صفحة 1
«لا أصدق أنكَ راحل!». قالت ذلك وهي تعانقه، ثم لمستْ شعره بيدها. تراجع خطوة. أمسكته من يده مانعة اتساع المسافة بينهما. حركت شفتيها همساً: «إبق قليلاً». بقي واقفاً. اقتربتْ منه أكثر فأكثر. فكت أزرار قميصه. وراحت تتوقع منه شيئاً حميمياً في تلك اللحظة. لكنه لم يفعل! بل قال لها: لا أريد الارتباط بكِ، لا لشيء سوى أني لست على يقين من عودتي. أجابته بلكنة ساخرة: أبعد كل هذا الحب الذي أحببتكَ إياه، تقول ذلك؟!. لم يتأخر في الردّ: أنتِ تعلمين كم من حياة تُزهق في الحروب. «بإمكانك أن ترفض، فالحرب ليست قدراً وإنما اختيار، أم أنك تفضِّل القتل على حبكَ لي؟». هكذا كان جوابها. اكتفى هو بالصمت قليلاً ثم أضاف: إن ذهابي إلى الحرب ليس حباً بها بل كره بالآخر. عندئذٍ، نظرت إليه، تأمَّلته، ثم قالت: ألهذا جئت تودّعني؟ كرهاً بالآخر! هذا الآخر الذي تجهله تماماً! ولم تلتقِ به يوماً؟! فأي وداع هذا الذي تخبّئه لي؟!
ـ بعد محاولات لا فائدة منها ابتعدت عنه ببطء وجلست على حافة السرير. شعرت أنَّ ثمة فراغاً يملأ نفسها. توسلتْ إليه أن يأتي. هي تملك شيئاً، كم رغب في الحصول عليه. لكنه لم يتزحزح من مكانه. لم تصدر عنه أية عاطفة حميمة نحوها. وحتى اللحظة، لا شيء وارد الحدوث. لذلك امتنعتْ عن الكلام. ثم فجأة، حدث ما لم يكن محسوباً؛ احتضنها بقوة. (وهنا حذفت الرقابة الرسمية بقية المشهد العاطفي). وبعد الحذف، كانا ممددين على الأرض، الواحد بجانب الآخر. هو لم يقل شيئاً. كان يخطط للرحيل بعيداً عنها. وفي هذه الحال، كان من الصعب عليه أن يخبرها. لذا فضل التريث قليلاً. أما هي، فراحت تملِّس ثوبها وتعيد ترتيب مظهرها. بيد أن هذه المرة ليست مثل سابقاتها، إذ إنّ شيئاً ما قد انتزعَ منها بطريقة خاطئة. وهنا سألته بلطفٍ: لن تذهب إلى الحرب... أليس كذلك؟ جاءت كلماته متقطعة: حتـ... حتماً.... (كان كاذباً).
ـ كنتُ أشاهد هذا الفيلم في التلفاز الموجود في المقهى. تأثرتُ كثيراً. واستغرق الأمر مني بعض الوقت لأستعيد طبيعتي ومذاق قهوتي. وأثناء ذلك، إذ بامرأة تظهر فجأة في المكان. بدت غير مهتمة بأناقتها كأنثى! فلا جمال يسترعي النظر إليه سوى شعرها القصير، مما يوحي بعدم العناية بمظهرها مثل بقية النساء. كانت ترتدي زياً مساوياً للرجال؛ جاكيت رمادية اللون وقميصاً أبيض وبنطالاً أسود يتميّز بأنه واسع من الأسفل عند القدمين. وتنتعل حذاء ذا كعب منخفض. وخطواتها تظهر خللاً في مشيتها. شعرتُ نحوها بنوع من الاحترام، لا أدري سببه؟ ومما زاد دهشتي بشأنها، أنها نظرت من حولها إلى الطاولات الفارغة، ما أكثرها، ولم تجلس إلى أي منها! بل تقدمت ناحيتي في مشية عرجاء، إذ كانت تميل بجسدها قليلاً إلى اليسار كلما خطت خطوة. حاولتُ أن أجد تفسيراً لمشيتها. والحق يُقال، إنه لم يصعب عليَّ التفكير، فإحدى رجليها أقصر من الأخرى.
ـ وصلتْ إليَّ مباشرة وسألتني بتعب ظاهر: هل تسمح لي بالجلوس إلى طاولتكَ؟ شعرتُ لحظتها برغبة حقيقية في الرفض. لكني لا أملك سبباً مقنعاً لرفض طلبها، كما لم يكن في نيَّتي إحراجها. لذا بادرت إلى الموافقة: أهلاً وسهلاً... تفضلي.
ـ جلستْ. بدت هادئة أكثر من المتوقع، باردة فوق العادة! نزعتْ عنها سترتها. فتحت حقيبتها. أخرجت هاتفها الخليوي ووضعته على الطاولة، لم تستخدمه؟!. ثم أخذت نفساً عميقاً قبل أن تعيد يدها إلى داخل الحقيبة مرة أخرى. تناولت هذه المرة شيئاً مختلفاً؛ كتاباً متوسط الحجم، أخذت تقلِّب صفحاته حتى عثرت على ورقة مطوية، أمسكتها برقة وتمهل. راحت تقرأ ما كُتب في تلك الورقة. بينما حضرتي، جالس مثل تمثال أبي الهول، لا كلام ولا سؤال ولا حتى نحنة تلفت الانتباه. لم تكن تنظر إليَّ قط. يا للغرابة؟!.
