الاختصارات و الرموز
ترمز الحروف والكلمات التالية إلى ما يقابلها أينما وردت في فصول الدراسة:
أ) العربية
ص:
صفحة
ج:
جزء
ق:
قسم
ع:
عدد
ت:
توفي
هـ:
هجري
م:
ميلادي
ط:
طبعة
د. ط:
دون طبعة
د. ت:
دون تاريخ نشر
د. م:
دون مكان نشر
د. ن:
دون ناشر
ب) الاجنبية
page
P:
The Encyclopaedia of Islam.
EI:
هذه دراسـة جـادة للتصوف البغـدادي في القرن السادس الهجري, فهي تتناول فترة - وموقعاً - لم تجد العناية من قبل على أهميتها, فقد حصل فيها تطورات مهمة مثل ازدهار ظاهرة الفقهاء الصوفية ومهدت لأخرى مثل ظهور الطرق الصوفية.
وكان للظروف العامة أثرها, فقد شهدت الفترة فقد الخلافة العباسية لسلطاتها السياسية والإدارية التي صارت للسلاجقة الذين خلفوا البويهيين في ذلك منذ أواسط القرن الخامس الهجري, وحاول الخلفاء تعزيز دورهم الديني في جهودهم لاستعادة سلطتهم ودورهم (منذ القرن الخامس) ونجحوا لحد ما في النصف الثاني من القرن السادس, وبخاصة زمن الناصر لدين الله.
وحاول الخلفاء منذ القرن الخامس الهجري تأكيد دورهم الديني وتوسيعه بالالتفات إلى الفئات الشعبية وما لها من مؤسسات لتعزيز وضعهم وللإفادة من دعمهم, ومن ذلك, كما اتضح بعدئذ, حركة التصوف وحركة الفتوة.
وقد حاول الباحث أن يضع التصوف البغدادي في سياق تطور حركة التصوف, فهو لم يكن معزولاً بل كان امتداداً حيوياً له وبذلك أظهر موقعه من تطور الحركة الصوفية عامة وما حصل من تطورات في التصوف البغدادي.
وسيرى القارئ البعدين التاريخي والجغرافي لحركة التصوف البغدادي في هذه الدراسة مما يكسبها حيوية وإمتاعا. ولئن كانت النظرة إلى بعض المتصوفة في فترة سابقة سلبيةً فإن النظرة في هذه الفترة كانت, كما يبدو من الدراسة, إيجابيةً، بل إن الحركة شملت شيوخاً وصوفية من مذاهب متنافرة، بل ولعلها كانت عوناً على تخفيف أثر الإختلاف.
وقد كان للغزالي وربما لبعض شيوخ الصوفية الكبار دور في استقرار النظرة الايجابية للتصوف. وهناك تيار مهم ظهر في التصوف البغدادي وكان أثره مهماً في هذا الإتجاه وهو ظاهرة الفقهاء الصوفية وهم الصوفية الذين يجمعون بين الشريعة والتصوف, بل وصار الاتجاه إلى دراسة الشريعة قبل الخلوة. ويتمثل هذا مؤسسياً في وجود المدرسة إلى جانب الرباط, وقد كان هذا هو الإتجاه المألوف، وقد تؤسس المدرسة قبل الرباط في بعض الأحيان.
ولعل هذا يساعد على فهم جانب من مشاركة الصوفية في الحياة العامة, فيلاحظ أن بعض العلماء الصوفية كان يدرس, أو يتولى القضاء أو غير ذلك. وهذا يشير إلى تطور آخر في التصوف وهو أنه لم يعد معزولاً عن المجتمع بل متصل به.
وكان للصوفية الفقهاء اتصالات مع الخلفاء وربما كبار رجال الدولة. وكانت المبادرة من دار الخلافة أو المقربين منها مما يسر ذلك الإتجاه نحو المؤسسية من جهة ومواجهة الدعوة الإسماعيلية من جهة أخرى.
