eKtab
EN ع
مذكّرات بلغارية
اقرأ عينة مجانية

مذكّرات بلغارية

بقلم د. عيسى الناعوري

صفحة 1
المذكرة الأولى
 
الثلاثاء في 8/5/1973
 
من صوفيا
 
هذه الرسالة الأولى أكتبها من صوفيا، (مدينة الحكمة) كما يعني اسمها الأول باليونانية. الساعة الآن السابعة والربع مساء، والتوقيت كتوقيت الأردن.
 
لقد عدت قبل نحو نصف ساعة منهوك القوى من جولة كبيرة في أحياء مدينة صوفيا. وعلى الرغم من أن الجولة كانت طويلة واستغرقت أكثر من ساعتين مشيا في شوارع عديدة، فقد كانت كلها داخل حدائق عامة متصلة.
 
لقد تذكرت في هذه الجولة حديقة (فيلا بورغيزه) في روما، لتشابه المتنزهين الوطنيين الكبيرين في كل من المدينتين، حتى حديقة الحيوانات توجد في جانب من هذه الحدائق الواسعة الشاسعة المترامية الأطراف، كما توجد في جانب من حديقة فيلا بورغيزه الواسعة الشاسعة المترامية الأطراف.
 
الناس في شوارع المتنزه العديدة جداً، وعلى جوانب جدوله الصغير، وعند بركته، وفي أرجائه العامرة بأكشاش بيع السجائر والحلويات والصور الملونة، وعلى مقاعد مقاهيه العديدة المتراصّة، وحول أحواض أزهاره الكثيرة الأشكال والألوان والفائحة الأريج في وسط الخضرة الرحيبة، والهواء المنعش إنهم غادون رائحون زرافات ووحداناً: كل أنواع الأزياء للذكور والإناث، وكل ألوان الفساتين والبناطيل والقمصان الكشافة. والمايكرو والميني جيب.. ما أكثر المايكرو جيب هنا وما أجمله! إنه يضيف إلى خضرة الحدائق لوناً من الجمال الحي، ترقص له القلوب، حتى قلوب الكهول أمثالي.
 
في هذه الجولة الطويلة، المتعبة والمبهجة معاً، التقطت العديد من الصور الفوتوغرافية: في الحدائق الجميلة، والأبنية المختلفة، والكنائس العتيقة ذات الهندسات الجميلة جداً، وفي نوافير المياه المندفعة من أنابيب وأفواه متعددة في قلب أحواض وساعة جميلة، وإلى جانب التماثيل الرائعة العديدة في الساحات والملاعب والممرات، بين الأشجار الخضراء، وذوات النوار الجميل المتعدد الألوان.
صفحة 2
مناظر جميلة جداً، وددت لو احتويتها كلها في قلبي، وحملتها معي إلى بلدي الخالي من أمثالها، وزرعتها هناك في كل حي، لكي أرى مواطني يخرجون في الأصائل والأصباح، يتمشكحون فيها، ويلعب أولادهم فيها أمام أعينهم آمنين، كما يلعب أطفال صوفيا، وكل مدينة غربية أخرى، أمام أعين آبائهم وأمهاتهم آمنين وادعين، لا يخشون التعرض لسيارة، ولا لجحش في الشوارع، كما يتعرض أطفال بلدي.
 
هذه الحدائق الواسعة، التي يدعونها هنا "المتنزه الوطني"، كدت أحسب معها مدينة صوفيا كلها متنزهاً وطنياً واحداً، أو حديقة عامة واحدة. كذلك بدت لي وأنا أسير في أنحائها المترامية فلا أصل منها إلى غاية، رغم الساعتين والنصف اللتين قطعتهما وأنا أسير فيها مع مرافقي الشاب البلغاري الطيب، غيورغي يوردانوف.
 
"يوردانوف"؟ لماذا اختاروا لي مرافقاً بهذا الاسم؟ أكان ذلك تحية منهم لبلدي "الأردن"؟ لعلها كذلك، بل أجاد أجزم أن الاختيار مقصود: (فيوردانوف) تعني (ابن الأردن). فما أطيب التحية، وما أكرم أهلها! واسم يوردانوف (للذكور) ويوردانوفا (للإناث) كثير الشيوع هنا.
 