ـ كانت عاكفة على قراءة تلك الورقة بتمعن زائد. وحين انتهتْ، كرَّتْ دموعها على خدَّيها. فتحت حقيبتها مجدداً وأخرجت منديلاً صغيراً، مسحت به عينيها وجففت دموعها. فالناظر إليها يحس بالأسى نحوها، إذ هي طراز من النساء قلما تصادفه. ولا أعرف لماذا حشرتْ نفسها معي والمقهى مليء بالطاولات الفارغة! فهل إحساسها بالوحدة هو ما دعاها للجلوس إلى طاولتي؟
ـ بعد إزالة الدموع أعادت الورقة والمنديل إلى داخل الحقيبة. ويا لها من حقيبة ضخمة، تناسب رحلة طويلة وليس مشواراً صغيراً. ثم فجأة، استدارت برأسها يمنة ويسرة، كأنها تترقب شيئاً ما! وبعد ذلك مدت يدها إلى حقيبتها وأخذت تبحث عن شيء محدد؟ يبدو أنها قد عثرت عليه، لكنها لم تظهره؟ وتراءى لي أنَّ بحوزتها مسدساً، قد تستخدمه في قتل نفسها!؟ يا للمصيبة العرجاء. لذا، رحت أستعد لانتزاع المسدس من يدها فور إخراجه من الحقيبة. إلا أن الوقت مرّ ولم يحدث شيء، ويدها لما تزل داخل الحقيبة. لم يكن لدي شيء لأقوله لها، فاكتفيتُ بالنظر إليها على مضض وماذا عسايَّ أن أفعل غير ذلك؟ فمن كان مثلي رساماً، تعجبه مراقبة المواضيع التي يمكن تحويلها إلى لوحة زيتية. وهذا ما أخذتُ أخطط له في مخيلتي. وبدءاً من هذه النقطة، لم أتأخر بإلقاء نظرة فاحصة على تقاطيع وجهها، ولمحتُ أن حياةً لا تزال في عينيها رغم بشاعة الموقف الذي وضعت نفسها فيه. عندئذٍ، شعرتُ أنَّ ثمّة امرأة حقيقية على مقربة مني. ولهذا استبعدتُ فكرة موتها انتحاراً. لكني لم أشعر بالارتياح إلا حين أخرجت يدها من الحقيبة، وإذ بمرآة صغيرة وليس مسدساً، نظرتْ فيها لترى ما فعلته حفنة من الدموع بعينيها.
ـ بعد محاولات لا فائدة منها ابتعدت عنه ببطء وجلست على حافة السرير. شعرت أنَّ ثمة فراغاً يملأ نفسها. توسلتْ إليه أن يأتي. هي تملك شيئاً، كم رغب في الحصول عليه. لكنه لم يتزحزح من مكانه. لم تصدر عنه أية عاطفة حميمة نحوها. وحتى اللحظة، لا شيء وارد الحدوث. لذلك امتنعتْ عن الكلام. ثم فجأة، حدث ما لم يكن محسوباً؛ احتضنها بقوة. (وهنا حذفت الرقابة الرسمية بقية المشهد العاطفي). وبعد الحذف، كانا ممددين على الأرض، الواحد بجانب الآخر. هو لم يقل شيئاً. كان يخطط للرحيل بعيداً عنها. وفي هذه الحال، كان من الصعب عليه أن يخبرها. لذا فضل التريث قليلاً. أما هي، فراحت تملِّس ثوبها وتعيد ترتيب مظهرها. بيد أن هذه المرة ليست مثل سابقاتها، إذ إنّ شيئاً ما قد انتزعَ منها بطريقة خاطئة. وهنا سألته بلطفٍ: لن تذهب إلى الحرب... أليس كذلك؟ جاءت كلماته متقطعة: حتـ... حتماً.... (كان كاذباً).
ـ كنتُ أشاهد هذا الفيلم في التلفاز الموجود في المقهى. تأثرتُ كثيراً. واستغرق الأمر مني بعض الوقت لأستعيد طبيعتي ومذاق قهوتي. وأثناء ذلك، إذ بامرأة تظهر فجأة في المكان. بدت غير مهتمة بأناقتها كأنثى! فلا جمال يسترعي النظر إليه سوى شعرها القصير، مما يوحي بعدم العناية بمظهرها مثل بقية النساء. كانت ترتدي زياً مساوياً للرجال؛ جاكيت رمادية اللون وقميصاً أبيض وبنطالاً أسود يتميّز بأنه واسع من الأسفل عند القدمين. وتنتعل حذاء ذا كعب منخفض. وخطواتها تظهر خللاً في مشيتها. شعرتُ نحوها بنوع من الاحترام، لا أدري سببه؟ ومما زاد دهشتي بشأنها، أنها نظرت من حولها إلى الطاولات الفارغة، ما أكثرها، ولم تجلس إلى أي منها! بل تقدمت ناحيتي في مشية عرجاء، إذ كانت تميل بجسدها قليلاً إلى اليسار كلما خطت خطوة. حاولتُ أن أجد تفسيراً لمشيتها. والحق يُقال، إنه لم يصعب عليَّ التفكير، فإحدى رجليها أقصر من الأخرى.
ـ وصلتْ إليَّ مباشرة وسألتني بتعب ظاهر: هل تسمح لي بالجلوس إلى طاولتكَ؟ شعرتُ لحظتها برغبة حقيقية في الرفض. لكني لا أملك سبباً مقنعاً لرفض طلبها، كما لم يكن في نيَّتي إحراجها. لذا بادرت إلى الموافقة: أهلاً وسهلاً... تفضلي.
ـ جلستْ. بدت هادئة أكثر من المتوقع، باردة فوق العادة! نزعتْ عنها سترتها. فتحت حقيبتها. أخرجت هاتفها الخليوي ووضعته على الطاولة، لم تستخدمه؟!. ثم أخذت نفساً عميقاً قبل أن تعيد يدها إلى داخل الحقيبة مرة أخرى. تناولت هذه المرة شيئاً مختلفاً؛ كتاباً متوسط الحجم، أخذت تقلِّب صفحاته حتى عثرت على ورقة مطوية، أمسكتها برقة وتمهل. راحت تقرأ ما كُتب في تلك الورقة. بينما حضرتي، جالس مثل تمثال أبي الهول، لا كلام ولا سؤال ولا حتى نحنة تلفت الانتباه. لم تكن تنظر إليَّ قط. يا للغرابة؟!.