ومن الإتجاه للمؤسسية إحداث المدارس النظامية (على يد نظام الملك). لقد حول نظام الملك المدرسة الحرة إلى مؤسسة رسمية لها وقوفها ومعاليمها للطلبة تدرس مذهباً معيناً (الشافعي/الأشعري) ليواجه دعاية الفاطميين وليسند السلطنة؛ ورأت الخلافة في إنشاء الربط وتخصيص الأوقاف لها وتشجيعها – وإن بصورة غير مباشرة – وسيلة لدعمها, كما أن في إنشاء المدارس دعم في نفس الإتجاه.
هل نقول أنها رأت في المؤسسات الشعبية - بما لها من أثر- مجالاً فعالاً لإسنادها في وجه السلطنة؟ هذا وارد من الإحتكاك بين الجهتين أحيانا.
وفي هذا الإتجاه يمكن الإشارة إلى منظمات الفتوة, وهي في الأساس حرفية, في القرن السادس الهجري خاصةً, والصلات بين التصوف و الفتوة تعود لفترة أسبق ولكنها الآن أوسع تنظيماً وانتشاراً. وإن كانت الفتوة في عدة مجموعات بينها فتوة العيارين وفتوة الصوفية وفتوة الحرف, فقد وحدها الناصر لدين الله بعد أن انتمى إلى مجموعة منها, وحدثها وأعطاها معاني رفيعة, وترأسها وأدخل أمراء عدة فيها، وهكذا وجدت الخلافة في مؤسسات مدنية شعبية قوة تسندها وتوسع مجال نفوذها.
إن اتصال الخلافة بالصوفية وتخصيص الأوقاف للربط والإكثار منها يذكر بالأوقاف للمدارس, ولعله ساعد على إكسابها الصفة المؤسسية كما حصل مع المدرسة و زاد من نشاطها في المجتمع ليشمل العامة والخاصة, هذا إلى أن بعض الربط أنشئ للنساء.
إن الكثير من أسماء المتصوفة يشير إلى أن أصحابها من أهل الحرف كما أن بين التجار متصوفة, مما يشير إلى توسـع التصـوف ليشمل فئات الشعب. يبدو أن الإتجاه العام في هذه الفترة كان نحو المأسسة. فقد تمأسست المدرسة في النظاميات وتمأسست الربط بعدما صارت لها الأوقاف وربما تمأسست الفتوة في تنظيمات الحرف والأصناف.
والآن بدأت أوليات أدت إلى ظهور الطـرق الصـوفية التي عاش أقطابها من أمثال الشـيخ عبد القادر الجيـلي (الكيلاني) والسـيد أحمد الرفاعـي والشيخ أبي النجيب السـهروردي في هذه الفترة.
وربما كان لمأسسة الربط ولكثرة المريدين ولدوام الصلة بين الشيـخ والمريـد في الرباط والمدرسة وللجو العام, ربما كان لكل هذه صلة بظهور الطرق الصوفية واتخاذها شكلها المؤسسي في القرن السابع الهجري.
وبعد، فقد استمرت بعض الربط تعتمد على الهبات والصدقات, ليس لها أوقاف, كما استمر وجود المتصوفة الفقراء في تيار آخر لحركة التصوف.
لقد قدمت هذه الدراسة معلومات و آراء تلقي أضواء على مرحلة مهمة في تطور التصوف, وأنا لا أقصد تقييمها ولكني أشير إلى ما ألقته من ضوء على التطورات في التصوف البغدادي في القرن السادس الهجري.
وبعد, فإنها دراسة تاريخيـة موضوعيـة في الأساس.
شهد القرن السادس الهجري نضوج التصوف من حيث هو حركة اجتماعية كان لها أثرها الواضح في مختلف الجوانب الاجتماعية والثقافية والسياسية في بغداد.
وقبل ذلك كان التصوف قد تلقى دفعة قوية من وزير السلطنة السلجوقية نظام الملك في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري ضمن توجه السلطنة لإحياء المذاهب السنية لمواجهة الفاطميين.
