eKtab
EN ع
ميلاد الذكاء عند الطفل
اقرأ عينة مجانية

ميلاد الذكاء عند الطفل

بقلم د. إبراهيم جابر

صفحة 1

المقدمـــة

إنه لمصدر سعادة لى أن أقدم هذه الطبعة الجديدة من كتاب ميلاد الذكاء عند الطفل حيث يشكل أحد المراجع المتميزة فى مجال إمداد القارئ العربى بمعلومات قيمة على مسار علم النفس ومذاهبه وفلسفاته ومناهجه فباستمرار هذا الكتاب كمرجع علمى ينبض بالحياة لدليل واضح على أهميته المعرفية.

ولا شك فى أن القارئ المولع بالتسلح بالمعارف السيكولوجية، والمتعمق فى أصنافها وفروعها سيجد فى محتويات هذا الكتاب وجبة سيكولوجية دسمة تستجيب لفضوله العلمى وتطلعاته المعرفية، والكتاب يسعى لخدمة البحث الإنسانى فى بعده العربى وخاصة فميا يتعلق بعالم الطفل الغامض لدينا ولاسيما جانب الذكاء الفكرى ونموه.

وبما أن علم النفس أصبح علماً ناجحاً فى فكرنا العربى الراهن وهو ايضاً أساس فى تحليل عادات التفكير الشائعة وطرائق النظر ولا أشك فى قدرته على التقييم ولا فى فهمنا للإنسان وشرح النشاطات النفسية العقلية كالنشاطات المعرفية والاستجابات التكيفية أنه علم استعملناه فى ميادين عديدة وأتت تطبيقاته مطورة للوعى وللمؤسسات للتنظيم والممارسات والتواصلية.

وبما أن هذا الكتاب خصص لدراسة ميلاد الذكاء عند الطفل لذلك نجده يحتوى على مختلف مظاهر الذكاء الحسى الحركى كما يحتوى على أفكار رئيسية لاسيما ما يتعلق منها بتكوين الصور الإجمالية الحسية الحركية وعملية التمثيل العقلى والتى هى من أساسيات الذكاء الفكرى للطفل حيث هناك ما يعرف بالمجال الحسى الحركى الذى يتميز بذكاء المواقف ومجال التصور الذى يعرف بالذكاء اللفظى.

ولذا فمن الواضح أن دراسته الهامة لأصول التفكير عند الطفل ترجع منابع الذكاء إلى سن الرابعة تقريباً وليس هناك انتقال مباشر من أحد المجالين إلى الآخر (الحس الحركى ومجال التصور) فالطفل يبدأ بتنسيق أفعاله كى ينشئ صوراً إجمالية كتلك الصور الخاصة بالأشياء الدائمة والتى يعتمد على استخدام بعدين أو ثلاثة وكذلك الحركات الدائرة والانتقالية لها ووضع الأشياء الواحدة بعضها فوق بعض يستطيع بعد ذلك الوصول إلى تنظيم فكرته العقلية عن المكان وفيما بين الذكاء السابق لمرحلة الكلام وبين بدايات إدراك المكان تتوسط سلسلة من الادراك المباشر لأشكال المكان تلك السلسلة التى نراها تؤدى عملها فى الرسم وإدراك أشكال الأجسام وتراكيبها وتركيب الأشياء وتجميع أجزائها- أى فى تلك المناطق المتوسطة بين المجال الحسى الحركى ومجال التصور ومن الأهم أننا نرى أن النشاط الحسى الحركى الذى يسبق مرحلة الكلام يرجع فى تكوينه إلى سلسلة من الصور الإجمالية الإدراكية الحسية التى يمكن إنكارها فى نشأة التراكيب المستقبلية للتفكير ولذلك نرى اضطراد الإدراكات الحسية الخاصة للشكل والمقدار ترتبط بفكرة عن الشئ الدائم عن طريق الذكاء الحسى الحركى، لذلك نجد الطفل فى سن الرابعة يستطيع أن يفكر دون أن يعتقد أن هناك أشياء ذوات أشكال وأبعد ثابتة ولابد أن ننوه إلى أن الصور الإجمالية الحسية الحركية ليست معانى كلية ولكن لولا وجودها لما كان التفكير الناشئ إلا مجرد عملية لفظية بحتة إذن المجال الحسى للأفعال هو المجال الذى تبدى فيه الطفولة ذكاؤها على أفضل وجه حتى تأتى اللحظة التى تعبر فيها الأفعال المتسقة عن نفسها.

ومن المؤكد أن إعداد الصور الإجمالية الحسية الحركية فى السنة الأولى ينطوى على أثر متبادل وثيق بين الإدراك الحسى وبين الذكاء فى أبسط أشكاله.

إذن هذا الكتاب يعتبر حلقة فى سلسلة الفلسفات النفسانية داخل المشروع الفكرى الذى يجب أن يتميز بضخامة رصيده الكمى وبوحدة نسقه المعرفى ولا بد أن يستحق كامل العناية والاهتمام فقد آن الأوان لتخصيص قراءات متأنية عن مكونات هذا المشروع الضخم يكون هدفه الأساسى هو الاسنتناج الموضوعى لمضامينة العلمية وتوجهاته المعرفية وسأكون فخوراً أن أرى النور على أيدى أى باحث عربى فى تحقيق هذه الأمنية حتى يزداد تراثنا الثقافى وانتاجنا العلمى ومشاريعنا الفكرية.