ـ كانت عاكفة على قراءة تلك الورقة بتمعن زائد. وحين انتهتْ، كرَّتْ دموعها على خدَّيها. فتحت حقيبتها مجدداً وأخرجت منديلاً صغيراً، مسحت به عينيها وجففت دموعها. فالناظر إليها يحس بالأسى نحوها، إذ هي طراز من النساء قلما تصادفه. ولا أعرف لماذا حشرتْ نفسها معي والمقهى مليء بالطاولات الفارغة! فهل إحساسها بالوحدة هو ما دعاها للجلوس إلى طاولتي؟
ـ بعد إزالة الدموع أعادت الورقة والمنديل إلى داخل الحقيبة. ويا لها من حقيبة ضخمة، تناسب رحلة طويلة وليس مشواراً صغيراً. ثم فجأة، استدارت برأسها يمنة ويسرة، كأنها تترقب شيئاً ما! وبعد ذلك مدت يدها إلى حقيبتها وأخذت تبحث عن شيء محدد؟ يبدو أنها قد عثرت عليه، لكنها لم تظهره؟ وتراءى لي أنَّ بحوزتها مسدساً، قد تستخدمه في قتل نفسها!؟ يا للمصيبة العرجاء. لذا، رحت أستعد لانتزاع المسدس من يدها فور إخراجه من الحقيبة. إلا أن الوقت مرّ ولم يحدث شيء، ويدها لما تزل داخل الحقيبة. لم يكن لدي شيء لأقوله لها، فاكتفيتُ بالنظر إليها على مضض وماذا عسايَّ أن أفعل غير ذلك؟ فمن كان مثلي رساماً، تعجبه مراقبة المواضيع التي يمكن تحويلها إلى لوحة زيتية. وهذا ما أخذتُ أخطط له في مخيلتي. وبدءاً من هذه النقطة، لم أتأخر بإلقاء نظرة فاحصة على تقاطيع وجهها، ولمحتُ أن حياةً لا تزال في عينيها رغم بشاعة الموقف الذي وضعت نفسها فيه. عندئذٍ، شعرتُ أنَّ ثمّة امرأة حقيقية على مقربة مني. ولهذا استبعدتُ فكرة موتها انتحاراً. لكني لم أشعر بالارتياح إلا حين أخرجت يدها من الحقيبة، وإذ بمرآة صغيرة وليس مسدساً، نظرتْ فيها لترى ما فعلته حفنة من الدموع بعينيها.
صفحة 2
ـ آنذاك، كنا الوحيدين اللذين بدا أنهما لا يلائمان المكان، ولا غرابة، فكثيراً ما يتلاقى الناس بدون معنى. ولا أدري إذا كان من سوء حظي أن تجلس هذه السيدة إلى الطاولة ذاتها؟ أم أن العناية الإلهية قد أرسلتها إليَّ برسالة لم أنجح في فكّ رموزها بعد؟ أم ربما هي فنانة في الاحتيال تود الإيقاع بي بطريقة مفبركة؟ ومهما يكن من أمر، فأنا لم أعد أهتم سوى بملاحظة أكبر عدد ممكن من ملامحها التي تساعدني على رسمها بدقة.
ـ رفعت السيدة يدها في الهواء ملوِّحة للنادل، طلبتْ فنجان قهوة بلا سكر، ومن ثم للمرة الثانية أخرجت الورقة نفسها من الحقيبة، قرأتْها مرة أخرى. بكتْ أيضاً. ثم عمدتْ إلى إخراج المنديل وجففت دموعها ثانية. كانت تفعل ذلك وثمةَ همس حولنا. فالزبائن ينظرون بفضول لمعرفة ماذا يجري بيننا! بتُّ محرجاً أمام روّاد المقهى الذين اعتادوا جلوسي منفرداً، ولم يروا قبل اليوم تلك البلوى التي هبطت عليَّ من السماء مجاناً.
ـ يُقال إنَّ الوقت يطير برفقة النساء، لكن مع هذه السيدة فالوقت ميتٌ بالسكتة القلبية. والجدير بالذكر، لا شيء فيها يشدكَ إلى الحديث معها. والأغرب، أنها تفعل ما تفعله دون التفاتة واحدة إليَّ، وكأني رجل غير مرئي. وحتى اللحظة، لا يبدو أنَّ هناك بوادر في الأفق تنبئ بأنها ستشعر بوجودي عما قريب. لذا فضلتُ البقاء صامتاً. لكن إلى متى؟ وكلانا يبعد عن الآخر مسافة الطاولة فقط. ذهبت بيَّ الظنون إلى أنَّ المسألة كلها تعود إلى بقايا حب مضى. وما أراه أمامي ليس إلا مشهداً يصعب عليَّ فهمه ما لم يكن الحب سبباً لحدوثه.
ـ كنا شخصين يمثل الواحد منا نقيضَ الآخر؛ الأول متفائل، والثاني متشائم. لم أكن أعلم أنّ هناك امرأة من هذا النوع في مجموعتنا الشمسية! لذلك قررتُ أن أقول شيئاً ما في محاولة مني لمواساتها بكلمات لطيفة قد تخفف من حزنها. فالحزن ليس حافزاً لفهم العالم من حولنا. قلت لها:
ـ كم من الأشياء الجميلة يمكن أن تتحقق لو كنا نبتسم.
لم تبدِ أيَ ردّ فعل، إنما تناولت فنجان قهوتها وتمتمتْ بكلمات لم أفهمها! خيِّل إليَّ أنها تسجل اعتراضاً على موقف ما. ورجوتُ ألَّا يكون موقفاً ضد حشريتي. ثم فجأة، ومن غير توقع منها، رمقتني بنظرة وتبسَّمت شفتاها قليلاً! ساعتئذٍ، شعرتُ أنها راغبة في الكلام؟ ربما قررتْ ألَّا تغادر المقهى دون أن تبديَ بعض التصرف اللائق، تجاه رجل تحمَّل تصرفاتها بلطف طوال هذا الوقت. لكنها لم تفعل كما تصورتُ الأمر! إنما نهضت من مكانها وخاطبتني بصوت خافت: إني آسفة. انتظرت المزيد، لكن لم أحصل على شيء. ثم استدارت راحلة من أمامي بخطى سريعة! وهكذا كان، افترقنا دون كلمات، باستثناء كلمة واحدة «إني آسفة».
ـ أحسستُ بارتياح لدى مغادرتها، وتابعتُ خطواتها بنظري إلى أن تلاشت تماماً. لكن بقي أمرُها مدار حديث الزبائن. أما بالنسبة إليّ، فلم يبقَ شيء من أثرها لولا أنها لم تنسَ كتابها وهاتفها الخليوي. لحقت بها. جلتُ بنظري على امتداد الشارع، راصداً الأشكال التي تقاربها. لم أرها! وانتهى بي الأمر إلى اللاشيء. نظرتُ إلى الكتاب لأرى قيمة ما أحمله في يدي، وإذ بعنوانه يشدني إلى قراءته «مئة سنة من الحب» للمؤلفة رزان ـ الحائزة على جائزة نوبل ـ وفي أسفل الغلاف، دوِّن رقم هاتف، وأظنه رقم هاتفها المنزلي كونه يبدأ بالرقمين صفر واحد.
