بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
إن القاريء للقران الكريم وهو الكتاب الوحيد الذي حفظ بتاريخ الانبياء وحوادث حياتهم وأخبار دعوتهم، يلاحظ بوضوح ان الانبياء بعثوا من بيئة مظلمة خائفة معارضة لدعوتهم ثائرة عليهم وبعثوا في ضعف شديد وفقر تام في الاسباب.
إن ما حكاه الله تعالى في القران الكريم من قصص الأنبياء والرسل، وما لقوه من معارضات ومحاربات ومؤامرات وتالب القوم على دعوتهم وأممهم من قوس واحدة، والحرب الشعواء التي كانت تقع دائماً بين ضعيف فقر اعزل وبيت جماعة قوية غنية قاهرة تملك جميع الأسباب أو بيت ملك مشيد طاغية ثم النتيجة واحدة دائماً في انتصار الدعوة النبوية وأصحابها على ضعفهم وفقرهم، وهلاك الأغنياء والأقوياء والملوك الجبابرة رغم قوتهم وبطشهم أو خضوعهم لهذه الدعوة أو قبولهم لها.
إن هذا النظر ليس بالمصادفة إنما هو مقصود بذاته تدمير القدرة الكاملة التي خلقت الإنسان، وما تزال تهلكها وتنتصر فيها كشف شاءت.
وهذا النمط من القصص القرآني دعوة إلى التوكل على الله ونصره وان اختلف الزمان والمكان، والاعتماد على الدعوة وحسن السيرة والعمل الصالح ان اكفهر الجو وقسا الزمان.
إن معجزات النص وعجائب القدرة الآلهية تتكرر فاذا ذكر القران ما اكرم الله به الرسل من النصر والفتح المبيت وقبول الدعاء، والغلبة على الأعداء، ذكر ما يشجع اتباعهم والحاملين لدعواتهم على هذه التجربة، ويطمعهم من رحمة الله يقول الحق تعالى فيما اكرم به أيوب: "رحمة من عندنا وذكر للعابدين" الآية 84 الأنبياء، ويقول في حق يونس: "سلام على موسى وهارون انا كذلك لنجزي المحسنين" 14 (ص)، فهذه القصص دعوة وإرشاد ولم تكن للتسلية فقط قال تعالى: "لقد كان لكم في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل وهدى ورحمة لقوم يؤمنون".
دراسة إجمالية لبعض قصص القـرآن
سنة الله تعالى مع جميع أنبيائه هو إكمال الرسالة المدعوين وتبليها لهم في اكمل وجه على دعم المعارضة والمحاربة، وانتصار زائف على الباطل وانكشاف لحقيقة من الزيف والضلال وانتشار النور والهداية.
يقول الله تعالى لسان نوح عليه السلام رد قومه يقول في قومه: "أنؤمن لك واتبعك الأرذلون" الآية 111 من سورة الشعراء ويقول مستغيثاً على ضعفه "إني مغلوب فانتصر" الآية 10 من سورة القمر.
ولوط عليه السلام يقول لقومه "لو ان بكم قوة أو اوى إلى ركن شديد" الآية 80 من سورة هود وشعيب يقول له قومه :"ما نفعه كثير مما تقول وانا لنراك فينا ضعيفاً ولولا ضعفك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز" الآية 96 من سورة هود.
وفرعون يقول عن نفسه وان موسى في صراحة ووقاحة :"ونادى فرعون قومه قال يا قوم أليست لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصر أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يأت ببيته فلولا أكفى الله اسبون من ذهب أو جاء معه الملائكة منتصرين" الآية 18 الزخرف.
أما أممهم التي بعثوا إليها فقد كانت ذات الطول والحول وذات العدة والعتاد وذات الزروع والضروع وقد مر قول هود عليه السلام على قومه :"واتقوا الله الذي أمدكم بما تعلمون أمركم بأنعام وجنات وعيون" الآية 134 سورة الشعراء.
وقول صالح لقومه: "أتتركون فيما هاهنا آمنين في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم وتنحتون من الجبال بيتاً فارهين" 46-149 سورة الشعراء.
وقول شعيب لقومه" "اني اراكم بخير" الاية 84 هود، ولكن ماذا كانت النتيجة اقرؤها مجموعة في قوله تعالى" "ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدراراً، وجعلنا الانهار تجري من تهتهم فاهلكناهم بذويهم وأنشأنا من بعدهم قرناً اخرين" الاية من سورة الانعام.