صفحة 2

مدخــــل: المشكلة البيولوجية للذكاء

من الضرورى أن نثير مشكلة العلاقات بين العقل والتركيب البيولوجى فى بدء دراسة الذكاء. حقاً إن مثل هذه المناقشة لا يمكن أن تنتهى بنا إلى أية نتيجة إيجابية فى الوقت الراهن، ولكن ألا يجدر بنا أن نحدد موقفنا، ونحن على أتم ما يكون وعياً، حتى نستخلص المبادئ التى سنتخذها نقطة بدء للبحث، بدلا من أن نتأثر ضمناً بأحد الحلول الممكنة لهذه المشكلة؟
إن الذكاء اللفظى أو الفكرى يعتمد على ذكاء عملى أو حسى حركى، ويعتمد هذا الذكاء الأخير بدوره على العادات وعلى ضروب الترابط المكتسبة، وهو يهدف إلى التأليف بين هذه الضروب من جديد. ومن جانب آخر تفترض هذه العادات وضروب الترابط مجموعة من الأفعال المنعكسة التى ترتبط بالبداهة ارتباطاً وثيقاً بالتركيب الترشيحى والمورفولوجى([1]) للكائن العضوى؛ ومن ثم يوجد نوع من الاتصال التدريجى بين الذكاء والعمليات البيولوجية المحصنة التى تتصل بنشأة الأشكال العضوية والتكيف بالبيئة. فما دلالة هذا الاتصال؟
من البديهى، قبل كل شئ، أن نمو الذكاء يتوقف على بعض العوامل الوراثية. لكن من الممكن أن نفهم هذا الأمر بمعنيين يختلفان من الوجهة البيولوجية اختلافاً كبيراً جداً، بحيث يمكن القول أن عدم التفرقة بين هذين المعنيين كثيراً ما أدى إلى إلقاء نوع من الغموض على تلك المناقشة التقليدية التى دارت حول المعانى الفطرية؛ بل حول الفكرة المبدئية "a priori" فى البحوث الخاصة بنقد المعرفة العلمية.
أما العوامل الوراثية للطائفة الأولى فهى ذات طابع عضوى تركيبى، وترتبط بطريقة تكوين جهازنا العصبى وأعضاء الحس عندنا. وعلى هذا النحو فإننا ندرك بعض الإشعاعات الفيزيقية ولكننا لا ندركها جميعها، كما أننا ندرك الأجسام فى نطاق محدود وهكذا. وتؤثر هذه العناصر التركيبية الأولية فى تكوين المعانى الأساسية جداً. فمثلا يتوقف إدراكنا للمكان على هذه العناصر الأولية ما فى ذلك ريب، حتى على فرض أننا استطعنا أن نتخيل ضروباً من المكان التى لا تقع تحت إدراكنا الحسى، لأنها قياسية بحتة.
وحينئذ فإن هذه الخواص التى نجدها فى الطائفة الأولى تدل فى جوهرها على وجود حدود معينة لا يمكن تجاوزها، وإن كانت تمد الذكاء بتراكيب مفيدة، وهى تختلف فى ذلك عن عوامل الطائفة الثانية. فإدراكاتنا الحسية هى الإدراكات الواقعية من بين جميع الإدراكات التى يمكن تصورها؛ وليس المكان "Espace" كما يتصوره إقليدس، وكما يرتبط بأعضاء الحس لدينا، إلا أحد ضروب المكان التى تتوفر فيها شروط التجربة فى علم الطبيعة. وعلى عكس ذلك نرى أن النشاط العقلى القياسى الذى يعمل على تنظيم التفكير نشاط غير محدود، ويفضى على وجه الدقة إلى ضروب من التعميم التى تتجاوز حدود الإدراك الحسى من الوجهة المكانية. وما دام هذا النشاط وراثياً فإنا نفهم معناه إذن على نحو مختلف جداً. فالأمر هنا بصدد دراسة عملية النشاط نفسها، لا بصدد دراسة وراثة هذا التركيب أو ذاك. وبناء على هذا المعنى الثانى استطاع "هنرى بوانكاريه" أن ينظر إلى الفكرة المكانية عن "المجموعات" على أنها فكرة سابقة للتجربة، وذلك لأنها ترتبط بنشاط الذكاء نفسه.
أما فيما يتعلق بدراسة انتقال الذكاء من حيث هو، فإنا نجد تلك التفرقة نفسها. فمن ناحية توجد مسألة خاصة بالتركيب؛ إذ أن "الوراثة الخاصة" لدى النوع الإنسانى "وسلالاته" الفرعية تتضمن مستويات خاصة فى الذكاء أسمى من مستوى الذكاء لدى القرود وغير ذلك من الحيوان. لكن يتضح لنا بداهة من ناحية أخرى أن النشاط الوظيفى للعقل (أى نفس العقل الذى لا يكتسب بالتجربة) يرتبط "بالوراثة العامة" للتركيب البيولوجى نفسه، كما أن الكائن العضوى نفسه لا يستطيع التكيف بالتغيرات المحيطة به ما لم تكن وظائفه العضوية قد نظمت من قبل؛ كذلك لا يستطيع الذكاء إدراك أى شئ خارجى دون وجود بعض الوظائف الخاصة بالاتساق (ومبدأ عدم التناقض هو أسمى هذه الوظائف)، أو الخاصة بتحديد العلاقات وهلم جرّا. وهذه الوظائف توجد فى كل تركيب عقلى.
وهذا النموذج الثانى من الحقائق النفسية الوراثية ذو أهمية رئيسية فى نمو الذكاء. وحقيقة إذا كانت هناك نواة وظيفية للتركيب العقلى الذى ينجم عن التركيب البيولوجى - باعتبار ما ينطوى عليه من عناصر شديدة العموم- فمنن البديهى فى الواقع أن هذه العناصر الثابتة ستوجه مجموعة التراكيب المتتالية التى سيخرجها الذكاء إلى حيز الوجود بسبب الصلة التى تربطه بالحقائق الخارجية. وهكذا نجد أن هذه النواة الوظيفية تؤدى ذلك الدور الذى كان الفلاسفة ينسبونه إلى الفكرة السابقة للملاحظة والتجربة، ومعنى ذلك أنها تفرض على التراكيب العقلية بعض شروط الوجود الضرورية التى لا يمكن إرجاع بعضها إلى بعض. ومع هذا فقد أخطأ بعضهم أحيانا عندما نظر إلى الفكرة السابقة للملاحظة كما لو كانت تنحصر فى ضروب من التراكيب الفطرية التى توجد مباشرة فى بدء مرحلة النمو؛ فى حين أن العناصر الوظيفية الثابتة فى التفكير، وإن أدت وظيفتها منذ المراحل الأولية جداً، فإنها لا تفرض نفسها على الشعور إلا بالتدريج، وذلك بفضل إعداد بعض التراكيب التى تزداد مطابقتها لعملية التفكير نفسها شيئاً فشيئاً. ومن ثم فإن الأفكار السابقة للملاحظة لا تبدو على هيئة تراكيب ضرورية إلا فى نهاية تطور المعانى، لا فى بدء وجودها. وإذن فالأفكار السابقة للملاحظة، وإن كانت وراثية، فإنها توجد على طرفى نقيض مع ما أطلق عليه الناس فيما مضى اسم "المعانى الفطرية".
أما فيما يخص تراكيب النموذج الأول فإنها أقرب شبها بالمعانى الفطرية بمعناها الكلاسيكى. وقد استطاع بعضهم أن يبعث الشباب من جديد فى المذهب القائل بفطرية المعانى الخاصة بالزمان والمكان، وذلك بمناسبة الحديث فى مذهب "الجشتالت" عن المكان وعن الإدراكات التى "أحسن تركيبها". غير أن هذه التراكيب تختلف عن العناصر الثابتة فى الناحية الوظيفية من جهة أنها لا تنطوى على أى عنصر ضرورى من وجهة نظر العقل. فليست هذه التراكيب سوى تراكيب داخلية محدودة ومحددة، ولا تنفط التجارب الخارجية، والنشاط العقلى بصفة خاصة، عن تجاوز نطاقها. فإذا كانت هذه التراكيب فطرية على اعتبار ما، فإنها ليست سابقة للملاحظة بالمعنى الذى يدل عليه هذا اللفظ من الوجهة المنطقية.
فلنحلل أولا العناصر الوظيفية الثابتة، وسوف نناقش فيما بعد (الفقرة الثالثة) المشكلة التى يثيرها وجود التراكيب الوراثية الخاصة، وهى تراكيب النموذج الأول.

صفحة 3

1. العناصر الوظيفية الثابتة للذكاء والتركيب البيولوجى

إن الذكاء نوع من التكيف. وإذا أردنا معرفة العلاقة بينه وبين الحياة على وجه العموم وجب علينا إذن أن نوضح طبيعة العلاقات التى توجد بين الكائن العضوى وبين الوسط المحيط به. وفى الواقع ليست الحياة إلا خلقا مستمراً لأشكال يزداد تعقيدها شيئاً فشيئا، وإلا تحقيقاً للتوازن المطرد بين هذه الأشكال وبين البيئة. فإذا قلنا إن الذكاء حالة خاصة من التكيف البيولوجى كان معنى ذلك، حينئذ، أننا نفرض أن الذكاء فى جوهره نوع من التنظيم، وأن وظيفته تنحصر فى تمثيل الكون، كما أن وظيفة الكائن العضوى تنحصر فى تمثيل البيئة التى تحيط به مباشرة. وإذا أردنا أن نصف العملية الوظيفية للتفكير بعبارات بيولوجية فإنه يكفينا فى هذه الحال أن نستخلص العناصر الثابتة المشتركة بين جميع أنواع التراكيب التى تستطيع الحياة القيام بها. ونحن لا نهدف إلى استخدام مصطلحات التكيف للتعبير عن الأهداف الخاصة التى يسعى الذكاء العملى إلى تحقيقها فى مراحله الأولى (وسوف تتسع هذه الأهداف فيما بعد حتى تشمل المعرفة بأسرها؛ بل نريد التعبير بها عن العلاقة الأساسية الخاصة بالمعرفة نفسها: أى العلاقة بين التفكير والأشياء. فالكائن العضوى يتكيف بالبيئة، بأن ينشئ بطريقة مادية بعض الأشكال الجديدة ليدخلها فى نطاق تلك الأشكال التى يحتوى عليها الكون؛ فى حين أن الذكاء يعد امتدادا لهذه العملية عندما يخلق بطريقة عقلية بعض التراكيب التى يمكن أن تنطبق على تراكيب البيئة. فبمعنى ما نجد فى بدء التطور العقلى أن تكيف الذكاء أضيق مجالا من التكيف البيولوجى، ولكنه لما كان يعد امتدادا لهذا التكيف الأخير فإنه يفوقه على نحو لا نهاية له. فإذا كان الذكاء من الوجهة البيولوجية حالة خاصة من حالات النشاط العضوى، وإذا كانت الأشياء التى يدركها أو يعرفها جزءا محدودا من البيئة التى يحاول الكائن العضوى التكيف بها، فإنه يحدث فيما بعد أن تنعكس هذه العلاقات. غير أن هذا لا يحول بتاتا دون البحث عن العناصر الوظيفية الثابتة.

وحقيقة ينطوى التطور العقلى على بعض العناصر المتغيرة، وبعض العناصر الثابتة. وهذا هو منشأ ضروب سوء التفاهم فى لغة علم النفس. فإن بعض هذه الضروب تنتهى إلى إرجاع الخواص السامية إلى المراحل الدنيا، وإرجاع الخواص الأخرى إلى انهيار بعض المراحل وبعض العمليات. وحينئذ يجدر بنا أن نتجنب فى آن واحد كلا من مذهب المعانى الفطرية فى علم النفس العقلى، والفرض القائل بوجود عناصر نفسية متنافرة. فمن المحقق أنه لابد من العثور على حل لهذه المشكلة عن طريق التفرقة بين التراكيب القابلة للتغير والوظائف التى لا تتغير. فكما أن الوظائف الكبرى للكائن الحى هى بعينها لدى جميع الكائنات العضوية، لكنها تتصل بأعضاء تختلف اختلافا كبيرا باختلاف طوائف هذه الكائنات العضوية؛ كذلك نشهد لدى الطفل ولدى البالغ تكوينا مستمرا لتراكيب مختلفة، على الرغم من أن الوظائف الكبرى فى التفكير تظل دون تغيير.

وتندرج هذه الوظائف الثابتة تحت أشد الوظائف البيولوجية عموما، ونعنى بها وظيفتى التنظيم (organization) والتكيف (adaptation). فلنبدأ بهذه الوظيفة الأخيرة؛ لأنه إذا اعترف كل الباحثين بأن النمو العقلى بأسره نوع من التكيف فإننا لا نستطيع سوى أن نعلن أسفنا لغموض معنى هذه الكلمة.

إن بعض علماء الحياة يعرفون التكيف بأنه ليس إلا المحافظة والاستمرار فى البقاء، أى التوازن بين الكائن العضوى والبيئة. ولكن فى هذه الحال يفقد معنى التكيف كل أهميته، لأنه يختلط بمعنى الحياة نفسها. وهناك درجات متفاوتة فى الاستمرار فى البقاء ويتضمن التكيف تفاوتا يختلف قلة وكثرة. وعندئذ تجب التفرقة بين التكيف كحالة، والتكيف كعملية. أما فى الحالة الأولى فليس ثمة شئ واضح. أما إذا تتبعنا التكيف كعملية فإن الأمور تصبح أكثر وضوحا: فهناك تكيف عندما يتحول الكائن العضوى تبعا للبيئة، وعندما يفضى هذا التغير إلى تلك النتيجة، وهى زيادة العناصر المتبادلة بين البيئة والكائن العضوى على نحو يلائم استمراره فى البقاء.