وغيورغي يوردانوف طالب في السنة الثانية في قسم اللغة الإنجليزية في جامعة صوفيا. وقد أجيز مدة أسبوعين لمرافقتي. ومتى انتهت الإجازة اعتبرتها له الجامعة "فترة دراسة عملية".. ومنحته عليها إعفاء من الدروس التي خسرها. كذلك قال لي غيورغي: لقد بقي له عامان آخران ثم يتخرج من الجامعة.
 
غيورغي، أو جورج، يوردانوف وحكاية دراسته الجامعية أنسياني ما كنت فيه.
 
لقد وصلت إلى صوفيا بطائرة (بلقان) البلغارية، من دمشق، الساعة الثانية عشرة والنصف بعد الظهر. وفي المطار لقيت في انتظاري سيدة شقراء وفتى جميل الطلعة.
 
وسألتني السيدة وأنا أقف لإنهاء معاملتي لدى أمن المطار: "السيد عيسى الناعوري؟" فقلت: "نعم". فابتسمت وقالت: "نحن في انتظارك".
صفحة 3
وقدمت لي السيدة نفسها: "تسفيتانوفا، مندوبة جمعية الصداقة والثقافة المجرية". فقلت: "السيدة أم الآنسة تسفياتوفا؟" فأجابت ضاحكة: "إنني أكبر سناً من أن أكون ما أزال آنسة".
 
كان الحديث بيننا بالفرنسية. وأنا لا أجرؤ على التكلم بالفرنسية. إلا حين لا يكون من سبيل إلى غيرها: فالسيدة لا تعرف الإنجليزية ولا الإيطالية. إذن، لا بد مما ليس منه بد!.. والحديث مع سيدة جميلة طيب ولو كان بلغة لا يعرفها المتكلم.. فكيف إذا كان له بها بعض إلمام؟!
 
مثل هذا الموقف مر بي أمثاله مراراً من قبل: في موسكو، وفي طشقند، وفي بودابست، وأسوأ من ذلك في أشبيلية، حيث جيء بمرافق لا يعرف غير الفرنسية، إلى جانب الإسبانية. ورافقني ثلاثة أيام كاملة، وهو يحدثني ويشرح لي بالفرنسية، وأنا أبادله الحديث، وفي أعماقي أقول: "يا رب لا يسمعني واحد فرنساوي أصلي، لئلا يكره لغته ويهرب منها!":...
 
ولحسن حظي مضت التجربة بسلام، عدت من أشبيلية حينذاك وقد توهم المرافق ورؤساؤهم أنني "فرنساوي بلبل".. ولعلي لو عدت إلى أشبيلية مرة أخرى، لقدموا لي دليلاً يترجم لي بالفرنسية من جديد!...
 
مالي شطحت من جديد، فوصلت إلى أشبيلية، وإلى عام 1967، وأنا في صوفيا، وفي عز دين أيار من عام 1973، ونوافذ غرفتي مشرعة على عرض الجدار كله، والعرق يزرب من جسمي، رغم أنني في الملابس التحتانية وحدها، ولا أطيقها؟!
 
أول ما استرعى انتباهي وأنا أقترب من صوفيا، من جهة المطار، قبتان عاليتان مطليتان بالذهب، تلمعان من بعيد. فعادت بي الذاكرة حالاً إلى قباب كربلاء حين زرتها في عام 1969، إبان مؤتمر الأدباء العرب ومن مسافة بعيدة قبل أن نحس بوجود كربلاء، كانت مآذنها وقبابها المطلية بالذهب تلمع وهي تشق قلب الفضاء.
صفحة 4
أتراني هنا عدت إلى كربلاء، أم أنا في دنيا الغرب، وبيني وبين كربلاء وقبابها الذهبية آلاف الأميال؟
 
القبتان الذهبيتان اللتان تلمعان في الشمس من بعيد لكنيسة الكسندر، أكبر كنيسة في بلغاريا كلها. وتقول السيدة تسفيتانوفا والسيد يوردانوف أنها واحدة من أكبر خمس كنائس في العالم.
 
وقد دخلتها في جولتي بعد الظهر، وتجولت في أرجائها. كلا، لا يمكن أن أقيسها، من حيث الضخامة، بكنيسة القديس بطرس، في الفاتيكان، ولا بكاتدرائية أشبيلية، التي تقوم الآن على أثر جامع أشبيلية، وما تزال تقوم إلى جانبها مئذنته الخالدة. ولكن الكنيسة فخمة رائعة، بهندستها، والصور التي تملأ سقوفها وأعمدتها وجدرانها، وكذلك بأعمدتها الضخمة الجبارة.
 