ـ في المساء، لم يتحقق ما كنتُ أصبو إليه! أي، أن تتصل تلك السيدة. وكان غريباً ألا تَفعل لتسأل عن هاتفها؟ ولا أدري لماذا لم يحدث شيء من هذا القبيل؟ يا لها من امرأة غريبة الأطوار! ألم تكتشف حتى الآن أنها فقدتْ شيئاً ما؟ وتقطيعاً للوقت، شغلتُ نفسي بترتيب مكتبتي الصغيرة. لم أسمع شيئاً عما يجري في الخارج. بصراحة، لم أسمع صُراخاً ولا عراكاً ولا شيئاً من هذا القبيل. إذ جل انتباهي كان منصباً على الاهتمام بالمكتبة. ودون أية فكرة، طُرق الباب بقوة وكاد ينخلع من مكانه! أيُّ ضيفٍ ثقيل هذا؟ قلتُ ذلك بشيء من الغضب! وتوجهتُ نحو الباب، لم أفتحه كما يجب، بل شِقاً صغيراً لأرى من هناك، فرأيتُ آسيا؟! كانت والحق يُقال، في هيئة مزرية وكأنها لم تعد تصلح لشيء! شعور فظيع انتابني في تلك اللحظة. كيف لا، وأنا أرى آسيا ابنة الجيران في الطابق الرابع قد تحوَّلتْ من فراشة إلى شيء بغيض. يا له من مشهد مؤلم تتشاءم النفس منه.
ـ صعدنا درجات السلم. كنا خائفين ألَّا نصل في الوقت المناسب. استأنفنا الصعود على عجل. وحين دنونا من باب المنزل المشرع، عرفنا أننا قد وصلنا متأخرين بعض الشيء. لقد فاتنا الكثير، فزوج والدتها ممدد على الأرض. مما ينبئ أنه سقط فاقداً وعيه. ويخيَّل للناظر إليه أنه نائم. (يستحيل الحكم على البشر وهم نيام). أما والدتها، فإنكَ لا تحتملُ أكثر من نظرة واحدة إليها! فمنظرها لا يخلو من الدماء.
ـ اتصلتُ بالطبيب وقمتُ بواجب الجار تجاه جاره. لكني كنتُ أجهل تماماً أن والدة آسيا قادرة على صد زوجها المخمور قبل الآن. ولا مبالغة في القول، إنَّ زوجها سيئ السيرة، وقد اعتاد على ضربها في كل مرة يشرب فيها الخمرة حتى الثمالة، لذلك قل ما شئتَ فيه وخذ راحتك على الآخر.
ـ بعد ساعة من الزمن، صفا الجو قليلاً. بيـد أن آسيا قد غاب عنهـا بريق الابتسام وإشراقة العينين. لا تزال حزينة، وهذا الحزن لا يحتاج إلى تفسير. خطت ناحيتي بضع خطوات. ابتسمتُ لها. فلم تقدر على الابتسام، بل بصوت خفيض شكرتني: شكراً يا عماد... وعذراً منك.
ـ بادرنا معاً ناحية الباب بخطوات متمهلة، ملائمة تماماً لحالتها النفسية. وأثناء سيرنا، تلقيتُ إشارة منها تدل على متابعة السير وكأنها تبحث عن مكان أكثر سرية لتدلي بشيء ما. نزلنا درجات السلم. وهناك:
ـ أيمكنني أن أستعير منكَ بضع دقائق يا عماد؟
ـ لا مشكلة أبداً.. خذي ما شئتِ من وقتي.
كنا نهبط السلم درجة درجة. وكل درجة تستغرق منا وقتاً. إذ كنا نتوقف عليها قليلاً.
ـ أتعلم يا عماد، لماذا تأخذ حياتي هذا المنحى الكئيب... ولماذا تتداعى الأشياء الجميلة من حولي؟
ـ لماذا يا آسيا؟
ـ من سوء حظي أني ولدتُ أنثى لا ذكراً... ولو كان الأمر بيدي، ما كنتُ لأرغب في شيء كهذا أبداً...
ـ طريقة قديمة في التفكير... إياكِ والتشبث بها!
ـ لست أنا من يفكِّر... بل أهل الحي... قل لهم ولا تقل لي.
ـ رفعت السيدة يدها في الهواء ملوِّحة للنادل، طلبتْ فنجان قهوة بلا سكر، ومن ثم للمرة الثانية أخرجت الورقة نفسها من الحقيبة، قرأتْها مرة أخرى. بكتْ أيضاً. ثم عمدتْ إلى إخراج المنديل وجففت دموعها ثانية. كانت تفعل ذلك وثمةَ همس حولنا. فالزبائن ينظرون بفضول لمعرفة ماذا يجري بيننا! بتُّ محرجاً أمام روّاد المقهى الذين اعتادوا جلوسي منفرداً، ولم يروا قبل اليوم تلك البلوى التي هبطت عليَّ من السماء مجاناً.
ـ يُقال إنَّ الوقت يطير برفقة النساء، لكن مع هذه السيدة فالوقت ميتٌ بالسكتة القلبية. والجدير بالذكر، لا شيء فيها يشدكَ إلى الحديث معها. والأغرب، أنها تفعل ما تفعله دون التفاتة واحدة إليَّ، وكأني رجل غير مرئي. وحتى اللحظة، لا يبدو أنَّ هناك بوادر في الأفق تنبئ بأنها ستشعر بوجودي عما قريب. لذا فضلتُ البقاء صامتاً. لكن إلى متى؟ وكلانا يبعد عن الآخر مسافة الطاولة فقط. ذهبت بيَّ الظنون إلى أنَّ المسألة كلها تعود إلى بقايا حب مضى. وما أراه أمامي ليس إلا مشهداً يصعب عليَّ فهمه ما لم يكن الحب سبباً لحدوثه.
ـ كنا شخصين يمثل الواحد منا نقيضَ الآخر؛ الأول متفائل، والثاني متشائم. لم أكن أعلم أنّ هناك امرأة من هذا النوع في مجموعتنا الشمسية! لذلك قررتُ أن أقول شيئاً ما في محاولة مني لمواساتها بكلمات لطيفة قد تخفف من حزنها. فالحزن ليس حافزاً لفهم العالم من حولنا. قلت لها:
ـ كم من الأشياء الجميلة يمكن أن تتحقق لو كنا نبتسم.