فلنحاول تحديد هذا الأمر تحديداً دقيقاً من وجهة النظر الشكلية البحتة. إن الجسم مجموعة معقدة من العمليات الطبيعية الكيميائية والحركية التى تتصل اتصالا دائما بالبيئة، والتى يفضى بعضها إلى بعض. فلنفرض أن أ، ب، ج الخ عناصر فى هذه المجموعة العضوية الكلية وأن ك، ى، ز الخ العناصر المقابلة لها فى البيئة المحيطة بها، وعلى هذا يكون الهيكل العام للتنظيم هو الآتي:

1. أ + ك ب؛

2. ب + ى ج؛

3. ج + ظ أ الخ.

فمن الممكن أن تنحصر العملية الأولى والعملية الثانية الخ إما فى ردود أفعال كيميائية (وذلك عندما يتناول الكائن العضوى المواد "ك" التى يحولها إلى مواد "ب" بحيث تصبح جزءاً من تركيبه)؛ وإما أن تنحصر، على وجه الخصوص، فى ضروب من السلوك الحس الحركى (وذلك عندما تتألف مجموعة من الحركات الجسمية من النوع "أ" مع حركات خارجية من النوع "ك" فتؤدى إلى نتيجة هى "ب" بحيث تدخل هى نفسها فى دائرة التركيب العضوى. وإذن فالعلاقة التى تربط العناصر: أ، ب، ج الخ بعناصر البيئة ك، ى، ز علاقة تمثيل (assimilation). ومعنى ذلك أن أداء الجسم لوظائفه لا يقضى على هذه العلاقة، وإنما يحتفظ بدائرة التنظيم العضوى، وينسق عناصر البيئة على نحو يدخلها معه فى نطاق هذه الدائرة. فلنفرض إذن أن تغيراً ما يحدث فى البيئة، وأن هذا التغير يؤدى إلى تحول "ك" إلى "كَ" فإما ألا يتكيف الجسم فتنفصم الدائرة، وإما أن يحدث التكيف، ومعنى هذا أن الدائرة العضوية تتغير بعد أن تصبح مغلقة فى ذاتها:

1. أ + كَ بَ؛

2. بَ + ى حـ؛

3. حـ+ ز أ

صفحة 4

فإذا أطلقنا اسم الملاءمة (accommodation) على هذه النتيجة التى تفضى إليها ضروب الضغط التى تباشرها البيئة (تحول ب إلى بَ) استطعنا القول حينئذ بأن التكيف نوع من التوازن بين التمثيل والملاءمة.

وهذا التعريف ينطبق بالمثل تماماً على الذكاء نفسه. فالذكاء فى الحقيقة نوع من التمثيل، وذلك بالقدر الذى يدخل معه كل عناصر التجربة داخل حدوده. وفى جميع الحالات يتضمن التكيف العقلى وجود عنصر تمثيل. ومعنى ذلك أنه يؤدى إلى تركيبات جديدة بإدخال الحقائق الخارجية فى نطاق الأشكال التى يحددها نشاط الذات المدركة: وسواء فى ذلك أكان الأمر خاصاً بالتفكير الذى يستعين بعملية الحكم حتى يدخل المعلومات الجديدة فى نطاق ما سبقت معرفته، والذى يرجع الكون على هذا النحو إلى معانيه الخاصة، أم كان بصدد الذكاء الحسى الحركى الذى يحدد تراكيب الأشياء التى يدركها، وذلك بأن يرجعها إلى صوره الإجمالية العامة (Schemes). ومهما يكن من شأن الفروق الطبيعية بين الحياة العضوية (وهى تلك الحياة التى تعد الأشكال إعداداً مادياً وتتيح لهذه الأشكال تمثيل المواد وضروب النشاط فى البيئة المحيطة بها) وبين الذكاء العملى أو الذكاء الحسى الحركى (وهو الذكاء الذى ينظم الأفعال، ويجعل الصور العامة لهذه الضروب الحركية من السلوك قادرة على تمثيل مختلف المواقف التى تجود بها البيئة) وبين الذكاء الفكرى أو ذكاء المعرفة (الذى يقنع بالتفكير فى الأشكال، أو بتكوينها تكويناً داخلياً حتى يسمح لها بتمثيل التجارب)- نقول مهما يكن من شأن هذه الفروق فإن كلا من الحياة العضوية والذكاء العملى والذكاء الفكرى تتكيف بالبيئة عن طريق تمثيل الذات المدركة للأشياء.

أما أن الحياة العقلية تعتبر هى الأخرى نوعا من الملاءمة بين الشخص والبيئة المحيطة به فذلك أمر لا يمكن وضعه موضع الشك. وليس من المستطاع مطلقاً أن يكون التمثيل محضاً؛ ذلك لأن الذكاء إذا أدمج العناصر الجديدة فى الصور الإجمالية العامة السابقة فإنه يحور هذه الصور دائماً، حتى يطابق بينها وبين العناصر الجديدة. غير أننا نرى على عكس ذلك أننا لا نعرف حقيقة الأشياء فى ذاتها مطلقاً؛ لأن عملية الملاءمة هذه ليست ممكنة على الإطلاق إلا إذا كانت مرتبطة بعملية مضادة لها، وهى عملية التمثيل. وهكذا سنرى كيف أن معنى كل شئ من الأشياء ليس معنى فطرياً، وإنما يتطلب بالضرورة نوعاً من التركيب الذى يعتمد من آن واحد على كل من عملية التمثيل وعملية الملاءمة.

ونقول بالاختصار إن التكيف العقلى يشبه أى تكيف آخر فى أنه نوع من تقرير التوازن المطرد فى الزيادة بين عملية التمثيل وعملية الملاءمة التى تكملها. فليس من الممكن أن يتكيف العقل بحقيقة ما إلا إذا كانت هناك ملاءمة تامة، أى إلا إذا لم تحتو هذه الحقيقة على أى عنصر يؤدى إلى تعديل الصور الإجمالية العاممة لدى الذات المدركة. وعلى خلاف ذلك لا وجود للتكيف إذا كانت الحقيقة الجديدة تستلزم ضروباً من السلوك الحركى أو العقلى المضادة لضروب السلوك التى سبق أن قام بها الشخص تجاه أمور خارجية فيما مضى. فلا وجود للتكيف إلا عندما يوجد الاتساق، وإلا إذا وجد التمثيل تبعاً لذلك. حقاً إن التركيب الذى ينطوى عليه الاتساق فى مجال الحركة يختلف تماماً عنه فى المجال الفكرى أو المجال العضوى. وكل ضروب التنظيم ممكنة فى هذه الحال، غير أن التكيف لا يعد كاملا إذا أدى إلى نظام ثابت، أى إلا إذا كان هناك توازن بين الملاءمة والتمثيل.

وتقودنا هذه الفكرة إلى وظيفة التنظيم (organization). أما من وجهة النظر البيولوجية فليس من المستطاع أن نفصل التنظيم عن التكيف. فهما وجهان متكاملان لعملية واحدة بعينها؛ إلا أن الأول مظهر داخلى للدائرة التى يعد التكيف مظهراً خارجياً لها. أما فيما يتعلق بالذكاء، سواء أكان فى صورته الفكرية أو العملية، فإنا نعثر على هذه الظاهرة المزدوجة، وهى أن التنظيم والتكيف يكونان وحدة وظيفية تامة ويتوقف كل منهما على الآخر. ففيما يمس العلاقات بين الكل وأجزائه، تلك العلاقات التى تحدد طبيعة التنظيم (العضوى)، نعلم بما فيه الكفاية أن كل عملية عقلية تكون نسبية دائما إلى كل العمليات الأخرى، وأن عناصرها الخاصة تخضع هى نفسها لقانون واحد بعينه. وهكذا نتسق كل صورة إجمالية عامة مع جميع الصور، وتكوّن فى ذاتها وحدة تامة ذات أجزاء مختلفة. فكل عملية عقلية تتضمن وجود مجموعة من العلاقات المتبادلة والدلالات المتضامنة. فالصلات بين هذا التنظيم والتكيف هى إذن نفس الصلات التى توجد فى المجال العضوى. والمقولات الرئيسية التى يستخدمها الذكاء، لكى يتكيف بالعالم الخارجى- كالزمان والمكان والسببية والمادة والجنس والكم وهلم جرا- تقابل كل مقولة منها مظهراً من مظاهر الحقيقة الخارجية، كما أن كل عضو من أعضاء الجسم يتناسب مع صفة خاصة من صفات البيئة (الخارجية). ولكن فضلا عن مطابقة هذه المقولات للأشياء فإن بعضها يتضمن بعضاً على نحو يستحيل معه فصل بعضها عن بعض من الوجهة المنطقية. "فالاتفاق بين التفكير والأشياء" و"اتفاق التفكير مع نفسه" يعبران عن هذا العنصر الوظيفي الثابت فى كل من التكيف والتنظيم. وليس من المستطاع فصل هذين المظهرين فى التفكير أحدهما عن الآخر، ومعنى ذلك أن التفكير ينظم نفسه عندما يتكيف بالأشياء، وأنه إذا نظم نفسه بنفسه فإنه ينظم الأشياء.

صفحة 5

2. العناصر الوظيفية الثابتة والمقولات العقلية

تنحصر المشكلة الآن فى معرفة هذا الأمر، وهو كيف تستطيع هذه العناصر الوظيفية الثابتة أن تحدد مقولات العقل، أو بعبارة أخرى كيف تستطيع تحديد هذه الأشكال الكبرى للنشاط العقلى التى نجدها فى جميع مراحل النمو العقلى، والتى سنحاول وصف تراكيبها الأولى التى تتبلور فى الذكاء الحسى الحركى.

