صفحة 1
مقدمة
جوانب من صورة: «المقدَّم» إسبر البيطار (أبو فريد) [الجندي الشيوعي المقاوم ـــ أستاذ التدريب ـــ والصديق الأنيس]
محمد دكروب
ـ انبطاح!.. سدِّد!.. إرْمِ!.. (بعد قليل، يرتفع صوت أبو فريد، بحزم).. إنتباه!.. زحف الضفدعة!.. إلتصاق تامّ بالأرض.. (زحف الضفدعة: هو أن تزحف كما لو أنك تزحف تحت أسلاك شائكة، ملتصقاً بالأرض، محاذراً أن يعلق جسمك بالأسلاك المدبّبة!)..
... ويواصل أبو فريد تدريباته الصباحية، بصوتٍ فيه كل الحزم وكل الودّ، معاً...
التدريب هو التدريب، لا مزاح هنا!.. أما خلال فترة الاستراحة، فيعود أبو فريد الى طبيعته: إنساناً ودوداً، مرحاً، ساخراً، في نبرة رجولية عكّاريّة، وبنظرات وإشارات طفولية مؤنسة.
المدرّب «المقدَّم» ـ (هكذا كنّا ندعوه، ولكنه في الواقع: رقيب أول) ـ إسبر البيطار (أبو فريد) أحببناه كثيراً، في حالات الحزم وحالات المرح وحالات التنكيت على الرفاق، ومع الرفاق.
* * *
كان هذا خلال أحداث العام 1958.
تلك الأحداث التي اتخذت صفة: «ثورة شعبية» ضد حكم كميل شمعون ... وهي، في جانب أساسي منها: انتفاضة وطنية ضد التحرّك الأميركي الهادف لأن يتولّى قيادة القوى الاستعمارية كلها في المنطقة، أولاً ـ وتالياً: لإحكام سيطرة شاملة على البلدان العربية تحت مسمّيات عديدة منها، مثلاً، الارتباط بـ «حلف بغداد» أو بالاتفاق العسكري مع أميركا والدخول في الحلف المسمّى: «مبدأ إيزنهاور» و «حماية» البلدان العربية من «الشيوعية الدولية» التي ستصبغ العالم كله باللون الأحمر ـ والعياذ بالله! ـ أما الهدف الأساس، المباشر، في واقعه وحقيقته، فهو: تطويق الاتحاد السوفياتي، في حينه، ومحاصرته، ضمن سياق حرب باردة قد تتحوّل الى حرب أو حروب ساخنة، هنا وهناك... لضمان استمرار السيطرة الأميركية على المنطقة.
كان الجو متوتّراً في لبنان ـ وفي المنطقة! ـ كما لو أن حدثاً كبيراً ما سينفجر في مكان ما، مجهول!..
... وكان أن تفجّر حادث اغتيال الصحفي نسيب المتني (يوم 8 أيار 1958)... وكأنه أريد لهذا الحدث أن يكون هو «إشارة الانطلاق»، فاندلعت الأحداث الساخنة وراحت تتفجّر هنا وهناك!...
وبدأ يبرز، بوضوح، انقسام القوى واصطفافها: قوى تدافع عن الحكم الشمعوني وتدفع في اتجاه إخضاع الوطن للسيطرة الاستعمارية (الأميركية أساساً) تحت يافطة «حلف بغداد» أو «مبدأ إيزنهاور» بوجه «الشيوعية الدولية»!.. وقوى تقاوم هذا الحكم الشمعوني وأسياده الانكلو أميركيين، وتناضل من أجل إنقاذ الوطن وتحريره من أخطار هذه السيطرة الاستعمارية واستعادة الاستقلال الوطني.
الحزب الشيوعي اللبناني كان في القلب من هذه المعركة التحرّرية.
وقد استطاع، تدريجاً، أن يحصل على السلاح من هنا وهناك، وأن يقيم مراكز له، مسلحة وغير مسلحة، ضمن المناطق المقاومة لحكم كميل شمعون، ثم استطاع أن يقيم مركزاً عسكرياً أساسياً، في البناء الواسع لمدرسة «عائشة ام المؤمنين» الواقع في منطقة «قصقص» أول «حرش بيروت» المواجه مباشرة لتواجد مراكز تابعة للقوى الشمعونية. وكانت مهمة هذا المركز: التدريب والتوجيه وتجميع القوى وتنظيم التحركات الشعبية والمسلّحة ضد عناصر الحكم الشمعوني.
ومع الأيام، استطاع هذا المركز استقطاب المئات من الوطنيين الذين رأوا في الحزب الشيوعي موجهاً سياسياً ومساعداً في إعدادهم وتدريبهم على أعمال المقاومة الشعبية بما فيها التدريب على السلاح وطرائق استخدامه. وصار هذا المركز أكثر جذباً للمئات من العناصر الوطنية عندما انضمّ الملازم ـ (وكما أتذكّر فإن بعضنا، وأنا منهم، كان يدعوه «الملازم» وبعضنا الآخر كان يدعوه «المقدَّم») ـ اسبر البيطار وعدد من الجنود الشيوعيين الى قوى «المقاومة الشعبية» ضد حكم شمعون، وتولّى أبو فريد القيادة العسكرية للمركز وتنظيم التدريب ليس فقط لقوى الحزب الشيوعي، بل للعديد من القوى الوطنية في المراكز التابعة لها.
فكيف وصل الملازم اسبر (أبو فريد) الى المركز العسكري للحزب؟
* * *
في خلال فترة من الإعداد الهادىء، الدقيق، والسرّي جداً، حزم أبو فريد أمره، مع عدد من رفاقه الجنود، وغادروا مراكزهم في الجيش، وانضمّوا بالتدريج، وحسب الخطة المرسومة، الى قوى المقاومة الوطنية الشعبية، وقوى الحزب الشيوعي اللبناني، وتمركز أكثرهم في المركز الأساسي، المسلّح، للحزب في منطقة «الحرش».. وبدأوا نشاطهم التدريبي، والقتالي، حيث شكّلوا حالة خاصة، متقدمة، في طليعة القوى المقاومة لحكم كميل شمعون وللقوى الانكلو أميركية التي تستخدمه للسيطرة على لبنان وامتداداً منه الى المنطقة.
جوانب من صورة: «المقدَّم» إسبر البيطار (أبو فريد) [الجندي الشيوعي المقاوم ـــ أستاذ التدريب ـــ والصديق الأنيس]
محمد دكروب
ـ انبطاح!.. سدِّد!.. إرْمِ!.. (بعد قليل، يرتفع صوت أبو فريد، بحزم).. إنتباه!.. زحف الضفدعة!.. إلتصاق تامّ بالأرض.. (زحف الضفدعة: هو أن تزحف كما لو أنك تزحف تحت أسلاك شائكة، ملتصقاً بالأرض، محاذراً أن يعلق جسمك بالأسلاك المدبّبة!)..
... ويواصل أبو فريد تدريباته الصباحية، بصوتٍ فيه كل الحزم وكل الودّ، معاً...
التدريب هو التدريب، لا مزاح هنا!.. أما خلال فترة الاستراحة، فيعود أبو فريد الى طبيعته: إنساناً ودوداً، مرحاً، ساخراً، في نبرة رجولية عكّاريّة، وبنظرات وإشارات طفولية مؤنسة.
المدرّب «المقدَّم» ـ (هكذا كنّا ندعوه، ولكنه في الواقع: رقيب أول) ـ إسبر البيطار (أبو فريد) أحببناه كثيراً، في حالات الحزم وحالات المرح وحالات التنكيت على الرفاق، ومع الرفاق.
* * *
كان هذا خلال أحداث العام 1958.
تلك الأحداث التي اتخذت صفة: «ثورة شعبية» ضد حكم كميل شمعون ... وهي، في جانب أساسي منها: انتفاضة وطنية ضد التحرّك الأميركي الهادف لأن يتولّى قيادة القوى الاستعمارية كلها في المنطقة، أولاً ـ وتالياً: لإحكام سيطرة شاملة على البلدان العربية تحت مسمّيات عديدة منها، مثلاً، الارتباط بـ «حلف بغداد» أو بالاتفاق العسكري مع أميركا والدخول في الحلف المسمّى: «مبدأ إيزنهاور» و «حماية» البلدان العربية من «الشيوعية الدولية» التي ستصبغ العالم كله باللون الأحمر ـ والعياذ بالله! ـ أما الهدف الأساس، المباشر، في واقعه وحقيقته، فهو: تطويق الاتحاد السوفياتي، في حينه، ومحاصرته، ضمن سياق حرب باردة قد تتحوّل الى حرب أو حروب ساخنة، هنا وهناك... لضمان استمرار السيطرة الأميركية على المنطقة.
كان الجو متوتّراً في لبنان ـ وفي المنطقة! ـ كما لو أن حدثاً كبيراً ما سينفجر في مكان ما، مجهول!..
... وكان أن تفجّر حادث اغتيال الصحفي نسيب المتني (يوم 8 أيار 1958)... وكأنه أريد لهذا الحدث أن يكون هو «إشارة الانطلاق»، فاندلعت الأحداث الساخنة وراحت تتفجّر هنا وهناك!...
وبدأ يبرز، بوضوح، انقسام القوى واصطفافها: قوى تدافع عن الحكم الشمعوني وتدفع في اتجاه إخضاع الوطن للسيطرة الاستعمارية (الأميركية أساساً) تحت يافطة «حلف بغداد» أو «مبدأ إيزنهاور» بوجه «الشيوعية الدولية»!.. وقوى تقاوم هذا الحكم الشمعوني وأسياده الانكلو أميركيين، وتناضل من أجل إنقاذ الوطن وتحريره من أخطار هذه السيطرة الاستعمارية واستعادة الاستقلال الوطني.
الحزب الشيوعي اللبناني كان في القلب من هذه المعركة التحرّرية.
وقد استطاع، تدريجاً، أن يحصل على السلاح من هنا وهناك، وأن يقيم مراكز له، مسلحة وغير مسلحة، ضمن المناطق المقاومة لحكم كميل شمعون، ثم استطاع أن يقيم مركزاً عسكرياً أساسياً، في البناء الواسع لمدرسة «عائشة ام المؤمنين» الواقع في منطقة «قصقص» أول «حرش بيروت» المواجه مباشرة لتواجد مراكز تابعة للقوى الشمعونية. وكانت مهمة هذا المركز: التدريب والتوجيه وتجميع القوى وتنظيم التحركات الشعبية والمسلّحة ضد عناصر الحكم الشمعوني.
ومع الأيام، استطاع هذا المركز استقطاب المئات من الوطنيين الذين رأوا في الحزب الشيوعي موجهاً سياسياً ومساعداً في إعدادهم وتدريبهم على أعمال المقاومة الشعبية بما فيها التدريب على السلاح وطرائق استخدامه. وصار هذا المركز أكثر جذباً للمئات من العناصر الوطنية عندما انضمّ الملازم ـ (وكما أتذكّر فإن بعضنا، وأنا منهم، كان يدعوه «الملازم» وبعضنا الآخر كان يدعوه «المقدَّم») ـ اسبر البيطار وعدد من الجنود الشيوعيين الى قوى «المقاومة الشعبية» ضد حكم شمعون، وتولّى أبو فريد القيادة العسكرية للمركز وتنظيم التدريب ليس فقط لقوى الحزب الشيوعي، بل للعديد من القوى الوطنية في المراكز التابعة لها.
فكيف وصل الملازم اسبر (أبو فريد) الى المركز العسكري للحزب؟
* * *
في خلال فترة من الإعداد الهادىء، الدقيق، والسرّي جداً، حزم أبو فريد أمره، مع عدد من رفاقه الجنود، وغادروا مراكزهم في الجيش، وانضمّوا بالتدريج، وحسب الخطة المرسومة، الى قوى المقاومة الوطنية الشعبية، وقوى الحزب الشيوعي اللبناني، وتمركز أكثرهم في المركز الأساسي، المسلّح، للحزب في منطقة «الحرش».. وبدأوا نشاطهم التدريبي، والقتالي، حيث شكّلوا حالة خاصة، متقدمة، في طليعة القوى المقاومة لحكم كميل شمعون وللقوى الانكلو أميركية التي تستخدمه للسيطرة على لبنان وامتداداً منه الى المنطقة.
صفحة 2
ولكن، كيف كانت حياة الملازم اسبر البيطار في الجيش؟.. كيف مارس التقاليد العسكرية للجيش وقوانينه الصارمة؟.. ثم، كيف مارس انتماءه الحزبي ونشاطه الحزبي، الشيوعي والسرّي، داخل الجيش؟.. وتالياً: لماذا وكيف قرّر، مع عدد من رفاقه الجنود، الانضمام الى «ثورة 1958»؟.. وبعدها: كيف قدم إسهامه الحيويّ وتنظيمه الأساس للقطاع الأهمّ في المركز العسكري، في حينه، للحزب الشيوعي: قطاع التدريب، ليس فقط على استخدام السّلاح، بل التدريب على كل ما تتطلّبه المعارك ذات الطابع المسلّح، وحالات الهجوم والدفاع والتسلّل، الخ؟؟
... هذا الكتاب الفريد لـ «أبو فريد»، يروي مختلف هذه المراحل، بوضوح، وتكثيف، وتوتّر تشويقي يجيده بعض كتّاب الروايات!.. وبالطبع، لم يكن أبو فريد قد جرّب، مثلاً، كتابة الرواية أو ما أشبه، بل هو لم يفكر بهذا أصلاً، وربما لم تكن الروايات من ضمن قراءاته في ذلك الزمان!.. ولكن ما يُدهشك أن أبا فريد يجذبك الى هذه المناخات كلها، فيُدخلك، عبر كتابة تصويرية، الى أحداث حياته داخل الجيش، ثم الى أحداث حياته داخل دهاليز «ثورة 1958»، كأنك في فيلم سينمائي مشوّق وحافل بالأسرار والتوقعات، كأي فيلم بوليسي أو شبه بوليسي!.. ترافقه، هو ورفاقه الجنود، في رحلة الخروج السرّي من ثكنات الجيش، والعقبات غير المتوقّعة، ثم الوصول، بعد جهود وتعقيدات، الى المركز حيث استُقبلوا بفرحة الرفاق العارمة بالحدث العظيم.
هذا المركز من مراكز الحزب، في تلك الفترة المتوترة جداً من حياة البلاد، كان يعجّ ـ عادة، ويومياً ـ بالرفاق والأصدقاء والزائرين: حلقات هنا وهناك لدراسة جوانب مبسّطة من معالم الماركسية، والمادية الجدلية، ومراحل التحوّلات الى الاشتراكية فإلى الشيوعية... وحلقات في الشؤون الثقافية: الأدب، السينما، المسرح والموسيقى. وكان يتواجد باستمرار من يُتقنون الحديث في هذه الفنون، سواء من الرفاق المتواجدين دائماً في المركز، أو من الزائرين: (مثقفون وكتاب وفنانون وطلاب جامعيون...) وأحياناً كان يوجد من يعزف الناي أو «الفلوت» أو ينقر على العود والدربكّة، ويوجد من يغنّي ولو بدون موسيقى... وحلقات يصخب فيها الحوار غالباً والجدال الحاد في الشؤون السياسية واحتداماتها وتناقضاتها سواء في لبنان أو في العالم العربي وبلدان العالم.
وكان يزور هذا المركز عدد من الكتاب والفنانين يشاركون في الندوات والنقاشات وتسقّط «المعلومات» والتوقّعات من قائد المركز الرفيق محمد الخطاب، وأحياناً يشترك البعض منهم ببعض التدرّب، وبعض آخر يشارك بحلقات الدبكة وجوقة الغناء...
أبو فريد عبّر عن مناخات تلك الأيام بفقرة في كتابه هذا مشحونة بالتجربة والخبرة الجميلة، قال:
«... أيام لا يمكن لأي من المشاركين فيها أن ينساها، فالروح الرفاقية، بكل ما تعني هذه الكلمة من مشاركة في السرّاء والضرّاء، كانت سائدة بين الرفاق، مندفعين ومستعدّين لتنفيذ أية مهمّة».