لم تبدِ أيَ ردّ فعل، إنما تناولت فنجان قهوتها وتمتمتْ بكلمات لم أفهمها! خيِّل إليَّ أنها تسجل اعتراضاً على موقف ما. ورجوتُ ألَّا يكون موقفاً ضد حشريتي. ثم فجأة، ومن غير توقع منها، رمقتني بنظرة وتبسَّمت شفتاها قليلاً! ساعتئذٍ، شعرتُ أنها راغبة في الكلام؟ ربما قررتْ ألَّا تغادر المقهى دون أن تبديَ بعض التصرف اللائق، تجاه رجل تحمَّل تصرفاتها بلطف طوال هذا الوقت. لكنها لم تفعل كما تصورتُ الأمر! إنما نهضت من مكانها وخاطبتني بصوت خافت: إني آسفة. انتظرت المزيد، لكن لم أحصل على شيء. ثم استدارت راحلة من أمامي بخطى سريعة! وهكذا كان، افترقنا دون كلمات، باستثناء كلمة واحدة «إني آسفة».
ـ أحسستُ بارتياح لدى مغادرتها، وتابعتُ خطواتها بنظري إلى أن تلاشت تماماً. لكن بقي أمرُها مدار حديث الزبائن. أما بالنسبة إليّ، فلم يبقَ شيء من أثرها لولا أنها لم تنسَ كتابها وهاتفها الخليوي. لحقت بها. جلتُ بنظري على امتداد الشارع، راصداً الأشكال التي تقاربها. لم أرها! وانتهى بي الأمر إلى اللاشيء. نظرتُ إلى الكتاب لأرى قيمة ما أحمله في يدي، وإذ بعنوانه يشدني إلى قراءته «مئة سنة من الحب» للمؤلفة رزان ـ الحائزة على جائزة نوبل ـ وفي أسفل الغلاف، دوِّن رقم هاتف، وأظنه رقم هاتفها المنزلي كونه يبدأ بالرقمين صفر واحد.
ـ في المساء، لم يتحقق ما كنتُ أصبو إليه! أي، أن تتصل تلك السيدة. وكان غريباً ألا تَفعل لتسأل عن هاتفها؟ ولا أدري لماذا لم يحدث شيء من هذا القبيل؟ يا لها من امرأة غريبة الأطوار! ألم تكتشف حتى الآن أنها فقدتْ شيئاً ما؟ وتقطيعاً للوقت، شغلتُ نفسي بترتيب مكتبتي الصغيرة. لم أسمع شيئاً عما يجري في الخارج. بصراحة، لم أسمع صُراخاً ولا عراكاً ولا شيئاً من هذا القبيل. إذ جل انتباهي كان منصباً على الاهتمام بالمكتبة. ودون أية فكرة، طُرق الباب بقوة وكاد ينخلع من مكانه! أيُّ ضيفٍ ثقيل هذا؟ قلتُ ذلك بشيء من الغضب! وتوجهتُ نحو الباب، لم أفتحه كما يجب، بل شِقاً صغيراً لأرى من هناك، فرأيتُ آسيا؟! كانت والحق يُقال، في هيئة مزرية وكأنها لم تعد تصلح لشيء! شعور فظيع انتابني في تلك اللحظة. كيف لا، وأنا أرى آسيا ابنة الجيران في الطابق الرابع قد تحوَّلتْ من فراشة إلى شيء بغيض. يا له من مشهد مؤلم تتشاءم النفس منه.
ـ صعدنا درجات السلم. كنا خائفين ألَّا نصل في الوقت المناسب. استأنفنا الصعود على عجل. وحين دنونا من باب المنزل المشرع، عرفنا أننا قد وصلنا متأخرين بعض الشيء. لقد فاتنا الكثير، فزوج والدتها ممدد على الأرض. مما ينبئ أنه سقط فاقداً وعيه. ويخيَّل للناظر إليه أنه نائم. (يستحيل الحكم على البشر وهم نيام). أما والدتها، فإنكَ لا تحتملُ أكثر من نظرة واحدة إليها! فمنظرها لا يخلو من الدماء.
ـ اتصلتُ بالطبيب وقمتُ بواجب الجار تجاه جاره. لكني كنتُ أجهل تماماً أن والدة آسيا قادرة على صد زوجها المخمور قبل الآن. ولا مبالغة في القول، إنَّ زوجها سيئ السيرة، وقد اعتاد على ضربها في كل مرة يشرب فيها الخمرة حتى الثمالة، لذلك قل ما شئتَ فيه وخذ راحتك على الآخر.
ـ بعد ساعة من الزمن، صفا الجو قليلاً. بيـد أن آسيا قد غاب عنهـا بريق الابتسام وإشراقة العينين. لا تزال حزينة، وهذا الحزن لا يحتاج إلى تفسير. خطت ناحيتي بضع خطوات. ابتسمتُ لها. فلم تقدر على الابتسام، بل بصوت خفيض شكرتني: شكراً يا عماد... وعذراً منك.
ـ بادرنا معاً ناحية الباب بخطوات متمهلة، ملائمة تماماً لحالتها النفسية. وأثناء سيرنا، تلقيتُ إشارة منها تدل على متابعة السير وكأنها تبحث عن مكان أكثر سرية لتدلي بشيء ما. نزلنا درجات السلم. وهناك:
ـ أيمكنني أن أستعير منكَ بضع دقائق يا عماد؟
ـ لا مشكلة أبداً.. خذي ما شئتِ من وقتي.
كنا نهبط السلم درجة درجة. وكل درجة تستغرق منا وقتاً. إذ كنا نتوقف عليها قليلاً.
ـ أتعلم يا عماد، لماذا تأخذ حياتي هذا المنحى الكئيب... ولماذا تتداعى الأشياء الجميلة من حولي؟
ـ لماذا يا آسيا؟
ـ من سوء حظي أني ولدتُ أنثى لا ذكراً... ولو كان الأمر بيدي، ما كنتُ لأرغب في شيء كهذا أبداً...
ـ طريقة قديمة في التفكير... إياكِ والتشبث بها!
