صفحة 1
مقدمة للطبعة الأوكرانية لرواية مزرعة الحيوان – جورج أورويل- آذار 1947
يتوقع القراء مني أن أقول شيئاً عن نشوء مزرعة الحيوان, لكنني أود أن أقول شيئاً عن نفسي, وتجاربي التي وصلت من خلالها إلى موقفي السياسي. لقد ولدت في الهند عام 1903. كان والدي موظفاً رسمياً في الإدارة الانكليزية هناك, وعائلتي من عائلات الطبقة الوسطى التي تضم الجنود ورجال الدين والموظفين الحكوميين والمعلمين والمحامين والأطباء.... الخ. تعلمت في ايتون، أكثر المدارس الانكليزية الخاصة تكلفةً وتكبراً و التي لم أصل إليها إلا من خلال منحةٍ دراسيةٍ لأن أبي لم يكن يتحمل أقساط مدرسة من هذا النمط.
بعد أن أنهيت دراستي في ايتون بوقت قصير - لم أكمل العشرين من عمري- ذهبت إلى بورما وانضممت إلى الشرطة الإمبراطورية الهندية التي كانت شرطة مسلحة - نوع من الدرك - شبيهة جدا بالحرس المدني الإسباني, أو الحرس المتنقل في فرنسا, أمضيت في الخدمة خمس سنوات, لكنها لم تناسبني, وجعلتني أكره الإمبريالية، لم تكن العلاقة بين الانكليز والبورميين وديةٍ على الرغم من عدم وضوح المشاعر الوطنية في بورما آنذاك. استقلت من الخدمة عام 1927 حين كنت في إجازة في انكلترا, وقررت أن أصبح كاتباً. بين عامي (1928 و1929) عشت في باريس, وكتبت قصصاً قصيرةً ورواياتٍ لم ينشرها لي أحد وأتلفتها كلها. في السنوات التي تلت ذلك عشت على الكفاف, وعانيت من الجوع في مناسباتٍ كثيرة, ولم أعش مما كسبته من كتابتي حتى عام 1934 وبعد. في غضون ذلك عشت شهوراً وسط الفقراء وأشباه المجرمين الذين كانوا يقطنون في أسوأ وأفقر الأحياء, أو تشردت في الشوارع كمتسول أو لص, في ذلك الوقت عاشرتهم بسبب عوزي للمال, لكن فيما بعد تأثرت كثيراً بطريقة عيشهم نفسها, قضيت شهوراً كثيرةً بطريقة أكثر منهجية هذه المرة أدرس ظروف عمال المناجم في شمال انكلترا, (إلى عام 1931) لم أنظر إلى نفسي كاشتراكي, وفي الحقيقة لم تكن لي آراء سياسية محددة بوضوح آنذاك؛ أصبحت من مناصري الاشتراكية بسبب الاشمئزاز من الطريقة التي اضُطهد وأُهمل فيها الفقراء والعمال الصناعيين أكثر من إعجابي النظري بالمجتمع المخطط.
صفحة 2
في عام 1936 تزوجت. وفي الأسبوع نفسه اندلعت الحرب الأهلية في إسبانيا. رغبنا أنا وزوجتي في الذهاب إلى إسبانيا, والقتال دفاعاً عن الحكومة الاسبانية, كنا جاهزين في غضون ستة أشهر حالما أنهيت الكتاب الذي كنت أكتبه. أمضيت في إسبانيا ستة أشهر على جبهة اراغون إلى أن أصابني قناص فاشي بطلقة اخترقت عنقي في (هويسكا).في المراحل الأولى من الحرب لم يدرك الأجانب إجمالاً الصراعات الداخلية بين الأحزاب السياسية المختلفة المؤيدة للحكومة. بعد سلسلة من الحوادث لم أنضم إلى الكتيبة الأممية كغيري من غالبية الأجانب, وإنما إلى ميليشيا (البيوم-التروتسكيينا) الأسبان, في وسط عام 1937 حين فاز الشيوعون بالسيطرة (أو السيطرة الجزئية) على الحكومة وبدؤوا بحبس (التروتسكويين) وجدنا أنفسنا أنا وزوجتي بين الضحايا, لقد كنا محظوظين لخروجنا أحياء من إسبانيا, ولم يلق القبض علينا ولا مرة, لقد أُعِدم كثيرٌ من أصدقائي, وسُجِن آخرون وقتاً طويلاً أو اختفوا ببساطة.