وكان أبو فريد يهلّل فرحاً وهو يرحّب بالزائرين من الكتّاب والفنانين، ولكن ترحيبه الأخص والأهم كان يوجّهه الى قيادات ووجوه الأحياء الشعبية ذوي النفوذ القوي في مناطقهم، وأدوارهم الواضحة ـ أيامها ـ في تجمّعات «المقاومة الشعبية» ضد الحكم الشمعوني. وغالباً ما كان يختلي بالواحد منهم، إما بصحبة قائد المركز الرفيق محمد الخطاب، وإما لوحده، يتداولان بالوضع عموماً وبحاجاتهم لتدريب عناصرهم، والخطوات اللّاحقة.
ومن الكتّاب والأدباء والفنانين الزائرين أتذكر من تسعفني الذاكرة باستحضارهم. في طليعتهم الأديب الباحث حسين مروه: (وهو كان يتواجد في معظم الأيام، ويقدّم أحاديث في التراث العربي، ويحرص أن يشير الى تباشير وطلائع من الأدب الجديد الذي كانت بدايات منه تتوهّج هنا وهناك) ـ محمد عيتاني: (وكان اهتمامه الأدبي الأساسي: تصوير حالات ونماذج إنسانية من سكان منطقة رأس بيروت بشكل خاص، ونماذج من البحارة والصيادين بشكل أخص ـ وكان العيتاني يشيع الفرح وأجواء التنكيت في كل حلقة أو زاوية، حتى ولو كانت نكزاته وتنكيتاته وسخرياته تطال جوانب من المظاهر الماركسية وزهو، أو غرور، بعض «الماركسيين»....) ـ الدكتور علي سعد: (كاتب باحث، كتب العديد من الدراسات المتميزة في الأدب الحديث ـ وأنجز أجمل ترجمة لأشعار من ناظم حكمت أصدرها عام 1952 ـ وهو، الى هذا، طبيب بيطري بارع) ـ حبيب صادق : (كاتب شاعر، له كتابات نثرية تتوهّج بالروح الشعري وجماليات اللغة، منشّط ثقافي، مناضل فاعل في الميدان السياسي) ـ أحمد أبو سعد: (باحث وشاعر، له دراسات في التراث العربي والعادات الشعبية. وأصدر لاحقاً «معجم أسماء الأسر والأشخاص". وكان مع محمد عيتاني يشيعان المرح في «المعسكر» كله..) ـ أحمد سويد: (محامٍ وقصّاص، وله مقطوعات في السياسية بأسلوب أقرب الى النثر الفنّي ـ وقد ترجم لاحقاً مجموعة من أشعار: بابلو نيرودا) ـ منير البعلبكي: (كاتب باحث ـ وضع موسوعة مبسّطة باسم «المورد»، وخلال «ثورة 58» كتب مقالات سياسية شبه يومية نشرها في كتاب بعنوان «أوراق ثورية») ـ أسعد سعيد: (شاعر شعبي شهير ـ وألقى العديد من أشعاره في أمسيات المركز) ـ ناظم إيراني: (رسام معروف، وقد رسم صورة جميلة لأبو فريد تعبّر عن حبه له وتقديره) ـ يوسف خطار الحلو: (قيادي شيوعي، كاتب وباحث في الاقتصاد والسياسة والذكريات ـ كان يتواجد في المركز باستمرار، ويشارك بفعالية في الحلقات الدراسية) ـ أحمد غربية: (كاتب ومترجم، نقل الى العربية عدة كتب تقدمية، وأصدر كتيّباً سرد فيه وقائع من أحداث انتفاضة 1958) ـ نزار مروة: (ناقد موسيقي أولاً، وكاتب في النقد الأدبي، وكان يشارك في الحلقات الخاصة بالآداب والفنون، ويُنعش أرواحنا بعزفه أحياناً على «الفلوت»..) ـ أحمد عُلبي: (كاتب باحث، وله كتب في التراث العربي، واشتهر بكتاباته عن ثورة الزنج) ـ أما الرفيق كريم مروة فلم يتواجد في المركز بصفته ككاتب سياسي، بل كان يشرف على العصب الأساسي للمركز: كان رئيساً للحرس، ومسؤولاً عن غرفة السلاح.
لقد حرصت على إيراد اختصاصات هؤلاء الكتاب والفنانين، بهدف تعريف القارىء، في أيامنا هذه، على قوة الجذب التي كان هذا المركز، الشيوعي، يتمتع بها في بيروت (الغربية!) بحيث يجذب هذه النوعيات من الكتّاب والفنانين، وتلك الوجوه من قادة مراكز «المقاومة الشعبية» في أنحاء هذا القسم «الغربي!» من بيروت.
... وبهذا ظلّت مدرسة «عائشة أم المؤمنين» مدرسة، ولكن من نوع آخر: وذلك في دروسها وتدريباتها وطلابها من المقاتلين والمثقفين المعروفين في لبنان وعلى النطاق العربي.
وكاتب هذه السطور ( محمد دكروب ) كان من هؤلاء الكتاب ومن المداومين على التدرّب باشراف العزيز الصديق والرفيق أبو فريد، الذي كرّمني فألحقني بفريق الحرّاس الليليين، في الخنادق الأمامية المحيطة بالمركز وداخل «حرش» بيروت.
في هذا الكتاب «خبريّة» رواها أبو فريد عن رفيقه في الحزب، وتلميذه في التدرّب على السلاح، وجاره لاحقاً، في بناية واحدة، حيث قرأ له العديد من كتاباته السابقة واللاحقة: صديقه محمد دكروب، فكتب عنه يقول:
«... الرفيق محمد دكروب، كنتُ أعرفه من خلال مقالاته في جريدة (التلغراف)، ولم أعرفه شخصياً إلا عام 1958 في المركز، وقد نجا من الموت بأعجوبة خارقة. إذ إنه بينما كان يقوم بالحراسة ليلاً أصيب بطلق ناري في عنقه من الجهة الخلفية، ولم تخترق الرصاصة سوى الجلد ومسحته. وأعتقد بأن هذا القطوع هو أصعب ما مرّ على هذا الرفيق الأديب مؤلف كتاب (جذور السنديانة الحمراء)..».
... هذه الجملة المكثّفة جداً، تحمل ـ بذاتها وعلى إيجازها ـ عدة تواريخ من حياتي، وحياتنا. وقد أقول، إنها تجمع بين قطبين من تاريخي الكتابي: منذ مقالاتي الأولى في جريدة «التلغراف» التي كان يصدرها الصحفي التقدمي نسيب المتني، والتي حملت مقالات لي خلال العامين 1948 ـ 1950 (أي: قبل استشهاده الفاجع الذي أريد له أن يكون «سبباً مباشراً» لانفجار الانتفاضة الشعبية نفسها التي أكتب الآن عن أحداثها) مروراً باشتراكي المباشر في أحداث ذلك العام (1958) وصولاً الى إصدار كتابي الأساسي «جذور السنديانة الحمراء» الأحبّ الى نفسي بين جميع كتبي.. ولعلّه أن يكون ـ كما أظن ـ أحب كتاب لي قرأه أبو فريد، هو وأفراد عائلته!
* * *
... هذا الكتاب الفريد لـ «أبو فريد»، يروي مختلف هذه المراحل، بوضوح، وتكثيف، وتوتّر تشويقي يجيده بعض كتّاب الروايات!.. وبالطبع، لم يكن أبو فريد قد جرّب، مثلاً، كتابة الرواية أو ما أشبه، بل هو لم يفكر بهذا أصلاً، وربما لم تكن الروايات من ضمن قراءاته في ذلك الزمان!.. ولكن ما يُدهشك أن أبا فريد يجذبك الى هذه المناخات كلها، فيُدخلك، عبر كتابة تصويرية، الى أحداث حياته داخل الجيش، ثم الى أحداث حياته داخل دهاليز «ثورة 1958»، كأنك في فيلم سينمائي مشوّق وحافل بالأسرار والتوقعات، كأي فيلم بوليسي أو شبه بوليسي!.. ترافقه، هو ورفاقه الجنود، في رحلة الخروج السرّي من ثكنات الجيش، والعقبات غير المتوقّعة، ثم الوصول، بعد جهود وتعقيدات، الى المركز حيث استُقبلوا بفرحة الرفاق العارمة بالحدث العظيم.
هذا المركز من مراكز الحزب، في تلك الفترة المتوترة جداً من حياة البلاد، كان يعجّ ـ عادة، ويومياً ـ بالرفاق والأصدقاء والزائرين: حلقات هنا وهناك لدراسة جوانب مبسّطة من معالم الماركسية، والمادية الجدلية، ومراحل التحوّلات الى الاشتراكية فإلى الشيوعية... وحلقات في الشؤون الثقافية: الأدب، السينما، المسرح والموسيقى. وكان يتواجد باستمرار من يُتقنون الحديث في هذه الفنون، سواء من الرفاق المتواجدين دائماً في المركز، أو من الزائرين: (مثقفون وكتاب وفنانون وطلاب جامعيون...) وأحياناً كان يوجد من يعزف الناي أو «الفلوت» أو ينقر على العود والدربكّة، ويوجد من يغنّي ولو بدون موسيقى... وحلقات يصخب فيها الحوار غالباً والجدال الحاد في الشؤون السياسية واحتداماتها وتناقضاتها سواء في لبنان أو في العالم العربي وبلدان العالم.
وكان يزور هذا المركز عدد من الكتاب والفنانين يشاركون في الندوات والنقاشات وتسقّط «المعلومات» والتوقّعات من قائد المركز الرفيق محمد الخطاب، وأحياناً يشترك البعض منهم ببعض التدرّب، وبعض آخر يشارك بحلقات الدبكة وجوقة الغناء...
أبو فريد عبّر عن مناخات تلك الأيام بفقرة في كتابه هذا مشحونة بالتجربة والخبرة الجميلة، قال:
«... أيام لا يمكن لأي من المشاركين فيها أن ينساها، فالروح الرفاقية، بكل ما تعني هذه الكلمة من مشاركة في السرّاء والضرّاء، كانت سائدة بين الرفاق، مندفعين ومستعدّين لتنفيذ أية مهمّة».
وكان أبو فريد يهلّل فرحاً وهو يرحّب بالزائرين من الكتّاب والفنانين، ولكن ترحيبه الأخص والأهم كان يوجّهه الى قيادات ووجوه الأحياء الشعبية ذوي النفوذ القوي في مناطقهم، وأدوارهم الواضحة ـ أيامها ـ في تجمّعات «المقاومة الشعبية» ضد الحكم الشمعوني. وغالباً ما كان يختلي بالواحد منهم، إما بصحبة قائد المركز الرفيق محمد الخطاب، وإما لوحده، يتداولان بالوضع عموماً وبحاجاتهم لتدريب عناصرهم، والخطوات اللّاحقة.
ومن الكتّاب والأدباء والفنانين الزائرين أتذكر من تسعفني الذاكرة باستحضارهم. في طليعتهم الأديب الباحث حسين مروه: (وهو كان يتواجد في معظم الأيام، ويقدّم أحاديث في التراث العربي، ويحرص أن يشير الى تباشير وطلائع من الأدب الجديد الذي كانت بدايات منه تتوهّج هنا وهناك) ـ محمد عيتاني: (وكان اهتمامه الأدبي الأساسي: تصوير حالات ونماذج إنسانية من سكان منطقة رأس بيروت بشكل خاص، ونماذج من البحارة والصيادين بشكل أخص ـ وكان العيتاني يشيع الفرح وأجواء التنكيت في كل حلقة أو زاوية، حتى ولو كانت نكزاته وتنكيتاته وسخرياته تطال جوانب من المظاهر الماركسية وزهو، أو غرور، بعض «الماركسيين»....) ـ الدكتور علي سعد: (كاتب باحث، كتب العديد من الدراسات المتميزة في الأدب الحديث ـ وأنجز أجمل ترجمة لأشعار من ناظم حكمت أصدرها عام 1952 ـ وهو، الى هذا، طبيب بيطري بارع) ـ حبيب صادق : (كاتب شاعر، له كتابات نثرية تتوهّج بالروح الشعري وجماليات اللغة، منشّط ثقافي، مناضل فاعل في الميدان السياسي) ـ أحمد أبو سعد: (باحث وشاعر، له دراسات في التراث العربي والعادات الشعبية. وأصدر لاحقاً «معجم أسماء الأسر والأشخاص". وكان مع محمد عيتاني يشيعان المرح في «المعسكر» كله..) ـ أحمد سويد: (محامٍ وقصّاص، وله مقطوعات في السياسية بأسلوب أقرب الى النثر الفنّي ـ وقد ترجم لاحقاً مجموعة من أشعار: بابلو نيرودا) ـ منير البعلبكي: (كاتب باحث ـ وضع موسوعة مبسّطة باسم «المورد»، وخلال «ثورة 58» كتب مقالات سياسية شبه يومية نشرها في كتاب بعنوان «أوراق ثورية») ـ أسعد سعيد: (شاعر شعبي شهير ـ وألقى العديد من أشعاره في أمسيات المركز) ـ ناظم إيراني: (رسام معروف، وقد رسم صورة جميلة لأبو فريد تعبّر عن حبه له وتقديره) ـ يوسف خطار الحلو: (قيادي شيوعي، كاتب وباحث في الاقتصاد والسياسة والذكريات ـ كان يتواجد في المركز باستمرار، ويشارك بفعالية في الحلقات الدراسية) ـ أحمد غربية: (كاتب ومترجم، نقل الى العربية عدة كتب تقدمية، وأصدر كتيّباً سرد فيه وقائع من أحداث انتفاضة 1958) ـ نزار مروة: (ناقد موسيقي أولاً، وكاتب في النقد الأدبي، وكان يشارك في الحلقات الخاصة بالآداب والفنون، ويُنعش أرواحنا بعزفه أحياناً على «الفلوت»..) ـ أحمد عُلبي: (كاتب باحث، وله كتب في التراث العربي، واشتهر بكتاباته عن ثورة الزنج) ـ أما الرفيق كريم مروة فلم يتواجد في المركز بصفته ككاتب سياسي، بل كان يشرف على العصب الأساسي للمركز: كان رئيساً للحرس، ومسؤولاً عن غرفة السلاح.
لقد حرصت على إيراد اختصاصات هؤلاء الكتاب والفنانين، بهدف تعريف القارىء، في أيامنا هذه، على قوة الجذب التي كان هذا المركز، الشيوعي، يتمتع بها في بيروت (الغربية!) بحيث يجذب هذه النوعيات من الكتّاب والفنانين، وتلك الوجوه من قادة مراكز «المقاومة الشعبية» في أنحاء هذا القسم «الغربي!» من بيروت.
... وبهذا ظلّت مدرسة «عائشة أم المؤمنين» مدرسة، ولكن من نوع آخر: وذلك في دروسها وتدريباتها وطلابها من المقاتلين والمثقفين المعروفين في لبنان وعلى النطاق العربي.
وكاتب هذه السطور ( محمد دكروب ) كان من هؤلاء الكتاب ومن المداومين على التدرّب باشراف العزيز الصديق والرفيق أبو فريد، الذي كرّمني فألحقني بفريق الحرّاس الليليين، في الخنادق الأمامية المحيطة بالمركز وداخل «حرش» بيروت.
في هذا الكتاب «خبريّة» رواها أبو فريد عن رفيقه في الحزب، وتلميذه في التدرّب على السلاح، وجاره لاحقاً، في بناية واحدة، حيث قرأ له العديد من كتاباته السابقة واللاحقة: صديقه محمد دكروب، فكتب عنه يقول:
«... الرفيق محمد دكروب، كنتُ أعرفه من خلال مقالاته في جريدة (التلغراف)، ولم أعرفه شخصياً إلا عام 1958 في المركز، وقد نجا من الموت بأعجوبة خارقة. إذ إنه بينما كان يقوم بالحراسة ليلاً أصيب بطلق ناري في عنقه من الجهة الخلفية، ولم تخترق الرصاصة سوى الجلد ومسحته. وأعتقد بأن هذا القطوع هو أصعب ما مرّ على هذا الرفيق الأديب مؤلف كتاب (جذور السنديانة الحمراء)..».
