eKtab
EN ع
نافذة على الحداثة - دراسات في أدب جبرا إبراهيم جبرا
اقرأ عينة مجانية

نافذة على الحداثة - دراسات في أدب جبرا إبراهيم جبرا

بقلم د. عيسى بلاطة

صفحة 1

1

جبرا والحداثة*
قد يبدو الكلام على الحداثة في بداية القرن الحادي والعشرين موضوعاً قديماً بعد أن بحثها النقاد ومؤرخو الأدب العربي طويلاً في منتصف القرن العشرين وفي ما تلاه من سنوات· وقد يبدو كلاماً نافلاً غير ضروري، ولاسيما بعد دخول النتاج الأدبي الجديد عصر ما بعد الحداثة في كثير من بلدان العالم· غير أن مفهوم الحداثة الفضفاض لدى الكثيرين ومفنوم جبرا إبراهيم جبرا المحدد له يحتّمان علينا أن نعود إلى بحثها، آملن أن نوضّح مفهومها لديه ونشير بإيجاز إلى ما أنجزه هو من أعمال أدبية تُحقق هذا المفهوم وتُجسّده·
يقول جبرا في حوار أجراه معه إلياس خوري سنة 4 7 9 1:
الحداثة هي أن تجد الطريق لكيما تكون مساهماً فاعلاً في حضارة هذا القرن· لذلك فأنت مطالب بالتمرد، ومطالب بأن يكون في تمردك ما يستمد بعض حيويته من جذورك وتضيف إليه من أصالتك المتجهة نحو زمانك، فتصبح جزءاً فاعلاً في عصرك، جزءاً غير منقطع عن ماضيك، ولكنه جزء لا يكرر ماضيك، ويحفزه التحرر حتى من حاضرك· أنا لا أقول بالانقطاع المطلق، فأنا أومن أن للتراث قوة هائلة في حياتنا· ويجب أن تبقى له هذه القوة المغذية للنفس· لكني أقول خذ من التراث ما هو حي وأترك ما هو ميت للأكاديميين الذين يقول عنهم رامبو إنهم أموات أكثر من أي متحجر· إن في التراث قوة نستمدها ولكن يجب أن نضيف إليها قوة جديدةس، بحيث تكون الحداثة انطلاقاً سهمياً لا دوراناً انكفائياً· يتصور بعض الناس أنك بالعودة إلى التراث تجدده· هذا غير صحيح· فالعودة إلى التراث لا تجدد شيئاً، لكن بالانطلاق منه، وبالإضافة إليه، تجدد قوته، إذ بالإضافة فقط تهيئ المسار المستقبلي للنُسغ الحي الكائن فيه· (جبرا إبراهيم جبرا، ينابيع الرؤيا: دراسات نقدية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 9 7 9 1، ص 1 4 1 ·)
في هذا التحديد للحداثة، نجد أن جبرا يربطها رابطاً وثيقاً بالحضارة الراهنة عن طريق المساهمة الفاعلة فيها ويربطها أيضاً بالتمرد عن طريق الإضافة الأصلية إلى هذه الحضارة· فننظر في هدين المفهومين أولاً: الحضارة والتمرد·
الحضارة التي يعنيها جبرا هي حضارة القرن العشرين، وهي الحضارة التي ورثت الكثير عن حضارات الماضي، ولكنها تتميز عليها بأشياء جديدة لم تكن جزءاً من حضارات الماضي هذه· فمن الجديد فيها ما توصل إليه العلم الحديث من حقائق واكتشافات وما أدخله ذلك على فهم الحياة من نظريات ومسلّمات صارت جزءاً من حياة الناس في كل شأن من شؤونهم· لقد أدرك جبرا بشكل عميق جداً أن حياة الإنسان الحديث ما عادت مثل حياة الإنسان في الماضي· كثيرون يعرفون هذه الحقيقة الواضحة ولكنهم لا يعيشونها· زما جبرا فيعيشها حتى أعماق روحه، وبالتالي فإن الحداثة في الأدب لديه ينبغي أن تأخذه هذه الحقيقة في عين الاعتبار بالجدّية القصوى·