ـ لست أنا من يفكِّر... بل أهل الحي... قل لهم ولا تقل لي.
صفحة 3
ـ في الحياة طُرق أخرى للتفكير... ثم متى كان الجهل أقوى من العلم يا آسيا؟ وأنتِ طالبة جامعية.
ـ الجهل دائماً أقوى من العلم حينما يكون الجهلاء أكثر عدداً...
ـ هناك حكمة تقول: المصيدة لا تطارد الفأر... وإنما هو من يأتي إليها.
ـ ما المغزى؟
ـ إذا كان أهل الحي مصيدة، فلا تأتي إليهم يا آسيا... أي لا تنحدري إلى مستواهم... فالإنسان قادر على أن يجدد نفسه، كما بإمكانه أن يضيِّعها أيضاً.
تابعنا هبوط الدرج جنباً إلى جنب إلى أن بلغنا باب شقتي. وعند هذا الحد، شكرتني مجدداً وفي نفسها شيء غامض لم أتبيَّنه!. مسكينة آسيا. هي لطيفة المعشر، تطفو على وجهها البراءة. جمالها يستفزكَ للدخول معها في حديث، وما إن تجلس لمحادثتها، حتى تجدها مملوءة بالجو اللطيف. كل شيء فيها يستحق الاهتمام. وهذه حقيقة لا تُنكر. أما والدتها، فجميلة رغم كبرها، تمتاز بشيء من القسوة تجاه آسيا. وهذا أمر ينطوي على شيء من الغرابة، كونها لم تُرزق بابنتها «آسيا» إلّا بعد طول انتظار، دام حتى الأربعين من عمرها. عانتِ الكثير بعد وفاة زوجها. ثم تزوجت ثانية، وهذا هو الجزء الأسوأ في حياتها. إذ لم يتبيَّن لها آنذاك أنه مخادع، مقامر. لقد وقعت في غرامه كما يقع الطير في الشرك. وكان عذرها في ذلك، أنّ الزواج يجعل للإنسان وجوداً في العالم. إلَّا أنها اختارت الرجل الخطأ، ونقطة على السطر.
ـ في المنزل، نظرتُ إلى ساعتي ـ إنها الثامنة مساءً ـ ولم تتصل تلك السيدة لتسأل عن هاتفها والخليوي!
كان الوقت يمضي، لا جديد يحدث! وتبيّن لي أن الانتظار لن يجدي نفعاً. نقرتُ على أزرار الهاتف طالباً الرقم إياه ـ المدوّن على غلاف الكتاب ـ لكن عزيمتي تراخت، فأقفلتُ الخط. ويحق لي أن أفعل. إذ ماذا عساي أن أقول لها وأنا أجهل حتى اسمها. ثم تراءى لي أن أقرأ قليلاً في كتابها «مئة سنة من الحب». في أولى صفحاته إهداء من الكاتبة نفسها! وإليكم الإهداء:
ـ إلى السيدة التي وجدتْ كل شيء إلا الحب الحقيقي...
فإلى رزان الصغيرة أهدي روايتي..
رزان
إذن، تلك السيدة تدعى رزان الصغيرة. يا لحظها الجميل، لقد حصلتْ على إهداء من كاتبة عالمية! وأظنها لن تتخلى عنه حتى لو اضطرت إلى استخدام السلاح الأبيض لاسترجاعه. لكن لماذا لم تتصل بعد؟ ومهما يكن من أمر، فقد دبت الحماسة فيَّ. طلبتُ الرقم. رن الهاتف. انتظرتُ قليلاً، وإذ بصوت أنثوي لطيف:
ـ ألو... هنا منزل السيدة رزان الكاتبة... مَنِ المتصل؟
لم أصدق ما سمعت!؟ أهي حقاً صدفة لرقم خاطئ طلبته؟ احتفظتُ بهدوئي وقلت:
ـ تقصدين السيدة رزان، الحاصلة على جائزة نوبل في الآداب؟
ـ هي ذاتها سيدي.... من يريدها؟
خفق قلبي بشدة. أيعقل أن أحظى بلقائها؟ وأن تسمح لي برسمها؟ لكن بأية حجة أتسلل إلى عالمها؟ هذه الفكرة رغم صعوبتها أدخلت السرور إلى قلبي بشكل ما. تابعتُ حديثي:
ـ أدعى عماد...
ـ حسناً يا سيد عماد... هل تريد مكالمة الكاتبة نفسها أم السيدة رزان الصغيرة؟
ـ هي نفسها... السيدة رزان الصغيرة... أهي موجودة؟
ـ أجل... انتظر قليلاً...
كم هو رائع أن نصادف أموراً تدهشنا! فمن كان يظن أنَّ رزان الصغيرة على صلة قرابة بكاتبة من هذا المستوى الرفيع؟ ولو لم تكن قريبتها لما سكنت المنزل نفسه.
انتظر عماد على الهاتف فترة لا بأس بها. وكان يعرف جيداً بألَّا يسمح لنفسه بارتكاب أدنى هفوة. وخلال فترة الانتظار، سمع أصواتاً بعيدة عبر سماعة الهاتف، فأصغى إليها:
ـ يا سيدة رزان... شخص على الهاتف يطلبكِ...
ـ من هو يا دانيال؟
ـ يدعى عماد يا سيدتي...
ـ لا أعرف أحداً بهذا الاسم!
ـ ربما هو صحافي آخر...
ـ اعتذري منه وأقفلي الخط.
ـ الجهل دائماً أقوى من العلم حينما يكون الجهلاء أكثر عدداً...
ـ هناك حكمة تقول: المصيدة لا تطارد الفأر... وإنما هو من يأتي إليها.
ـ ما المغزى؟
ـ إذا كان أهل الحي مصيدة، فلا تأتي إليهم يا آسيا... أي لا تنحدري إلى مستواهم... فالإنسان قادر على أن يجدد نفسه، كما بإمكانه أن يضيِّعها أيضاً.