أعظـم تحدي للمادية المسرفة واكبر ثورة على عبادة الانسان
ان قصة بني الله ابراهيم المكررة المعادة في القران الكريم أعظم تحدي لتاثير الإنسانية واستقلالها واعظم تاثير للاستحقاق بقوتها واصحابها، وأعظم دليل على ضعفها وعدم خائها عن أربابها وكان ابراهيم رسول التوحيد وامام الموحدين في عصره وكانت لقوته وشقاء نفسه بنظر الله وابطال خواص الاسباب وطبائعها المودعة فيها وقد عاش ابراهيم عليه السلام ثائراً على ما حوله من القوة والسلطان وعبادة المادة والالهية الزائفة والقوى المحيطة.
والسر في ذلك ان العالم في عهد نبي الله ابراهيم خاضعاً للاسباب خضوعاً شديداً واعتمد الناس عليها اعتماداً زائداً وحتى اصبحوا يعتقدون انها مؤثرة مستقلة قائمة بذاتها، وحتى اصبحت ارباباً من دون الله، وتملكوا في عبادة الاصنام والاوثان وكانت هي تسيء لله دعوة إلى التوحيد والنفس الخالص وتحقيقاً لقدرة الله الواسعة المحيطة بكل شيء.
وانه يخلق الأشياء من عدم وانه يخلق الاسباب ويملكها ويفصل الاسباب عن المسببات وينزع عن الاشياء خواصها وطبيعتها ويستخرج منها اضدادها ويسخرها لما يشاء ومتى شاء اشعل الناس له النيران وقالوا:"احرقوه وانصروا الهتكم ان كنتم فاعلين" 68 الانبياء وكان ابراهيم عليه السلام يؤمن بان النار خاضعة لارادة الله تعالى وليس الاحراق لها طبيعية تائهة لا تنفك عنها انها هي خاصة مودعة فيها باذن الله واذا اراد امسك الزمام وحولها إلى برد وسلام، فخاطبها مؤمناً مطمئناً واثقاً: "وقلنا يا نار كوني براً وسلاماً على ابراهيم" الاية 69-70 سورة الانبياء.
واعتقد الناس انه لا حياة الا بالخصب والجيرة والماء الغزير فكانوا يختارون لابراهيم مسكناً ووطناً من اراضي مخصبة تكثر فيها الماء ويتوفر فيها الخصب وتسهل التجارة والصناعات وقد ثار ابراهيم عليه السلام على هذه العادة والعرف الشائع فاختار لأسرته الصغيرة المكونة من ام وابن وادياً غير ذي زرع لا زراعة فيه ولا تجارة منقطعاً عن العالم، ومراكز التجارة لهم الرزق ويعطف عليهم القلوب ويحي لهم الثمرات من غير سبب وأجاب الله دعاءه محطاً لخيرات والثمرات :"أو لم نمكن لهم حرماً امناً يحي اليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون" الاية 57 سورة القصص.
وهكذا كانت حياة ابراهيم تحدياً للمادة المسرفة الشائعة في ذاك العصر ومثلاً لإيمان الله وقدرته المطلقة ان ارادته فوق كل شيء، وهكذا كانت سنة الله معه يخضع له الاسباب ويخلق لما ما تحار فيه الالباب.
تحـدي موسى للعقـل المادي الضعيف
يولد نبي الله موسى في مصر في بيئة قاتمة زائفة وقد انطبقت على بني اسرائيل كل الانطباق وسدت وجوههم المنافذ والابواب.
يولد موسى عليه السلام وولادته وحياته كلها تحدي للاسباب ومنطق الاشياء اراد فرعون ان لا يولد فولد، واراد ان لا يعيش فعاش، يعيش في صندوق خشبي مسدود وفي ماء النيل الفائض ونشأ في حضانة العدة ورعاية القاتل، ويجد به الطلب القوي الساهر فيفلت وينجو ويأوي إلى ظل شجيرة كئيباً غريباً فيجد الضيافة الكريمة، والزواج والطريق الموحش وتتمخض زوجته فيطلب لها ناراً تصطلي بها فيجد نوراً يسعد به بنو اسرائيل، ويهتدي به العالم، يطلب المدد لامراه واحدة فيجد النجدة والمدد للانسانية كلها ويكرم بالنبوة والرسالة.
ويدخل على فرعون في ابهته وسلطانه وقد تحققت عليه الجناية وفي لسانه ميسة فيقهر فرعون وملاءه بدعوته وايمانه وحجته وبيانه ويلجأ فرعون مصر إلى السحرة فاذا بالسحرة خاضعون خاشعون يقولون: "اما برب العالمين رب موسى وهارون" الايات 47-48 الشعراء.
يؤمر بالخروج ببني اسرائيل والاسراء بالليل من ارض الظلم إلى ارض النجاة ويشيعه فرعون وجنوده فيلتهمهم البحر الهائج وينجو موسى ومن معه وهكذا يهلك فرعون وقومه الاقوياء الأغنياء ويملك موسى بنو اسرائيل "وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الارض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني اسرائيل بها صيروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون قومه وما كانوا يخشعون" الاية 237 سورة الاعراف.