ومن هنا ضرورة التمرد في رأيه· إنه لا يقول على ماذا يكون هذا التمرد، ولكننا ندرك من سياق كلامه التالي أنه التمرد على الماضي وأنه التحرر من كل ملابساته المعوقة التي تمنع من انطلاق نشاط الإنسان انطلاقاً سهمياً إلى الأمام في الحاضر ونحو المستقبل· غير أن جبرا لا يقول بالانقطاع عن الماضي انقطاعاً كلياً مطلقاً· ذلك أنه يرى أن فيه تراثاً ذا قوة هائلة لا يمكن ــ بلا لا ينبغي ــ أن تُهمل لأنها في رأيه مغذية للنفس· ولكنه يقول إن على المرء أن يأخذ ما هو حي من التراث ويترك كل ما هو ميت·
هذه إذن وسيلة الحداثة الأساسية في رأي جبرا: الإضافة إلى التراث والزخذ مما هو حي فيه وترك كل ما هو ميت· أما كيف يعرف المرء ما هو حي وما هو ميت من التراث، فلا يدخل جبرا في تفاصيل ذلك هنا· فهذه قضية خلافية ما زالت المعارك الفكرية تدور حولها حتى اليوم، ولكنه يرى حلها في فعل الإنسان النابع من أصالته· وذلك حين يقول إن على المرء أن يتمرد، وأن يكون في تمرده ما يستمد بعض حيويته من جذوره أي من تراث الماضي المتأصل فيه، وأن يضيف إلى ذلك من أصالته الفردية المتجهة إلى زمانه الرهن لكي يكون مساهماً فاعلاً في حضارة هذا القرن·
في هذا القول استعمال مزدوج لمعنى الأصالة والتًل· فالأصالة أولاً هي الانزراع والتجذر في الأصل، في تراث الماضي الأصيل، ومن ثم الصدور عنه والانطلاق منه والتعبير بوحيه عن الذات والهوية بصدق ومصداقية· ولعل الكلمة الإنكليزية المقابلة لمعنى الأصلاة هذا هي authenticity أما المعنى الآخر للأصالة فهو كون المرء يصدر عن أصل ذاته حراً من كل تأثير مسبق فيكون لكل ما يصدر عنه صفة ذاتية لا يُعرف لها مثل سابق لأنها جديدة غير مسبوقة هي من ابتكار هذا الفرد واختراعه· ولعل الكلمة الإنكليزية المقابلة لمعنى الأصالة هيا هي Originality· وبين هذين المعنيين اتصال وثيق· المعنى الأول اجتماعي جماعي موروث من الأصل الماضي، والمعنى الثاني فردي نفسي نابع من أصل الذات الخلاقة· وفي رأيي أن جبرا حاول أن يكون ما يعنيه بالحداثة اجتماع هذين المعنيين في آن واحد: فهي علاقة وثيقة بما هو حي في ماضي المجتمع وحضارته، وهي علاقة وثيقة بما هو حي في حاضر النفس الفردية وقواها الخلاقة لكل ما هو جديد·
من هذا التفسير لمعنى الحداثة في مفهوم جبرا، يدرك المرء أنه يرمي إلى موقف جادٍ من التاريخ ومن تراث الماضي ومن مجموع الثقافة والحضارة في ضوء الثورة العلمية الحديثة، ويدرك المرء أنه يرمي أيضاً إلى موقف يشعر فيه الأديب بمسؤوليته الكبيرة تجاه المجتمع وتجاه الغد· هذه الجديّة وهذه المسؤولية يضعهما جبرا على عاتق الأديب المفكر إذ يطلب منه أن يتمرد، وأن يستمد من التراث الحي، وأن يضيف إلى هذا التراث ما هو جديد لديه· وهو يحذره من الانكفاء والعودة إلى التراث عودة تكرار لا تُجيد فيه شيئاً، بل يطلب منه الانطلاق منه والإضافة إليه لتجديد قوته وتهيئة مسار النُسغ الحي للكائن فيه· إن جبرا يؤمن بوجود النُسغ الحي في التراث ويريد للحداثة أن تواصل دفع الحياة· الحداثة إذن هي انطلاق التراث الحي في نموّه الدائم لمواجهة متطلبات الحياة العصرية بالإضافات الخلاّقة، وذلك لمواصلة كينونته وتاريخه بأصالة معبرة عن هويته وفرادته وفاعلة في العصر الحديث بالتجدد المستمر·