هذا إلى أن الامر ليس بصدد إرجاع الوظائف السامية إلى الوظائف الدنيا، فإن تاريخ العلوم يبين لنا أن كل مجهود قياسى يراد به تقرير نوع من الاتصال بين علم وعلم آخر لا يفضى إلى إرجاع العلم الأرقى إلى العلم الأقل رقيا؛ بل ينتهى إلى إيجاد علاقة متبادلة بين هذين العلمين، لكن دون أن تقضى هذه العلاقة بحال ما على أصالة العلم الأكثر رقياً. وعلى هذا النحو لا يمكن بحال ما أن تؤدى العلاقات- التى ربما وجدت بين الذكاء والتركيب البيولوجى- إلى الحط من قيمة العقل بحال ما؛ بل تؤدى على خلاف ذلك إلى مد نطاق معنى التكيف البيولوجى (الحيوى). ومن جانب آخر لسنا فى حاجة إلى القول بأن المقولات العقلية إذا وجدت على هيئة جرثومة فطرية فى الوظائف البيولوجية فإنها لا توجد بحال ما فى هذه الوظائف على أنها تراكيب شعورية، أو حتى على أنها تراكيب غير شعورية. فإذا كان التكيف البيولوجى نوعا من المعرفة المادية للبيئة التى تحيط بالكائن، فمن الواجب أن تنشأ فيما بعد عدة تراكيب حتى تؤدى هذه العملية الحيوية المحضة إلى نوع من التصورات الشعورية التى تتصل بالمعرفة. وقد سبق أن قلنا إنه من الواجب ألا نتوقع العثور على المعانى العقلية فى بدء نمو الذكاء بل فى نهايته، وهى تلك المعانى التى تكشف لنا حقيقة عن الطريقة التى يتبعها الذكاء لتأدية وظيفته فى حد ذاتها، وذلك على عكس التراكيب المبدئية التى يمكن القول على نحو ما بأنها تظل على سطح الكائن العضوى والبيئة المحيطة به، والتى لا تعبر إلا عن العلاقات السطحية المتبادلة بين هذا الكائن وتلك البيئة. غير أننا متى أردنا تبسيط تحليل المراحل الدنيا – وهو التحليل الذى سنحاول القيام به فى هذا الكتاب- استطعنا أن نبين كيف تؤدى العناصر البيولوجية الثابتة التى أشرنا إليها منذ قليل إلى نوع من التركيب الوظيفى الفطرى للعقل. وذلك بعد أن يفكر فيها الشعور، ويعمل على إعدادها فى أثناء المراحل الكبرى للنمو العقلى.

وفيما يلى الجدول الذى يبدو لنا إمكان الحصول عليه بهذه الطريقة:

إن المقولات التى ترتبط بوظيفة التنظيم تؤلف ما يمكن أن نسميه مع "هوفدنج" باسم "المقولات الأساسية" أو المنظمة، ومعنى ذلك أنها تتألف مع جميع المقولات الأخرى، وتوجد فى كل عملية نفسية. ويبدو لنا أنه يمكن تعريف هذه المقولات من جهة الاستقرار (Statique) بأنها معانى الوحدة التامة (totalite) والعلاقة؛ وبمعانى المثال الأعلى (ideal) والقيمة (valeur) من جهة التطور (dynamiqre).

أما فكرة "الوحدة التامة" فتعبر عن العلاقة المتبادلة التى ينطوى عليها كل تركيب، سواء أكان خاصاً بالذكاء أم بالحياة العضوية. وحتى إذا بدا لنا أن ضروب السلوك والشعور تظهر فجأة على نحو أبعد ما يكون عن الاتساق فى أثناء الأسابيع الأولى من الحياة فإنها تعد امتدادا لتركيب فسيولوجى سابق لها؛ ثم تتبلور فى الوهلة الأولى على هيئة مجموعات نرى أن الاتساق فيها يصبح أكثر دقة شيئاً فشيئاً. فمثلا ليست فكرة "مجموعات تغيير الأمكنة" - وهى فكرة جوهرية فى تكوين المكان- سوى فكرة الوحدة العضوية التامة التى تتجلى فى الحركات الجسمية. وكذلك نرى على وجه العموم أن الصور الإجمالية الخاصة بالذكاء الحسى الحركى تخضع منذ الوهلة الأولى لقانون الوحدة التامة فى ذاتها، وفيما بينهاز وكذا الأمر فى كل علاقة سببية فإنها تحول العناصر غير المنسقة إلى مجموعة منتظمة وهلم جرا.

وليست الفكرة المتممة لفكرة الوحدة التامة سوى فكرة العلاقة كما بين ذلك "هوفدنج" بوضوح. فالعلاقة فى الحقيقة مقولة أساسية، وذلك باعتبار أنها توجد فى كل نشاط نفسى، وتتألف مع جميع المعانى الأخرى. ويرجع السبب فى ذلك إلى أن كل وحدة تامة هى مجموعة من العلاقات، كما أن إحدى العلاقات تعد جزءاً من الوحدة التامة. وعلى هذا الاعتبار تظهر العلاقة بمجرد أن تظهر ضروب النشاط الفسيولوجى بمعنى الكلمة، حتى توجد فى جميع مستويات هذا النشاط. فإن أبسط الإدراكات الحسية (كما بين ذلك كوهلر فيما يتعلق بإدراك الألوان لدى الدجاج) يتوقف بعضها على بعض، وهى تتألف فى الوقت نفسه على هيئات وحدات تامة منظمة. وليس من المجدى أن نلح فى بيان الظواهر المماثلة التى نجدها فى التفكير النظرى.

أما مقولنا المثال الأعلى والقيمة فإنهما تعبران عن نفس الوظيفة، وإن كان ذلك فى مظهرها الديناميكى، وسنطلق اسم "المثال الأعلى" على كل مجموعة من القيم التى تؤلف كلا (قائماً بذاته)، وإذن فسنطلق هذا الاسم على كل هدف نهائى للأفعال والقيم، أى على القيم الخاصة التى تتصل بهذا "الكل" أو الوسائل التى تسمح بتحقيق هذا الهدف. وإذن فالصلات بين المثال الأعلى والقيمة هى نفس الصلات التى توجد بين الوحدة التامة والعلاقة. ولكن ليست جميع أنواع المثل العليا أو القيمة إلا وحدات تامة فى طريق نشأتها، وذلك لأن القيمة ليست إلا تعبيرا عن قابلية الشئ لأن يكون مرغوباً فيه فى جميع المستويات. فإمكان الرغبة فى الشئ هو فى الواقع علامة على وجود اختلال فى التوازن أو على وجود "وحدة تامة" لم تكتمل بعد، وما زال ينقصها عنصر ما لكى تتم نشأتها، فتتجه نحو هذا العنصر حتى تحقق توازنها. وإذن فالعلاقات بين المثال الأعلى والقيم هى من نفس النوع الذى يوجد بين الوحدة التامة وأجزائها. وذلك أمر بديهى لأن المثال الأعلى ليس إلا صورة للتوازن الذى لم يتحقق بعد بين الوحدات التامة الحقيقية، ولأن القيم ليست سوى العلاقات بين الوسائل والغايات التى تتوقف على مجموعة هذه الوحدات التامة. وعلى هذا النحو يستطيع المرء أن يتصور الغائية (Finalite)، لا على أنها مقولة خاصة؛ بل على أنها ترجمة ذاتية لعملية إعادة التوازن. وهذه العملية نفسها لا تتضمن فكرة الغائية، وإنما تتضمن فقط التفرقة العامة بين ضروب التوازن الواقعية والتوازن المثالى. وهناك مثال جيد هو مثال معايير الاتساق والوحدة، وهى تلك المعايير الخاصة بالتفكير المنطقى، والتى تعبر عن هذا المجهود الدائم لإقرار التوازن بين الوحدات العقلية التامة. وإذن فهذه المعايير تحدد لنا التوازن المثالى الذى لا يدركه الذكاء مطلقا، وهى توجه القيم الخاصة التى تحدد الحكم (المنطقى) وهذا هو السبب فى أننا نطلق اسم "الوظيفة المنظمة" على العمليات الخاصة بالوحدة التامة وبالقيم، وذلك على عكس وظيفة التفسير ووظيفة التضمن.

صفحة 6

والآن كيف نتصور المقولات التى ترتبط بالتكيف، أى بالتمثيل والملاءمة؟ إن مقولات التفكير تحتوى، كما يقول "هوفدنج"، على مقولات أكثر واقعية من غيرها (وهى تلك التى تتضمن إلى جانب النشاط العقلى عناصر أخرى لا تنفك عن التجربة والسببية والجوهر أو الشئ، والزمان والمكان وكل عنصر من هذه العناصر يؤدى إلى مركب يتألف من "الأمر الواقع" والقياس، على نحو لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر). وبعض هذه المقولات أكثر "شكلية" (formelles) (وهى المقولات التى تؤدى إلى استنتاجات قياسية غير محدودة، وإن لم تكن أقل انطباقا من المقولات السابقة على الواقع، كما هى الحال فى العلاقات المنطقية والرياضية). وإذن فالمقولات الأولى هى التى تعبر جيداً عن عملية التفسير والملاءمة، تلك العملية التى تتجه من الذات المدركة إلى الأشياء الخارجية. وأما المقولات الثانية فهى التى تتيح للمرء تمثيل الأشياء الخارجية بالتنظيم العقلى، كما تسمح بإيجاد ضروب التضمن.