استمرت مطاردة الرجال في إسبانيا في الوقت نفسه التي كانت ميل حملات التطهير الكبرى في الاتحاد السوفييتي, ومكملا لها في إسبانيا. وكانت طبيعة الاتهامات واحدة كما في روسيا (التآمر مع الفاشيين), وفيما يتعلق بأسبانيا لدي كل الأسباب بأن الاتهامات كانت مزيفة, تجربة ذلك كله كان درساً موضوعياً قيماً, علمني كيف تستطيع دعاية النظام الشمولي السيطرة بسهولة على رأي الناس المتنورين في البلدان الديمقراطية, لقد رأينا أنا وزوجتي أشخاصاً أبرياء يرمون في السجون لمجرد الاشتباه باللاعقائدية, الأدهى عند عودتنا إلى انكلترا وجدنا عدد هائل من المراقبين المطلعين جيداً, والمدركين ممن يعتقدون بأكثر الروايات حماقة عن المؤامرة والخيانة والتخريب التي كانت تنقلها الصحافة من محاكمات موسكو. وأدركت أنا أيضاً أكثر من قبل التأثير السلبي للأسطورة السوفيتية على الحركة الاشتراكية الغربية, وهنا يجب علي أن اصف موقفي من النظام السوفيتي.
لم أزر روسيا قط ومعرفتي بها مما تعلمته من قراءة الكتب والجرائد, وليس لدي الرغبة بالتدخل في الشؤون الداخلية السوفيتية ولو كان لي النفوذ فلن أشجب ستالين ورفاقه بسبب أساليبهم الهمجية وغير الديمقراطية, وربما لم يكن بإمكانهم التصرف بطريقة أخرى تحت الظروف السائدة هناك, حتى لو توفرت أفضل النوايا، لكن بالمقابل من المهم جداً لي ضرورة أن يرى الناس في أوروبا الغربية النظام السوفيتي على حقيقته, منذ 1930 لم أرَ دليلاً ولو كان صغيراً بأن الاتحاد السوفيتي كان يتقدم نحو شيء يمكن تسميته بشكل حقيقي بالاشتراكية, على العكس، لقد صعقت بعلامات تحوله إلى مجتمع تراتبي ليس للحكام فيه أي سبب في التخلي عن السلطة كغيرهم من الطبقات الحاكمة, إضافة إلى أن العمال والمثقفين في بلاد كانكلترا لم يدركوا بأن الاتحاد السوفيتي اليوم يختلف تماماً عمّا كان عام 1917, وذلك جزئياً, لأنهم لم يريدوا ذلك, (فقد أرادوا أن يؤمنوا بوجود اشتراكية في مكان ما فعلياً) وجزئياً لأن اعتيادهم على حريةٍ نسبيةٍ واعتدالٍ في الحياة العامة، لم تكن الشمولية مفهومةً إطلاقاً بالنسبة لهم.