والكنائس كثيرة في صوفيا، ومتعددة الأشكال والهندسات. وفي وسط المدينة رأيت مسجداً إسلامياً من العهد التركي، ما يزال قائماً ومئذنته إلى جانبه. وقال لي يوردانوف أنهم في صوفيا يدعونه (الجامع). وعلى مقربة منه يقوم حمام تركي رائع الهندسة. ويقول يوردانوف أن الماء يتدفق في داخله حاراً ومعدنياً! وحرارته ليست بفعل البشر، بل بفعل الطبيعة.
 
وعلى مدى النظر يقف جبل شاهق كأنما يحتضن المدينة الجميلة، وهامته المكللة بالثلوج، والغيوم تقبلها بلا انقطاع، تذكرني بجبل الشيخ، وثلوج هامته الجميلة التي رأيتها وأنا بين عمان ودمشق أخيراً.
 
هذا يومي الأول في صوفيا، وغداً موعدي مع جمعية الصداقة والثقافة لنحدد البرنامج ونشرع في تنفيذه.
صفحة 5
المذكرة الثانية
 
في 9/5/1973
 
اليوم الثاني في صوفيا شعراء من اتحاد الكتاب البلغاريين
 
يومي هذا حافل بالعمل واللقاءات:
 
بدأ في الساعة العاشرة بزيارتي لدار جمعية الصداقة والعلاقات الثقافية البلغارية والتي تلقيت منها الدعوة لزيارة بلغاريا. وكان في استقبالي هناك رئيس الجمعية، السيد (فاسيل ميتشيف)، ومعه السيدة تسفيتانوف والآنسة (تانيا كيركوفا) من إدارة الجمعية.
 
الترحيب، وتبادل عبارات المجاملات، في مثل هذه المواقف، من الأمور المألوفة والتي لا بد منها. ثم حديث عن الصلاتلاالطيبة بين بلغاريا والأردن. ثم نصل إلى برنامج الزيارة لكل يوم بيومه. ويقرأ البرنامج ويترجمه لي السيد غيورغي يوردانوف إلى الإنجليزية. الجولة تشمل عدداً من أهم مدن بلغاريا: في الغرب والشرق والشمال الجنوب، وتشمل زيارات الكتاب والشعراء في فروع اتحادهم، وكذلك الصحفيون، وتشمل مشاهدة الباليه، والمسرح، والأوبرا، والرقص الشعبي، والسيرك، كما تشمل زيارة المتاحف الفنية والشعبية، وقد تشمل كذلك زيارة إحدى المزارع التعاونية، ولكن هذه لم نتفق عليها نهائياً، قد نستعيض عنها بالاستمتاع في مدينة فارنا، على البحر الأسود، مدة أربعة أيام. وأنا أفضل هذه ، لكثرة ما سمعت عن جمال فارنا، وأهميتها السياحية. إذن، إلى حيث الجمال، لا المزارع، ولتبق المزارع لمن يفهمون أمورها ويعنون بها.
 
وتنتهي زيارة الترحيب والمجاملة والبرنامج، ونغادر دار الجمعية، يوردانوف وأنا، إلى دار اتحاد الكتاب البلغاريين. على مدخل الدار يلقانا وجه جميل، يبتسم بمثل حدائق صوفيا اليانعة المزهرة. إنه وجه الآنسة (إيفيتا ميليفا) المسؤولة عن العلاقات مع البلدان التي تتكلم الفرنسية والألمانية، وعن البلدان العربية كذلك. وهذا قسم خاص في اتحاد الكتّاب البلغاريين. إنها تتكلم الفرنسية والألمانية، وتتكلم الإنجليزية كذلك بشيء من التردد وعدم الثقة. ولكن إنجليزيتها الخجولة لم تمنع من أن نعقد معاً حديثاً أدبياً قصيراً، فأعرف منها أنها تكتب في النقد الأدبي في الصحف، ولم يظهر لها بعد شيء من الكتب.
صفحة 6
وتقودنا إيفيتا الجميلة إلى صالون مستطيل، وسرعان ما يتوافد الكتاب واحداً في أثر واحد، وفي مقدمتهم السكرتير العام لشعبة الشعر في الاتحاد، السيد (ماتاي شوبكين). وإذا معنا في الصالون ستة من الشعراء الآخرين، هم:
 
(أندري غيرمانوف، ميخائيل مارينوف، ديمتر فوليف، بوغدان غلوغنسكي، بيتر بيرسخوف، وفينكو خريستو).
 