وتتشكل وظيفة التضمن هى الأخرى بصورتين وظيفيتين ثابتتين نعثر عليهما فى جميع المراحل. وتقابل إحداهما التأليف بين الصفات، أى بين الأجناس (كالمعانى العامة أو الصور الإجمالية)، وتقابل الأخرى التأليف بين علاقات الكم أو الاعداد. وفى الحقيقة تنم هذه الأدوات الأولية للذكاء عن توقف بعضها على بعض منذ وجود الصور الإجمالية الحسية الحركية. أما وظيفة التفسير فإنها تتصل بمجموعة العمليات التى تسمح باستنباط الأشياء الواقعية؛ أو نقول بعبارة أخرى إنها تخلع على هذه الأشياء نوعاً من الاستمرار فى نفس الوقت الذى تكشف فيه عن السبب فيما يطرأ عليها من تحولات. وعلى هذا الاعتبار نستطيع التفرقة فى كل تفسير بين مظهرين متكاملين: أحدهما خاص بنشأة الأشياء، والثانى خاص بالسببية؛ وذلك لأن تلك الاشياء نتيجة للسببية وشرط لتطورها فى آن واحد. ومن هنا تنشأ الدائرة: الشئ × المكان، والسببية × الزمان. تلك العلاقة التى تزداد تعقيداً عندما تضاف إليها علاقة متبادلة، وهى تلك التى توجد بين المادة والصورة.

وهكذا نرى إلى أى حد تؤدى المقولات الوظيفية للمعرفة إلى نشأة وحدة كلية واقعية تتشكل تماماً بمجموعة الوظائف العقلية. وتبدو هذه العلاقة المتبادلة بصورة أشد وضوحاً عندما نحلل العلاقات التى توجد بين التنظيم والتكيف من جهة، وبين التمثيل والملاءمة من جهة أخرى.

ففى الواقع سبق أن رأينا أن التنظيم هو المظهر الداخلى للتكيف، وذلك إذا نظرنا إلى العلاقة المتبادلة بين العناصر التى تدخل فى عملية التكيف، لا إلى هذه العملية عندما تحدث بالفعل. ومن جهة أخرى ليس التكيف إلا التنظيم فى صراعه مع تأثيرات البيئة. ولكنا نجد هذه التبعية المتبادلة فى مجال الذكاء، وليست ذلك فحسب فى التأثير المتبادل بين النشاط العقلى (التنظيم) والتجربة (التكيف) اللذين يدل تاريخ التفكير العلمى بأسره على تلازمها دائماً؛ بل نجد هذه التبعية أيضاً فى العلاقة المتبادلة بين المقولات الوظيفية. وفى الحقيقة ليس من المستطاع أن يوجد تركيب موضوعى سببى يتحقق فى الزمان والمكان دون استنباط منطقى رياضى؛ لأن هذين النوعين من الحقائق يؤلفان بين الوحدات التامة وبين العلاقات على هيئة مجموعات متضامنة. أما فيما يتصل بالصلة بين الملاءمة والتمثيل، أى بين (وظيفة) التفسير (ووظيفة) التضمن فإن المشكلة التى أثارها "هيوم" بمناسبة السببية تصورها تصويراً واضحاً. فكيف يمكن لمعنى السببية أن يكون معنى عقليا وتجريباً فى آن واحد؟ لأننا إذا قلنا إن السببية مجرد مقولة "شكلية" فإنها لا تنطبق تماماً على الأشياء الواقعية (كما بين ذلك أ. مييرسون" على نحو جدير بالإعجاب)، وإذا قلنا إنها مجرد تتابع تجريبي فإن ذلك يقضى على ضرورتها. ومن هنا جاء حل "كانت" الذى أخذه عنه "برنشفيك"، وهو أن السببية "مماثلة للتجربة" ومعنى ذلك أنها تأثير حتمى متبادل بين علاقة التضمن وبين الأشياء التى توجد فى الزمان والمكان. ويمكننا أن نقول هذا القول بصدد المقولات "الواقعية" الأخرى: فإن جميع هذه المقولات تفترض التضمن، وإن كانت ضروباً من الاستعداد لإدراك الأشياء الخارجية. وعلى خلاف ذلك الأجناس والأعداد، فإنها لا يمكن أن تنشأ إلا إذا كانت على صلة بالمجموعات المكانية الزمانية التى لا تنفك عن الأشياء الخارجية، ولا عن العلاقات السببية بينها.

ويبقى علينا، لكى ننتهى من هذه الفكرة، أن نشير إلى هذا الأمر، وهو أنه إذا كان كل عضو فى الجسم الحى منظما تنظيما عضوياً فى ذاته فإن كل عنصر فى نظام عقلى يعد هو الآخر نظاماً، ومن ثم فإذا كانت المقولات الوظيفية للذكاء تتخصص فى خطوطها الرئيسية بالنسبة إلى العمليات الأساسية للتنظيم والتمثيل والملاءمة فإنها تستطيع مع ذلك أن تحتوى فى حد ذاتها على مظاهر تقابل هذه الوظائف الثلاث، ولا سيما أن هذه الوظائف يحل بعضها مكان بعض بالتأكيد، وتتغير على هذا النحو دون انقطاع من جهة التطبيق. أما عن الطريقة التى تسلكها الوظائف التى تتميز بها المقولات الرئيسية للعقل حتى تخلق أعضاءها الخاصة، وحتى تتبلور على هيئة تراكيب، فتلك مسألة أخرى ليس لنا أن نعرض لها فى هذه المقدمة، ما دام هذا الكتاب قد خصصناه برمته لدراسة بدايات هذا التركيب، وإذا أردنا التمهيد لهذا التحليل فإنه يجدر بنا فقط أن نقول بضع كلمات عن التراكيب الوراثية التى تجعل خلق تلك التراكيب العقلية أمرا ممكنا.

صفحة 7

3. التراكيب الوراثية ونظريات التكيف

لقد رأينا أن هناك نوعين من الحقائق الوراثية الخاصة بنمو العقل البشرى وهما: العوامل الوظيفية الثابتة التى ترتبط بالوراثة العامة للمادة الحية، وبعض الأعضاء أو الخصائص التركيبية التى ترتبط بالوراثة الخاصة للإنسان والتى تستخدم كأدوات أولية للتكيف العقلى. وإذن يجدر بنا الآن أن نفحص كيف تمهد التراكيب الوراثية إلى نشأة هذا التكيف العقلى، ونرى إلى أى حد تستطيع النظريات البيولوجية للتكيف أن توضح نظرية الذكاء. إن الأفعال المنعكسة والأشكال المادية للأعضاء التى ترتبط بها هذه الأعضاء تعتبر نوعا من المعرفة الفطرية بالبيئة الخارجية. ومن البديهى أنها معرفة غير شعورية ومادية، غير أنها ضرورية لنمو المعرفة العقلية فيما بعد. فكيف يمكن أن يكون مثل هذا التكيف للتراكيب الوراثية ممكناً؟

ليس من المستطاع حل هذه المشكلة البيولوجية فى الوقت الحاضر. ولكن يبدو من المفيد أن نعرض عرضا سريعا للمناقشات التى أثارتها، والتى لا تزال تثيرها هذه المشكلة؛ لأن مختلف الحلول التى تعرض علينا تسير فى خطوط متوازية مع نظريات الذكاء نفسه. وهكذا تستطيع تلك الحلول أن توضح لنا هذه النظريات باستخلاص الطابع العام الذى تدور حوله جميعها. وفى الواقع توجد خمس وجهات نظر أساسية بصدد التكيف، وتقابل كل منها أحد التفسيرات التى يفسر بها الذكاء من حيث هو ذكاء. وليس معنى ذلك بطبيعة الأمر أن الباحث متى اختار إحدى هذه النظريات الخمس التى يستطيع المرء التفرقة بين خواصها فى علم الحياة وجب عليه أن يرتضى وجهة نظر مماثلة فى علم النفس. ولكن مهما كانت ضروب التأليف الممكنة فيما يتعلق بآراء المؤلفين أنفسهم فإنه توجد "عمليات مشتركة" بين التفسيرات البيولوجية والتفسيرات السيكولوجية لكل من التكيف العام والتكيف العقلى.

وأول هذه الحلول هو حل "لامارك" القائل بأن كل كائن عضوى يتشكل خارجيا بالبيئة، وأن هذه الأخيرة تؤدى بضروب من القهر إلى نشأة العادات أو ضروب من الملاءمة الفردية التى تعمل على تشكيل الأعضاء متى ثبتت عن طريق الوراثة. ولهذا الفرض البيولوجي القائل بتغليب العادة ما يقابله فى علم النفس، وهو مذهب الترابط الذى يقول بأن المعرفة تترتب هى الاخرى على العادات المكتسبة، دون أن تحتاج هذه العادات إلى وجود أى نشاط داخلى يمكن أن ينشأ عنه الذكاء من حيث هو ذكاء.

وعلى عكس ذلك المذهب الحيوى الذى يفسر التكيف بأن ينسب إلى الكائن الحى قدرة خاصة على تكوين الأعضاء النافعة. كذلك يفسر المذهب العقلى الذكاء بالذكاء نفسه، عندما يعزو إليه قدرة فطرية على المعرفة، وعندما يعتبر أن نشاطه ظاهرة أولية ينجم عنها كل شئ فى المجال النفسى.