صفحة 3
لكن يجب أن يتذكر المرء أن انكلترا ليست ديمقراطية تماماً فهي بلاد رأسمالية أيضاً مع امتيازات طبقية عظيمة, وفروق عظيمة في الثروة حتى الآن, على الرغم من أن الحرب نزعت إلى المساواة بين الناس, لكنها مع ذلك، بلاد عاش الناس فيها معا مئات السنين دون صراع أساسي، كما أن القوانين فيها عادلةٌ نسبياً, ويمكن تصديق الأخبار الرسمية, والإحصائيات فيها, وأخيراً وليس آخراً هي بلاد تتبنى آراء الأقلية والتعبير عنها لا يشمل أي خطر مميت. في جو كهذا ليس لدى رجل الشارع أي فهم حقيقي لأشياء مثل معسكرات الاعتقال, والترحيل الجماعي, والاعتقال دون محاكمات, والرقابة على الصحافة.... الخ. كل شيء يقرأه عن الاتحاد السوفييتي يترجم فوراً إلى المصطلحات الانكليزية, ويقبل ببراءة بأكاذيب الدعاية الشمولية, حتى عام 1939 وبعده أيضاً، غالبية الشعب الانكليزي كانوا عاجزين عن تقييم الطبيعة الحقيقةٍ للنظام النازي في ألمانيا, والآن مع النظام السوفيتي لا يزالون إلى حد كبير تحت تأثير الوهم نفسه, مما سبب ضرراً عظيماً للحركة الاشتراكية في انكلترا, وكان له عواقب خطيرة على السياسة الخارجية الانكليزية, في الواقع – برأي –
لم يساهم شيء بهذا القدر إلى فساد الفكرة الأصيلة للاشتراكية, مثل الاعتقاد بأن روسيا بلاد اشتراكية, وان كل فعل لحكامها يجب أن يسوّغ إن لم يقلد, ولذلك في السنوات العشر الماضية, اقتنعت بأن تدمير الأسطورة السوفيتية كان ضرورياً وجوهرياً إن أردنا بعث الحركة الاشتراكية وإحياءها.
عند عودتي من اسبانيا فكرت في كشف الأسطورة السوفيتية في قصة يمكن أن تكون مفهومة بسهولة من قبل أي واحد, وتترجم بسهولة إلى اللغات الأخرى, لكن التفاصيل الفعلية للقصة لم تخطر لي إلا في يوم - كنت أعيش آنذاك في قرية صغيرة- رأيت صبياً صغيراً، يقود عربة ضخمة يجرها حصان في ممر ضيق، وكان يجلده بالسوط كلما حاول الدوران, فخطر لي لو أن هذا الحيوان أصبح مدركاً لقوته فلن تظل لنا عليه أي سلطة, والبشر يستغلون الحيوانات بالطريقة نفسها التي يستغل الأغنياء فيها البروليتاريا.
لقد شرعت في تحليل نظرية ماركس من وجهة نظر الحيوانات, بالنسبة لها (الحيوانات) من الواضح أن فكرة الصراع الطبقي بين البشر كانت محض وهم، إذ كلما كان استغلال الحيوانات ضرورياً يتحد البشر كلهم ضدها؛ في الصراع الحقيقي بين الحيوانات وبين البشر, من هذا المنطلق أصبح التوسع في القصة صعباً, لم اكتبها حتى عام 1943؛ لأنني كنت منشغلاً دائماً في عمل آخر لم يترك لي الوقت, لذلك وفي النهاية ضمنتها بعض الأحداث مثل مؤتمر طهران الذي انعقد وأنا اكتب الرواية؛ لهذا ظلت الخطوط الرئيسية في ذهني لمدة ست سنوات قبل أن أكتبها فعلياً, لا أرغب في الحديث عن العمل, فإذا لم يتكلم هو عن نفسه فهو فاشل, لكني أود التأكيد على نقطتين: الأولى، إنه على الرغم من كثرة المشاهد المأخوذة من التاريخ الفعلي للثورة الروسية، إلا أنها عوملت بطريقة منهجية, وتم تغيير ترتيبها الزمني؛ فقد كان هذا ضروريا لتناسق القصة, النقطة الثانية التي أغفلها أغلب النقاد، ربما لأنني لم أشدد عليها بالشكل الوافي, ربما هناك عدد كبير من قراء الكتاب ينهيه بالانطباع بوجود تسوية كاملة بين الخنازير والحيوانات, لكن قصدي لم يكن ذلك, على العكس، فقد قصدت أن أنهيها في ملاحظة مدوية من الخلاف؛ لأنني كتبتها بعد مؤتمر طهران الذي أعتقد الجميع بأنه وطد أفضل العلاقات الممكنة بين الاتحاد السوفييتي والغرب, وأنا شخصياً لا أعتقد بأن هذه العلاقات الطيبة ستدوم طويلاً, وقد بينت الأحداث بأنني لم أذهب بعيداً في خطأي.