تابعنا هبوط الدرج جنباً إلى جنب إلى أن بلغنا باب شقتي. وعند هذا الحد، شكرتني مجدداً وفي نفسها شيء غامض لم أتبيَّنه!. مسكينة آسيا. هي لطيفة المعشر، تطفو على وجهها البراءة. جمالها يستفزكَ للدخول معها في حديث، وما إن تجلس لمحادثتها، حتى تجدها مملوءة بالجو اللطيف. كل شيء فيها يستحق الاهتمام. وهذه حقيقة لا تُنكر. أما والدتها، فجميلة رغم كبرها، تمتاز بشيء من القسوة تجاه آسيا. وهذا أمر ينطوي على شيء من الغرابة، كونها لم تُرزق بابنتها «آسيا» إلّا بعد طول انتظار، دام حتى الأربعين من عمرها. عانتِ الكثير بعد وفاة زوجها. ثم تزوجت ثانية، وهذا هو الجزء الأسوأ في حياتها. إذ لم يتبيَّن لها آنذاك أنه مخادع، مقامر. لقد وقعت في غرامه كما يقع الطير في الشرك. وكان عذرها في ذلك، أنّ الزواج يجعل للإنسان وجوداً في العالم. إلَّا أنها اختارت الرجل الخطأ، ونقطة على السطر.
ـ في المنزل، نظرتُ إلى ساعتي ـ إنها الثامنة مساءً ـ ولم تتصل تلك السيدة لتسأل عن هاتفها والخليوي!
كان الوقت يمضي، لا جديد يحدث! وتبيّن لي أن الانتظار لن يجدي نفعاً. نقرتُ على أزرار الهاتف طالباً الرقم إياه ـ المدوّن على غلاف الكتاب ـ لكن عزيمتي تراخت، فأقفلتُ الخط. ويحق لي أن أفعل. إذ ماذا عساي أن أقول لها وأنا أجهل حتى اسمها. ثم تراءى لي أن أقرأ قليلاً في كتابها «مئة سنة من الحب». في أولى صفحاته إهداء من الكاتبة نفسها! وإليكم الإهداء:
ـ إلى السيدة التي وجدتْ كل شيء إلا الحب الحقيقي...
فإلى رزان الصغيرة أهدي روايتي..
رزان
إذن، تلك السيدة تدعى رزان الصغيرة. يا لحظها الجميل، لقد حصلتْ على إهداء من كاتبة عالمية! وأظنها لن تتخلى عنه حتى لو اضطرت إلى استخدام السلاح الأبيض لاسترجاعه. لكن لماذا لم تتصل بعد؟ ومهما يكن من أمر، فقد دبت الحماسة فيَّ. طلبتُ الرقم. رن الهاتف. انتظرتُ قليلاً، وإذ بصوت أنثوي لطيف:
ـ ألو... هنا منزل السيدة رزان الكاتبة... مَنِ المتصل؟
لم أصدق ما سمعت!؟ أهي حقاً صدفة لرقم خاطئ طلبته؟ احتفظتُ بهدوئي وقلت:
ـ تقصدين السيدة رزان، الحاصلة على جائزة نوبل في الآداب؟
ـ هي ذاتها سيدي.... من يريدها؟
خفق قلبي بشدة. أيعقل أن أحظى بلقائها؟ وأن تسمح لي برسمها؟ لكن بأية حجة أتسلل إلى عالمها؟ هذه الفكرة رغم صعوبتها أدخلت السرور إلى قلبي بشكل ما. تابعتُ حديثي:
ـ أدعى عماد...
ـ حسناً يا سيد عماد... هل تريد مكالمة الكاتبة نفسها أم السيدة رزان الصغيرة؟
ـ هي نفسها... السيدة رزان الصغيرة... أهي موجودة؟
ـ أجل... انتظر قليلاً...
كم هو رائع أن نصادف أموراً تدهشنا! فمن كان يظن أنَّ رزان الصغيرة على صلة قرابة بكاتبة من هذا المستوى الرفيع؟ ولو لم تكن قريبتها لما سكنت المنزل نفسه.
انتظر عماد على الهاتف فترة لا بأس بها. وكان يعرف جيداً بألَّا يسمح لنفسه بارتكاب أدنى هفوة. وخلال فترة الانتظار، سمع أصواتاً بعيدة عبر سماعة الهاتف، فأصغى إليها:
ـ يا سيدة رزان... شخص على الهاتف يطلبكِ...
ـ من هو يا دانيال؟
ـ يدعى عماد يا سيدتي...
ـ لا أعرف أحداً بهذا الاسم!
ـ ربما هو صحافي آخر...
ـ اعتذري منه وأقفلي الخط.
صفحة 4
سمعتُ صدى خطوات متلاحقة. فأدركت أن الخادمة تتجه نحو الهاتف لتقفل الخط بعد أن يسبقه اعتذار مزيَّف. لكني كنتُ السبَّاق إلى الكلام:
ـ اسمعي دانيال.. (تفاجأتْ من ذكر اسمها).
ـ كيف عرفتَ اسمي؟!
ـ يا دانيال، أنا لستُ صحافياً... إنما أريد إعادة هاتف السيدة رزان الصغيرة وكتابها. (تقاطعه):
ـ أرجوكَ كفى مراوغة... حيلتكَ لن تنطلي عليّ... وأنا مضطرة إلى إقفال الخط... مع السلامة.
أقفلتِ الخط اعتقاداً منها بأني صحافي. حتى لو صح ذلك؟ أيعقل ذلك! سأعاود طلب الرقم مجدداً. ومجدداً ردت الخادمة:
ـ آلو...
ـ أرجوكِ يا دانيال امنحيني دقيقة فقط للتوضيح ثم إقفلي الخط في وجهي كما شئتِ...
ـ أنتَ مجدداً (تضحك)... تفضل وهات ما عندك.
ـ أخبري السيدة رزان الصغيرة أن تفتش في داخل حقيبتها بحثاً عن هاتفها، وكذلك كتابها «مئة سنة من الحب»... وأظن أن رقم هاتفي قد ظهر على شاشة هاتفكم.... فلتتصل بيَّ فيما لو رغبت في استرجاع أغراضها... وشكراً لكِ.
أقفلتُ الخط ورحت أنتظر. لم يمضِ سوى دقائق قليلة حتى رن الهاتف.
ـ آلو...
ـ سيد عماد؟
ـ نعم... من يتكلم؟
ـ ـ أنا رزان الصغيرة..
ـ آه كم هو صعب أن يتحدث المرء إليكِ يا سيدة رزان...
ـ ليس لهذه الدرجة... وعلى كل حال، أعتذر منكَ إذ ظننتكَ شخصاً آخر.
ـ لا بأس...