وبعد زوال الهيمنة السلجوقية على بغداد في أواخر النصف الأول من القرن السادس الهجري واصل الخلفاء العباسيون تبنيهم للتصوف نظراً لسعة انتشاره بين الناس ولتأثيره في حياتهم وربما أيضاً لقدرته على التخفيف من غلواء الخلافات المذهبية.
إن دراسة متصوفة بغداد في القرن السادس الهجري تمهد لفهم حركة التصوف وتطوراتها في القرون التالية في مختلف بلاد الإسلام، كما يمهد لفهم الدور الذي قاموا به سواء في البلاد المجاورة أو البعيدة عن بغداد، ويزيد من أهمية الدارسة ما يمكن ان يقال من أن التصوف صبغ المجتمعات الاسلامية عامة بصبغته الخاصة ولمدة غير قصيرة.
لم يحظ موضوع الدارسة باهتمام كافٍ من قبل الباحثين المعاصرين سواءً من العرب أو غيرهم، بل ربما لم يكرس احد منهم بحثاً وافياً لهذا الموضوع أصلاً. إن أكثر الدراسات السابقة عن التصوف نادراً ما تصل إلى القرن السادس الهجري، وإن وصلت فإنها غالباً ما تركز اهتمامها على معالجة ما أطلق عليه تسمية "التصوف الفلسفي" الذي كان له رواجه خارج بغداد، وذلك رغم أهمية دراسة التصوف البغدادي في تلك الفترة نظراً لكونها فترة تكوين لأهم المؤسسات الصوفية التي ظهرت لاحقاً، أعني الطرق الصوفية، وقد كان للمستشرقين دور هام في توجيه البحوث نحو التصوف الفلسفي وذلك على حساب الاهتمام بالتصوف البغدادي. وبالتالي، فإن أبرز ما يميز هذا البحث عن الدراسات السابقة تركيزه على متصوفة بغداد.
حاولت هذه الدراسة أن تجيب على عدد من الأسئلة حول متصوفة بغداد في القرن السادس الهجري: كيف اختلف التصوف البغدادي في القرن السادس الهجري عنه في الفترة السابقة، وما هي أبرز ملامح الاستمرار فيه؟ من هم أبرز شيوخ التصوف البغدادي وتلاميذهم وخلفياتهم وعلاقاتهم الرسمية والشعبية؟ وما طبيعة ودور المؤسسات التي انتظمت عملهم في بغداد؟ وما هي مواصفات الخطاب الصوفي في الفترة محل البحث، وكيف اختلف خطابهم عن خطاب الفقهاء؟ ثم ما هو الدور الاجتماعي الذي اضطلعوا به من خلال علاقاتهم مع فئات المجتمع البغدادي؟ وقد يجد القارئ في مجمل البحث إجابة على مسألة ما إذا كان التصوف هروباً من الواقع المعاش في بغداد أم محاولة لحل مشكلاته.
سم الباحث موضوعه "متصوفة بغداد في القرن السادس الهجري" إلى أربعة فصول وتمهيد.
أما التمهيد فقد قسم إلى قسمين تناول الأول منهما الأوضاع العامة في بغداد في الفترة محل البحث. وتناول القسم الثاني من التمهيد التطورات التي شهدها التصوف في بغداد حتى نهاية القرن الخامس الهجري، وفيه عرض الباحث لتاريخ التسمية باسم "الصوفي"، ومكانة التصوف من بقية علوم الشريعة، وانتقال معارف الصوفية من الكتمان إلى العلن، وتدوينها، وبداية نشوء الربط الصوفية في بغداد وطبيعة العلاقة بين الصوفية والفقهاء في تلك الفترة، ومظاهر الاستمرار في تاريخ التصوف والتي انتقلت إلى القرن السادس الهجري، وتزامن دخول السلاجقة إلى بغداد مع انتعاش التوجه الأشعري و الصوفي بتأثير الوزير نظام الملك، وأهم المصنفات الصوفية في القرن الخامس الهجري، ونشوء رباط شيخ الشيوخ.