الجميع شعراء، وأعضاء في اتحاد الكتّاب البلغاريين والأخير منهم (فينكو خريستو) ناقد كذلك. وبعضهم يترجمون عن الآداب الغربية الأخرى: ميخائيل مارينوف، مثلاً، يترجم عن الفرنسية والروسية، وديمتر فوليف يترجم عن الروسية، وكذلك غلوغنسكي.
 
وذكر ميخائيل مارينوف أنه قد ترجم لثلاثة من الشعراء العرب، أحدهم الشاعر السوري أحمد سليمان الأحمد، الذي عرفه شخصياً لأن زوجته بلغارية.
 
واحد من المجتمعين كان يتكلم الإنجليزية بشيء من الصعوبة، وهو فينكو خريستو. وقد جلس إلى جانبي، واستطاع بإنجليزيته المتهيبة أن يقدم لي كثيراً من المعلومات المهمة عن نفسه وعن زملائه، وعن الحياة الأدبية في بلغاريا بشكل عام، كان يتعاون في نقلها إليّ مع المترجم يوردانوف.
 
ويتناول الحديث شؤون الأدب، واتحاد الكتّاب وفروعه ونشاطاته.
 
البناية التي فيها الاتحاد عامة لجميع شعب الاتحاد. وفيها كذلك إدارة مجلة (ليتراتورين فرونت) الأسبوعية. ولدى الاتحاد ثلاث مجلات أدبية، هي: (بلاماك) وتصدر نصف شهرية، و(سبتمبر) وهي شهرية، و(سيفريمنديك) وتصدر مرة كل ثلاثة أشهر.
 
ويبلغ عدد الكتاب في الاتحاد (304) كتاب، يعيش الكثيرون منهم في المناطق الريفية، أما القسم الأكبر منهم فيقيمون في المدن الخمس الكبرى، وأهمها صوفيا. وكلهم يعملون أعمالاً تتناسب مع اتجاهاتهم الفكرية: في الإذاعة، والتلفزيون، والصحافة ودور النشر، وما إلى ذلك. وبعضهم يشغلون مناصب رفيعة في الدولة: واحد منهم هو (بافل ماتيف) وزير الثقافة، والشاعر والمسرحي (غورغي غاغاروف) هو نائب رئيس الجمهورية، والشاعر (لوبومير ليفتشيف) نائب رئيس الجبهة الوطنية، وهناك اثنا عشر من الكتّاب البلغاريين أعضاء في المجلس الوطني (أو البرلمان).
صفحة 7
في الاتحاد شعب مختلفة: للقصة والرواية، وللشعر، وللمسرح، ولكتاب السيناريو، وللنقد الأدبي، وللأدب المدرسي وأدب الأطفال. وهنالك شعبة خاصة للأدباء الشبان الذين لم يدخلوا الاتحاد بعد، ولكن من المنتظر أن يصبحوا قريباً من أعضائه.
 
يشترط لعضوية الاتحاد أن يكون للمرشح على الأقل كتاب واحد منشور، وله قيمته الأدبية، وقد يكون له أكثر من كتاب. وترشحه للعضوية الشعبية التي ينتمي إليها كتابه في الاتحاد: كشعبة القصة والرواية، أو شعبة الشعر، أو غيرهما. وتأتي الموافقة من قبل مجلس الاتحاد.
 
وهنالك كتّاب صدرت لهم عدة كتب ولم يصبحوا بعد أعضاء في الاتحاد، في حين نال العضوية كتاب آخرون ليس لأي منهم أكثر من كتاب واحد. المهم هو قيمة عملهم الفنية والأدبية، لا كميته.
 
وعلمت أن ثمة كتاباً يعملون لحساب وزارة الدفاع، وكتاباتهم تتناول الأدب العسكري والشؤون العسكرية، وهناك كتّاب تابعون للاتحادات المهنية، وكتاباتهم تتناول الشؤون المهنية. وهؤلاء وأولئك يدخلون في عضوية الاتحاد، ولهم مشاركات في الكتابة الأدبية.
 