... هذه الجملة المكثّفة جداً، تحمل ـ بذاتها وعلى إيجازها ـ عدة تواريخ من حياتي، وحياتنا. وقد أقول، إنها تجمع بين قطبين من تاريخي الكتابي: منذ مقالاتي الأولى في جريدة «التلغراف» التي كان يصدرها الصحفي التقدمي نسيب المتني، والتي حملت مقالات لي خلال العامين 1948 ـ 1950 (أي: قبل استشهاده الفاجع الذي أريد له أن يكون «سبباً مباشراً» لانفجار الانتفاضة الشعبية نفسها التي أكتب الآن عن أحداثها) مروراً باشتراكي المباشر في أحداث ذلك العام (1958) وصولاً الى إصدار كتابي الأساسي «جذور السنديانة الحمراء» الأحبّ الى نفسي بين جميع كتبي.. ولعلّه أن يكون ـ كما أظن ـ أحب كتاب لي قرأه أبو فريد، هو وأفراد عائلته!
* * *
صفحة 3
يمكنني القول (كما أوحت لي تلميحات أبو فريد ومسارات حياته لاحقاً...): إن مرحلة خروجه من الجيش، عام 1958، شكّلت حدثاً مهماً في حياته النضالية، ومشاركته، عملياً وعلنياً، في العمل التعبوي للمناضلين الشيوعيين والأصدقاء والوطنيين عموماً ـ في تلك الفترة ـ وبالأخص وسط جماهير العروبة وعبد الناصر وذوي النزوع التحرري التقدمي... فمارس أبو فريد نشاطاً كفاحياً متعدّد الأشكال والأبعاد والتأثير.. وكانت قيادات هذه الجماهير ترى فيه قائداً عسكرياً وسياسياً وحتى إنسانياً، محاطاً من هذه الجماهير بالحب والتقدير والاحترام، على الرغم من وجود أصوات قليلة جداً كانت تشير بنوع من التشكيك الى «مسيحيّته»!. أما الأصوات الأعلى والأوسع والأجمل فكان أبو فريد بالنسبة لها: قائداً وطنياً، عروبياً، غير طائفي بالمطلق، بل ضد الطائفية بحزم ووضوح، وعلمانياً يجاهر بعلمانيته التي تعني ترسيخ فكرة المواطنة بين الناس، والعمل من أجل التحرر والتقدم، والمساواة أمام القانون، واحترام جميع الأديان وضمان حريتها وممارسة شعائرها، وضمان ممارسة هذه الشعائر.
... لهذا كله، ولصفات إنسانية فيه أعمق وأشمل، كان أبو فريد يتمتع ـ عفوياً وعمليّاً ـ بصفة قائد عسكري وقيادي سياسي بين مختلف الناس والفرقاء في هذه المنطقة.
ولن أنسى، ما حييت، تلك الجولات المسائية الطريفة والأكثر من ضرورية، التي كان من مفاعيلها المباشرة إنقاذ الوطن من مآسٍ قد تؤجّج الشعار الطائفي: فقد كان بعض المسلحين «غير المنضبطين»! يبادرون الى التوجّه بسيارة «؟ان» الى وسط البلد، يشحنون فيها عدداً من المسيحيين، كيفما اتفق! ثم يزجّون بهم في مخافر المقاومة!! فكان من مهمات أبو فريد الأساسية وشبه اليومية: أن يجول مع عدد من المناضلين، على مختلف هذه المخافر ليعمل على إطلاق سراحهم جميعاً... وذات مرّة كنت من ضمن الشباب المرافقين لأبو فريد، أرى كيف كان يتاح له ذلك، وهو المسيحي؟!
كان واضحاً: إن كل قيادات المراكز/ المخافر، في «المنطقة الغربية»، كانت تعتبر أبا فريد واحداً من أهم قادة المقاومة والسياسة الوطنية في المنطقة. ولكن هذا وحده لم يكن يكفي لاطلاق جميع المعتقلين، فكان أبو فريد يشير الى كل واحد منهم يسأله عن اسمه، بدون أي تدقيق، ثم يقول الى رئيس هذا المخفر: هذا الشاب من الشيوعيين أنصار الثورة!.. وعن الآخر: أعرف أنه عروبي!.. وثالث: إنه من محبّي عبد الناصر!.. ورابع: أعرف أنه وطني آدمي!.. وهكذا يُطلق أبو فريد ـ بعد الإذن من رئيس المخفر ـ سراح جميع «المعتقلين».
وذات مرّة صدف أن سأل أبو فريد أحد هؤلاء عن اسمه فقال إنه من بيت بسترس.. فأسرع أبو فريد الى القول لقائد المركز: إنه شيوعي معروف!.. فأبدى قائد المركز دهشته واستغرابه قائلاً بنبرة المتسائل المندهش: ولو يا أبو فريد؟.. من عيلة غنية كتير، وشيوعي؟!.. كتير هيك!..
أبو فريد يجيب بهدوء: بيصير يا أبو الزعيم، بيصير!.. في كتير أغنيا شيوعيين!.. ولو، ما بتعرف المهندس الكبير انطون تابت؟ .. ليس فقيراً أبداً، وهو ماروني أيضاً، ويمكن يصير رئيس جمهورية، ولكنه شيوعي على راس السطح.. يلّلا يا أبو الزعيم، اترك هالشيوعي كرمالي.
ـ والله لولاك يا أبو فريد لكنت عملت وسوّيت بِهلْ ابن الـ... الأغنيا... بس إنت عزيز، عزيز علينا كلنا.. (والله والنبي محمد) أنت وانطون تابت على راسنا من فوق يا أبو فريد.
... وأجزم أن أبا فريد استطاع أن يطلق سراح المئات من أمثال هؤلاء «المعتقلين» بقوله إنهم إما شيوعيين أو وطنيين أو عروبيين أو مجرد أوادم!.. فقال له رئيس أحد هذه المخافر: ولو يا أبو فريد؟. يعني هلّق صاروا كل سكان الشرقية والأشرفية شيوعيين؟. تخينة، ما هيك؟.. بس شو منعمل، أنت بِتْمون يا أبو فريد.
وكان أبو فريد موقناً أنه لو لم يلجأ الى هذه «السياسة» مع رؤساء مخافر «المقاومة الشعبية»، وترك الأمور تجري كما يُراد لها، لكان قد سقط ـ قصداً أو مصادفةً ـ عدد من الضحايا.. ولكان الشعار الطائفي قد أحرق البلد بأكثر مما هي تحترق، مسبّباً المزيد من الآلام والفواجع للعديد من العائلات، وبالأخص الفقراء... فمن الذي كان يقصد وسط البلد سوى الفقراء، من المسلمين والمسيحيين، يسعون وراء لقمة عيشهم والحصول على بعض الأجر لقاء أعمال لا يقوم بها إلا الفقراء والمحتاجون والذين شرّدتهم الأحداث عن أماكن عملهم؟!
وفي هذا السياق نفسه من العمل بهدف إطفاء الحرائق الطائفية أو ازالة أسبابها المباشرة، أذكر: أن الخوري طانيوس منعم، الأب المستنير والكاتب التقدمي، كان أيضاً يزورنا في المركز، في زيه الديني الأسود، ولحيته الوقورة أحياناً والضاحكة غالباً... وذات عصر صحبه أبو فريد مع عدد من الرفاق للتجوّل في شوارع المنطقة وزيارة عدد من القيادات، فكان الترحيب بالأب منعم أسطورياً: تهليل وزغاريد ورصاص ابتهاج في الهواء ورشّات أرزّ فوق رؤوس زوّار الوطنية والسلام والمقاومة.
... لهذا كله، ولصفات إنسانية فيه أعمق وأشمل، كان أبو فريد يتمتع ـ عفوياً وعمليّاً ـ بصفة قائد عسكري وقيادي سياسي بين مختلف الناس والفرقاء في هذه المنطقة.
ولن أنسى، ما حييت، تلك الجولات المسائية الطريفة والأكثر من ضرورية، التي كان من مفاعيلها المباشرة إنقاذ الوطن من مآسٍ قد تؤجّج الشعار الطائفي: فقد كان بعض المسلحين «غير المنضبطين»! يبادرون الى التوجّه بسيارة «؟ان» الى وسط البلد، يشحنون فيها عدداً من المسيحيين، كيفما اتفق! ثم يزجّون بهم في مخافر المقاومة!! فكان من مهمات أبو فريد الأساسية وشبه اليومية: أن يجول مع عدد من المناضلين، على مختلف هذه المخافر ليعمل على إطلاق سراحهم جميعاً... وذات مرّة كنت من ضمن الشباب المرافقين لأبو فريد، أرى كيف كان يتاح له ذلك، وهو المسيحي؟!
كان واضحاً: إن كل قيادات المراكز/ المخافر، في «المنطقة الغربية»، كانت تعتبر أبا فريد واحداً من أهم قادة المقاومة والسياسة الوطنية في المنطقة. ولكن هذا وحده لم يكن يكفي لاطلاق جميع المعتقلين، فكان أبو فريد يشير الى كل واحد منهم يسأله عن اسمه، بدون أي تدقيق، ثم يقول الى رئيس هذا المخفر: هذا الشاب من الشيوعيين أنصار الثورة!.. وعن الآخر: أعرف أنه عروبي!.. وثالث: إنه من محبّي عبد الناصر!.. ورابع: أعرف أنه وطني آدمي!.. وهكذا يُطلق أبو فريد ـ بعد الإذن من رئيس المخفر ـ سراح جميع «المعتقلين».
وذات مرّة صدف أن سأل أبو فريد أحد هؤلاء عن اسمه فقال إنه من بيت بسترس.. فأسرع أبو فريد الى القول لقائد المركز: إنه شيوعي معروف!.. فأبدى قائد المركز دهشته واستغرابه قائلاً بنبرة المتسائل المندهش: ولو يا أبو فريد؟.. من عيلة غنية كتير، وشيوعي؟!.. كتير هيك!..
أبو فريد يجيب بهدوء: بيصير يا أبو الزعيم، بيصير!.. في كتير أغنيا شيوعيين!.. ولو، ما بتعرف المهندس الكبير انطون تابت؟ .. ليس فقيراً أبداً، وهو ماروني أيضاً، ويمكن يصير رئيس جمهورية، ولكنه شيوعي على راس السطح.. يلّلا يا أبو الزعيم، اترك هالشيوعي كرمالي.
ـ والله لولاك يا أبو فريد لكنت عملت وسوّيت بِهلْ ابن الـ... الأغنيا... بس إنت عزيز، عزيز علينا كلنا.. (والله والنبي محمد) أنت وانطون تابت على راسنا من فوق يا أبو فريد.
... وأجزم أن أبا فريد استطاع أن يطلق سراح المئات من أمثال هؤلاء «المعتقلين» بقوله إنهم إما شيوعيين أو وطنيين أو عروبيين أو مجرد أوادم!.. فقال له رئيس أحد هذه المخافر: ولو يا أبو فريد؟. يعني هلّق صاروا كل سكان الشرقية والأشرفية شيوعيين؟. تخينة، ما هيك؟.. بس شو منعمل، أنت بِتْمون يا أبو فريد.
وكان أبو فريد موقناً أنه لو لم يلجأ الى هذه «السياسة» مع رؤساء مخافر «المقاومة الشعبية»، وترك الأمور تجري كما يُراد لها، لكان قد سقط ـ قصداً أو مصادفةً ـ عدد من الضحايا.. ولكان الشعار الطائفي قد أحرق البلد بأكثر مما هي تحترق، مسبّباً المزيد من الآلام والفواجع للعديد من العائلات، وبالأخص الفقراء... فمن الذي كان يقصد وسط البلد سوى الفقراء، من المسلمين والمسيحيين، يسعون وراء لقمة عيشهم والحصول على بعض الأجر لقاء أعمال لا يقوم بها إلا الفقراء والمحتاجون والذين شرّدتهم الأحداث عن أماكن عملهم؟!
وفي هذا السياق نفسه من العمل بهدف إطفاء الحرائق الطائفية أو ازالة أسبابها المباشرة، أذكر: أن الخوري طانيوس منعم، الأب المستنير والكاتب التقدمي، كان أيضاً يزورنا في المركز، في زيه الديني الأسود، ولحيته الوقورة أحياناً والضاحكة غالباً... وذات عصر صحبه أبو فريد مع عدد من الرفاق للتجوّل في شوارع المنطقة وزيارة عدد من القيادات، فكان الترحيب بالأب منعم أسطورياً: تهليل وزغاريد ورصاص ابتهاج في الهواء ورشّات أرزّ فوق رؤوس زوّار الوطنية والسلام والمقاومة.
صفحة 4
مثل هذه المبادرات المتتالية، عزّزت كثيراً من نفوذ أبو فريد في هذه الأحياء ورسّخت المحبة الشعبية له، وتعاطف الناس مع الشيوعيين، وهذا هو هدف أبو فريد الأساسي وبالأساس.
ولعلّ هذه المبادرات، وكثير غيرها، كانت في ذهن أبو فريد وضميره، عندما كتب في مذكراته هذه الكلمات الطالعة من خبرة شيوعي مجرِّب:
«إن أقوى دعاية يقوم بها الشيوعي ليس فقط ما يتكلّم به، أو يطرحه من شعارات، أو يتعمّق بدراسة الماركسية، وبخاصة أولئك الذين يردّدون آياتها بشكلٍ ببغائي وينسون بأنها، أي الماركسية، مرشد للعمل... أقول: إن أقوى دعاية يقوم بها الشيوعي هي ممارسته العملية وتفانيه العملي وربط الكلام بالعمل...».
* * *
نصل الآن الى فترة حرجة ـ ومحرجة ـ من حياة الرفاق، وحياة البلاد، وحياة أبو فريد:
فقد سبق لكميل شمعون أن طلب من الأميركان التدخل العسكري لحماية حكمه، ووضع حدّ لهذه الانتفاضة ضده!.. فكان هؤلاء الأميركان ـ لأسباب وأسباب! ـ يطوّلون بالهم ويطلبون منه أن يطوّل باله!!. ولكن، ما أن وقع الانقلاب في العراق ضد النظام الملكي وحكم رجل الانكليز نوري السعيد، حتى أسرعوا لإرسال قواتهم إلى لبنان لأهداف لا تتعلق بلبنان فقط، بل بالعراق أساساً وبالمنطقة كلها وبالخوف على فقدان الثروة البترولية من سيطرتهم.
أصدر الحزب الشيوعي بياناً، بتوقيع نقولا شاوي الأمين العام للحزب، يدعو الشيوعيين بأن يردّوا على أي عدوان أميركي بكل ما يملكون من سلاح أو شتى الوسائل والأدوات لتوجيه ردود مؤلمة على كل اعتداء اميركي مسلح... وقد كان واضحاً أن «زعماء» البلاد، على اختلاف توجّهاتهم، لا يريدون أي مجابهة ولا حتى أي تحرّش بسيط بالأميركان، بل هددوا بقمع أي عمل يستفزّ الأميركان!!
الشيوعيون كانوا جزءاً من كل في المعركة ضد شمعون... فاضطروا الى ممارسة أعمال فردية، هنا وهناك، ضد الأميركان بوسائل غير الوسائل المسلحة: من ضرب لجنود أميركان، وتجريدهم من سلاحهم الفردي، وبعض تفجيرات جرت بدون إذن من قيادة الحزب.. وبعض عمليات جرت ـ باذن وتوجيه ـ ولكن بشكل سرّي «حرصاً على الجبهة الداخلية، الهشّة أصلاً!»..