عالج الفصل الأول "شيوخ التصوف البغدادي ونساؤه في القرن السادس الهجري"، وقد تعمد الباحث الإسهاب في هذا الفصل نظراً لأن حياة شيوخ التصوف وتلاميذهم وتراجمهم تعطي صورة حية لحركة التصوف نفسها وانتشارها ومميزاتها في تلك المرحلة، ولأن متصوفة بغداد هم موضوع البحث أصلاً. وفي هذا الفصل يظهر بوضوح تيار تصوف الفقهاء الذي ميّز التصوف في القرن السادس الهجري أكثر من غيره من القرون.
أما الفصل الثاني فتناول المؤسسات الصوفية، وهنا تبدو ظاهرة بناء الربط الصوفية جنب مدارس العلوم الشرعية بوصفها تعبيراً مؤسسياً عن تنامي تيار تصوف الفقهاء. وإلى جانب الربط والمدارس تناول الفصل المؤسسات التابعة لها كخزائن الكتب الموجودة في الربط، كما تناول مؤسسة شيخ الشيوخ، والطرق الصوفية بما هي تطور حادث وإن كان متأخراً في حركة التصوف. كما عرض الفصل للعلاقة المؤسسية الرئيسة في التصوف والمتمثلة بعلاقة الشيخ بالمريد والتي من خلالها انتقل التصوف من جيل إلى جيل.
في الفصل الثالث عالج الباحث الخطاب الصوفي من حيث أسسه وموضوعاته ومفاهيمه، حيث تطرق الباحث إلى ما صدر عن الصوفية من اقوال تعبّر عن مواقفهم وقيمهم وعلومهم وأحوالهم، ففي أسس الخطاب عرض الباحث لأهم المعتقدات التي أجمعوا عليها والذهنية الصوفية القائمة على أساس من السببية تميزوا به. وتضمنت موضوعات الخطاب القضايا التي طرحوها في مجالس وعظهم ومصنفاتهم. أما المفاهيم فيقصد بها ألفاظهم ومصطلحاتهم التي اصطلحوا عليها للتعبير عن خبراتهم، وهي اصطلاحات أغلبها يتجاوز الدلالة اللغوية المباشرة المتعارف عليها لدى الناس.
وعرض الفصل الرابع لعلاقة متصوفة بغداد بفئات المجتمع ومؤسساته حيث تناولها البحث ضمن ثلاثة محاور: الخلافة العباسية وعلاقتها بالتصوف، وتبنيها لمتصوفة الربط، وسعيها لاحتواء وتوجيه حركة التصوف. ثم تناول الفصل علاقة الصوفية بالفقهاء حيث تقارب التياران بفعل نشاط حركة تصوف الفقهاء. وأخيراً عالج الفصل علاقة الصوفية بالعامة كالعيارين والشطار، وأهل الفتوة وتنظيمها، والاصناف وارباب المهن و التجار.
أفاد الباحث من مجموعة متنوعة من المصادر تراوحت بين كتب التصوف وكتب التراجم والطبقات وكتب التاريخ العام، وكتب البلدان والرحلات، وغيرها، إضافة إلى عدد من الدراسات الحديثة.
تعد كتب الشيخ عبد القادر الجيلي (ت 561 هـ): كتاب الفتح الرباني و الفيض الرحماني، وفتوح الغيب، والغنية مصادر هامة للتعريف بالخطاب الصوفي وموضوعاته، وقد دوّن الكتابين الأولين تلاميذ الشيخ خلال مجالس وعظه، وهما يبرزان نظرة الجيلي للمجتمع البغدادي وما اعتراه من مشكلات وتصوره للمخرج منها. اما كتاب الغنية فكتاب فقه شامل على نسق كتاب الغزالي إحياء علوم الدين، حيث يشرح جوانب الاسلام الفقهية بروح صوفية واضحة.
ويتركز كتاب أبي النجيب السهروردي (ت 563 هـ) الموسوم بـ "آداب المريدين" على عرض التصوف من حيث هو آداب، وهو كتاب موجز بعبارات قصيرة فيها من الوضوح و التفسير لقضايا التصوف ما لا يوجد في غيره من كتب المعاصرين.