إن مفهوم جبرا للحداثة مفهوم واضح المعالم محدد الأبعاد· ولعله متأثر فيه بأفكار الشاعر والناقد الإنكليزي ت· س· إليوت ولاسيما في مقاله المشهور البعيد الأثر Tradition and Individual Talentولكن جبرا كيّف هذا المفهوم لمقتضيات النقد العربي وما كان يدور فيه من نقاش حول الحداثة العربية في ذلك الوقت· ومهما يكن من أمر، فإنه رأي نظريّ لعل جبرا حاول فيه أن يبرر ما كان يكتبه هو من شعر أو نثر، وذلك كغيره من الشعراء والأدباء الذين يكتبون النقد ويُنظرون للأدب بنظريات تعكس اهتماماتهم·
غير أن عاملين قويين في حياة جبرا في شبابه هما اللذان أقنعاه بهذا المفهوم للحداث وهما: أولاً، ثقافته الواسعة في آداب الغرب وحضارته؛ وثانياً؛ نكبة فلسطين سنة 8 4 9 1· أما العامل الأول فذلك أن جبرا أطلع إطلاعاً مباشراً عميقاً على الآداب الغربية في دراساته الجامعية في بريطانيا وسياحته في أوروبا واختباره الحضارة الغربية عن كثب بالعيش في الغعرب خلال سنوا الحرب العالمية الثانية وأيامها العصيبة· هذا العامل الأول أقنعه بأن الغرب ما توصل إلى ما هو عليه من قوة سياسية واقتصادية وعسكرية ومن رقي في الفنون والآداب ومن تنظيم في المجتمع ومؤسساته إلا بالعلم وتطبيقه في الحياةاليومية تطبيقاً عملياً من ناحية، وبالحرية وتطبيقها في الحياة تطبيقاً ديمقراطياً من ناحية أخرى· فأراد لأمته العربية أن يكون لها مثل ذلك· لكنه ما كاد يعود وطنه من بريطانيا سنة 3 4 9 1 ويبشّر بآرائه حتى نُكبت فلسطين كبتها الكبرى سنة 8 4 9 1·
وقد كانت نكبة فلسطين هذه عاملاً ثانياً حفز جبرا ليمضي قُدُماً في ما توصل إليه من مفهوم للحداثة· وذلك أنه وجد أن مجتمعه العربي المبني على أسس حضارة تقليدية ماضوية قد انهار أمام المجتمع الصهيوني المبني على أسس حضارة حديثة منفتحة على الغد مشتقة من حداثة الحضارة في الغرب، فاشتد إيمانه بضرورة الحداثة وأهمية الأخذ بالحضارة الحديثة لتقوى بها أمته وتستعيد حقها المسلوب في فلسطين· واشتد كذلك إيمانه بضرورة التمرّد على كل ما في مجتمعه من رواسب الحضارة التقليدية الماضوية ومعوقات ثقافية تحول دون قوة الأمة العربية وتحرير فلسطين وتحرّر الإنسان العربي·
غير أن جبرا كان يدرك أنه ليس رجل سياسة ودولة، ولا رجل إصلاح اجتماعي واقتصادي وعسكري· كان يدرك أنه رجل أدب، وأن أداته في تمرده هي الكلمة وأن دافعه في التمرد هو الحب: حبُ الوطن وأهله، حبّ الحرية والخلق الأصيل، حبّ الحياة والعيش بسلام، حبّ الثقافة الجديثة والتراث المتجدد· وكان يعرف أن للكلمة من السلطان ما للحب من السلطان على القلوب، لذلك جرّد كلمته سيف تمرد وتحرّر، وشهَرَها سلاح تجديد وإضافة، وأعلن الحداثة على الأدب العربي·