لا أعرف ماذا يجب أن أضيف أيضاً. إن اهتم أي واحد بالتفاصيل الشخصية، فسوف أضيف بأنني أرمل ولي ابن عمره ثلاث سنوات، وأنني كاتب بالمهنة, ومنذ بداية الحرب أعمل كصحفي على الأغلب, أكثر الدوريات التي أساهم في الكتابة لها هي (التريبيون)، أسبوعية اجتماعية سياسية تمثل الجناح اليساري من حزب العمل, ربما كتبي التالية قد تنال اهتمام القارئ العادي أيام بورما (قصة عن بورما)، تحية إلى كاتالونيا (انبثقت من تجاربي في الحرب الأهلية الاسبانية), والمقالات النقدية (مقالات عن الأدب الانكليزي الشعبي المعاصر, وهي من وجهة النظر الاجتماعية أكثر تثقيفية من وجهة النظر الأدبية.
صفحة 4
مزرعة الحيوان الفصل الأول
أغلق مالك مزرعة القصر، السيد (جونز) قن الدجاج؛ بسبب الليل, ولم يتذكر أن يغلق فتحات العلف الصغيرة لأنه كان ثملاً. ترنح عبر الساحة في دائرة ضوء فانوسه التي كانت تتراقص على جانبيه, وركل بحذائه الباب الخلفي, وانتزع كأسه الأخيرة من الجعة في البرميل الذي كان في حجرة غسيل الأطباق, ثم شقّ دربه إلى سريره حيث غط في نوم عميق في الحال.
هب نشاطٌ وهياجٌ في كل أبنية المزرعة فور انطفاء الضوء من حجرة النوم, فقد سرت شائعةٌ أثناء النهار بأن الخنزير الأبيض العجوز (ميجور)، انتابه حلمٌ غريبٌ في الليلة السابقة, ورغب بنقله للحيوانات الأخرى التي اتفقت على الاجتماع في الحظيرة الكبيرة فور تنحي (اولد ميجور) عن طريقها, حظي (اولد ميجور) - كما كان يدعى دائماً على الرغم أن الاسم الذي أعطي له كان (ويلنغدون بيوتي) باحترام كبير في المزرعة؛ لذلك كان الجميع مستعداً للتضحية بساعة نوم من وقته لسماع ما سيقوله.
في أحد أطراف الحظيرة الكبيرة, وعلى منصة مرتفعة، استقر (اولد ميجور) على فراش من القش تحت فانوس تدلى من عارضة خشبية, كان في الثانية عشرة من عمره, وازدادت بدانته مؤخراً, لكنه لازال خنزيراً ملكي الإطلالة, وذو مظهر عاقل ومحب للخير, على الرغم من حقيقة أن أنيابه لم تقطع, قبل أن تبدأ الحيوانات الأخرى بالوصول, وتأخذ راحتها كل على طريقته الخاصة بوقت طويل, أولاً جاءت الكلاب الثلاثة، (بلوبيل وجيسي وبنشر)، ثم الخنازير، التي استقرت فوراً على القش أمام المنصة, وقف الدجاج على عتبات النوافذ، ورفرف الحمام على عوارض السقف الخشبية، أما الأغنام والأبقار فاستلقت خلف الخنازير, وبدأت تجتر مضغها, جاء حصانا العربة، (بوكسر وكلوفر) معاً، يمشيان ببطء شديد, واستقرت حوافرهما المشعرة الكبيرة بعناية كبيرة خشية أن يكون أحد الحيوانات الصغيرة مختبئاً في القش, كانت (كلوفر) فرساً حنوناً متينة تقترب من أواسط عمرها, ولم تعد إلى شكلها السابق بعد ولادة مهرتها الرابعة, أما (بوكسر) فكان دابةً ضخمةً، يصل علوه إلى ثمانية عشر شبر تقريباً, وقوته تعادل قوة حصانين مجتمعين, شريط أبيض تحت أنفه أعطاه مظهراً غبياً