أما مذهب الفطرة الكامنة فيرى أن التراكيب ترجع إلى أصل داخلى بحيث؛ إذ أن التغيرات الممكنة تصبح تغيرات فعلية بمجرد احتكاك الكائن بالبيئة بحيث لا تؤدى هذه إلا وظيفة "العنصر الكاشف". وعلى هذا النحو نرى أن مختلف المذاهب المنطقية والمذاهب النفسية التى يمكن أن ندرجها تحت اسم المذاهب السابقة للتجربة تنظر إلى التراكيب العقلية كما لو كانت سابقة للتجربة؛ لأن هذه الأخيرة تقتصر على أن تهيئ لها فرصة الظهور دون أن تفسرها فى شئ. وسواء أتصورنا هذه التراكيب فطرية من الناحية النفسية، كما يقول أصحاب المذهب الفطرى التقليدى، أم تصورنا فقط أنها أزلية من الوجهة المنطقية، أى قائمة فى عالم عقلى يسمو إليه العقل، فلا أهمية لهذه التفاصيل؛ لأن هذه التراكيب توجد كامنة لدى الشخص، وليس هذا الأخير هو الذى يكونها عن طريق التجارب. وقد وقعت ضروب من التطرف فى كل من علم الحياة وفى المنطق سواء بسواء. كذلك وضع بعضهم الفرض القائل بأن جميع الخواص الجديدة التى ظهرت فى أثناء التطورات بما فى ذلك الخواص الضارة بالنوع- قد وجدت جرثومها منذ النشأة الأولى؛ كذلك انتهى "رسل" إلى افتراض أن جميع المعانى الأولى التى تنبت فى مخنا، بما فى ذلك المعانى الفاسدة، كانت موجودة فيه منذ الأزل أيضاً.

وكنا نستطيع أن نفرد مكاناً للمذهب البيولوجى المعروف بمذهب "الظهور" الذى يقول بأن التراكيب (العقلية) تظهر على هيئة ضروب تامة من التراكيب التى يقوم كل منها بذاته، ويتلو بعضها بعضا بناء على نوع من الخلق المستمر؛ وأن نوضح الصلة بين هذا المذهب وبين نظرية "الصور" أو "الجشتالت" فى علم النفس. ولكن ليس الأمر فى الحقيقة إلا بصدد فكرة منطقية ديناميكية فى اتجاهها. فإذا استخدمنا فى التفسيرات الخاصة وجدنا انها لا تفترق على الفكرة السابقة للتجربة بمعناها الصحيح، وذلك بالقدر الذى لا تتجه فيه صراحة نحو الحل الخامس.

وأما وجهة النظر الرابعة التى سنحتفظ لها باسم مذهب "التغير" فهى وجهة نظر علماء الحياة الذين، وإن لم يكونوا من القائلين بالفطرة الكامنة، فإنهم يرون أيضاً أن التراكيب تظهر بطريقة داخلية بحتة. غير أنهم ينظرون إلى هذه التراكيب، فى هذه الحال، كما لو كانت تخرج إلى حيز الوجود فجأة وتبعاً للصدفة التى تفضى إليها التحولات الداخلية، وكما لو كانت تتكيف بالبيئة بناء على اختيار (طبيعي) تتبين صلاحيته بعد تحققه بالفعل. ولكن إذا نقلنا هذه الطريقة فى التفسير إلى مجال ضروب التكيف غير الوراثية وجدناها تشبه طريقة "المحاولات والأخطاء" فى مذهب الذرائع أو فى مذهب "العرف". فبناء على هذه الطريقة يمكن تفسير المطابقة بين ضروب السلوك باختيار بعض التصرفات التى تظهر مصادفة بالنسبة إلى البيئة الخارجية. ففى رأى مذهب "العرف" مثلا نرى أن المكان ذى الأبعاد الثلاثة كما كان يتصوره إقليدس - والذى يبدو لنا أقرب إلى الحقيقة مما سواه بسبب تركيب أعضائنا الإدراكية - إنما كان أكثر "ملاءمة" من غيره لمجرد هذا السبب، وهو أنه يسمح لنا بأفضل مطابقة بين أعضاء الإدراك والأشياء فى العالم الخارجي.

وأخيراً يوجد حل خامس يقول بأن الكائن العضوى والبيئة يكونان كلا واحداً غير قابل للانفصال. ومعنى ذلك أنه يجب أن نفسح إلى جانب التغيرات العرضية مكاناً للتغيرات الخاصة بالتكيف، والتى تتضمن فى الوقت نفسه نشأة تركيب خاص بالكائن العضوى ونوعا من تأثير البيئة؛ وذلك لأنه لا يمكن فصل أحد هذين الأمرين عن الآخر. ومعنى ذلك من وجهة نظر المعرفة أن نشاط الذات المدركة يتناسب مع تكوين الشئ، كما أن هذا التكوين يتضمن ذلك النشاط. وهذا تأكيد لنوع من العلاقة الحتمية المتبادلة بين التجربة والعقل. وهكذا تمتد فكرة النسبية فى علم الحياة حتى تصبح مذهباً يقوم على فكرة التبعية المتبادلة بين الذات المدركة والشئ المدرك، أى بين تمثيل الذات المدركة للشئ واستعدادها لإدراكه على نحو ملائم.

فإذا نحن انتهينا من إجمال أوجه الشبه بين نظريات التكيف ونظريات الذكاء على هذا النحو فمن الطبيعى أن نترك لدراسة نمو الذكاء مهمة اختيار الفرض المناسب من بين مختلف هذه الفروض الممكنة. ومع ذلك فقد أردنا أن نمهد لاختيار هذا الفرض، وأن نتوسع فى فكرتنا عن التكيف نظراً لوجود صلة تدريجية بين العمليات البيولوجية والتشابه بين الحلول التى حاول العلماء اقتراحها فى مختلف المحاولات التى عرضت فيها هذه المشكلة، ولذلك قد اخترنا مجال الأشكال الوراثية لدى الكائن العضوى لكى نحلل حالة خاصة "بتطور الأشكال" تسمح لنا بتوضيح مختلف التفسيرات التى ذكرناها بالترتيب منذ قليل.

صفحة 8

يكاد يوجد فى جميع المستنقعات الأوروبية والأسيوية نوع من القواقع المائية اسمه "ليمنيا ستانياليس Limnaea Stagnalis وتتميز باستطالة شكلها. غير أنه يوجد فى البحيرات الكبرى بسوييسرا وبلاد السويد وغيرها نوع من هذه القواقع نفسها يبدو بشكل مختلف إذ يمتاز بالتقلص والتكور، ومن اليسير تفسير تكوين هذا الشكل بالملاءمة بين حركة الحيوان والأمواج واضطراب الماء طيلة المدة التى تنمو فيها القواقع. ولما تحققنا من صدق هذا التفسير عن طريق التجارب استطعنا، بفضل تربية عدد كبير من هذه القواقع فى أحواض مائية، أن نقرر أن هذا النوع المتقلص الذى يمكننا تتبع تاريخه الجيولوجى منذ العصر الحجرى الجديد حتى أيامنا هذه قد أصبح وراثياً مستقراً تمام الاستقرار فى أكثر الأماكن تعرضاً للرياح ببحيرتي نيوشاتل وجنيف (تخضع هذه النماذج النوعية على وجه الخصوص لقوانين الانفصال التى قررها "مندل").

وإذن يبدو فى الوهلة الأولى أنه يجب الأخذ بحل "لامارك" فى مثل هذه الحالة: وهو أن عادات التقلص التى يكتسبها الحيوان بتأثير الأمواج قد تنتهى إلى الانتقال عن طريق الوراثة على هيئة مجموعة من الأفعال المنعكسة المورفولوجية وبذلك ينشأ نوع جديد (من القواقع). ومعنى ذلك بعبارة أخرى أن النموذج العرضى يتحول على نحو غير محسوس إلى نموذج نوعى بالتأثير المستمر للبيئة. لكن لسوء الحظ لم تكشف لنا التجربة فى المعامل فى حالة "الليمنيا" عن هذا النوع من القواقع، وفى غيرها من الحالات عن وجود أثر لانتقال الخصائص المكتسبة (تنحصر هذه التجارب فى تربية هذه القواقع فى ماء يحركه جهاز صناعى لإحداث التقلص بطريقة تجريبية). ومن جانب آخر لم نعثر فى البحيرات متوسطة الاتساع على جميع أنواع القواقع المتقلصة. فإذا كان للبيئة تأثير فى تكوين التقلص الوراثى فإن هذا التأثير يتم فى حدود معينة (كالحدة والزمن وهلم جرا)، وبدلا من أن يخضع الجسم العضوى لهذا التاثير خضوعاً سلبياً فإنه يقوم بردود أفعال إيجابية، أي يتكيف على نحو يتجاوز مجرد العادات التى تفرض عليه.

أما عن الحل الثانى فإن المذهب الحيوى يعجز عن تفسير تفاصيل أى ضرب من ضروب التكيف؛ إذ لماذا لا يتدخل الذكاء اللاشعورى للنوع- على فرض وجوده- فى كل حالة يمكن أن يكون مفيداً فيها؟ ولماذا استغرق التقلص قروناً عديدة منذ استيطان البحيرات بعد عصر الجليد؟ ولماذا لا يوجد أيضاً فى جميع مياه البحيرات؟

ويمكن توجيه هذه الاعتراضات نفسها إلى الفرض الذى يقترحه مذهب الفطرة الكامنة لحل هذه المشكلة.