وحدث أن تمركزت قوة أميركية بالقرب من المركز العسكري التابع للحزب في مطلع حرش بيروت، وفي شكل يوحي بأن هذه القوة هي بمثابة حركة تمهيدية لتطويق المركز، فتجمهر المئات من الشيوعيين هرعوا من مختلف شوارع بيروت، بسلاح وبدون سلاح، وتمركزوا على بعد أمتار قليلة من القوات الأميركية، مستعدين للموت لو بدر من الأميركان أية بادرة تقدّم أو اقتحام أو إطلاق رصاص ولو إرهاباً في الهواء..
أما أبو فريد ـ (الذي كان يعرف جيداً حقيقة مواقف «القيادات التقليدية والزعامات»، وحتى البعض أيضاً من غير التقليديين!) ـ فقد كان يغلي في داخله، ولكنه يتصرّف بكامل الهدوء (الديسبليني)... في ظاهره!
كان واضحاً، إذن، أن الدبابات الأميركية تتقدّم، ببطء شديد، في اتجاه مركز الشيوعيين المقاوم... وكان واضحاً أكثر أن الشيوعيين، الذين يتزايد تجمهرهم، قد تمركزوا بمواجهة الدبابات مستعدين للقتال في أية لحظة ومستعدين للموت دفاعاً عن المركز وعن الوطن...
... وقد صار واضحاً ـ فيما بعد ـ أن اتصالات «زعماتية عليا» جرت مع القيادة الأميركية تحذّرها بأن هذا المركز هو للشيوعيين، وأن على الأميركان أن يتجنّبوا أي صدام مع الشيوعيين، الذين يتوافدون ويتجمّعون حول المركز، قادمين من كل أنحاء العاصمة، لا يهابون الموت.
.. فتوقف تماماً زحف الدبابات!!
ولكن، على الرغم من كل هذا الجو الكابح والضاغط والمحذّر، نظّم أفراد من الشيوعيين بعض العمليات والتفجيرات هنا وهناك، وقد شارك أبو فريد في واحدة من هذه العمليات أرعبت القوات الأميركية المتمركزة في وسط المدينة ـ (أبو فريد يسرد، في مذكراته هذه، بالتفصيل وبالأسماء الكثير من هذه الأمور).
* * *
... ولكن مذكرات أبو فريد تقف هنا فجأة!
ينقطع السرد، تصمت مذكرات أبو فريد، فلا نعرف منها شيئاً عن نشاطاته اللاحقة (بعد أحداث 1958) لا داخل الحزب والعلاقات مع الرفاق، ولا في المناطق والمنظمات!
ولا أدري سبب هذا التوقف! فهل تعب أبو فريد من الكتابة، هو الذي لا يتعب؟.. أم أن الصفحات الباقية قد ضاعت؟.. لا أدري!
ولكن، هل لا يزال في الامكان استكمال حكاية أبو فريد، يسردها من يعرفها ممّن بقي منهم في الحياة، وفي الحزب، لتكتمل صورة هذا المناضل الشجاع، المخلص والواعي والمقدام، والقريب القريب الى قلب كل من عرفه؟
* * *
لاحقاً، أتيح لي أن أجاور هذا الانسان المتعدّد الصفات والقدرات، القوي جسدياً والقوي أخلاقياً... الصلب حزبياً، والمرن ـ حزبياً أيضاً ـ الى أقصى حدود المرونة لتوطيد علاقات الحزب مع الناس... الحازم دائماً، والضاحك المزوح والظريف دائماً أيضاً.
وعندما جاورناه في واحدة من طبقات عمارة واحدة، صارت علاقاتنا أكثر قرباً وأشد متانة.. صرنا جميعاً أفراد عائلة واحدة، معه، مع أم فريد، المؤنسة والخجولة والناعمة جداً، الصبورة جداً، والصلبة جداً الى جانب أبو فريد والأولاد الأعزاء عليه، عليها، وعلينا.
واذا كانت حكايات هذه الجيرة العزيزة والجميلة لا تدخل في موضوعات هذا الكتاب، وموضوعات هذه المقدمة، فهي تدخل ـ بالتأكيد ـ وتتمازج في موضوعات القلب وعمق الصداقة وحلاوة الجيران.
(أيار 2010)
محمد دكروب
ولعلّ هذه المبادرات، وكثير غيرها، كانت في ذهن أبو فريد وضميره، عندما كتب في مذكراته هذه الكلمات الطالعة من خبرة شيوعي مجرِّب:
«إن أقوى دعاية يقوم بها الشيوعي ليس فقط ما يتكلّم به، أو يطرحه من شعارات، أو يتعمّق بدراسة الماركسية، وبخاصة أولئك الذين يردّدون آياتها بشكلٍ ببغائي وينسون بأنها، أي الماركسية، مرشد للعمل... أقول: إن أقوى دعاية يقوم بها الشيوعي هي ممارسته العملية وتفانيه العملي وربط الكلام بالعمل...».
* * *
نصل الآن الى فترة حرجة ـ ومحرجة ـ من حياة الرفاق، وحياة البلاد، وحياة أبو فريد:
فقد سبق لكميل شمعون أن طلب من الأميركان التدخل العسكري لحماية حكمه، ووضع حدّ لهذه الانتفاضة ضده!.. فكان هؤلاء الأميركان ـ لأسباب وأسباب! ـ يطوّلون بالهم ويطلبون منه أن يطوّل باله!!. ولكن، ما أن وقع الانقلاب في العراق ضد النظام الملكي وحكم رجل الانكليز نوري السعيد، حتى أسرعوا لإرسال قواتهم إلى لبنان لأهداف لا تتعلق بلبنان فقط، بل بالعراق أساساً وبالمنطقة كلها وبالخوف على فقدان الثروة البترولية من سيطرتهم.
أصدر الحزب الشيوعي بياناً، بتوقيع نقولا شاوي الأمين العام للحزب، يدعو الشيوعيين بأن يردّوا على أي عدوان أميركي بكل ما يملكون من سلاح أو شتى الوسائل والأدوات لتوجيه ردود مؤلمة على كل اعتداء اميركي مسلح... وقد كان واضحاً أن «زعماء» البلاد، على اختلاف توجّهاتهم، لا يريدون أي مجابهة ولا حتى أي تحرّش بسيط بالأميركان، بل هددوا بقمع أي عمل يستفزّ الأميركان!!
الشيوعيون كانوا جزءاً من كل في المعركة ضد شمعون... فاضطروا الى ممارسة أعمال فردية، هنا وهناك، ضد الأميركان بوسائل غير الوسائل المسلحة: من ضرب لجنود أميركان، وتجريدهم من سلاحهم الفردي، وبعض تفجيرات جرت بدون إذن من قيادة الحزب.. وبعض عمليات جرت ـ باذن وتوجيه ـ ولكن بشكل سرّي «حرصاً على الجبهة الداخلية، الهشّة أصلاً!»..
وحدث أن تمركزت قوة أميركية بالقرب من المركز العسكري التابع للحزب في مطلع حرش بيروت، وفي شكل يوحي بأن هذه القوة هي بمثابة حركة تمهيدية لتطويق المركز، فتجمهر المئات من الشيوعيين هرعوا من مختلف شوارع بيروت، بسلاح وبدون سلاح، وتمركزوا على بعد أمتار قليلة من القوات الأميركية، مستعدين للموت لو بدر من الأميركان أية بادرة تقدّم أو اقتحام أو إطلاق رصاص ولو إرهاباً في الهواء..
أما أبو فريد ـ (الذي كان يعرف جيداً حقيقة مواقف «القيادات التقليدية والزعامات»، وحتى البعض أيضاً من غير التقليديين!) ـ فقد كان يغلي في داخله، ولكنه يتصرّف بكامل الهدوء (الديسبليني)... في ظاهره!
كان واضحاً، إذن، أن الدبابات الأميركية تتقدّم، ببطء شديد، في اتجاه مركز الشيوعيين المقاوم... وكان واضحاً أكثر أن الشيوعيين، الذين يتزايد تجمهرهم، قد تمركزوا بمواجهة الدبابات مستعدين للقتال في أية لحظة ومستعدين للموت دفاعاً عن المركز وعن الوطن...
... وقد صار واضحاً ـ فيما بعد ـ أن اتصالات «زعماتية عليا» جرت مع القيادة الأميركية تحذّرها بأن هذا المركز هو للشيوعيين، وأن على الأميركان أن يتجنّبوا أي صدام مع الشيوعيين، الذين يتوافدون ويتجمّعون حول المركز، قادمين من كل أنحاء العاصمة، لا يهابون الموت.
.. فتوقف تماماً زحف الدبابات!!
ولكن، على الرغم من كل هذا الجو الكابح والضاغط والمحذّر، نظّم أفراد من الشيوعيين بعض العمليات والتفجيرات هنا وهناك، وقد شارك أبو فريد في واحدة من هذه العمليات أرعبت القوات الأميركية المتمركزة في وسط المدينة ـ (أبو فريد يسرد، في مذكراته هذه، بالتفصيل وبالأسماء الكثير من هذه الأمور).
* * *
... ولكن مذكرات أبو فريد تقف هنا فجأة!
ينقطع السرد، تصمت مذكرات أبو فريد، فلا نعرف منها شيئاً عن نشاطاته اللاحقة (بعد أحداث 1958) لا داخل الحزب والعلاقات مع الرفاق، ولا في المناطق والمنظمات!
ولا أدري سبب هذا التوقف! فهل تعب أبو فريد من الكتابة، هو الذي لا يتعب؟.. أم أن الصفحات الباقية قد ضاعت؟.. لا أدري!
ولكن، هل لا يزال في الامكان استكمال حكاية أبو فريد، يسردها من يعرفها ممّن بقي منهم في الحياة، وفي الحزب، لتكتمل صورة هذا المناضل الشجاع، المخلص والواعي والمقدام، والقريب القريب الى قلب كل من عرفه؟
* * *
لاحقاً، أتيح لي أن أجاور هذا الانسان المتعدّد الصفات والقدرات، القوي جسدياً والقوي أخلاقياً... الصلب حزبياً، والمرن ـ حزبياً أيضاً ـ الى أقصى حدود المرونة لتوطيد علاقات الحزب مع الناس... الحازم دائماً، والضاحك المزوح والظريف دائماً أيضاً.
وعندما جاورناه في واحدة من طبقات عمارة واحدة، صارت علاقاتنا أكثر قرباً وأشد متانة.. صرنا جميعاً أفراد عائلة واحدة، معه، مع أم فريد، المؤنسة والخجولة والناعمة جداً، الصبورة جداً، والصلبة جداً الى جانب أبو فريد والأولاد الأعزاء عليه، عليها، وعلينا.
واذا كانت حكايات هذه الجيرة العزيزة والجميلة لا تدخل في موضوعات هذا الكتاب، وموضوعات هذه المقدمة، فهي تدخل ـ بالتأكيد ـ وتتمازج في موضوعات القلب وعمق الصداقة وحلاوة الجيران.
(أيار 2010)
محمد دكروب
صفحة 5
مذكرات أبو فريد
ولدت عام 1925 في "عندقت" قضاء عكار من عائلة تعتبر حتى الآن من العائلات الرئيسية في القرية، "عائلة البيطار"، ومن أب احترف الجندية وكان الوجه البارز الطيب الشعبي المحبوب المتفاني في خدمة الناس. هذا بالاضافة إلى أنه كان وجيه العائلة، وأحد وجهاء القرية الفاعلين في مختلف نشاطاتها.
وطبعاً "عندقت" كبقية القرى اللبنانية النائية، تفتقر إلى كل شيء، الماء والكهرباء وحتى المدرسة، هذا بالإضافة إلى الوضع الاقتصادي السائد آنذاك، حيث الإقطاعية لا تزال حتى الآن لها الكلمة الأولى في تقرير مصير أي إنسان، ولا يوجد وسيلة انتاج آنذاك سوى بعض الأعمال اليدوية وأدوات الحراثة البدائية، وكلا العملين لا يسد الرمق ولا يمكن الإنسان من العيش إلا بالكفاف.
من هنا نرى بأن معظم أبناء تلك القرى كانوا يتركون قراهم، إما للمهجر أو إلى الوظيفة الحكومية أياً كانت تلك الوظيفة، لأن الموظف كان له امتياز نوعاً ما من حيث تمكّنه من ممارسة وظيفة تبعده عن الأجواء التعيسة التي كان يعيشها محيطه القروي والمكبّل بالممارسات الاقطاعية.
من تلك الوظائف كان الانخراط في الجيش وهو الطابع الوظيفي الغالب على قريتنا "عندقت" إذ إن 90% من وظائف "العنادقة" هي للجيش ثم الدرك ثم الامن العام أو الهاتف، ومن النادر أن تجد موظفاً عندقياً خارجاً عن هذه الإدارات الأربع.
و"عندقت" من تلك القرى العكارية الجميلة حيث تقع على رابية ترتفع 750م عن سطح البحر، وتتقاطع في وسطها الطرقات المؤدية إلى "شدرا" وإلى "عيدمون"، وإلى بقية القرى الحدودية العكارية الشمالية. وهذه القرية لم تعرف التعصب الطائفي برغم أنّ هذا المرض اللعين قد أصاب معظم القرى المارونية، وإنْ مرّ عليها هذا الطاعون فقد كانت محصّنة ضده، والضحايا لا تذكر بالنسبة لما كانت تبثّ لها تلك القوى الشريرة العاملة دائماً تحت شعار "فرّق تسد". وأفضل الأفراح في عندقت كانت الاعياد الدينية حيث كنت ترى في أعياد المسلمين أفراداً أو عائلات من القرية يقومون بزيارة أهل المشاتي "مفردها مشتى" حسن وحمود وأكروم والبيرة الخ.. للتهنئة بالمناسبة. وكذلك في الأعياد المسيحية كانت عندقت تعيش أحلى أعراسها. في هذه الأجواء كانت تعيش الطوائف عندنا في إلفة قلّ نظيرها. وهي لا تزال حتى الآن، على الرغم من كل ما حل ببلدنا من مصائب، تعيش تلك الأجواء المفعمة بالمحبة والتفاهم.
وكان يزيد تلك الاعياد بهجة وفرحاً عودة أولئك العكسريين أو الموظفين إلى القرية بمأذونياتهم السنوية، فيقام في كل بيت فرحة بالعائد، حيث يجتمع معظم أقربائهم، وكلّ ينقل معه العرق وما تيسر من طعام في البيت، فتصبح الطاولة عامرة بمختلف أنواع الأطعمة و"خود بعدين عتابا وميجانا وأغانٍ مختلفة" حتى منتصف الليل فيعود كلّ إلى بيته بعد ان يكون قد تمتع بأمسية لا يشعر بمتعتها إلّا من شارك فيها. مع العلم بان تقاليد كهذه كانت ولم تزل، على ما أعتقد، موجودة في معظم القرى اللبنانية، إذ إن هذا النوع من المشاركة في الافراح هو تقليد عام في معظم القرى.
كان والدي جندياً في الجيش الفرنسي "جيش الشرق" حيث تألفت أول سرية من ذلك الجيش في عندقت على ما أعتقد. وعند عودته كان يلتئم شمل العائلتين فخر والبيطار. وكانت والدتي إذذاك في قمة بهجتها وزينتها! مع أطيب المأكولات التي تكون قد هيأتها لزوجها وأشقائها وللأقرباء من العائلتين الذين هم بدورهم، كما أسلفنا، ينقلون معهم ما أمكنهم من مشرب ومأكل.
في هذا الجو المتعاون والمتعاطف، كنت أتمنى لو يمرّ الوقت سريعاً، وقد وضعت نصب عيني الدخول في الجندية. وقد حققت طموحي في انخراطي في الجيش سنة 1943. وهي سنة دخولي أو بالاحرى تعرفي على الأحزاب السياسية في البلاد. حيث كنت لا أعرف من السياسة إلا أن فرنسا "أمّنا الحنون" وهذا ما كانت تلقننا إياه راهبات اليسوعية في مدرسة القرية.