ويعد كتاب الشهاب السهروردي (ت 632 هـ) ذائع الصيت "عوارف المعارف" من أول المصادر التي عالجت آداب الصوفية داخل ربطهم وزواياهم، وهذا الجانب من الكتاب يؤكد أن مسعى المؤلف – المقرب من الخليفة الناصر لدين الله – لوضع ضوابط للحياة الصوفية في بغداد إنما جاء إثر تزايد أعداد الربط على نحو يستدعي هذا المسعى. لكن الشهاب يعرض أيضاً للعديد من القضايا الأخرى المتصلة بالصوفية عرضاً موثقاً بالأحكام الشرعية ويفسر من خلالها دلالات ومعاني الأحوال والمقامات المتعارف عليها عندهم.
ومن المصارد الصوفية الهامة كتاب الشطنوفي (ت 713 هـ) " بهجة الأسرار " الذي وضعه في مناقب الشيخ عبد القادر الجيلي، وهو من أشهر ما كتب في مناقب الشيخ، و إضافة إلى ذلك فقد جاء قسم كبير من الكتاب ليُترجم للعديد من شيوخ التصوف المعاصرين للجيلي، وفي الكتاب عرض مفصل لتلاميذه وأصحابه ومن كان يحضر مجالسه من أعيان الفترة.
ويتضمن الكتاب معلومات هامة ونادرة عن رباط الجيلي ومدرسته والعلوم التي كان الجيلي يدرسها، ومواصفات مجلسه، والرجال الذين التقى بهم. ويكثر الشطنوفي من إيراد نصوص كاملة للجيلي تبحث في صلب التصوف وهي نصوص تغلب عليها اللغة الرمزية الجميلة، وفيها إشارات فريدة إلى علوم الصوفية و تشابيه ذات دلالات قوية، ويتخلل تلك النصوص تعريفات لمصطلحات صوفية ذات أهمية. وقد أفادت كثيرمن كتب التراجم من كتاب الشطنوفي إلا أن بعضها لم يشر إليه كمصدر.
و يكاد كتاب قاضي القضاة محمد بن يحيى التادفي (ت963 هـ) الموسوم بـ " قلائد الجواهر" أن يكون نسخة مطابقة لكتاب الشطنوفي.
أكثر الباحث من اللجـوء إلى كتـاب "طبقـات الصـوفيـة " لأبي عبد الرحمن السلمي (ت412 هـ) و بخاصة فيما يتصل بتراجم صوفية القرنين الثالث و الرابع الهجريين، وأفاد منه في موضوع الخطاب الصوفي، والفتوة عند الصوفية. ويعدّ السلمي مرجعاً للعديد من المؤلفين الذين عاصروه كأبي نعيم الاصفهاني (ت 430 هـ) في كتابه "حلية الأولياء"، و الخطيب البغدادي (ت463 هـ) في "تاريخ بغداد"، وأبي القاسم القشيري (ت 465 هـ) في "الرسالة القشيرية " التي كانت أول الكتب الجامعة بين تراجم الرجال وشرح المعارف الصوفية.
كما أفاد الباحث من كتب التراجــم الصـوفية المتأخـرة، مثـل "طبقات الشعراني" (ت 973 هـ) الذي اتسـم بالحذر فيما يورده من أقوال الصوفية، و "طبقـات المنـاوي" (ت 1031 هـ) الذي تميز بقدر من النقد تجاه بعض من ترجم لهم، وكتاب الجامي (ت898هـ) " نفحات الأنس " الذي أورد ترجمات نادرة لبعض صوفية المشرق الذين تتلمذوا على شيوخ بغداد.
ولكتاب "الأنساب" الذي صنفه السمعاني (ت 562 هـ) أهمية خاصة بسبب التقائه بشيوخ التصوف البغدادي الكبار، فقد حضر بعض مجالس الجيلي، وأخذ عن أبي النجيب السهروردي.