ولعل جبرا يبدو أكثر تمرداً وتحرراً، وأكثر تجديداً وإضافةً في شعره مما هو في نثره· لكن الحقيقة أن حداثته في الشعر هي حداثته في النثر، فهي في كليهما صادرة عن فهم واحد للثقافة والحضارة وما يجب على الأديب أن يفعل لتجديدهما بالتمرد والإضافة· إلا أن البون شاسع ما بين الشعر الحر الذي نادى به جبرا وحققه في ما كتب من شعر وبين الشعر التقليدي الذي ثار عليه، بحيث تبدو الفجوة بينهما أكبر بكثير من الفجوة التي بين النثر الذي كتبه من قصة رواية ونقد أدبي وبين النثر السائد في زمنه في هذه الفنون الأدبية· وسبب ذلك أن الشعر العربي الذي يمتد تاريخه على أكثر من خمسة عشر قرناً كان قد أرسى قواعده المتحكمة في شكله ومضمونه بقوة ثابتة لم تستطع الأجيال المتلاحقة زحزحتها كثيراً إلا ما كان من شزن الموشحات في الأندلس، وما جاء به بعض شعراء العصر العباسي من تجديد، وما حققه بعض شعراء المهجر والوطن في القرن العشرين من إضافات· غير أن ما دعاه النقد العربي القديم عمودَ الشعر ظل سالماً، وبقيت للشعر العربي الأسس البلاغية ذاتها التي تُبنى عليها صوره ومعانيه وتراكيبُه، كما بقيت له أوزانه وقوافيه وإيقاعاته وموسيقاه التي عرفها طيلة قرون·
صفحة 2
وقد أدرك جبرا أن وضع الشعر العربي هذا هو من الرواسب الثقافية المعوقة، إذ لا يمكن لهذا الشعر أن يستوعب حركية العصر الحديث المتفجر بكل جديد وأن يعبر عن التغييرات الثورية التي ألمّت بالمجتمعات البشرية، وذلك لرتابة شكله وهالة المعاني القديمة المرتبطة به· لم يكن موقف جبرا هذا نابعاً عن جهل منه لقيمة التراث الشعري العربي وغناه، بل عن معرفة عميقة بهذا التراث الأصيل وتقدير شديد لإنجازاته الجليلة وحبّ صادق للنُسغ الحي فيه ورغبة قوية للإضافة إليه وتجديده· لذلك عمد إلى كتابة الشعر الحر وأدخل فيه من الصور والمواضيع والموسيقا ما اعتقد أنه يضيف إلى التراث ويجدده ويجعله جزءاً فاعلاً في العصر الحديث·
وأول ما يلفت النظر في شعر جبرا الحرّ أنه لا يتقيد فيه بالأوزان والقوافي وقواعد العَروض التقليدية· بل إنه لا يتقيد حتى بالتفعيلة كوحدة إيقاعية ضرورية فيه شأنَ الشعر الحر الذي كتبه بعض شعراء جيله مثل بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وأدونيس وصلاح عبد الصبور وغيرُهم· وقد أصرّ جبرا على تسميته شعراً حراً ورفض تسميته شعراً منثوراً أو قصيدة نثر لأن هذه تسميةٌ لنوع آخر من الكتابة ليست ما قصده هو· إن ما قصده، هو الشعر الحر الذي عُرف في الغرب باسم Free verse بالإنجليزية، أو Vers libre بالفرنسية· وقد أراد جبرا لشعره الحر هذا أن يخرج بقارئه من جوّ الشعر التقليدي خروجاً كاملاً، وكأنه كان يخشى إن هو أبقى فيه شيئاً من لوازم الشعر التقليدي كالوزن مثلاً، أو حتى كمجرد التفعيلة منه، أن يخون المسؤولية الملقاة على عاتقه وأن يرمي القارئ بذلك في جوّ الشعر التقليدي فيسمح له بالطرب السطحي بالوزن الرتيب المتكرر الذي يدغدغ منه الحس الخارجي ولا يتعدّاه إلى عمق المضمون الجديد فيه المتعانق مع الشكل الجديد·