لم يخطر ببالي ابداً ان اكتب ما حدث لي في الحياة لولا أنني أريد أن أحث كل إنسان، مهما كان مركزه الاجتماعي، أن يندفع في خدمة وطنه وبلاده وشعبه إلى اقصى حدود الاندفاع، ذلك أنني من خلال ممارساتي للعمل الوطني تأكد لي بأنه كلما ارتفع وعي الإنسان العادي واندفاعه في العمل الوطني كلما كانت النتيجة أفعل وأجدى. على أن يكرس المرء معظم جهوده لتحقيق قناعاته غير آبه بما يعترضه من صعوبات ومخاطر، لا أن يأمل من نتيجة عمله أن يحصل على المراكز المرموقة أو غيرها. وعليه أن يعمل على سعادة الكادحين أينما وجدوا.
كنت على اتصال ببعض الادباء والمؤلفين، وكنت اراهم يخلقون اعمالاً أو أحداثاً أو أبطالاً من تخيلاتهم أو تصوراتهم أو استناداً لما مرّ بهم بشكل عابر تقريباً. وفي كل مرة أقرأ إحدى الروايات أقارن بين محتوى هذه القصص والروايات وما تصوره من بطولات ومعجزات وبين ما حدث معي بالفعل. وقد حفَّزني ذلك لكتابة ما صادفني من أحداث وصعاب كان من بينها تنفيذ أحكام إعدام! وأن أسردها كما هي، دون زيادة أو نقصان. وليس لي هدف من تقديم قصة حياتي هذه سوى ما أسلفته من إفادة معنوية لمعارفي وأقاربي، ورفاقي الذين كان لي شرف مواكبة مسيرتهم الطويلة والشاقة والذين سيتابعون المسيرة على طريق تحرير الكادحين الشرفاء، ليس في لبنان فحسب، بل في العالم أجمع، مظهراً ومؤكداً بأن النضال الاجتماعي ليس وقفاً على الأفراد والأبطال، بل يتوقف على ما يبذله كل عنصر في مكانه مهما كان وضعه الاجتماعي. أرجو المعذرة فيما لو كان أسلوبي مغايراً لأساليب الآخرين من المؤلفين والأدباء، أو لأنني وضعت بعض الحواشي الكلامية في غير موضعها، ذلك إنني لست مؤلفاً ولا أديباً بل إنني مناضل عادي رأى من المفيد تقديم سيرة حياته، وفق ما سمحت له ذاكرته في استيعاب الاحداث ولم تسمح له أحياناً بتحديد تواريخها.
إسبر البيطار
ولدت عام 1925 في "عندقت" قضاء عكار من عائلة تعتبر حتى الآن من العائلات الرئيسية في القرية، "عائلة البيطار"، ومن أب احترف الجندية وكان الوجه البارز الطيب الشعبي المحبوب المتفاني في خدمة الناس. هذا بالاضافة إلى أنه كان وجيه العائلة، وأحد وجهاء القرية الفاعلين في مختلف نشاطاتها.
وطبعاً "عندقت" كبقية القرى اللبنانية النائية، تفتقر إلى كل شيء، الماء والكهرباء وحتى المدرسة، هذا بالإضافة إلى الوضع الاقتصادي السائد آنذاك، حيث الإقطاعية لا تزال حتى الآن لها الكلمة الأولى في تقرير مصير أي إنسان، ولا يوجد وسيلة انتاج آنذاك سوى بعض الأعمال اليدوية وأدوات الحراثة البدائية، وكلا العملين لا يسد الرمق ولا يمكن الإنسان من العيش إلا بالكفاف.
من هنا نرى بأن معظم أبناء تلك القرى كانوا يتركون قراهم، إما للمهجر أو إلى الوظيفة الحكومية أياً كانت تلك الوظيفة، لأن الموظف كان له امتياز نوعاً ما من حيث تمكّنه من ممارسة وظيفة تبعده عن الأجواء التعيسة التي كان يعيشها محيطه القروي والمكبّل بالممارسات الاقطاعية.
من تلك الوظائف كان الانخراط في الجيش وهو الطابع الوظيفي الغالب على قريتنا "عندقت" إذ إن 90% من وظائف "العنادقة" هي للجيش ثم الدرك ثم الامن العام أو الهاتف، ومن النادر أن تجد موظفاً عندقياً خارجاً عن هذه الإدارات الأربع.
و"عندقت" من تلك القرى العكارية الجميلة حيث تقع على رابية ترتفع 750م عن سطح البحر، وتتقاطع في وسطها الطرقات المؤدية إلى "شدرا" وإلى "عيدمون"، وإلى بقية القرى الحدودية العكارية الشمالية. وهذه القرية لم تعرف التعصب الطائفي برغم أنّ هذا المرض اللعين قد أصاب معظم القرى المارونية، وإنْ مرّ عليها هذا الطاعون فقد كانت محصّنة ضده، والضحايا لا تذكر بالنسبة لما كانت تبثّ لها تلك القوى الشريرة العاملة دائماً تحت شعار "فرّق تسد". وأفضل الأفراح في عندقت كانت الاعياد الدينية حيث كنت ترى في أعياد المسلمين أفراداً أو عائلات من القرية يقومون بزيارة أهل المشاتي "مفردها مشتى" حسن وحمود وأكروم والبيرة الخ.. للتهنئة بالمناسبة. وكذلك في الأعياد المسيحية كانت عندقت تعيش أحلى أعراسها. في هذه الأجواء كانت تعيش الطوائف عندنا في إلفة قلّ نظيرها. وهي لا تزال حتى الآن، على الرغم من كل ما حل ببلدنا من مصائب، تعيش تلك الأجواء المفعمة بالمحبة والتفاهم.
وكان يزيد تلك الاعياد بهجة وفرحاً عودة أولئك العكسريين أو الموظفين إلى القرية بمأذونياتهم السنوية، فيقام في كل بيت فرحة بالعائد، حيث يجتمع معظم أقربائهم، وكلّ ينقل معه العرق وما تيسر من طعام في البيت، فتصبح الطاولة عامرة بمختلف أنواع الأطعمة و"خود بعدين عتابا وميجانا وأغانٍ مختلفة" حتى منتصف الليل فيعود كلّ إلى بيته بعد ان يكون قد تمتع بأمسية لا يشعر بمتعتها إلّا من شارك فيها. مع العلم بان تقاليد كهذه كانت ولم تزل، على ما أعتقد، موجودة في معظم القرى اللبنانية، إذ إن هذا النوع من المشاركة في الافراح هو تقليد عام في معظم القرى.
كان والدي جندياً في الجيش الفرنسي "جيش الشرق" حيث تألفت أول سرية من ذلك الجيش في عندقت على ما أعتقد. وعند عودته كان يلتئم شمل العائلتين فخر والبيطار. وكانت والدتي إذذاك في قمة بهجتها وزينتها! مع أطيب المأكولات التي تكون قد هيأتها لزوجها وأشقائها وللأقرباء من العائلتين الذين هم بدورهم، كما أسلفنا، ينقلون معهم ما أمكنهم من مشرب ومأكل.
في هذا الجو المتعاون والمتعاطف، كنت أتمنى لو يمرّ الوقت سريعاً، وقد وضعت نصب عيني الدخول في الجندية. وقد حققت طموحي في انخراطي في الجيش سنة 1943. وهي سنة دخولي أو بالاحرى تعرفي على الأحزاب السياسية في البلاد. حيث كنت لا أعرف من السياسة إلا أن فرنسا "أمّنا الحنون" وهذا ما كانت تلقننا إياه راهبات اليسوعية في مدرسة القرية.
لم يخطر ببالي ابداً ان اكتب ما حدث لي في الحياة لولا أنني أريد أن أحث كل إنسان، مهما كان مركزه الاجتماعي، أن يندفع في خدمة وطنه وبلاده وشعبه إلى اقصى حدود الاندفاع، ذلك أنني من خلال ممارساتي للعمل الوطني تأكد لي بأنه كلما ارتفع وعي الإنسان العادي واندفاعه في العمل الوطني كلما كانت النتيجة أفعل وأجدى. على أن يكرس المرء معظم جهوده لتحقيق قناعاته غير آبه بما يعترضه من صعوبات ومخاطر، لا أن يأمل من نتيجة عمله أن يحصل على المراكز المرموقة أو غيرها. وعليه أن يعمل على سعادة الكادحين أينما وجدوا.
كنت على اتصال ببعض الادباء والمؤلفين، وكنت اراهم يخلقون اعمالاً أو أحداثاً أو أبطالاً من تخيلاتهم أو تصوراتهم أو استناداً لما مرّ بهم بشكل عابر تقريباً. وفي كل مرة أقرأ إحدى الروايات أقارن بين محتوى هذه القصص والروايات وما تصوره من بطولات ومعجزات وبين ما حدث معي بالفعل. وقد حفَّزني ذلك لكتابة ما صادفني من أحداث وصعاب كان من بينها تنفيذ أحكام إعدام! وأن أسردها كما هي، دون زيادة أو نقصان. وليس لي هدف من تقديم قصة حياتي هذه سوى ما أسلفته من إفادة معنوية لمعارفي وأقاربي، ورفاقي الذين كان لي شرف مواكبة مسيرتهم الطويلة والشاقة والذين سيتابعون المسيرة على طريق تحرير الكادحين الشرفاء، ليس في لبنان فحسب، بل في العالم أجمع، مظهراً ومؤكداً بأن النضال الاجتماعي ليس وقفاً على الأفراد والأبطال، بل يتوقف على ما يبذله كل عنصر في مكانه مهما كان وضعه الاجتماعي. أرجو المعذرة فيما لو كان أسلوبي مغايراً لأساليب الآخرين من المؤلفين والأدباء، أو لأنني وضعت بعض الحواشي الكلامية في غير موضعها، ذلك إنني لست مؤلفاً ولا أديباً بل إنني مناضل عادي رأى من المفيد تقديم سيرة حياته، وفق ما سمحت له ذاكرته في استيعاب الاحداث ولم تسمح له أحياناً بتحديد تواريخها.
إسبر البيطار
صفحة 6
في مدرسة القلبين الأقدسين:
لم تكن في قريتنا سوى مدرسة للراهبات، وأعتقد بانها بُنيت في سنة 1922 مع قدوم بعثات فرنسا اليسوعية، حيث كانت تلك المدارس تأسست في القرى ذات الطابع الماروني.
كنت من الأوائل دائماً، ولم أسجّل نتيجة الدرجة الثانية ولا مرة طيلة حياتي الدراسية، بل كنت الأول في جميع الأشياء، بما فيه المقالب والاعمال العشائرية كالغزو والسطو على املاك الغيرّ حيث كنت أنتمي "لعصابة" من شباب العائلة، وكان ترتيبي الثالث من حيث العمر. ولقد كان ابن خالي الياس اكبرنا سناً وهو الريّس طبعاً وبعده شاهين ثم أنا. ولكنني لم أتخلّّ عن ترتيبي الأول في العمل، أي نوع من العمل، سلبياً كان أو إيجابياً، حيث كان يوجد في المدرسة كل نهار اثنين محاسبة عما صنعه كل منّا من "سيئات" أو ردود على شكاوى من أهالي القرية المتضررين من اعمالنا، خلال فترة الاستراحة الاسبوعية "السبت والأحد" وفرصة الأعياد.
ترتيبي الاول كان يزعجني في معظم الأحيان حتى أنني كنت أول من يحاسَب نهار الاثنين لشقاوتي حيث لقبتني الراهبة المعلمة بشيطان ماربولا، ومراراً كانت تقول لي: شيطان بيت اسبر، وهذان اللقبان رافقاني مدة طويلة، وحتى الآن لا يزال بعض رفاقي في الصف يذكّرونني بلقبي الشيطاني.
لائحة الشكاوى:
ولا مرة كانت لائحة الشكاوى نهار الاثنين تُعلن إلا وكان اسمي هو الأول، فتنادي الراهبة شيطان مار بولا أو شيطان بيت إسبر، حسبما يخطر على بالها، ويظهر أنّ الشيطانين متساويان في نظرها. طبعاً كان الجواب بالفرنسية present ma soeur . حاضر يا أختي: "لماذا صنعت كذا"؟ و"لماذا صنعت كذا"؟، وتعدّد الشكاوى وأنا أعددها وراءها، وفي معظم الأحيان كنت أشكر الله على أنّ معظم شيطناتي كانت غير معروفة أو أنها لم تصل. فأبدأ بالدفاع والقسم، وكان القسم بالله ممنوعاً عند الراهبات، فالقسم هو كلمة: بالصدق يا مسير ما عملت شيء. وكانت تحمل الطبشة، وهي "عصا من خشب مبسطة مخصصة لضرب المقاصصين" صارخة في وجهي: "اشلاح" من إجرك واركع على البنك! في الايام الجميلة لم نكن ننتعل احذية إلا قصراً، والى المدرسة فقط. فكنت أطيع ولكن متمهلاً في فك الحذاء الذي كنت أنتعله كل نهار اثنين إلى المدرسة، ولكنني كنت احسب حساب العقاب، فأربط الشريط عقدة بدلاً من أنشوطة، وهذا العمل كان يساعدني على تأجيل العقاب وأصيح "يا مسير مش عم يفك معي الشريط!".. وهنا كانت تثور ثائرة الراهبة وتبدأ الضرب على اي جزء من جسمي، فأبدأ بالصراخ والاستغاثة والركض في باحة المدرسة إلى أن أنال ما تعتبره الراهبة حصتي من القصاص. وكنت بعكس شاهين ابن عمتي الذي كان يفتح يديه الاثنتين ويقول للراهبة بصوته المرجّل باكراً: "ضْربي حتى تشبعي". وكانت الطبشة تعلو وتهبط على يدي شاهين بكل ما أوتيت الراهبة من قوة، وعبثاً كان يصرخ أو يرف له جفن، وفي معظم الأحيان كانت تنكسر الطبشة ولا ينكسر شاهين، لأنه كان يتمتع بقوة جسدية وقوة احتمال غريبين، ولا اذكر أنني سمعته طيلة حياتي بأنه تفوّه بكلمة آخ لا قتالاً ولا حرقاً. وإني لا أزال حتى الآن أحترم تلك الرجولة المبكرة والتي رافقته طيلة حياته حيث كان دائماً قليل الكلام وكثير العمل وغير متألم على الرغم من أنه ذاق الأمرين في شبابه. وهكذا كنّا كل نهار اثنين أو اليوم الذي يلي نهاية الفرص المدرسية نستعد للعقاب فلقاً من الراهبة.
لم تكن في قريتنا سوى مدرسة للراهبات، وأعتقد بانها بُنيت في سنة 1922 مع قدوم بعثات فرنسا اليسوعية، حيث كانت تلك المدارس تأسست في القرى ذات الطابع الماروني.
كنت من الأوائل دائماً، ولم أسجّل نتيجة الدرجة الثانية ولا مرة طيلة حياتي الدراسية، بل كنت الأول في جميع الأشياء، بما فيه المقالب والاعمال العشائرية كالغزو والسطو على املاك الغيرّ حيث كنت أنتمي "لعصابة" من شباب العائلة، وكان ترتيبي الثالث من حيث العمر. ولقد كان ابن خالي الياس اكبرنا سناً وهو الريّس طبعاً وبعده شاهين ثم أنا. ولكنني لم أتخلّّ عن ترتيبي الأول في العمل، أي نوع من العمل، سلبياً كان أو إيجابياً، حيث كان يوجد في المدرسة كل نهار اثنين محاسبة عما صنعه كل منّا من "سيئات" أو ردود على شكاوى من أهالي القرية المتضررين من اعمالنا، خلال فترة الاستراحة الاسبوعية "السبت والأحد" وفرصة الأعياد.