وعلى العكس من ذلك الحل الرابع؛ فإنه فى مركز يبدو فى مظهره أنه لا سبيل إلى الطعن فيه. وحقيقة يرى مذهب "التغير" أن التراكيب المتقلصة الوراثية ربما ترجع إلى تغيرات داخلية عرضية (أى لا صلة لها بالبيئة ولا بضروب التكيف الفردية الاتفاقية)، ثم يتبين فيما بعد أن هذه الأشكال تتلاءم أكثر من غيرها مع المناطق المضطربة فى البحيرات، وأنها تتكاثر فى نفس المناطق التى لا تناسب القواقع المستطيلة، أو يرجع ذلك إلى قانون الاختيار الطبيعى. وإذن تكون الصدفة والاختيار الطبيعى، الذى تتأكد صلاحيته بعد حدوثه بالفعل، هما العنصران اللذان قد يفسران التكيف دون حاجة إلى التأثير الغامض الذى تباشره البيئة على انتقال الخصائص وراثياً؛ فى حين أن تكيف التغيرات الفردية غير الوراثية تظل مرتبطة بتاثير البيئة المحيطة بالكائن. غير أننا نستطيع فى مثال القواقع بالذات أن نوجه اعتراضين خطيرين إلى مثل هذا التفسير. فأولا إذا كانت الأشكال المستطيلة من هذا النوع لا تستطيع البقاء على صورتها هذه فى الأماكن التى يشتد فيها اضطراب ماء البحيرات فإن النماذج المتقلصة الوراثية تستطيع أن تعيش، على عكس ذلك، فى جميع البيئات التى يوجد فيها هذا النوع من القواقع. وقد سبق أن عودنا بعضها على الحياة منذ بضع سنين فى بحيرة راكدة من بحيرات الهضبة السويسرية. وإذن فلو كانت التغيرات وليدة الصدفة لوجب أن توجد هذه النماذج النوعية فى كل مكان دون تفرقة. غير أنها لم تظهر فى الحقيقة إلا في بيئات البحيرات، وعلى وجه الخصوص فى البحيرات شديدة التعرض للريح، أى حيث يبدو من البديهى جداً أن تكيف القواقع تجاه الأمواج تكيف فردى أو عرضى! وثانيا يبدو أن الاختيار الطبيعى الذى تبدو صلاحيته بعد حدوثه بالفعل أمر عديم الفائدة أو مستحيل فى هذا النوع من القواقع؛ لأن لأشكال المستطيلة تستطيع هى الأخرى أن نؤدى إلى نماذج متقلصة ليست وراثية أو لم تصبح بعد كذلك. وحينئذ لا نستطيع الحديث عن تغيرات جزافية ولا عن اختيار طبيعى تبدو صلاحيته بعد حدوثه لكى نفسر مثل هذا التكيف.

ومن ثم لم يبق أمامنا سوى حل خامس وهو الحل الأخير، وذلك أن نسلم بإمكان التكيفات الوراثية التى تعتمد فى آن واحد على تأثير البيئة وعلى رد فعل يقوم به الكائن العضوى ويختلف عن مجرد تثبيت العادات. وهكذا نجد فى مجال الأشكال المختلفة للأفعال المنعكسة أن هناك ضرباً من التأثير المتبادل بين البيئة والكائن العضوى، بحيث أن هذا الكائن لا يخضع خضوعاً سلبياً لضغط البيئة، ولا يكتفى عند احتكاكه بها بإظهار تراكيب كانت كامنة فيه؛ بل يقوم بأفعال منعكسة إيجابية تختلف أشكالها (ويكون ذلك فى مثال القواقع عن طريق نمو الأفعال المنعكسة الخاصة بالتصاق الأقدام والتقلص) وبتشكيل الأعضاء على نحو مناسب. ومعنى ذلك بعبارة أخرى أن التثبيت الوراثى للخصائص العرضية أو التكيفات الفردية لا ترجع إلى مجرد تكرار العادات التى أدت إلى نشأتها؛ بل إلى عملية حركية خاصة نسج وحدها تؤدى بطريق التاثير الرجعى أو السابق لأوانه إلى نفس النتيجة فى مجال الأشكال المختلفة للأفعال المنعكسة.

أما فيما يمس مشكلة الذكاء فإن الحقائق التى يمكن استنباطها من هذا المثال هى الآتية: يوجد الذكاء منذ أصوله الأولى مرتبطاً تمام الارتباط بمجموعة العلاقات التى توجد بين الكائن العضوى والبيئة، وذلك بفضل التكيفات الوراثية لهذا الكائن. وحينئذ لا يبدو الذكاء كما لو كان قدرة على التفكير مستقلة عن الموقف الخاص الذى يشغله الكائن العضوى فى الكون، وإنما يرتبط منذ أول الأمر بتركيبات بيولوجية سابقة له فى نشأتها. فليس الذكاء بحال ما قوة مطلقة مستقلة، ولكنه علاقة من بين عدة علاقات أخرى، أى علاقة بين الكائن والأشياء. فإذا كان الذكاء امتداداً لتكيف عضوى سابق عليه فمما لا شك فيه أن التقدم العقلى ينحصر فى ازدياد الشعور بالنشاط العضوى الملازم للحياة نفسها، وأن المراحل الأولية للنمو النفسى ليست إلا ضروباً سطحية جداً من الشعور بهذا العمل العضوى. ومن باب أولى نجد أن التراكيب لمختلف الأشكال المنعكسة التى توجد فى الجسم الحى والتمثيل البيولوجى الذى يعد نقطة بدء للأشكال الأولية لعملية التمثيل النفسية لا يمكن أن يكونا شيئاً آخر سوى مظهر خارجى ومادى جداً للتكيف الذى تعبر الأشكال السامية للنشاط العقلى أفضل تعبير ممكن عن طبيعته العميقة. وإذن يمكننا أن نتصور أن النشاط العقلى- الذى ينشأ ابتداء من العلاقة المتبادلة بين الجسم والبيئة، أو ابتداء من عدم التمييز بين الذات المدركة والشئ المدرك- يتقدم فى نفس الوقت للوقوف على حقيقة الأشياء وليفكر فى ذاته، وذلك لوجود صلة متبادلة بين هاتين العمليتين المتضادتين فى الاتجاه. وبناء على هذه الوجهة من النظر يبدو التركيب الفسيولوجي التشريحى فى نظر الشعور بالتدريج كأنه خارج عنه، كما أن النشاط العقلى يبدو، على هذا الاعتبار نفسه، كما لو كان جوهر وجودنا كذوات مدركة. وهذا هو مصدر الانقلاب الذى يحدث فى وجهات النظر العامة كلما زاد النمو العقلى، والذى يفسر لنا السبب فى أن العقل، وإن كان امتدادا للعمليات البيولوجية المفرطة فى المركزية، فإنه ينتهى بأن يتجاوز نطاقها من الناحيتين الخارجية والداخلية التى تكمل أحداهما الاخرى.

صفحة 9

الجزء الأول

التكيفات الحسية الحركية الأولية

لا يبدو الذكاء مطلقاً فى أى لحظة من لحظات النمو العقلى، كما لو كان عملية تامة التكوين متميزة كل التميز عن العمليات التى سبقته. فعلى خلاف ذلك يعد امتداداً واضحاً للعمليات المكتسبة؛ بل للعمليات الفطرية التى تنجم عن ترابط العادات أو الأفعال المنعكسة. فهو يقوم على أساس هذه العمليات ويستخدمها فى الوقت نفسه. فإذا أردنا أن نحلل الذكاء من حيث هو كذلك فإنه يجدر بنا، فى هذه الحال، أن نبحث عن كيفية نشأة العادات؛ بل عن الطريقة التى يمهد بها تدريب الأفعال المنعكسة لنشأة هذه العادات. وهذا هو ما سنفعله فى هذا الجزء الأول الذى سنخصص أحد فصليه لدراسة الفعل المنعكس والمسائل النفسية التى يثيرها. أما الفصل الثانى فسنقصره على مختلف ضروب الترابط المكتسبة أو العادات الأولية.

الفصل الأول

المرحلة الأولى: تدريب الأفعال المنعكسة

إذا اقتضى منا تحليل الأفعال الأولى للذكاء أن نمهد له بالرجوع إلى ردود الأفعال العضوية الوراثية فمن الواجب ألا ينحصر مجهودنا فى دراسة الصور المختلفة لردود الأفعال هذه فى ذاتها؛ بل لمجرد هذا السبب، وهو أن نوضح بصفة عامة كيف يتردد صداها فى سلوك الفرد. وإذن يحسن بنا أن نحاول هنا، قبل كل شئ، أن نفصل المشكلة النفسية للأفعال المنعكسة عن المشكلة البيولوجية بمعنى الكلمة.