السكرتير العام للاتحاد هو الكاتب (سلاف خريستوف كاراسلافوف)، وهو قريب لكاتب آخر واسع الشهرة، اسمه (غيورغي كاراسلافوف) يبلغ الآن من العمر نحو الثمانين. وسلاف كاراسلافوف هو أيضاً مدير منشورات (نارودنا مالاداي). وهذه المنشورات خاصة بالكتاب الناشئين فقط، فهي البواكير الأولى من مؤلفات هؤلاء الناشئين. ويقول كاراسلافوف في مقابلة أجرتها معه مجلة (أوبزور) الفصلية في عدد الفصل الرابع لعام 1972، أن الدار تتلقى كل سنة مئات من كتب الناشئين، يقدمها أصحابها للنشر، ولكن الدار تنتقي الصالح منها، وما اكتملت فيه شروط الكتاب الجيد، وتتولى نشره. وهي بذلك تفتح الباب أمام المجيدين من كتاب الجيل الجديد للمجد والشهرة، ولعضوية اتحاد الكتّاب، أو هي تعطيهم الضوء الأخضر لينطلقوا في طريق العمل الأدبي.
صفحة 8
إلى جانب هذه الدار المتخصصة بنشر بواكير أعمال الكتّاب الناشئين، هنالك دار نشر خاصة بنشر الكتب المترجمة عن اللغات الأخرى فقط، ودار أخرى خاصة بنشر كتب الأطفال والأدب المدرسي، وهذه الكتب تطبع بكميات كبيرة أكثر من سواها من كتب الأدب.
 
وسألت عن الكمية التي تطبع من الكتاب الأدبي في بلغاريا، فعلمت أن الطبعة الواحدة، للكتاب ذوي الشهرة الواسعة، تتراوح ما بين 20 إلى 50 ألف نسخة، أما الكتاب العاديون فيطبع من مؤلفاتهم ما بين 5 إلى 10 آلاف نسخة في الطبعة الواحدة. أما الشعر فحظه مقصر في بلغاريا، كما هو مقصر في العالم كله، فنادراً ما تتجاوز الكمية المطبوعة من المجموعة الشعرية ألفين إلى ثلاثة آلاف نسخة.
 
غير أن الكتب المترجمة هي التي لها حصة الأسد، فقد تتراوح الكمية التي تطبع من الواحد منها من 50 إلى 100 ألف نسخة.
 
مثل هذا قيل لي أيضاً في روسيا، فهناك يطبع من الكتاب الواحد لوالتر سكوت، أو تشارلز ديكنز، أو إميل زولا، أو فكتور هيغو، أو غيرهم من الكلاسيكيين الفرنسيين أو الإنجليز، ما بين مليون ونصف، ومليوني نسخة في الطبعة الواحدة.
 
أما في بلغاريا فلا يقتصر الأمر على الكلاسيكيين القدماء، بل يصيب كذلك المحدثين، من أمثال همنغواي، ومورياك، وهكسلي، وإيلوار، وغيرهم.
 
وهذه قضية تثير التساؤل حقاً. وقد أعربت عن تساؤلي هذا في ليننغراد من قبل، وفي صوفيا اليوم، فلم أجد الجواب الشافي المقنع.
 
على أنّ تساؤلي هذا يقابله تساؤل آخر يتعلق بالكاتب العربي:
 
إذا كان الكاتب البلغاري البارز يستطيع أن يطبع من كتابه ما بين عشرين وخمسين ألف نسخة في الطبعة الواحدة، لثمانية ملايين بلغاري فقط، فلماذا لا يطبع الكاتب العربي البارز مثل هذه الكمية – على الأقل، وكأضعف الإيمان: لمئة وثلاثين مليون عربي؟!
صفحة 9
هل في العرب كلهم من يستطيع أن يجيب عن هذا السؤال جواباً شافياً مقنعاً؟!
 
وحين سألتُ عن السبب في قلة رواج الشعر في العالم اليوم، لم أسمع من أحد من المجتمعين جواباً مقنعاً. فقلت: لقد كثرت المذاهب والمدارس الشعرية في العالم، وعبثت هذه المذاهب والمدارس بشكل الشعر ومضمونه، ومسخت الكثير من قيمه ومفاهيمه. فكان من الطبيعي أن ينصرف الناس عنه إلى القصة والرواية والمسرح خاصة، لأنهم لم يعودوا يفهمونه، أو لم يعودوا يستسيغون أشكاله الجديدة ومضامينه المفتعلة".
 