إلى حد ما, وهو في الواقع لم يكن ذكياً من الطراز الأول, لكنه كان محترماً عموماً لثبات شخصيته, وقوته الهائلة على العمل, بعد الحصانين جاء التيس الأبيض (مورييل) والحمار (بنجامين), كان (بنجامين) أكبر الحيوانات عمراً في المزرعة, وأسوأها طبعاً, فقلما كان يتحدث, وعندما يفعل، يكون عادة لإطلاق ملاحظاتٍ ساخرة, مثلاً: كان يقول: بأن الرب أعطاه ذيلاً ليبعد به الذباب, لكنه بعد فترة قريبة لم يبق لديه لا ذيل ولا ذباب, كما أنه من بين حيوانات المزرعة كلها الذي لم يضحك أبداً وإن سئل عن السبب, كان يقول: إنه لم ير شيئاً يثير الضحك, مع ذلك، دون الاعتراف علناً، كان مخلصاً لـ(بوكسر), كانا يمضيان أيام آحادهما معاً في
صفحة 5
الاصطبل الصغير وراء البستان، يرعيان جنباً إلى جنب, ولا يتحدثان أبداً, ما إن استلقى الحصانان حتى طار سرب من أفراخ البط التي ضيعت أمها في المخزن وبطبطت بوهن متجولة من جانب إلى آخر؛ لتجد مكاناً لا تداس فيه, صنعت (كلوفر) جداراً حولها بقائمتها الأمامية, وأوت الأفراخ داخله التي نامت على الفور, في اللحظة الأخيرة(مولي) المهرة البيضاء الجميلة الغبية التي جرّت فخ السيد (جونز)، دخلت تتبختر برشاقة تمضغ قطعة من السكر، أخذت مكاناً قريباً من المقدمة, وبدأت تداعب عرفها الأبيض آملة لفت الانتباه إلى شريط الزينة الأحمر الذي ظفرت عرفها به. آخر القادمين كانت القطة التي نظرت حولها، من أجل المكان الأكثر دفئاً، وأخيراً أقحمت نفسها بين (بوكسر وكلوفر), وهرهرت هناك راضية خلال خطاب (اولد ميجور), دون أن تستمع إلى كلمة مما قاله.
أصبحت الحيوانات حاضرة كلها الآن ماعدا الغراب (موسى)، الذي نام على قصبة خلف الباب الخلفي, وحين رأى (اولد ميجور) أن الحيوانات جلست وارتاحت, وكانت تنتظر بانتباه، تنحنح وبدأ:
"أيها الرفاق، لقد سمعتم مسبقاً بالحلم الغريب الذي راودني ليلة أمس الذي سآتي على ذكره لاحقاً, فلدي شيء آخر علي قوله أولاً, لا أظنّ أيها الرفاق بأنني سأظل معكم أشهراً أخرى وقبل أن أموت، أشعر من واجبي أن أنقل لكم هذه الحكمة كما اكتسبتها, لقد عشت حياة طويلة وكان لدي وقت كثير للتفكير حين كنت استلقي وحيداً في مربطي، وأعتقد أنه يمكني القول بأنني فهمت طبيعة الحياة على هذه الأرض, بالإضافة إلى كل حيوان يعيش الآن, وهذا ما أرغب أن أحدثكم به.
"الآن، أيها الرفاق، ما هي طبيعة حياتنا هذه؟ دعونا نواجهها: حياتنا بائسة, ومتعبة وقصيرة، وُلدنا لنُعطى ما يكفي من الطعام الذي يبقى الروح في أجسادنا فقط، وهؤلاء المؤهلون منا يجبرون على العمل إلى آخر ذرةٍ في قوتنا، وفي اللحظة التي تنتهي فيه منفعتنا نذبح بوحشية شنيعة, ليس هناك حيوان واحد في انكلترا يعرف السعادة, أو الراحة بعد أن يبلغ سنة من عمره, ليس هناك حيوان حر في انكلترا, حياة الحيوان بؤس وعبودية, تلك هي الحقيقة الصريحة.