تتسم ضروب السلوك التى نلاحظها لدى الفرد فى أثناء الأسابيع الأولى من حياته بنصيب كبير من التعقيد من الناحية البيولوجية. فهناك أولا أنواع مختلفة جداً من الأفعال المنعكسة التى تتصل بالنخاع الشوكى والنخاع المستطيل والطبقات العصبية فى العين والقشرة المخية نفسها. ومن جانب آخر لا يوجد سوى فارق تدريجي بين الغريزة والفعل المنعكس. فإلى جانب الأفعال المنعكسة الخاصة بالجهاز العصبى المركزى توجد الأفعال المنعكسة الخاصة بالجهاز العصبى المستقل، وجميع ردود الأفعال التى ترجع إلى "الحساسية التى تفرق بين الآثار القوية". وتوجد على وجه الخصوص مجموعة ردود الأفعال الخاصة بأوضاع الجسم، وهى تلك التى بيّن "هنرى فالون" أهميتها فى بدء التطور العقلى. وأخيراً فمن العسير أن نتصور التركيب العضوى لهذه العمليات دون أن نحسب حسابا لعمليات الغدد الداخلية التى تُذكر وظيفتها بمناسبة عدد كبير من ردود الأفعال التعليمية أو الانفعالية. وحينئذ يوجد فى الوقت الحاضر عدد كبير من المشاكل التى تعرض لعلم النفس الفسيولوجى. وتنحصر هذه المشاكل فى تحديد آثار كل عملية من هذه العمليات التى يمكن فصلها على هذا النحو فى سلوك الفرد. وهذا على وجه الخصوص أحد الأسئلة الهامة التى يحللها "هنرى فالون" فى كتابه القيم عن "الطفل المشاغب": "هل توجد مرحلة للأنفعال أو مرحلة لردود الأفعال الخاصة بالأوضاع أو ردود الأفعال للعضلات الهرمية التى تسبق المرحلة الحسية الحركية أو مرحلة المراكز العصبية فى قشرة المخ؟" فإن تلك المناقشة الدقيقة التى حرص دائماً السيد "فالون" فى أثنائها على تعضيد التحليل التكوينى بحالات باثولوجية ذات مغزى لهى أفضل وسيلة ترينا مدى التعقيد الشديد فى ضروب السلوك الأولية، كما تكشف لنا عن ضرورة التفرقة بين مختلف المراتب المتتابعة فى الأجهزة الفسيولوجية التى تصحب هذه الضروب من السلوك.

ولكن مهما يكن من شأن النتائج المغرية التى يمكن الوصول إليها من هذه السبيل فإنه يبدو لنا من العسير أن نتجاوز فى الوقت الحاضر مرحلة الوصف الإجمالى فيما يتعلق بالصلة التدريجية بين ضروب السلوك الأولى لدى الرضيع وضروب السلوك العقلى فى المستقبل. وهذا هو السبب فى أننا، وإن كنا نقدر تقديراً كبيراً الجهود التى بذلها السيد "فالون" للتسوية بين العمليات النفسية والعمليات البيولوجية نفسها، فإنا نعتقد من واجبنا أن نكتفى بالإشارة إلى وجود وحدة وظيفية، دون أن نحيد عن وجهة النظر الخاصة بمجرد السلوك الخارجى.

وعلى هذا الاعتبار تتلخص المشكلة التى تعترضنا بمناسبة ردود الأفعال فى الأسابيع الأولى فيما يأتي: كيف تستطيع ردود الأفعال الحسية الحركية وردود الأفعال الخاصة بأوضاع الجسم وغيرها من ردود الأفعال التى توجد لدى الطفل بصفة وراثية أن تعد الفرد للتكيف بالبيئة الخارجية ولكسب ضروب السلوك المستقبلة التى تتميز على وجه الدقة باستخدام التجارب شيئا فشيئا؟

وحينئذ تبدأ المشكلة السيكولوجية بأن تعترض طريق الباحث منذ اللحظة التى يفحص فيها ردود الأفعال والأوضاع وغير ذلك من جهة صلاتها بالبيئة الخارجية كما تبدو لنشاط الفرد، لا من جهة علاقتها بالعمليات الداخلية للجسم. فلنفحص على هذا الأساس ذلك العدد القليل من ردود الأفعال الرئيسية فى الأسابيع الأولى وهى: الأفعال المنعكسة الخاصة بالمص والقبض على الأشياء والصراخ وإصدار الأصوات وحركات وأوضاع الذراعين والرأس والجذع وغيرها.

مما يستلفت النظر فى هذا الصدد هو أننا نرى أن مثل هذه الضروب من النشاط تؤدى منذ اللحظة الأولى للقيام بوظيفتها إلى نوع من النظام الدقيق الذى يتجاوز حركتها الآلية البحتة، وسواء أنظرنا فى ذلك إلى كل ضرب من هذه الضروب على حدة أم نظرنا إليها بعضها بالنسبة إلى بعض. فبمجرد الولادة تقريبا يوجد إذن "سلوك"، بمعنى أنه يوجد لدى الطفل رد فعل كلى لا مجرد تحريك لأجهزة آلية خاصة أو محلية ترتبط فيما بينها من الداخل فقط. ويمكننا القول بعبارة أخرى بأن المظاهر المتتابعة لأى فعل منعكس، كفعل المص مثلا، لا سبيل إلى مقارنتها بتحريك المرء لمحرك ما فى فترات معينة تتخللها ساعات من الراحة، ولكنها تؤلف نوعا من التسلسل التاريخى الذى تتوقف فيه كل مرحلة على المراحل السابقة، كما تعد شرطا فى المراحل التالية على هيئة تطور عضوى حقيقى. وفى الواقع مهما يكن من حدة هذه العملية التاريخية فمن الممكن أن نتتبع مراحلها من الخارج، وأن نصف الأمور كما لو كان كل رد فعل خاص يحدد ردود الأفعال الأخرى دون وسائط. وهذا هو معنى أن هناك رد فعل كليا، أى نقطة بدء لعلم النفس.

صفحة 10

1. الأفعال المنعكسة الخاصة بالمص

فلنضرب لذلك مثالا بالأفعال المنعكسة الخاصة بالمص، أو عملية المص الغريزية، وهى أفعال منعكسة معقدة تتصل بعدد كبير من الألياف المتجهة نحو المركز والخاصة بعصب الرأس الخامس ذى الشعب الثلاث وباللسان والحلق، كما تتصل أيضا بالألياف المتجهة من المركز والخاصة بالعصب الوجهى والأعصاب تحت اللسانية وجهاز المضع، وكل هذه الأعصاب ترتبط بمركز خاص هو النخاع المستطيل. وها هى ذى أولا بعض الظواهر:

ملاحظة (1):

يلاحظ على الطفل منذ ولادته وجود محاولة للمص فى الفراغ؛ وذلك على هيئة حركات اندفاعية للشفتين تُصحب بمط الشفتين إلى الأمام وتحريك اللسان، بينما تقوم الذراعان بحركات غير منتظمة يختلف إتساقها قلة أو كثرة، ويتحرك الرأس حركات أفقية وهلم جرا.

وبمجرد أن تنتهى اليدان إلى مس الشفتين يبدأ الفعل المنعكس الخاص بالمص فوراً. فيمص الطفل أصابعه مثلا للحظة. لكنه لا يدرى بطبيعة الأمر كيف يحتفظ بها فى فمه ولا كيف يتابعها بشفتيه. وعلى هذا النحو مصت "لوسين" يدها بعد ولادتها بخمس عشرة دقيقة. ومص "لوران" يده بعد ولادته بنصف ساعة. ولما كان الوضع الذى وجدت فيه "لوسين" قد جعل يدها ثابتة لا تتحرك فقد ظلت تمص أصابعها أكثر من عشر دقائق.

وبعد الولادة بعدة ساعات بدأت الرضعة الأولى للسائل الذى يسبق اللبن الحقيقي. ونحن نعلم إلى أى حد يختلف الأطفال بعضهم عن بعض من جهة التكيف بهذه الوجبة الأولى. فلدى بعضهم مثل "لوسين" و"لوران" يكفى أن يوجد الاتصال بين الشفتين، واللسان دون ريب، وبين حلمة الثدى حتى يتبعه المص والبلع. ولا يتحقق هذا الاتساق عند بعض الأطفال الآخرين مثل: "جاكلين" إلا ببطء: فنرى الطفل يترك الثدى فى كل لحظة، دون أن يحاول استرجاعه بنفسه. وإذا وضعت له الحلمة فى فمه لم تقبض شفتاه عليها بنفس القوة. وأخيراً يوجد أطفال آخرون لابد من قهرهم على الرضاعة قهراً حقيقياً: وذلك بإمساك رأس الطفل واستخدام القوة فى وضع الحلمة بين شفتيه حتى تلامس اللسان إلى آخره.

ملاحظة (2):

فى صبيحة يوم الولادة يمسك "لوران" الحلمة بشفتيه دون أن يكون فى حاجة إلى من يحتفظ له بها فى فمه. وعندما يفقد الثدى بسبب حركة ما فإنه يبحث عن الحلمة فوراً.

كذلك يعود "لوران" فى أثناء اليوم الثانى إلى محاولة المص فى الفراغ بين الوجبات فيكرر الحركات الاندفاعية التى كان يقوم بها فى اليوم الأول، فتفتر شفتاه ثم تنطبقان، كما لو كان الأمر خاصا برضعة حقيقية، ولكن غير ذات موضوع. وقد أصبح هذا السلوك كثير التكرار فيما بعد. ولذا فلن نشير إليه بعد الآن.

وفى نفس اليوم لوحظ لدى "لوران" بدءاً لنوع من البحث بأفعال منعكسة. وقد تطور هذا البحث فى الأيام التالية، وأصبح دون شك معادلا من الوجهة الوظيفية للتحسسات التى تتميز بها المراحل التالية (لتحصيل العادات والذكاء العملى). فإذا كان "لوران" نائماً على ظهره فتح فاه وحرك شفتيه ولسانه حركة خفيفة تمثل الصورة الإجمالية لعملية المص، ويتحرك رأسه يميناً ويساراً كما لو كان يبحث عن شئ ما. وهذه الحركات إما أن تكون صامتة وإما أن تتخللها زمحرة مصحوبة بتعبيرات انفعالية تدل على نفاد الصبر، والجوع.

ملاحظة (3):

فى اليوم الثالث يحقق "لوران" تقدماً جديداً فى تكيفه بالثدى: فيكفيه أن يصدم الحلمة أو البشرة المحيطة بها بشفته لكى يفتح فمه ويتحسس حتى يصادفه النجاح. لكنه قد يبحث أيضا فى الجهة المخالفة كما يبحث فى الجهة الصحيحة، أى فى الجهة التى حدث فيها الاصطدام.