كان جبرا يدرك أن الموسينقا من لوزام الشعر، ولكنه لم يكن يريدها موسينقا تقليدية آتية من الأوزان والقوافي التقليدية التي كان نيخشى رتابتها وصداها الثقافي القديم وموحياته· لذلك ابتكر لشعره الحر موسيقا جديدة قوامها الإيقاع الداخلي في تخيّر الكلمات وصياغة الجُمل وبناء الأفكار أو الصور بحيث تنمو القصيدة بذلك نمواً داخلياً يصعد بتدرّج إلى ذُروة فنية· وهكذا تظهر الموسيقا الجديدة وهي جزء لا يتجزأ من الفكرة أو الصورة، وتتجلى متحدة بها في التعبير عن غرض القصيدة· ولذلك يختلف الإيقاع في شعر جبرا من قصيدة إلى أخرى حسب غرضها· ويبلغ في القصائد الطويلة حداً من التنوع والتماسك والاتنسجام يقارب إيقاع البناء السمفوني في هبوطه وصعوده، في مزاجاته وتقلّبات أحواله داخل القصيدة الواحدة· والأمثلة على ذلك كثيرة، ولعل أقربها إلى التناول هنا قصيدتُه الطويلة التي عنوانها المدينة في ديوانه الأول تموز في المدينة المنشور سنة 9 5 9 1ن· (جبرا إبراهيم جبرا، المجموعات الشعرية، رياض الريس للكتب والنشر، لندن 0 9 9 1، ص 2 2 ــ 1 3 )·
تبدأ هذه القصيدة بتصوير المدينة بشوارعها المقفرة في الظلام وأبواب حوانيتها المقفلة في الليل، وتشير إلى الصباح الذي يلي الليل بدون تغيير في حالة الناس الذين يقضون حياتهم في العُقم والسقم، بينما الشاعر تتلوى في رأسه ألف فكرة عاصفة هو عاجز عن الفعل· لكنه يرى في دورة الفصول عزاء وسلوى، لأنه يعرف أن العدم لن يدوم فالبذرة ستنمو وتصبح ساقاً تحتوي غضبة الشتاء وفرحة الربيع، ثم يشتعل الثمر فيها بالشمس صاحكاً لكل يد تقطفه على الرغم من خشية الناس من هجمة الريح وتطويح العاصفة، فهم يتتمنّون أن لا تهبّ العاصفة، بينما الشاعر يتوقعها وينتظرها لتجلو عنهمالظلال والأشباح وترصع أشجارهم بالبراعم والزهَر، فيما يتأرجحون بين تيه من الشبق وتيه من الجوع والقلق· بل إنهم يطلبون إليه أن ينصرف عنهم ليواصلوا أعمالهم العاديّة المضنية، ولا يرون ما يراه الشاعر ورء الواقع الأليم من آفاق الخير لهم ولا يؤمنون بخير يأتي· أما هو فلا يقبل الصمت والانسحاب إذ يرى المدينة تبكي وتئن في طلب النوم والاستسلام· بل يرفع دعاءه إلى العواصف رغم اليائسين في الظلام، ويناديها لتُعيد صرخة الحياة إلى الحناجر وتُزيل عن الناس الألم· ويستنزل بها المياه الجارفة لكل عفن والكاسرة لكل قيد، ويستنبع بها الخصب للأرض لكي تتفجر الشمس بعدها خضرة وزهراً للمدينة وضحكة لسكانها مسموعة من كل دار·
يُلاحظ في هذه القصيدة وأمثالها زهدُ جبرا بالنعوت وقلةُ استعماله لمصادر الأفعال، وكثرةُ إقباله على الأفعال ذات الحيوية ولاأسماء المتداولة بين الناس· ذلك أنه يفضل أن يوصل معانيه إلى القارئ بألفاظ تجسيد هذه المعاني بتركيبها في الجملة لا بمجرد نعوتها، ويفضل أن يعي القارئ حركة الفعل فيها لا سكون المصدر· وهذا مما يضفي على قصيدتسه إيقاعاً داخلياً جديداً غير معهود، قد يعتبره بعضهم غريباً· ولكن جبرا يقصده ليبعُد بالقارى عن إيقاع الوزن والقافية التقليدي، ويحثّه على التركيز على المعنى· ويُلاحظ في هذه القصيدة وأمثالها أيضاً استعمال جبرا للتشبيهات والاستعارات الجديدة التي قد يعتبرها بعضهم غريبة على الذائقة العربية· لكن هذه أيضاً مقصودة لكي يبتعد القارئ عن عمود الشعر التقليدي، وينتبه حسّه إلى رؤية جديدة للعصر من خلالها·