ترتيبي الاول كان يزعجني في معظم الأحيان حتى أنني كنت أول من يحاسَب نهار الاثنين لشقاوتي حيث لقبتني الراهبة المعلمة بشيطان ماربولا، ومراراً كانت تقول لي: شيطان بيت اسبر، وهذان اللقبان رافقاني مدة طويلة، وحتى الآن لا يزال بعض رفاقي في الصف يذكّرونني بلقبي الشيطاني.
لائحة الشكاوى:
ولا مرة كانت لائحة الشكاوى نهار الاثنين تُعلن إلا وكان اسمي هو الأول، فتنادي الراهبة شيطان مار بولا أو شيطان بيت إسبر، حسبما يخطر على بالها، ويظهر أنّ الشيطانين متساويان في نظرها. طبعاً كان الجواب بالفرنسية present ma soeur . حاضر يا أختي: "لماذا صنعت كذا"؟ و"لماذا صنعت كذا"؟، وتعدّد الشكاوى وأنا أعددها وراءها، وفي معظم الأحيان كنت أشكر الله على أنّ معظم شيطناتي كانت غير معروفة أو أنها لم تصل. فأبدأ بالدفاع والقسم، وكان القسم بالله ممنوعاً عند الراهبات، فالقسم هو كلمة: بالصدق يا مسير ما عملت شيء. وكانت تحمل الطبشة، وهي "عصا من خشب مبسطة مخصصة لضرب المقاصصين" صارخة في وجهي: "اشلاح" من إجرك واركع على البنك! في الايام الجميلة لم نكن ننتعل احذية إلا قصراً، والى المدرسة فقط. فكنت أطيع ولكن متمهلاً في فك الحذاء الذي كنت أنتعله كل نهار اثنين إلى المدرسة، ولكنني كنت احسب حساب العقاب، فأربط الشريط عقدة بدلاً من أنشوطة، وهذا العمل كان يساعدني على تأجيل العقاب وأصيح "يا مسير مش عم يفك معي الشريط!".. وهنا كانت تثور ثائرة الراهبة وتبدأ الضرب على اي جزء من جسمي، فأبدأ بالصراخ والاستغاثة والركض في باحة المدرسة إلى أن أنال ما تعتبره الراهبة حصتي من القصاص. وكنت بعكس شاهين ابن عمتي الذي كان يفتح يديه الاثنتين ويقول للراهبة بصوته المرجّل باكراً: "ضْربي حتى تشبعي". وكانت الطبشة تعلو وتهبط على يدي شاهين بكل ما أوتيت الراهبة من قوة، وعبثاً كان يصرخ أو يرف له جفن، وفي معظم الأحيان كانت تنكسر الطبشة ولا ينكسر شاهين، لأنه كان يتمتع بقوة جسدية وقوة احتمال غريبين، ولا اذكر أنني سمعته طيلة حياتي بأنه تفوّه بكلمة آخ لا قتالاً ولا حرقاً. وإني لا أزال حتى الآن أحترم تلك الرجولة المبكرة والتي رافقته طيلة حياته حيث كان دائماً قليل الكلام وكثير العمل وغير متألم على الرغم من أنه ذاق الأمرين في شبابه. وهكذا كنّا كل نهار اثنين أو اليوم الذي يلي نهاية الفرص المدرسية نستعد للعقاب فلقاً من الراهبة.
صفحة 7
العمل، قبل الذهاب إلى المدرسة:
كنت كبير اخوتي ووالدي في الجيش، ومسؤولية البيت تقع على عاتقي، هذا ما كانوا يقولونه لي، وهذا تقليد عشائري متّبع وهو بأنه في حال غياب الوالد، فالابن الاكبر هو الذي يتولى تدبير شؤون البيت والعائلة. وبحكم هذه المسؤولية كان المفروض أن أقوم بتموين البيت بالوقود، أي الاحتطاب من الحرش الكبير الذي يلف عندقت من جنوبها إلى شمالها. وبما انه لا يوجد لدينا دابة (حمار أو حمارة) لنقل الحطب فكنت استعير دواب اقربائي وأعمل بالمناصفة، أي يوم لي ويوم لصاحب الدابة (رغم صغر سني البالغ 12 سنة). عند ذلك خطر ببالي الكتابة إلى والدي للحضور إلى القرية ليشتري لي دابة. (حضور الجندي كان نادراً في ذلك الوقت 36 و37) وقد تحققت امنيتي بشراء تلك الدابة. فكنت يومياً انهض باكراً إلى الحرش بمفردي غالباً، ومع رفاق احياناً. احتطب وأنقل الحطب إلى البيت. ولم يسجل عليّ غياب يوم واحد طيلة حياتي الدراسية بل كنت أصل في معظم الاوقات قبل حلول الوقت بربع ساعة. ويا ليت مسؤوليتي توقفت عند ذلك، بل فُرض عليّ، أن أساعد والدتي في تكنيس البيت ومساعدتها في إطعام أشقائي واشعال النار في الموقد صباحاً. وبالفعل لم أرتع بطفولة مرحة في حياتي الا عندما يحضر أبي بإذن من قيادة الجيش، حيث كانت تصله اخباري المدرسية بانني ناجح جداً والرئيسة تقول له: ابنك فلتة. فهذه الكلمات جعلت مني معبود ذلك الوالد الذي لم اسمع منه خلال طفولتي كلها سوى التشجيع والثناء حتى على اعمال الشقاوة والشجار مع الاولاد، وقد كان ينهرني عندما اعود باكياً إلى البيت. فكان يشجعني دائماً على احتمال المشاق ومساعدة الضعيف، وهذا الانطباع الذي غرسه فيّ رافقني منذ صغري وحتى الان. إذ إنه كان يمارس توصياته بالفعل، ولا يكتفي بالكلام فقط، فقد كان دائماً من صانعي الخير ونصيراً للمستضعفين. وإنني اذكر بانه بعد 1948، أي بعد منع الحزب الشيوعي من العمل العلني، بقي والدي الوحيد المتمسك بالحزب.
لم أسجل على ذلك الوالد أي سلوك مشين، ومن المحتمل أنّ حبي وتقديري له كانا يمنعاني من رؤية أي نقيصة فيه. إذ إنه منع الراهبات من ارسالي إلى فرنسا للدراسة على نفقتهم، حيث كنت المرشح الوحيد للذهاب. وعلى الرغم من الضغط الذي تعرض له والدي من الاب الفرنسي شيفري، وهو أب يسوعي، كان مفتشاً للمدارس اليسوعية في الشمال ومن ضابط فرنسي لا اذكر اسمه. وحين خُيّرت بين الذهاب والبقاء قلت لهم: "الأمر يعود إلى والدي"، وكان عمري آنذاك لا يتعدّى الأربعة عشر ربيعاً.
وهكذا بقي والدي مصراً على رأيه معتبراً ذهابي للدراسة في الخارج سيفقده ولده البكر وهو ذراعه الأيمن بالنسبة للبيت، وقد كان خائفاً أن يجعلوا مني أباً يسوعياً، لأنني كنت أيضاً افضل شماس في المدرسة وكنت اخدم القداس يومياً. ولا اعلم اذا كان والدي على حق في هذا التصوّر أم انه كان مخطئاً. فحياة الإنسان محطات، وفي كل محطة هناك عدّة مفارق.
مساعد لراعي البقر:
كانت قريتنا ككل القرى آنذاك تعيّن راعياً للبقر، حيث تجتمع كل الحيوانات صباحاً في المكان المخصص مشكلةً قطيعاً كبيراً مؤلفاً من البقرات الاناث والعجول الصغيرة والمتوسطة والحمير. ونظراً لضخامة القطيع كان الراعي يغرينا بمساعدته لرعاية القطيع ببقائه في أمكنة محددة بعيدة عن الأراضي المزروعة أو المثمرة. وكنا نقضي معظم النهار في مشاركة الراعي الاهتمام بالقطيع حتى المساء، فتكون المكافأة عند ذلك امتطاء الحمير واجراء السباقات المتعددة القصيرة منها والطويلة حسب منعطفات الطريق، إلى أن نصل إلى القرية ويعود كل حيوان إلى مزربه، فيقوم مالكوه باستلامه، فيربط ويعلف ويحلب البقر.
عادات اندثرت: كان يوجد بين النساء عمل تعاوني او نوع من "الاشتراكية". فالنساء اللواتي يملكن بقراً حلوباً يؤلفن جمعية فيما بينهنّ، فيجمعن الحليب يومياً عند واحدة منهن لمدة أسبوع او أسبوعين بحسب مقادير الحليب التي تقدمها كل واحدة، وتحفظ كل منهن كمية الحليب التي قدمتها طيلة مدة الدورة. وهكذا، ينتقل الدور، من بيت إلى آخر، فتبدأ كل منهن بتقديم الحليب وتعيد ما استدانته اثناء دورها ثم تسلّف الأخريات، إلى ان ينتقل الدور إلى بيتٍ آخر الخ... حتى يأتي الدور على الجميع ثم تعاد العملية مرة اخرى. وكانت اجمل الاوقات الصباحية عند الاستماع إلى اصوات النسوة وهنَّ يتشاجرن ويصفن بعضهن بعضاً بأوصاف ونعوت لا توجد في اي قاموس في الدنيا. فالتي تتهم رفيقتها بسوء الامانة كمزج الحليب بالماء، أو الزعبرة بالكيل أو الكذب بقيمة الحليب المسلف. ومعظم الاوقات تنتهي المشاجرة بالكلام البذيء، ونادراً بشد الشعر أو طرد المشاجِرة من الدور. فهذا العمل التعاوني لم يبق منه سوى الذكريات. وما أجملها تلك الذكريات.
كنت كبير اخوتي ووالدي في الجيش، ومسؤولية البيت تقع على عاتقي، هذا ما كانوا يقولونه لي، وهذا تقليد عشائري متّبع وهو بأنه في حال غياب الوالد، فالابن الاكبر هو الذي يتولى تدبير شؤون البيت والعائلة. وبحكم هذه المسؤولية كان المفروض أن أقوم بتموين البيت بالوقود، أي الاحتطاب من الحرش الكبير الذي يلف عندقت من جنوبها إلى شمالها. وبما انه لا يوجد لدينا دابة (حمار أو حمارة) لنقل الحطب فكنت استعير دواب اقربائي وأعمل بالمناصفة، أي يوم لي ويوم لصاحب الدابة (رغم صغر سني البالغ 12 سنة). عند ذلك خطر ببالي الكتابة إلى والدي للحضور إلى القرية ليشتري لي دابة. (حضور الجندي كان نادراً في ذلك الوقت 36 و37) وقد تحققت امنيتي بشراء تلك الدابة. فكنت يومياً انهض باكراً إلى الحرش بمفردي غالباً، ومع رفاق احياناً. احتطب وأنقل الحطب إلى البيت. ولم يسجل عليّ غياب يوم واحد طيلة حياتي الدراسية بل كنت أصل في معظم الاوقات قبل حلول الوقت بربع ساعة. ويا ليت مسؤوليتي توقفت عند ذلك، بل فُرض عليّ، أن أساعد والدتي في تكنيس البيت ومساعدتها في إطعام أشقائي واشعال النار في الموقد صباحاً. وبالفعل لم أرتع بطفولة مرحة في حياتي الا عندما يحضر أبي بإذن من قيادة الجيش، حيث كانت تصله اخباري المدرسية بانني ناجح جداً والرئيسة تقول له: ابنك فلتة. فهذه الكلمات جعلت مني معبود ذلك الوالد الذي لم اسمع منه خلال طفولتي كلها سوى التشجيع والثناء حتى على اعمال الشقاوة والشجار مع الاولاد، وقد كان ينهرني عندما اعود باكياً إلى البيت. فكان يشجعني دائماً على احتمال المشاق ومساعدة الضعيف، وهذا الانطباع الذي غرسه فيّ رافقني منذ صغري وحتى الان. إذ إنه كان يمارس توصياته بالفعل، ولا يكتفي بالكلام فقط، فقد كان دائماً من صانعي الخير ونصيراً للمستضعفين. وإنني اذكر بانه بعد 1948، أي بعد منع الحزب الشيوعي من العمل العلني، بقي والدي الوحيد المتمسك بالحزب.
لم أسجل على ذلك الوالد أي سلوك مشين، ومن المحتمل أنّ حبي وتقديري له كانا يمنعاني من رؤية أي نقيصة فيه. إذ إنه منع الراهبات من ارسالي إلى فرنسا للدراسة على نفقتهم، حيث كنت المرشح الوحيد للذهاب. وعلى الرغم من الضغط الذي تعرض له والدي من الاب الفرنسي شيفري، وهو أب يسوعي، كان مفتشاً للمدارس اليسوعية في الشمال ومن ضابط فرنسي لا اذكر اسمه. وحين خُيّرت بين الذهاب والبقاء قلت لهم: "الأمر يعود إلى والدي"، وكان عمري آنذاك لا يتعدّى الأربعة عشر ربيعاً.
وهكذا بقي والدي مصراً على رأيه معتبراً ذهابي للدراسة في الخارج سيفقده ولده البكر وهو ذراعه الأيمن بالنسبة للبيت، وقد كان خائفاً أن يجعلوا مني أباً يسوعياً، لأنني كنت أيضاً افضل شماس في المدرسة وكنت اخدم القداس يومياً. ولا اعلم اذا كان والدي على حق في هذا التصوّر أم انه كان مخطئاً. فحياة الإنسان محطات، وفي كل محطة هناك عدّة مفارق.
مساعد لراعي البقر:
كانت قريتنا ككل القرى آنذاك تعيّن راعياً للبقر، حيث تجتمع كل الحيوانات صباحاً في المكان المخصص مشكلةً قطيعاً كبيراً مؤلفاً من البقرات الاناث والعجول الصغيرة والمتوسطة والحمير. ونظراً لضخامة القطيع كان الراعي يغرينا بمساعدته لرعاية القطيع ببقائه في أمكنة محددة بعيدة عن الأراضي المزروعة أو المثمرة. وكنا نقضي معظم النهار في مشاركة الراعي الاهتمام بالقطيع حتى المساء، فتكون المكافأة عند ذلك امتطاء الحمير واجراء السباقات المتعددة القصيرة منها والطويلة حسب منعطفات الطريق، إلى أن نصل إلى القرية ويعود كل حيوان إلى مزربه، فيقوم مالكوه باستلامه، فيربط ويعلف ويحلب البقر.
عادات اندثرت: كان يوجد بين النساء عمل تعاوني او نوع من "الاشتراكية". فالنساء اللواتي يملكن بقراً حلوباً يؤلفن جمعية فيما بينهنّ، فيجمعن الحليب يومياً عند واحدة منهن لمدة أسبوع او أسبوعين بحسب مقادير الحليب التي تقدمها كل واحدة، وتحفظ كل منهن كمية الحليب التي قدمتها طيلة مدة الدورة. وهكذا، ينتقل الدور، من بيت إلى آخر، فتبدأ كل منهن بتقديم الحليب وتعيد ما استدانته اثناء دورها ثم تسلّف الأخريات، إلى ان ينتقل الدور إلى بيتٍ آخر الخ... حتى يأتي الدور على الجميع ثم تعاد العملية مرة اخرى. وكانت اجمل الاوقات الصباحية عند الاستماع إلى اصوات النسوة وهنَّ يتشاجرن ويصفن بعضهن بعضاً بأوصاف ونعوت لا توجد في اي قاموس في الدنيا. فالتي تتهم رفيقتها بسوء الامانة كمزج الحليب بالماء، أو الزعبرة بالكيل أو الكذب بقيمة الحليب المسلف. ومعظم الاوقات تنتهي المشاجرة بالكلام البذيء، ونادراً بشد الشعر أو طرد المشاجِرة من الدور. فهذا العمل التعاوني لم يبق منه سوى الذكريات. وما أجملها تلك الذكريات.