ـ والآن، هل تخبرني كيف أستعيد أشيائي؟
ـ ما رأيكِ يا سيدة رزان أن نلتقي غداً في المقهى ذاته عند الساعة الرابعة من بعد الظهر؟ أم أنكِ تفضلين أن أحضر بنفسي إلى منزلكِ؟
ـ في المقهى سيد عماد....
ـ حسناً، إلى اللقاء.
أرجعتُ سماعة الهاتف إلى مكانها وتوجهتُ إلى أقرب مقعد. استرخيت، ورحت أقرأ «مئة سنة من الحب».
ـ في الصباح، كانت أفكاري كلها تدور حول لقائي برزان الصغيرة. وفي التوقيت ذاته، فاجأني لقاء آخر غير منتظر! إذ جاءتني آسيا «ابنة الجيران» مستسلمة إلى فيضٍ لا ينتهي من الحزن! لم أشعر إزاء رؤيتها بالراحة. وتفاقمت الرغبة لديَّ في كشف ملابسات حالتها النفسية. سألتها عن ابتسامتها الحلوة؛ أين اختفت؟ لم تبدِ أية بادرة تدل على الابتسام. حتماً هناكَ سوء ما. لم تكن في ذهني فكرة واضحة عما يمكن أن يكون؟ وقُبِيل أن أسألها مجدداً، بكتْ بحرارة! انتظرتُ منها تفسيراً ما. لاتزال تبكي! «هلَّا جلستِ آسيا»، طلبتُ منها ذلك. وأخذ كل منا يرمق الآخر بنظرات لم يسبق لنا التعامل بها؛ «ذعر وخوف في عينيْها، وحيرة وأسئلة في عينيَّ!».حاولتُ أن أكون لطيفاً للغاية، فاللطافة تجذب الناس إلى دائرتها. فكرتُ بما يجب عليَّ قوله لها، لم أجد شيئاً ملائماً. لذا ضممتُها إلى صدري قليلاً، ومشهد البكاء لا يتوقف! ثم فجأة، وبشيء من الارتباك كادت تبوح بأمر، إلا أنها تراجعت عن الفكرة في اللحظة الأخيرة. وحينما لاحظتْ استيائي من تلك الحالة، نطقت بشيء لا يدعو إلى الارتياح!؟
ـ اسمعي دانيال.. (تفاجأتْ من ذكر اسمها).
ـ كيف عرفتَ اسمي؟!
ـ يا دانيال، أنا لستُ صحافياً... إنما أريد إعادة هاتف السيدة رزان الصغيرة وكتابها. (تقاطعه):
ـ أرجوكَ كفى مراوغة... حيلتكَ لن تنطلي عليّ... وأنا مضطرة إلى إقفال الخط... مع السلامة.
أقفلتِ الخط اعتقاداً منها بأني صحافي. حتى لو صح ذلك؟ أيعقل ذلك! سأعاود طلب الرقم مجدداً. ومجدداً ردت الخادمة:
ـ آلو...
ـ أرجوكِ يا دانيال امنحيني دقيقة فقط للتوضيح ثم إقفلي الخط في وجهي كما شئتِ...
ـ أنتَ مجدداً (تضحك)... تفضل وهات ما عندك.
ـ أخبري السيدة رزان الصغيرة أن تفتش في داخل حقيبتها بحثاً عن هاتفها، وكذلك كتابها «مئة سنة من الحب»... وأظن أن رقم هاتفي قد ظهر على شاشة هاتفكم.... فلتتصل بيَّ فيما لو رغبت في استرجاع أغراضها... وشكراً لكِ.
أقفلتُ الخط ورحت أنتظر. لم يمضِ سوى دقائق قليلة حتى رن الهاتف.
ـ آلو...
ـ سيد عماد؟
ـ نعم... من يتكلم؟
ـ ـ أنا رزان الصغيرة..
ـ آه كم هو صعب أن يتحدث المرء إليكِ يا سيدة رزان...
ـ ليس لهذه الدرجة... وعلى كل حال، أعتذر منكَ إذ ظننتكَ شخصاً آخر.
ـ لا بأس...
ـ والآن، هل تخبرني كيف أستعيد أشيائي؟
ـ ما رأيكِ يا سيدة رزان أن نلتقي غداً في المقهى ذاته عند الساعة الرابعة من بعد الظهر؟ أم أنكِ تفضلين أن أحضر بنفسي إلى منزلكِ؟
ـ في المقهى سيد عماد....
ـ حسناً، إلى اللقاء.
أرجعتُ سماعة الهاتف إلى مكانها وتوجهتُ إلى أقرب مقعد. استرخيت، ورحت أقرأ «مئة سنة من الحب».
ـ في الصباح، كانت أفكاري كلها تدور حول لقائي برزان الصغيرة. وفي التوقيت ذاته، فاجأني لقاء آخر غير منتظر! إذ جاءتني آسيا «ابنة الجيران» مستسلمة إلى فيضٍ لا ينتهي من الحزن! لم أشعر إزاء رؤيتها بالراحة. وتفاقمت الرغبة لديَّ في كشف ملابسات حالتها النفسية. سألتها عن ابتسامتها الحلوة؛ أين اختفت؟ لم تبدِ أية بادرة تدل على الابتسام. حتماً هناكَ سوء ما. لم تكن في ذهني فكرة واضحة عما يمكن أن يكون؟ وقُبِيل أن أسألها مجدداً، بكتْ بحرارة! انتظرتُ منها تفسيراً ما. لاتزال تبكي! «هلَّا جلستِ آسيا»، طلبتُ منها ذلك. وأخذ كل منا يرمق الآخر بنظرات لم يسبق لنا التعامل بها؛ «ذعر وخوف في عينيْها، وحيرة وأسئلة في عينيَّ!».حاولتُ أن أكون لطيفاً للغاية، فاللطافة تجذب الناس إلى دائرتها. فكرتُ بما يجب عليَّ قوله لها، لم أجد شيئاً ملائماً. لذا ضممتُها إلى صدري قليلاً، ومشهد البكاء لا يتوقف! ثم فجأة، وبشيء من الارتباك كادت تبوح بأمر، إلا أنها تراجعت عن الفكرة في اللحظة الأخيرة. وحينما لاحظتْ استيائي من تلك الحالة، نطقت بشيء لا يدعو إلى الارتياح!؟