ولربما يكون جبرا قد نجح في بعض قصائده أكثر مما نجح في بعضها الآخر، وهذا ما يحدث لكل شاعر· ولكنه في مجموعها حقق تغييراً في الحساسية وإنعاشاً للمخيلة دفعهما إلى مساءلة الذات والانفتاح على الآخر، وحثّهما على التعامل مع تيارات الفكر الجديد بجُرأة ورغبة في الإضافة والانفتاح على الآخر، وحثّهما على التعامل مع تيارات الفكر الجديد بجُرأة ورغبة في الإضافة والتجديد· وبذلك فتح جبرا آفاقاً جديدة للشعر العربي، رآه فيها بعض النقاد والقراء قد ابتعد عن الذائفة التراثية ابتعاداً أكبر من ابتعاده عنها في ما كتبه من نثر· فأكثرُ النقاد والقراء يعتبرون جبرا كاتب نثر، بل كاتب رواية في الدرجة الأولى، ويُلحقون شعره بنتاجه الأدبي إلحاق المستدرك لمن كادت أن تفوته الحقيقة· والواقع أن شعره في الطليعة من تحقيقه للحداثة في الثقافة العربية·
أما في النثر فجبرا هو نفسه في حداثته، إلا أن شكل هذا النثر الخارجي لا يثير لدى النقاد والقراء شعوراً بزنه بعيد عن النثر المعنود لديهم· فهو نثر أنيق فصيح، سواء كان في القصة القصيرة والرواية أم في النقد والمقالة· غير أن المتمعن فيه يلاحظ الأفكار الحديثة التي يطرحها جبرا دائماً في كل ما يكتب من نثر، ويلاحظ الأساليب الشكلية الجديدة التي يستعملها وخصوصاً في سرد الرواية·
المعروف أن لجبرا ست روايات وأنه كتب رواية سابعة مع الدكتور عبد الرحمن منيف هي رواية عالم بلا خرائط (3 8 9 1)· وعلى الرغم من أن روايات هذه مجانسة لبعض روايات العصر في شيء من مواضيعها واهتماماتها، إلا أن فن السرد فيها كثيراً ما يتميز بطريقة خاصة· كان جبرا يدرك أن الرواية نوع أدبي جديد في العالم العربي وأنه في دور التأسيس، على خلاف الرواية في الغرب التي مرّت بتطور طويل أدى في السنين الأخيرة إلى أشكال حديثة من الرواية فيها كثير من الابتكار والتجريب· وقد كان جبرا على إطلاع بهذه الأشكال الروائية ومحاولات التجريب· ولكنه لم يشأ أن يحذو حذوها قبل أن تُرسّّخ الرواية العربية جذورَها في العالم العربي· غير أنه ترجم إلى العربية شيئاً منها كرواية الصخَب والعنف لوليم فوكنر مثلاً (3 6 9 1)· لذلك أقبل القراء على رواياته القريبة للمألوف لديهم من النثر الواضح· أما هو فوضع همّ الحداثة في رواياته في كيفية السرد وخلق الشخصيات وإحكام الحبكة في ما كتب، وفي معالجته لقضايا زمته ووطنه بتصوير شرائح من مجتمعه العربي، والرمز إلى ما يجب أن يزول فيه من تقاليد ومؤسسات ليصل إلى الحداثة الموجوّة·
وقد يطل الحديث بنا إذا دخلنا في تفاصيل ذلك كله· لكنني أكتفي هنا بالإشارة العاجلة إلى بعض طرق فن السرد التي استعملها جبرا· ومنها مثلاً تعدد الرواة في رواية السفينة (0 7 9 1) بحيث يروي كل منهم مشاهد وأحداثاً من زاوية رؤيته تلتقي كلها في إيقاع روائي بديع· ومنها أيضاً في رواية البحث عن وليد مسعود (7 8 9 1) تسجيل قول البطل في مطلعها على شريط صوتي متروك في سيارته قبل اختفائه لتنظلق الرواية من هذا الشريط في محاولة من أصدقائه بعد اختفائه لتفسير كلامه وعلاقة كل منهم به، وذلك في إيقاع آخر· وفي هاتين الرواتيني، يظهر في جبرا الروائي في تصوير الزمن، فهو ليس زمناً يسير في خط