صفحة 8
شمّاس في الكنيسة:
القداس اليومي هو اجباري للراهبات ولتلامذة المدرسة، وكذلك الزياحات المسائية لشهر المريمات وشهر قلب يسوع وشهر الصوم وتسعاوية الميلاد، إلى آخر ما هنالك من مناسبات دينية، وطبعاً كل مناسبة تختلف طقوسها عن الثانية، فكنتُ ايضاً مجلياً في الصلاة والترتيل وكنت الشمّاس اليومي لكنيسة ماريوسف "دير الراهبات" حيث كنت على اتفاق تام مع الخوري سمعان الذي كان بالفعل من الخوارنة الذين لا يعرفون القراءة إلا بشبيّته (كتاب خاص بكل خوري يتلو فيه صلواته اليومية) وكان لا يعرف من الفراميات سوى "نهديك السلام يا مريم..." و"يا صالحاً أبد الوجود". وهذه الصلوات الأخيرة كان يتلوها بالقداديس الاحتفالية. مع العلم بان لكل قداس إفرامية (1) شِكِلْ. والكل كان لا يلوم الخوري سمعان باعتبار انه لا يعرف اكثر من ذلك، وكانوا يقولون: الصلاة بالنيّات وليس بالتراتيل. وكنت آخذ عنه دوره في الترتيل بينما هو يفتعل الانهماك بالصلوات وترتيب أدوات التقديس.
الصلاة من أجل الفقراء: كنت مولعاً بالصلاة من اجل الفقراء، وكنت اطلب كثيراً من الله ومن العذراء مريم ان تكون مواسم الفلاحين جيدة، الشتوية منها والصيفية. بحيث كنا نقوم بصلاة خاصة بكنيسة السيدة، خصوصاً عندما لا تمطر السماء فيزداد التضرع وترتفع حرارة التوسّل واستجداء المطر من الله بشفاعة قديسيه، وكنت على يقين بأن الله والقديسين سيستجيبون لتضرعاتنا وتوسلاتنا، وكنت أصل في بعض المراحل إلى البكاء. وكان الله يخيّب آمالنا في معظم الاوقات، ولكن عندما يصادف هطول الأمطار ولو متأخراً، كنا نعيد ذلك إلى صلواتنا.
هذه الصلوات كانت تكلفني جهداً كبيراً. وبما انني كنت المتفوق دائماً في صفّي، فكنت أجمع جميع اقربائي وزملائي من الصف أو من غير الصف، وأعلّمهم دروسهم وأنفّذ لهم فروضهم اليومية، وكل ذلك الجهد الذي أبذله كان لقاء مرافقتهم لي إلى الكنيسة لنصلي من أجل الفقراء ومن يتخلف عن مرافقتي أمتنع عن مساعدته واشكوه إلى اهله حيث ينال جزاءه، ولم يتخلف عن الصلاة الا القليل منهم.
كلب خالي عبدو: كنا في صلاتنا نبتهل إلى العذراء كي تلهم خالي الميسور ليوزع ما لديه في المستودع من مواد غذائية وزراعية إلى فقراء العيلة. ولكن خالي الميسور واحد من الوجهاء الفاعلين في القرية. كان يحب النساء وعطاءاته لا تشمل الا المحظوظات بعطفه، والصلوات لم تكن تقدم أو تؤخر في ميوله مما اضطرني للجوء إلى السرقة من المستودع ليلاً. ولكنني اصطدمت بالكلب الذي كان ينبح في كل مرة اقترب فيها من المستودع فما كان مني إلّا أن أصادقه حيث بتّ أجلب له معي كل مرة بعض الخبز والطعام، وألعب نهاراً مع أولاد خالي حتى أصبح يعتبرني من العائلة، وهذه الصداقة سهلت لي سرقة بعض المواد التي كنت أوزعها على الفقراء من دون أن يعلم أحد مصدرها، وقد اعترفت للخوري سمعان الذي هو صديق لي بفعلتي هذه فقال لي بأنها أعمال مشروعة وليست خطيئة، وعلى كل حال سأمنحك البركة فيغفر الله لك، ولكن إياك أن تسرق لنفسك. وعندما اطلعته على اضطراري للسرقة لعدم استجابة القديسين لصلواتي انتهرني ونبّهني بأن أغير اعتقادي هذا وإلا!!!
الاعتداء على أملاك الدير:من المحرمات عندنا، نحن المسيحيين، مس أي شيء يخص الدير، فمال الدير هذا مال وقف، فمن يمسّه أو ياخذ منه شيئاً فعقابه عند الله شديد، والعقاب لا يشمل الفاعل فقط بل يشمل جميع أفراد العائلة. وفي إحدى المرّات كنت ماراً بالقرب من حديقة الدير المغروسة بأشجار اللوز، وكان يومها موسم اللوز الأخضر، فمددت يدي حذراً، وطبعاً بعد أن تأكدت بأن أحداً لا يراني، وما ان اقتربت يدي من الغصن حتى انتابني خوف شديد لئلا تبقى يدي ممدودة (أي يصيبها اليباس كما كانت تقول الراهبة) فأعدتُ يدي إلى وضعها الاول ولم أحس بشيء تغير فيها مما شجعني لمحاولة ثانية حيث أمسكت بالغصن وقطفت ما تيسر لي من حبات اللوز التي أكلتها من دون أن أصاب بشيء. وقد تعددت محاولاتي هذه وشملت كرم العنب وغير ذلك من المزروعات التابعة للدير، وفي كل مرة كان الخوري سمعان يمنحني البركة والغفران، ودائماً فرض التوبة بعد الاعتراف: خمس مرات أبانا الذي في السموات... وخمس مرات السلام عليك يا مريم. وهذا النوع من الجزاء كان هو الوحيد عند الخوري سمعان مهما كانت الخطايا التي يعترف بها التائب.
القداس اليومي هو اجباري للراهبات ولتلامذة المدرسة، وكذلك الزياحات المسائية لشهر المريمات وشهر قلب يسوع وشهر الصوم وتسعاوية الميلاد، إلى آخر ما هنالك من مناسبات دينية، وطبعاً كل مناسبة تختلف طقوسها عن الثانية، فكنتُ ايضاً مجلياً في الصلاة والترتيل وكنت الشمّاس اليومي لكنيسة ماريوسف "دير الراهبات" حيث كنت على اتفاق تام مع الخوري سمعان الذي كان بالفعل من الخوارنة الذين لا يعرفون القراءة إلا بشبيّته (كتاب خاص بكل خوري يتلو فيه صلواته اليومية) وكان لا يعرف من الفراميات سوى "نهديك السلام يا مريم..." و"يا صالحاً أبد الوجود". وهذه الصلوات الأخيرة كان يتلوها بالقداديس الاحتفالية. مع العلم بان لكل قداس إفرامية (1) شِكِلْ. والكل كان لا يلوم الخوري سمعان باعتبار انه لا يعرف اكثر من ذلك، وكانوا يقولون: الصلاة بالنيّات وليس بالتراتيل. وكنت آخذ عنه دوره في الترتيل بينما هو يفتعل الانهماك بالصلوات وترتيب أدوات التقديس.
الصلاة من أجل الفقراء: كنت مولعاً بالصلاة من اجل الفقراء، وكنت اطلب كثيراً من الله ومن العذراء مريم ان تكون مواسم الفلاحين جيدة، الشتوية منها والصيفية. بحيث كنا نقوم بصلاة خاصة بكنيسة السيدة، خصوصاً عندما لا تمطر السماء فيزداد التضرع وترتفع حرارة التوسّل واستجداء المطر من الله بشفاعة قديسيه، وكنت على يقين بأن الله والقديسين سيستجيبون لتضرعاتنا وتوسلاتنا، وكنت أصل في بعض المراحل إلى البكاء. وكان الله يخيّب آمالنا في معظم الاوقات، ولكن عندما يصادف هطول الأمطار ولو متأخراً، كنا نعيد ذلك إلى صلواتنا.
هذه الصلوات كانت تكلفني جهداً كبيراً. وبما انني كنت المتفوق دائماً في صفّي، فكنت أجمع جميع اقربائي وزملائي من الصف أو من غير الصف، وأعلّمهم دروسهم وأنفّذ لهم فروضهم اليومية، وكل ذلك الجهد الذي أبذله كان لقاء مرافقتهم لي إلى الكنيسة لنصلي من أجل الفقراء ومن يتخلف عن مرافقتي أمتنع عن مساعدته واشكوه إلى اهله حيث ينال جزاءه، ولم يتخلف عن الصلاة الا القليل منهم.
كلب خالي عبدو: كنا في صلاتنا نبتهل إلى العذراء كي تلهم خالي الميسور ليوزع ما لديه في المستودع من مواد غذائية وزراعية إلى فقراء العيلة. ولكن خالي الميسور واحد من الوجهاء الفاعلين في القرية. كان يحب النساء وعطاءاته لا تشمل الا المحظوظات بعطفه، والصلوات لم تكن تقدم أو تؤخر في ميوله مما اضطرني للجوء إلى السرقة من المستودع ليلاً. ولكنني اصطدمت بالكلب الذي كان ينبح في كل مرة اقترب فيها من المستودع فما كان مني إلّا أن أصادقه حيث بتّ أجلب له معي كل مرة بعض الخبز والطعام، وألعب نهاراً مع أولاد خالي حتى أصبح يعتبرني من العائلة، وهذه الصداقة سهلت لي سرقة بعض المواد التي كنت أوزعها على الفقراء من دون أن يعلم أحد مصدرها، وقد اعترفت للخوري سمعان الذي هو صديق لي بفعلتي هذه فقال لي بأنها أعمال مشروعة وليست خطيئة، وعلى كل حال سأمنحك البركة فيغفر الله لك، ولكن إياك أن تسرق لنفسك. وعندما اطلعته على اضطراري للسرقة لعدم استجابة القديسين لصلواتي انتهرني ونبّهني بأن أغير اعتقادي هذا وإلا!!!
الاعتداء على أملاك الدير:من المحرمات عندنا، نحن المسيحيين، مس أي شيء يخص الدير، فمال الدير هذا مال وقف، فمن يمسّه أو ياخذ منه شيئاً فعقابه عند الله شديد، والعقاب لا يشمل الفاعل فقط بل يشمل جميع أفراد العائلة. وفي إحدى المرّات كنت ماراً بالقرب من حديقة الدير المغروسة بأشجار اللوز، وكان يومها موسم اللوز الأخضر، فمددت يدي حذراً، وطبعاً بعد أن تأكدت بأن أحداً لا يراني، وما ان اقتربت يدي من الغصن حتى انتابني خوف شديد لئلا تبقى يدي ممدودة (أي يصيبها اليباس كما كانت تقول الراهبة) فأعدتُ يدي إلى وضعها الاول ولم أحس بشيء تغير فيها مما شجعني لمحاولة ثانية حيث أمسكت بالغصن وقطفت ما تيسر لي من حبات اللوز التي أكلتها من دون أن أصاب بشيء. وقد تعددت محاولاتي هذه وشملت كرم العنب وغير ذلك من المزروعات التابعة للدير، وفي كل مرة كان الخوري سمعان يمنحني البركة والغفران، ودائماً فرض التوبة بعد الاعتراف: خمس مرات أبانا الذي في السموات... وخمس مرات السلام عليك يا مريم. وهذا النوع من الجزاء كان هو الوحيد عند الخوري سمعان مهما كانت الخطايا التي يعترف بها التائب.
صفحة 9
عدائي للأغوات والبكوات:
كانت ستي حنّة "أم والدتي" تخبرني عما حلّ بنا من الحكم التركي، وكيف أن المسيحي مهما كان وضعه الاجتماعي كان عليه، عندما يمر في قرية البيرة" (2) أن يترجّل عن الحيوان الذي يمتطيه، ويسير على الطريق حانياً رأسه، وبالتالي يُمنع عليه الالتفات يميناً أو يساراً، ومن يخالف هذا التقليد، طبعاً من المسيحيين فقط، كان يشنق على شجرة من الدلب كبيرة لا تزال موجودة حتى الآن، أو يُجلد، وكان الوحيد غير الخاضع لهذا التقليد هو جدّي اسحق داود البيطار، وهو الوحيد أيضاً في عندقت الذي كان لديه حصان، وفي الوقت نفسه كان مختاراً للقرية. وعندما كنت أسأل ستي عن سبب هذا الإعفاء كانت تقول لي: جدّك رجال آدمي ومحترم وكان قبضاي، وما بعرف يا ستي اذا في شي اتفاق بين بعضهم، ويكتر خير فرنسا ياللي خلصتنا من هالحالة.
لهذه الحكايا كنت أثور غضباً، لذلك بت أبيّت الشر لكل من يركب حصاناً ويمر في قريتنا عندقت، فأعتبره إما بك أو آغا. لذلك كنت أتربّص في أحد السياجات التي تحيط بالبساتين والتي تقع على الطريق العام، مزوداً بنقّيفتي (3) أو ببعض الحصى الصغيرة التي تُستعمل في هكذا حالات، وما أن يمر بي الخيّال ويبتعد عني مسافة عشرة أمتار، حتى أبدأ بقذف الحصى من نقّيفتي على الحصان وعلى صاحبه. فيجفل الحصان ويركض بالسرعة القصوى، وفي معظم الاحيان كان الخيّال يفاجأ بحصانه يجفل. قد تذهله المفاجأة ويرتبك، وفي معظم المرّات، كما قلت، يقع أرضاً. فما أن يكون الآغا أو البك قد أفاق من المفاجأة، إلا وأكون قد ابتعدت كثيراً من المكان. ولم أذكر مرة واحدة أن وشى أحد بي على الرغم من أن بعض أبناء قريتي يعرفون بأنني عدو الخيّالة التي تمر في قريتنا، باعتبارهم بكوات أو أغوات ومن واجبي أن انتقم منهم لأهلي.
بدأت عاملاً مع بداية الحرب:
في العام 1936 بدأت الحرب العالمية الثانية، وبدأ معها التقنين واستيلاء الدولة على المواد الزراعية، ولم يعد بمقدور الفلاحين وغيرهم، والذين هم بالاصل غير قادرين على تلبية حاجاتهم الأولية في الأوقات العادية. فكيف بالحرب قد وقعت وأصبحت الدولة الفرنسية، المنتدِبة آنذاك، لا تُبقي شيئاً للفلاحين، وكان جلاوزتها دائماً يطبّقون القوانين الضرائبية على الفقراء والمعدمين بينما كانوا يتغاضون عن الوجهاء لقاء بعض الاكراميات. وهذه الأساليب لا تزال سارية حتى الآن وقد أصبحت وراثية إذ إن الوظيفة معتبرة باباً للرزق وليس خدمة اجتماعية.
في هذا الجو القلق على المعيشة رأيت نفسي مضطراً لمساعدة والدي المتقاعد في إعالة أشقائي الستة. وأصبحت عاملاً في معمل للحرير كان يملكه إيطاليان. وفي هذا المعمل بدأت أشعر بفداحة الظلم والقهر والعذاب الذي ينزل بعاملات هذا المعمل حيث كانت ظروف العمل شاقة جداً؛ كنا نعمل بين 12 و14 ساعة في النهار، عندما تكون الأيام طويلة، وكي لا تنقص تلك الساعات أحضر صاحب المعمل مولداً للكهرباء لإنارته وتمكين العاملين به من إبقاء عدد الساعات كما هي. هذا بالإضافة إلى الإهانات والضرب والطرد التي كانت توجه للعاملات من قِبل المناظرين، وهم ثلاثة رجال فقط وسلّاكين اثنين بين ما يقرب من المئة عاملة. وكنت أحد السلاكين الذي يشعر مع العاملات ويعاملهن بالشفقة ويساعدهن ما أمكن، وقد كلفتني تلك العاطفة كثيراً.