"لكن ببساطة هل هذا جزء من نظام الطبيعة؟ هل هذا لأن أرضنا فقيرة جداً ولا يمكنها توفير حياة كريمة للذين يسكنون عليها؟ لا أيها الرفاق، وألف لا! تربة انكلترا خصبة ومناخها جيد وقادرة أن تمنح طعاماً فائضاً إلى عدد من الحيوانات أكبر بكثير مما يقطنها الآن. مزرعتنا وحدها تعيل عشرة خيول وعشرين بقرة, ومئات النعاج, لتعيش كلها في راحة وكرامة هما الآن أبعد من تخيلنا, لماذا إذاً نستمر في هذه الحالة البائسة؟ لأن البشر يسرقون كل إنتاج عملنا تقريباً, ذلك هو الجواب لكل مشاكلنا، أيها الرفاق الذي يتلخص بكلمة واحدة. الإنسان, الإنسان هو عدونا الحقيقي الوحيد. أزيلوا الإنسان من المشهد وسيُمحى السبب الأصلي للجوع والعمل المرهق إلى الأبد.
صفحة 6
"الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يستهلك دون أن ينتج, فهو لا يعطي الحليب ولا يضع البيض وأضعف من أن يجر المحراث، ولا يستطيع الركض بسرعة للامساك بالأرانب, ومع كل هذا هو سيد الحيوانات الذي يجبرها على العمل, ويعيد لهم الحد الأدنى الذي يقيهم من الجوع, ويحتفظ لنفسه بالبقية, كدحنا يحرث التربة, وروثنا يسمدها, ومع ذلك لا يوجد واحد منا يملك أكثر من جلده, أنتن أيتها البقرات اللواتي أراكن أمامي، كم ألف غالون من الحليب أعطيتن في السنة الماضية؟ كل قطرة منه ضاعت في حلوق أعدائنا, وأنتن أيتها الدجاجات، كم بيضة وضعتن في السنة الماضية، وكم بيضة منها فقست وأصبحت أفراخاً؟ البقية ذهبت كلها للسوق لتجلب المال لـ(جونز) ورجاله, وأنت يا (كلوفر)، أين تلك المهور الأربع التي ولدتها؟ لماذا لم تكن سنداً وعزوة لك في هرمك؟ لقد بيعت كلها قبل أن تتجاوز السنة الواحدة من عمرها, ولن تري أياً منها ثانية, ماذا لديك عدا حصصك من الطعام والمربط تعويضاً عن ولاداتك الأربع وكدك في الحقول؟!
" وحتى الحياة البائسة التي نحياها لا يُسمح لها أن تبلغ عمرها الطبيعي, عن نفسي أنا لا أتذمر؛ لأنني كنت أحد المحظوظين. أنا في الثانية عشرة من عمري ولدي أكثر من أربعمائة طفل. هذه هي الحياة الطبيعية للخنزير, لكن لن ينجو أي حيوان من السكين الوحشية في النهاية, أنتم أيها الخنازير الصغار الذين تجلسون أمامي، ستكون حياة كل واحد منكم مهددة في غضون سنة واحدة, يجب علينا كلنا، البقر والخنازير والدجاج والأغنام أن ننتبه لذلك الرعب, حتى الخيول والكلاب مصيرها ليس أفضل أيضا, أنت يا (بوكسر)، في اليوم الذي تفقد فيه عضلاتك العظيمة قوتها، سيبيعك (جونز) إلى مشتري الحيوانات الهزيلة الذي سينزع حنجرتك, ويحولك طعاماً لكلاب الصيد, أما الكلاب حين تهرم وتفقد أسنانها، يربط (جونز) قرميدة حول رقابها ويغرقها بأقرب بركة.
" ألا يتضح بجلاء أيها الرفاق أن كل الشرور في حياتنا تنبثق من استبداد البشر؟ لو تخلصنا من الإنسان سيكون نتاج عملنا لنا ونصبح أغنياء وأحراراً بين عشية وضحاها تقريباً. إذاً ما الذي يجب علينا أن نفعله ؟ ولماذا؟ اعملوا في النهار والليل وبالروح والجسد من أجل الإطاحة بالسلالة البشرية! هذه رسالتي لكم. أيها الرفاق: الثورة! أنا لا أعرف متى ستأتي تلك الثورة، قد تكون في غضون أسبوع أو بعد مئات السنين، لكني أعرف ومتأكد كما أرى هذا القش تحت قدمي، بأن العدالة ستتحقق عاجلاً أم آجلاً, ركزوا عيونكم على ذلك, أيها الرفاق، خلال البقية القصيرة من حياتكم, وقبل كل شيء، انقلوا رسالتي إلى الذين يأتون من بعدكم، لتواصل الأجيال القادمة الصراع حتى تظفر بالنصر.
