورده الجاحظ في البيان والتبيين ثم قال الجاحظ البك هو القلة وأهل ذلك في البن، وقد جعل الرسول (ص) صفة الأنبياء قلة الكلام، وليس ذلك من عجز في الخلقة ولو كانت كذلك في النبي (ص) لكان أحق بمسألة تلك العقدة من موسى، لأن العرب أشد فخراً ببيانها وتصريف كلامها وشدة اقتدارها، وعلى حب ذلك كانت ذرياتها على كل من قصر عن ذلك التمام، وقد جعل الجاحظ أسباب قلة الكلام الرسول (ص) النفور من التكلف والبعد عن الصنعة وشدة المحاسبة للنفس، وذكر في هذا الموضع قول الله تعالى (قل ما أسألكم عليه من أجرٍ وما أنا من المتكلفين) على أن العرب شاهدوا النبي (ص) له الخطب الطوال في المواسم الكبار ولم يطل التماساً للطول ولا رغبة في إظهار القدرة على الكثير ولكن المعاني إذا كثرت والوجوه إذا افتنت تشعبت من الأغصان الأفنان وكثر عدد اللفظ وإن حذفت أصوله لغاية الحذف فأكثر أطوال النبي (ص) الإقلال في الكلام ولكن ذلك ليس عن عجز، وإنما كراهية التكلف وإظهار القدرة على الكلام، وقد كان هذا شأن كثير من بلغاء العرب وما زال وما يزال شأن الكثيرين من خطباء اليوم.
قال الجاحظ الذي تجود به القريحة وتعطيه النفس سهواً رهواً مع قلة لفظه وعدم هجائه أحمد أمراً وأحسن موقعاً في القلوب وامتع للمستمعين من كثير خرج من كد والعلاج والدليل الواضح والشاهد القاطع قول الرسول (ص) نصرت بالرعب واعطيت جوامع الكلم وهي الألفاظ القليلة المحتوية على المعاني الكثيرة، وقد كان النبي (ص) يكره الإكثار من الكلام والمبالغة والتكلف فيه وفي ذلك يقول: الموطؤن أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون: إلا أخبركم بأبغضكم إلي وأبعدكم مجالس من يوم القيامة: الثرثارون المتفيهفون ويقول "ص" أبغض الرجال إلى الله تعالى الذي يتخلل بلسانه تخلل الباخرة.
وقد نهى "ص" عن التشادق، وقال " ص " إن الله يكره الإنبعاق في الكلام فنظر الله وجه رجل أوجز في كلامه واختصر على حاجته.
ونجده "ص" في رواية أخرى بغض في الإكثار ورغب في الإيجاز ومن ذلك قوله لجرير بن عبد الله البجلي : يا جرير إذا قلت فاوجز وإذا بلغت حاجتك فلا تتكلم.
نلاحظ أن النبي "ص" المثل الأعلى في البلاغة البشرية، لم يكتف بالتبغيض في الثرثرة والتكلف، بل أخرج هذه الكلمات في معانٍ قاسيه تناسبها، وحين شبه جاء تشبيهه مطابق لما يريده من تهجين للكلام الزائد عن الحاجة، فعبر عنها بالفاظ منفرة تماثلها مثل قوله المتفيهقون- الثرثارون التشادق- الانبعاق، وكان بإمكانه (ص) أن يأتي بألفاظ مرادفة لها في المعنى وأعذب وقعاً ولكن من المتفق عليه أن من بلاغة الكلام التطابق التام بين المعاني والألفاظ، وقد روى عن عائشة رضى الله عنها صفة منطق الرسول "ص" قولها: كان الرسول يتكلم بكلام بَيّنٍ فّصْلٍ يحفظه من جلس إليه وفي حديث آخر عنها قالت كان "ص" يحدث حديثاً لو عده العاد لأحصاه.
وقد جاء في وصف أم معبد لمنطق رسول الله "ص" بما يشبه وصف عائشة رضي الله عنها قال: إن صمت فعليه الوقار وإن تكلم سما وعلاه البهاء، حلو المنطق، فصلُ لا نذر ولا هذر كأن منطقه حزاوات نظم يتحدرن وكان النبي "ص" وصاحبه نزلا بخيمتها في طريقهما من مكة إلى المدينة في الهجرة.