ورد عليَّ فينكو خريستو يقول: "تعليلك هذا في محله، وأظنه هو التعليل الأكثر صواباً". ولم يقل أحد من الآخرين شيئاً.
 
وحين سألت عن أشهر الكتاب الكلاسيكيين في بلغاريا، قيل لي أن أبا الأدب البلغاري هو (إيفان فازوف) وهو أعظم كتاب بلغاريا على الإطلاق. وهناك كاتب نضالي آخر، من أعظم شعراء بلغاريا، وهو (خريستو بوتيف) الذي حارب ضد الحكم التركي، وبعد مصرعه لم يستطع أحد أن يعرف مكان قبره إلى اليوم. وقد ترجم بول إيلورا شعره إلى الفرنسية.
 
ومن أعظم شعراء بلغاريا الكلاسيكيين كذلك (نيكولا فابتساروف، وكان أيضاً شاعراً نضالياً، قتله النازيون في مدينة صوفيا.
 
وهكذا كانت زيارتي هذا الصباح لاتحاد الكتاب البلغاريين غنية وممتعة. وقد طالت من الساعة الحادية عشرة إلى ما يقرب من الواحدة بعد الظهر. وكان ختامها المسكي المعطر هدية من الكتب الأدبية البلغارية المتنوعة، مترجمة إلى الإنجليزية والفرنسية، قدمتها إليَّ الآنسة إيفيتا ميلفا، مع ابتسامة تشرق فيها كل حدائق صوفيا اليانعة الممرعة.
صفحة 10
المذكرة الثالثة
 
صوفيا 11/5/1973
 
مع الصحافة البلغارية
 
يوم الأربعاء 9/5 كانت لي بعد الظهر مقابلة في دار اتحاد الصحفيين، التقيت فيها بالسيد (نيكولا تومف*)، عضو مجلس الاتحاد، والمسؤول عن نشاطاته.
 
وبعد ظهر الخميس 10/5 كانت لي زيارة إلى جريدة من كبريات الجرائد البلغارية اليومية، تدعى (زيميديلسكو زنامه) – أو القلم الوطني – قابلت فيها السيد (يوان مانيو) محرر القسم الخارجي في الجريدة.
 
واليوم، الجمعة 11/5، وبعد الظهر كذلك، كانت لي زيارة إلى دار مجلة (أوبزور) الأدبية والفنية الشهرية، التي تصدر بالإنجليزية والفرنسية، قابلت فيها رئيسة تحرير المجلة السيدة (ليليانا ستيفانوفا).
 
ثلاثة لقاءات، في ثلاثة أيام متعاقبة، كانت كلها للصحافة، ومع الصحافة، في مختلف أشكالها ومذاهبها.
 
هذا عدا المقابلة التي جرت صباح يوم الأربعاء في دار اتحاد الكتّاب البلغاريين، وجاء فيها حديث طويل عن الصحافة عامة والأدبية بشكل خاص.
 
وطبيعي أن أتحدث عن الصحافة في بلدي في كل هذه الندوات، وعن الفروق بين الصحافة في البلدان التي تخضع لسيطرة حزب معين، والبلدان التي للحرية الفردية فيها المجال الأوسع. والفروق، في الواقع كثيرة وكبيرة، يلخصها ما قاله لي السيد (يوان ماتيو) من أن جريدته لا تفكر في ربح أو خسارة، لأن المال مضمون لديها، ولا تفكر في رقابة الدولة لأنها هي نفسها جزء من الدولة، وسياستها من سياسة الدولة، ثم هي لا تعتمد على الإعلانات مطلقاً، لأن ليس في البلدان الشيوعية شركات تجارية وصناعية، محلية أو أجنبية، يهمها الإعلان عن بضاعتها، والتنافس على الربح، فكل شيء للدولة، والدولة – أو بالأحرى الحزب الذي يضع سياسة الدولة ويقودها. هي كل شيء. وعلى هذا فالصحفي في البلدان الشيوعية موظف، كأي موظف آخر في الدولة، لا يعرف من الطموح الذاتي أكثر من أن يزداد راتبه وترتقي وظيفته، لأن الربح والتنافس عليه لا مجال لهما.