كانت ستي حنّة "أم والدتي" تخبرني عما حلّ بنا من الحكم التركي، وكيف أن المسيحي مهما كان وضعه الاجتماعي كان عليه، عندما يمر في قرية البيرة" (2) أن يترجّل عن الحيوان الذي يمتطيه، ويسير على الطريق حانياً رأسه، وبالتالي يُمنع عليه الالتفات يميناً أو يساراً، ومن يخالف هذا التقليد، طبعاً من المسيحيين فقط، كان يشنق على شجرة من الدلب كبيرة لا تزال موجودة حتى الآن، أو يُجلد، وكان الوحيد غير الخاضع لهذا التقليد هو جدّي اسحق داود البيطار، وهو الوحيد أيضاً في عندقت الذي كان لديه حصان، وفي الوقت نفسه كان مختاراً للقرية. وعندما كنت أسأل ستي عن سبب هذا الإعفاء كانت تقول لي: جدّك رجال آدمي ومحترم وكان قبضاي، وما بعرف يا ستي اذا في شي اتفاق بين بعضهم، ويكتر خير فرنسا ياللي خلصتنا من هالحالة.
لهذه الحكايا كنت أثور غضباً، لذلك بت أبيّت الشر لكل من يركب حصاناً ويمر في قريتنا عندقت، فأعتبره إما بك أو آغا. لذلك كنت أتربّص في أحد السياجات التي تحيط بالبساتين والتي تقع على الطريق العام، مزوداً بنقّيفتي (3) أو ببعض الحصى الصغيرة التي تُستعمل في هكذا حالات، وما أن يمر بي الخيّال ويبتعد عني مسافة عشرة أمتار، حتى أبدأ بقذف الحصى من نقّيفتي على الحصان وعلى صاحبه. فيجفل الحصان ويركض بالسرعة القصوى، وفي معظم الاحيان كان الخيّال يفاجأ بحصانه يجفل. قد تذهله المفاجأة ويرتبك، وفي معظم المرّات، كما قلت، يقع أرضاً. فما أن يكون الآغا أو البك قد أفاق من المفاجأة، إلا وأكون قد ابتعدت كثيراً من المكان. ولم أذكر مرة واحدة أن وشى أحد بي على الرغم من أن بعض أبناء قريتي يعرفون بأنني عدو الخيّالة التي تمر في قريتنا، باعتبارهم بكوات أو أغوات ومن واجبي أن انتقم منهم لأهلي.
بدأت عاملاً مع بداية الحرب:
في العام 1936 بدأت الحرب العالمية الثانية، وبدأ معها التقنين واستيلاء الدولة على المواد الزراعية، ولم يعد بمقدور الفلاحين وغيرهم، والذين هم بالاصل غير قادرين على تلبية حاجاتهم الأولية في الأوقات العادية. فكيف بالحرب قد وقعت وأصبحت الدولة الفرنسية، المنتدِبة آنذاك، لا تُبقي شيئاً للفلاحين، وكان جلاوزتها دائماً يطبّقون القوانين الضرائبية على الفقراء والمعدمين بينما كانوا يتغاضون عن الوجهاء لقاء بعض الاكراميات. وهذه الأساليب لا تزال سارية حتى الآن وقد أصبحت وراثية إذ إن الوظيفة معتبرة باباً للرزق وليس خدمة اجتماعية.
في هذا الجو القلق على المعيشة رأيت نفسي مضطراً لمساعدة والدي المتقاعد في إعالة أشقائي الستة. وأصبحت عاملاً في معمل للحرير كان يملكه إيطاليان. وفي هذا المعمل بدأت أشعر بفداحة الظلم والقهر والعذاب الذي ينزل بعاملات هذا المعمل حيث كانت ظروف العمل شاقة جداً؛ كنا نعمل بين 12 و14 ساعة في النهار، عندما تكون الأيام طويلة، وكي لا تنقص تلك الساعات أحضر صاحب المعمل مولداً للكهرباء لإنارته وتمكين العاملين به من إبقاء عدد الساعات كما هي. هذا بالإضافة إلى الإهانات والضرب والطرد التي كانت توجه للعاملات من قِبل المناظرين، وهم ثلاثة رجال فقط وسلّاكين اثنين بين ما يقرب من المئة عاملة. وكنت أحد السلاكين الذي يشعر مع العاملات ويعاملهن بالشفقة ويساعدهن ما أمكن، وقد كلفتني تلك العاطفة كثيراً.
صفحة 10
كادوا أن يقتلوني:
كان يوسف الطحان، وهو كبير المُناظرين، يتفقد العمل وهو إنسان ظالم فاسد لا يعرف للرحمة معنى. وإذا به يناديني كي آخذ أحد دواليبه للتسليك لأنَّ صاحبة الدولاب وتدعى مارتا جرجس، قد أخطأت في زيادة الشرانق على "السلاك" وهو الذي يقيس وزن الحرير، وعندما تخالف إحدى العاملات كانت تقع شرنقة أو شرنقتان بالناقص أو بالزائد، وتترك الآلة التي تعمل عليها، وطبعاً هذا العمل كان عن غير قصد إذ إن الكل يعلم بأن عملاً كهذا عاقبته وخيمة. ونتيجته حسم الراتب الذي كان لا يتعدى الـ 20 قرشاً يومياً، بالاضافة إلى الضرب والشتيمة ورشق المياه الساخنة على وجه العاملة. وهذا النوع من العقاب كان معمماً ولا يُستثنى منه أحد. فكل مخطئة من العاملات، صانعة كانت أم معلمة، تنزل بها العقوبة ذاتها من المُناظرين، بخاصة المناظر العام يوسف الطحّّان. قلت: ناداني هذا الأخير لآخذ الدولاب للتسليك، تاركاً قسماً من الخيط المقطوع في يده بينما نزعت الدولاب من مكانه وأخذته على التسليك.
صاحبة الدولاب هذه كانت من أحسن المعلمات في معمل الحرير، وقد توفي زوجها بمرض السرطان أو ما كان يسمى في ذلك الوقت "بالريقان الحبشي" تاركاً لها ما يقارب خمسة أو ستة أولاد ولا معيل لهم سواها. فأخذت الدولاب ورأيت شعيرات الحرير كم هي مخالفة للأوزان المخصصة لهذا النوع، وتصورت ما هو نوع العقاب الذي سيُنزل بها، فسمعتها تتوسل اليّ دون أن تتكلّم، وعيناها الجاحظتان عكست شعورها بما ينتظرها من عقاب، نظراً لأنني الوحيد الذي يمكنه إنقاذها بنزع جميع الشعيرات السيّئة وإبدال الوزنة بغيرها. ومعروف عني من قبل جميع المعلمات بأنني كنت أخبئ بعض الوزنات المخالفة نصف درجة أو درجة، وهذه مخالفة نوعاً مقبولة لاستبدالها عند الحاجة. ولكن شعرة الحرير، على دولاب المعلمة مارتا الجرجس، كانت مشابهة لخيط القنب أكثر منها لخيط الحرير. فما العمل؟ وانا لا أزال أسمع توسلات تلك المعلمة وكأنها تكلمني مسترحمة، لذلك قررت مساعدتها وتخفيف المخالفة مهما كانت النتيجة.
وبسرعة وضعت الدولاب على سيبته وتناولت طرف الخيط وبدأت السّحب على دولاب مخصص لذلك، حيث يجب أن يدور مئتي دورة، وهذا الدولاب مزود بعقرب يشير إلى الرقم مئتين حين يصل البرم إلى هذا الحد، عند ذلك يجب على السلّاك نزع الوزنة ووضعها على شنكل صغير وكالعقرب أيضاً يبين كم هو ثقل الوزنة.
ثقل الوزنة كان يجب أن يكون اقصى حد للمخالفة 2/1 15، ولكن للمرة الأولى أرى مخالفة يتخطى وزنها العشرين. وهنا رأيت ذلك الشرير "يوسف" يأتي باتجاهي بينما كانت العاملات تنقسمن إلى قسمين: صانعة، ومعلمة. فالصانعة هي التي تسلق الشرانق بمياه حامية جداً ثم تقدمها إلى المعلمة التي بدورها توزع الشرانق على الآلات المتصلة بدولاب الحرير المتحرك.
والوزنة هي كناية عن سلة من خيطان الحرير (20 دورة الدولاب 100 متر تقريباً) ومعيارها يتراوح بين 13 و 2/1 14 وكل زيادة أو نقصان يعرض المعلمة للعقاب المعروف.
وكأني به قد أدرك ما أصنع، وللحال وضعت الوزنة في صدري وأبدلتها بوزنة لا يزيد ثقلها عن 2/1 15 وأبقيتها معلقة في الميزان لحين وصوله ثم تابعت التسليك حيث كانت الشعرات الثقيلة قد انتهت وعاد الى الحرير وزنه العادي.
وصل الطحّان وسألني: قديش طلعت الوزني ولاه؟ فأجبته ها هي أمامك 2/1 15 إنها مخالفة درجة واحدة. فضحك ضحكته الصفراوية المعهودة وأخذ الوزنة وقابل شعيراتها بالشعيرة التي كان لا يزال محتفظاً بها. وقال: ولى شعرات هالوزنة هاي متل هالشعرة ياللي بايدي. فأجبته والله يا معلمي ما بعرف، هذا دولاب الحرير وهذا دولاب التسليك. وهذا ما حصل معي. عند ذلك تقدم نحوي شاتماً والدي وأمي قائلاً يا ابن الش..... عم تضحك عليّ والله لألعن أبوك أخو.... وصفعني كفاً على وجهي، ولكنني أخفيت رأسي بسرعة كي لا يصيبني، وبالفعل ذهبت صفعته خائبة ويا ليتها لم تكن كذلك. لأنه عند انحناءتي السريعة والوزنة مخبئة في صدري هبطت على حافة قميصي، وما أن أسرعت بانحناءتي حتى قفزت الوزنة من صدري وهبطت امام يوسف الطحان وكأن بها تقول: أنظر فعلة هذا السلّاك المتآمر عليك، فهذه هي الوزنة الحقيقية وليست التي بيدك. عند ذلك انقض عليها بهدف التقاطها ورفعها بيديه حيث قارنت اصفرار تلك الوزنة اللعينة باصفرار وجهه الدائم فلم أر أي فارق، وكأنهما امتزجا مع بعضهما حقداً ينفث سماً، يطالبان الانتقام مني.
كان يوسف الطحان، وهو كبير المُناظرين، يتفقد العمل وهو إنسان ظالم فاسد لا يعرف للرحمة معنى. وإذا به يناديني كي آخذ أحد دواليبه للتسليك لأنَّ صاحبة الدولاب وتدعى مارتا جرجس، قد أخطأت في زيادة الشرانق على "السلاك" وهو الذي يقيس وزن الحرير، وعندما تخالف إحدى العاملات كانت تقع شرنقة أو شرنقتان بالناقص أو بالزائد، وتترك الآلة التي تعمل عليها، وطبعاً هذا العمل كان عن غير قصد إذ إن الكل يعلم بأن عملاً كهذا عاقبته وخيمة. ونتيجته حسم الراتب الذي كان لا يتعدى الـ 20 قرشاً يومياً، بالاضافة إلى الضرب والشتيمة ورشق المياه الساخنة على وجه العاملة. وهذا النوع من العقاب كان معمماً ولا يُستثنى منه أحد. فكل مخطئة من العاملات، صانعة كانت أم معلمة، تنزل بها العقوبة ذاتها من المُناظرين، بخاصة المناظر العام يوسف الطحّّان. قلت: ناداني هذا الأخير لآخذ الدولاب للتسليك، تاركاً قسماً من الخيط المقطوع في يده بينما نزعت الدولاب من مكانه وأخذته على التسليك.
صاحبة الدولاب هذه كانت من أحسن المعلمات في معمل الحرير، وقد توفي زوجها بمرض السرطان أو ما كان يسمى في ذلك الوقت "بالريقان الحبشي" تاركاً لها ما يقارب خمسة أو ستة أولاد ولا معيل لهم سواها. فأخذت الدولاب ورأيت شعيرات الحرير كم هي مخالفة للأوزان المخصصة لهذا النوع، وتصورت ما هو نوع العقاب الذي سيُنزل بها، فسمعتها تتوسل اليّ دون أن تتكلّم، وعيناها الجاحظتان عكست شعورها بما ينتظرها من عقاب، نظراً لأنني الوحيد الذي يمكنه إنقاذها بنزع جميع الشعيرات السيّئة وإبدال الوزنة بغيرها. ومعروف عني من قبل جميع المعلمات بأنني كنت أخبئ بعض الوزنات المخالفة نصف درجة أو درجة، وهذه مخالفة نوعاً مقبولة لاستبدالها عند الحاجة. ولكن شعرة الحرير، على دولاب المعلمة مارتا الجرجس، كانت مشابهة لخيط القنب أكثر منها لخيط الحرير. فما العمل؟ وانا لا أزال أسمع توسلات تلك المعلمة وكأنها تكلمني مسترحمة، لذلك قررت مساعدتها وتخفيف المخالفة مهما كانت النتيجة.
وبسرعة وضعت الدولاب على سيبته وتناولت طرف الخيط وبدأت السّحب على دولاب مخصص لذلك، حيث يجب أن يدور مئتي دورة، وهذا الدولاب مزود بعقرب يشير إلى الرقم مئتين حين يصل البرم إلى هذا الحد، عند ذلك يجب على السلّاك نزع الوزنة ووضعها على شنكل صغير وكالعقرب أيضاً يبين كم هو ثقل الوزنة.
ثقل الوزنة كان يجب أن يكون اقصى حد للمخالفة 2/1 15، ولكن للمرة الأولى أرى مخالفة يتخطى وزنها العشرين. وهنا رأيت ذلك الشرير "يوسف" يأتي باتجاهي بينما كانت العاملات تنقسمن إلى قسمين: صانعة، ومعلمة. فالصانعة هي التي تسلق الشرانق بمياه حامية جداً ثم تقدمها إلى المعلمة التي بدورها توزع الشرانق على الآلات المتصلة بدولاب الحرير المتحرك.
والوزنة هي كناية عن سلة من خيطان الحرير (20 دورة الدولاب 100 متر تقريباً) ومعيارها يتراوح بين 13 و 2/1 14 وكل زيادة أو نقصان يعرض المعلمة للعقاب المعروف.
وكأني به قد أدرك ما أصنع، وللحال وضعت الوزنة في صدري وأبدلتها بوزنة لا يزيد ثقلها عن 2/1 15 وأبقيتها معلقة في الميزان لحين وصوله ثم تابعت التسليك حيث كانت الشعرات الثقيلة قد انتهت وعاد الى الحرير وزنه العادي.
وصل الطحّان وسألني: قديش طلعت الوزني ولاه؟ فأجبته ها هي أمامك 2/1 15 إنها مخالفة درجة واحدة. فضحك ضحكته الصفراوية المعهودة وأخذ الوزنة وقابل شعيراتها بالشعيرة التي كان لا يزال محتفظاً بها. وقال: ولى شعرات هالوزنة هاي متل هالشعرة ياللي بايدي. فأجبته والله يا معلمي ما بعرف، هذا دولاب الحرير وهذا دولاب التسليك. وهذا ما حصل معي. عند ذلك تقدم نحوي شاتماً والدي وأمي قائلاً يا ابن الش..... عم تضحك عليّ والله لألعن أبوك أخو.... وصفعني كفاً على وجهي، ولكنني أخفيت رأسي بسرعة كي لا يصيبني، وبالفعل ذهبت صفعته خائبة ويا ليتها لم تكن كذلك. لأنه عند انحناءتي السريعة والوزنة مخبئة في صدري هبطت على حافة قميصي، وما أن أسرعت بانحناءتي حتى قفزت الوزنة من صدري وهبطت امام يوسف الطحان وكأن بها تقول: أنظر فعلة هذا السلّاك المتآمر عليك، فهذه هي الوزنة الحقيقية وليست التي بيدك. عند ذلك انقض عليها بهدف التقاطها ورفعها بيديه حيث قارنت اصفرار تلك الوزنة اللعينة باصفرار وجهه الدائم فلم أر أي فارق، وكأنهما امتزجا مع بعضهما حقداً ينفث سماً، يطالبان الانتقام مني.