أما ابن النجار (ت 643 هـ) صاحب "ذيل تاريخ بغداد" فقد لازم الشهاب السهروردي فترة غير قليلة وترجم له وللعديد من تلاميذ المشايخ الكبار. ومع أن ما وصلنا من هذا المصنف يخلو من ترجمة للجيلـي إلا أن ابن الدميـاطي (ت 749هـ) أورد في كتـابه "المستفاد من ذيل تاريخ بغداد " ترجمة له.
وترجم ابن خلكان (ت 681 هـ) لمشاهير شيوخ التصوف البغدادي في كتاب "وفيات الأعيان"، لكن مع ذلك جاء كتابه خلواً من أي ترجمة للجيلي دون أن يتوصل الباحث إلى سبب لذلك.
وأورد أبو شامة (ت 665 هـ) في " الذيل على الروضتين " بعض الأخبار الفذة عن صوفية بغداد.
وجمع الذهبي (ت 748 هـ) في "تاريخ الاسلام" كماً ضخماً من الأخبار والتراجم الهامة، وقد أفاد الذهبي كثيراً ممن سبقه فاعتمد أكثر من مصدر في تراجمه ومن ضمنها مصادر مفقودة.
واعتمد أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في كتابه "صفة الصفوة " على كتاب الحلية لأبي نعيم، وبالرغم من أنه زاد فيه تراجم لبعض رجال عصره إلاّ أنه لم يذكر أحداً ممن كان له شأن يذكر في التصوف. ومع أن ابن الجوزي كان من أشد نقاد الصوفية إلا أن نقده الذي ضمنه كتابه " تلبيس إبليس" جاء نقداً لمظاهر بعض الصوفية دون أن يذكر فيه شيئاً عن الكبار أمثال الجيلي و السهروردي و الرفاعي.
أما كتابه "المنتظم" فقد جاءت فيه أخبار الصوفية على نحو موجز بقصد وذلك بشهادة سبطه و ابن الاثير. وقد وجد الباحث في "الكامل" لابن الأثير (ت 630 هـ) رقيباً ناقداً لما أورده ابن الجوزي من تراجم الصوفية وأخبارهم.
وتابع سبط ابن الجوزي (ت 654 هـ) في كتابه "مرآة الزمان" أكثر ما أورده جده إلا أنه كان ناقداً لمواقف جده تجاه بعض الصوفية.
و خصص ابن الساعي (ت 674 هـ) قسماً كبيراً من كتابه "مختصر أخبار الخلفاء " لترجمة السيد أحمد الرفاعي وخلفائه وعلاقاتهم بالخلافة العباسية.
وأورد ابن شاهنشاه (ت 617 هـ) في "مضمار الحقائق" أخباراً مفصلة عن سفارات شيخ الشيوخ في بغداد إلى صلاح الدين الأيوبي وعن العلاقة بينهما وعن مدى الاحترام الذي كان يتمتع به آنذاك.
أفاد البحث من دراسات حديثة، منها كتاب المستشرقة آنا ماري شيمل: "الأبعاد الصوفية في الاسلام" حيث وجد الباحث فيه تعميمات مفيدة.
و أفاد البحث من بعض ما ذكره المستشرق الفرنسي ماسينيون في كتابه "الآم الحلاج "، وبخاصة بعض النبذ عن متصوفة بغداد في الفترة محل البحث.
وأوردت "دائرة المعارف الاسلامية/بريل" عدداً من الأبحاث التي وجد فيها الباحث كثيراً من الإشارات إلى متصوفة بغداد في القرن السادس الهجري.
واجه الباحث عدداً من الصعوبات خلال البحث، فمن ذلك تشتت المعلومات في كتب التراجم و الطبقات التي وضعت على أساس مذهبي، و بما أن التصوف ليس مقصوراً على مذهب فقهي دون آخر فقد اضطر الباحث إلى الرجوع إلى أكثر تلك المصادر لكي يكمل النقص الموجود في بعضها من بعضها الآخر.