صفحة 7
"وتذكروا أيها الرفاق، يجب أن لا يضعف تصميمكم وأن لا يحرفكم أي خلاف, لا تصغوا أبداً حين يقولون لكم بأن للإنسان والحيوانات مصلحة مشتركة, وأن ازدهار الأول هو ازدهار للآخرين, هذه كلها أكاذيب, لا يخدم الإنسان مصلحة أي مخلوق غير نفسه, ولتكن بيننا وحدة تامة، رفاقية تامة في الصراع, كل البشر أعداء وكل الحيوانات رفاق."
ثار هياجٌ هائلٌ في هذه اللحظة. بينما كان (ميجور) يخطب تسلل أربعة جرذان كبيرة من أوكارها, وكانت تجلس على أرجلها الخلفية، تستمع له. لمحتها الكلاب فجأة, ولم تنجُ الجرذان بحياتها لو لم تندفع بحركةٍ سريعةٍ إلى أوكارها. رفع (ميجور) قدمه إشارة للسكوت.
"أيها الرفاق،" قال: "هنا نقطة هامة يجب أن تسوى, المخلوقات البرية كالجرذان والأرانب مثلاً: هل هم أصدقاء لنا أم أعداء؟ دعونا نحتكم للاقتراع, أقترح هذا السؤال على الجلسة: هل الجرذان رفاق؟"
جرى التصويت فوراً, واُتفق بأغلبية ساحقة بأن الجرذان رفاق, كان هناك أربعة معارضين، الكلاب الثلاثة والقطة التي كشف لاحقاً بأنها صوتت للطرفين. استمر (ميجور):
" يجب علي أن أضيف القليل. أنا أكرر فقط، تذكروا دائماً واجبكم في العداء الموجه للإنسان, وكل سبله. كل من يسير على رجلين اثنتين عدو. كل من يسير على أربع أرجل أو له أجنحة صديق, وتذكروا أيضاً في القتال ضد الإنسان، يجب علينا أن لا نتشبه به, حتى بعد أن تهزموه لا تقبلوا برذائله, يمنع على الحيوانات العيش في بيوت, أو النوم في أسرة, أو ارتداء الثياب, أو شرب الكحول, أو تدخين التبغ, أو لمس النقود, أو العمل بالتجارة. كل عادات الإنسان شر, وقبل كل شيء، لا يجوز أبداً لأي حيوان أن يخون بني جنسه, ضعفاء أم أقوياء، أذكياء أم بسطاء, كلنا أخوة. لا يجوز أبداً لأي حيوان أن يقتل حيواناً آخر. كل الحيوانات متساوية.
"والآن يا رفاق، سأقص لكم حلمي في ليلة أمس. لا أستطيع وصف ذلك الحلم, لكنه كان حلماً بالأرض بعد أن يتلاشى الإنسان منها, وذكرني بشيء نسيته منذ زمن طويل, قبل سنوات كثيرة, حين كنت خنزيراً صغيراً، كانت أمي والخنزيرات الأخريات ينشدن أغنية قديمة لا يعرفن منها سوى اللحن, والكلمات الثلاث الأولى, تعلمت ذلك اللحن في مهدي وخرج من ذهني منذ زمن طويل, لكنه عاد إلي في حلمي. ليلة أمس. والأكثر أن كلمات الأغنية عادت أيضاً، أنا متأكد، الكلمات التي كانت تغنيها الحيوانات منذ زمن بعيد, وضاعت من الذاكرة لأجيال, سأنشد تلك الأغنية لكم الآن أيها الرفاق. أنا عجوز وصوتي أجش, لكنكم حين تتعلمون اللحن يمكن أن تنشدوها بشكل أفضل لأنفسكم, إنها تسمى " بهائم انكلترا"