وقد وصفه هند ابن ابي هاله، وأبو هاله هو مالك بن تميم وكان زوج لخديجة بنت خويلد قوله عنها هاله وزينب وتوفى عنها في الجاهلية وكان هند هذا نبيهاً وصافاً وهو صاحب حديث وصف النبي "ص" وهو حديث طويل مشهور، وفي وصف هند لمنطق الرسول "ص" ما يؤكد لكل ما سبق حيث قال: كان رسول الله "ص" متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت يفتتح الكلام ويختتمه باشداقه، يتكلم بجوامع الكلام، فصلاً لما فضول فيه ولا تقصير.
وقد وصف عمر بن الخطاب حديث الرسول "ص" في قوله: كان أوجز الناس كلاماً وأنه كان جهير الصوت، أحسن الناس نغمةً. وروى عن قتادة رحمه الله قوله ما بعث نبياً إلا حسن الوجه حسن الصوت وقال علي رضي الله عنه ما سمعت كلمة غريبة من العرب إلا سمعتها من رسول الله "ص" سمعته يقول مات حتف أنفه وما سمعتها من أحد غير من قبل.
وقد وصف الرسول "ص" مرة سحابة وأصحابه يستمعون إليه فقالوا له ما رأينا الذي هو أفصح منك فقال وما يمنعني ذلك فإنما انزل القرآن بلساني بلسانٍ عربي مبين.
ويروى الرواة أن ابا بكر رضي الله عنه قال للنبي "ص": لقد طفت بالعرب وسمعت فصحاءهم فما سمعت الذي هو أفصح منك فقال عليه الصلاة والسلام أدبني ربي فأحسن تأديبي وفي معنى هذا الحديث آخر روى عن علي رضي الله عنه قال : قدم بنو نهد بن زيد على النبي "ص" فقالوا: اتيناك من غور تهامةٍ، وذكر خطبتهم وما أجازهم به رسول الله "ص" ثم قال أحدهم : نبي الله نحن بنو أبٍ واحدٍ ونشأنا في بلدٍ وحدا وانك تكلم العرب بلسان لا نفهمه أكثره، فقال "ص" أدبني ربي ونشأت في سعد بن بكر.
وفي كتاب الرعد والمطر لأبن أبي الدنيا في حديثة رفعه قال: إن أعرابياً قال للنبي "ص" ما رأيت أفصح منك.
وللجاحظ وصف طويل لكلام الرسول "ص" قال : كلامه قل عدد حروفه وكثر عدد معانيه وجل عن الصنعة ونزه عن التكلف، يستعمل المبسوط في جانب البسط والمقصور في جانب القصر، وهجر الغريب الحوش ورغب عن الهجين السوقي، ولا يلتمس اسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم ولا يحتج إلا بالصدق، ولا يطلب الفلح إلا بالحق ولا يستعين بالخلابه، وقال الزمخشري : هذا اللسان العربي كأن الله مخضه والقى زبدته على لسان النبي صلى الله عليه وسلم فما من خطيب يقاومه إلا تكن متفكك الرحل وما من مصفح يناهده إلا رجع فارغ السجل. وقال القاضي عياض صاحب كتاب الشفاء وأما فصاحة اللسان وبلاغة القول فقد كان "ص" من ذلك بالمحل الأفضل والموضع الذي لا يجهل سلامة طبع وبراعة منزع وإيجاز مقطع ونصاعة لفظ وجزالة قول وصحة معانهٍ وقلة تكلف، أوتي جوامع الكلم وخص ببدائع الحكم وعلم ألسنة العرب يخاطب كل امة منها بلسانها ويحاورها بلغتها ويباريها في بلاغتها حتى كان كثير من أصحابه يسألونه في غير موضع عن شرح كلامه وتفسير قوله.
وللأستاذ مصطفى صادق الرافعي فصل طويل في البلاغة النبوية ذيل به كتابه (فصاحة القرآن) وهو فعل جيد عن قراءته من يزيد الوقوف على جوانب البلاغة النبوية، وسننقل هنا كلمات يسيرة لما نحن بصدده لوصف البلغاء لبلاغة الرسول "ص" ومن الأنصاف أن أقول أنني استفدت كثيراً في هذا الدرس من كلام الرافعي، يقول الرافعي:
إن أسلوب النبي "ص" منفرد في هذه اللغة فإنك لا ترى فيه حرفاً مضطرباً ولا لفظة مستكرهاً على معناها ولا كلمة غيرها أتم منها أداء للمعني، وإن جهات الصنعة في الكلام وفي اللغة والبيان والحكمة قد سلمت للنبي "ص" على أتمها ولم تسلم لبليغ غيره قط، واللغة عند النبي "ص" فطرية والبيان بيان أفصح الناس نشأة وأقواهم من الذكاء والإبهام أما الحكمة فتلك حكمة النبوة وتبصير الوحي وتأديب الله تعالى.