و تمثلت صعوبة أخرى في أن أكثر كتب التصوف قليلة الإهتمام بالأخبار التاريخية الموثقة بالزمان و المكان و التي وجدها الباحث متناثرة في نتف من كتبهم و أخبارهم، و يعود ذلك - إلى حد كبير - لتركز اهتمامها على العلاقة غير التاريخية بين الانسان و ربه، و هو أمر كان من شأنه أن يزيد من صعوبة استخراج الدلالة التاريخية منها.
أما الصعوبة الثالثة فتكمن في أن دراسة التصوف– حتى تكون منصفة – تتطلب استخدام الألفاظ و المصطلحات الصوفية، و هنا تبرز مشكلة المصطلح الصوفي من حيث تعدد دلالة اللفظة الواحدة لدى الصوفي الواحد، و يرجع ذلك لارتقائه في الطريق الصوفي إذ تزداد لطافة التعابير و غموضها كلما ازداد ارتقاؤه، وهو أمر دعى مصنفين مثل الشعراني لاجتناب أقوالهم في البدايات و لانتخاب أقوالهم في النهايات لدلالتها على الكمال عندهم. يضاف إلى ذلك أن دلالات الألفاظ تتفاوت من صوفي لآخر دون أن يكون هناك معنىً واحداً معتمداً لديهم، والعذر لهم في ذلك أن هذا بالضبط هو ما يعنيه التصوف من حيث هو أحوال ومواجيد يصعب التعبير عنها بالألفاظ ذات الدلالة الاعتيادية في اللغة نظراً لانطواء ألفاظهم على إيحاءات تضيق المعاني الاعتيادية في الألفاظ عن الاحاطة بها، ولأن دقة النص الصوفي أوجز من أي شرح أو إعادة صياغة، ولذلك وصفت بأنها إشارات، والإشارات لا يمكن إدراك فحواها دون توفر قدر من الفهم للمشار إليه عندهم، والبحث في المشار إليه يخرج الدراسة عن تاريخيتها. هذا الأمر ألجأ الباحث إلى الإبقاء على الألفاظ كما وردت، وإلى الإكثار من إيراد النصوص والاقتباسات، لكنه مع ذلك حاول أن يقدم معنى عاماً لتلك النصوص دون أن يكثر البحث في الألفاظ ذاتها.
لقد سعت هذه الدراسة إلى الإحاطة بأهم شيوخ التصوف البغدادي وتلاميذهم في الفترة محل البحث بحيث أبرزت منحى تصوف الفقهاء الذي ميز التصوف في القرن السادس الهجري عن غيره من القرون، ودرست خلفياتهم وعلاقاتهم فيما بينهم من جهة، وفيما بينهم وبين فئات المجتمع البغدادي من جهة أخرى، كما عرضت بقدر من التوسع لأهم المؤسسات الصوفية سواء منها الرسمية وغير الرسمية، ومدى الدور الذي لعبته في الحياة الاجتماعية ببغداد. وقدمت الدراسة صورة لأهم الأسس والمفاهيم والموضوعات التي قام عليها الخطاب الصوفي سواء منها ما كان استمراراً لما سبق في القرون الماضية أو لما استجد في القرن السادس الهجري.
وخرج البحث بنتيجة مفادها أن خروج التصوف من عزلته إلى العلن ترافق مع نشاط بناء الربط الصوفية والمدارس ومع تيار تصوف الفقهاء الذي أسهم بدوره في تهدئة التوترات المذهبية وتخفيف حدّة العلاقة بين الصوفية والفقهاء، وهو أمر مهد لانتشار التصوف بين جماهير الناس بعد أن كان محصوراً في فئات قليلة منهم، كما مهد لتطور آخر - ولكنه تطور لاحق - تمثل بظهور الطرق الصوفية.
أ – الأوضاع العامة في بغداد في القرن السادس الهجري
قسم العرب بلاد مابين النهرين إلى إقليمين، الأسفل والأعلى، و عرف الأسفل باسم العراق وهو ذو أرض رسوبية خصبة، وعرف الإقليم الأعلى بالجزيرة وهي سهول صخرية تحيط بها مياه أعالي الفرات و دجلة والأنهار التي تصب فيها جنوبي السهول الصخرية([1])، ومعنى العراق الجرف أو الساحل، وكان العرب يسمون السهل الرسوبي بأرض السواد و اتسع مدلول كلمة السواد حتى صارت هي والعراق لفظين مترادفين في الغالب([2]). أما الحدّ الطبيعي بين إقليمي الجزيرة والعراق فحدد بخط يبدأ من دجلة عند تكريت ويتجه غرباً إلى الفرات ثم يعبره أسفل من عانة بشيء يسير، ومن جنوب هذا الخط يبدأ السواد([3]).
وكان العرب يسقون أرض مابين النهرين بتحويل الفائض من ماء الفرات إلى عدد من الأنهار تأخذ من الفرات إلى دجلة فتسقى سهول مابين النهرين، وأما الأرض الواقعة شرقي دجلة فكانت تسقى إما من الأنهار المنحدرة من جبال إيران، وإما من أنهار تخرج من دجلة متجهة شرقاً ثم تعود إليه([4]).
و الأنهار التي تحمل من الفرات إلى دجلة أربعة: نهر عيسى الذي بنى الخليفة المنصور فوق مصبه المدينة المدورة، ونهر صرصر وهو يجري بموازاة نهر عيسى، ونهر الملك وكانت على ضفافه مدينة يقال لها نهر الملك جنوب صرصر، ونهر كوثى أسفل نهر الملك، والنهران الأخيران يقع مصباهما أسفل مدينة المدائن([5]).
وقد عرفت بغداد عدداً كبيراً من أنواع السفن التي كانت تستخدم في المواصلات النهرية، وربما استعمل بعضها في البحار، ويذكر من أسماء تلك السفن: مضفرة، وحراقة، وشبارة، وطيار، وشذى، وزبزب، وسميرية وسمارية، وخيطية، وسفينة، وزورق، وطرادة، وغيرها([6]).
شرع المنصور ببناء المدينة المدورة سنة 145هـ، وهي نواة مدينة بغداد، فوق مصب نهر عيسى في دجلة، وكان للمدينة أربعة أبواب متساوية الأبعاد: باب البصرة وباب الكوفة وباب الشام وباب خراسان، ويخرج من كل باب طريق، وبمرور الوقت نشأت أرباض واسعة على هذه الطرق الأربعة، ثم اندمجت بعد ذلك ضمن المدينة وقام منها مدينة بغداد الكبرى، وكان في الجانب الشرقي من بغداد ثلاث محلات هي الرصافة([7]) والشماسية([8]) والمخرم ([9]) وكانت هذه المحلات محاطة بسور نصف دائري، وكان الربض الممتد جنوباً على الطريق الخارج من باب الكوفة خارج أسوار المدينة المدورة يعرف بالكرخ، ويناظر الكرخ في شمال باب الشام محلة الحربية([10])، وفي غرب المدينة المدورة يقع ربض باب المحول([11])، وقد تغيرت خطط بغداد بعد ذلك بسبب اتساع المدينة وخراب بعض أقسامها، وبعد أن رجعت العاصمة إلى بغداد، بعد انتقالها إلى سامراء بين سنتي 221هـ - 279هـ، أقام الخلفاء في الجانب الشرقي من بغداد خلال القرون التالية، وبنوا قصورهم في أواخر العصر العباسي جنوب المخرم الواقعة أسفل المحلات الثلاث داخل أسوار بغداد الشرقية([12]).
وكانت بغداد مركز نظام محكم للطرق، وكانت الطرق الآتية من أقاصي الشرق تعبر دجلة([13])، فكانت بغداد تمثل حلقة الوصل بين المشرق والمغرب يمر فيها المسافرون على اختلاف مقاصدهم، وخلال ذلك يجري بينهم التفاعل الحضاري بجوانبه المتعددة الاقتصادية والسياسية و الدينية و العلمية.