مستقيم من الماضي إلى الحاضر، لكنه يتلوى كثيراً فيعود مراراً من الحاضر إلى الماضي ثم ينتقل منه إلى الحاضر ليسمح للقارئ بمتابعة تطور الأشخاص ويطلع على دخائل نفوسهم وأفكارهم وذكرياتهم إتماماً للغوص في حالاتهم البشرية وينطبق هذا الكلام على الروايات الأخرى، لكن كلاً منها يأتي بجديد آخر من فن السرد كإدخال رواية في رواية في عالم بلا خرائط (6 8 9 1) فلعلها أكثر روايات جبرا قبولاً للتجريب الروائي في السرد والحبكة· والتجريب فيها ليس لمجرد التجريب، وإنما للتشديد على حالة الإنسان في العالم الحديث وهو محاصر من قبل قوى غامضة لا يعرفها تتحكم في شخصيته وتحاول طمس هويته· وقد يكون فيها إشارة إلى ما في العالم العربي من قهر· لكن البطل يخرج في النهاية مالكاً لوعيه وهويته، ومحذّراً من مغبّة الاستسلام للقوى الغامضة المتحكمة في مقادير البشر·
في كل من هذه الروايات حداثة في السرد لأن جبرا فيها تمرّد على أساليب كتابة النثر المعروفة في الماضي، وأضاف إلى تراث النثر في الأدب العربي بتجديد أساليبه والاتجاه إلى حاجات عصره·
ويمكن في الختام أن نقول إن جبرا حقق الحداثة في شعره ونثره على حدّ سواء، وفي كل منهما بالقدر الذي رآه مناسباً لعصره، ووجد بهما طريقه إلى أن يكون مساهماً في حضارة زمنه، وذلك بالإضافة إلى التراث والتمرد على معوقات الماضي فيه والانطلاق إلى متطلبات العصر انطلاقاً سهمياً إلى الأمام يجدد مسار النُسغ الحي في الثقافة العربية بأصالة تقدّرها له الأجيال ويسجلها له التاريخ·
** مجلة كلمات، العدد الثامن (عربي)، كانون الأول 1 0 0 2·
تشريبروك، أوستراليا الصفحات 7 2 ــ 2 3 ·
________________________________________
* القلق وتمجيد الحياة: كتاب تكريم جبرا إبراهيم جبرا، عبد الرحمن منيف وآخرون· بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 5 9 9 1· الصفحات 9 4 ــ 7 5 ·
** مجلة البحرين الثقافية ــ العدد 1 3 ، يناير 2 0 0 2م· الصفحات 0 5 ــ 1 6 ·
صفحة 3

2

جبرا والخروج من المدار المغلق*
لجبرا ابراهيم جبرا أربع مجموعات شعرية باللغة العربية هي: تموز في المدينة (9 5 9 1)، وامدار المغلق (4 6 9 1)، ولوعة الشمس (8 7 9 1)، وقصائد بعضها للطّيف وبعضها للجسد (3 9 9 1)· وله مجموعة شعرية باللغة الإنكليزية لم تنشر بعد، ولكنه نشر منها قصائد متفرقة في لندن والقدس·
وسواء بالعربية كتب جبرا الشعر أم بالإنكليزية، فهو يكتبه دائماً حراً طليقاً من كلّ قيود الوزن المعروفة ومن كلّ ما يربطه بالمفاهيم التقليدية للشعر·
سأتناول في هذا المقال مجموعة جبرا الثانية المدار المغلق (طبعة بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1 8 9 1) لأنها تتراءى لي بكليّتها وكأنها قصيدة واحدة مطوَّلة أكثر مما هي الحال في مجموعاته الأخرى· ذلك أن المجموعة وإن كانت قد كُتبت في فترة امتدّت على مدى خمس سنوات من 9 5 9 1 إلى 4 6 9 1، إلا أن نَفَساً واحداً يجمعها ورؤية واحدة تنتظمها بكشل أوضح مما هو في المجموعات الأخرى التي لا تقلّ عنها شاعريّةً على كلّ حال، وقد تفوقها في اتساع تعبير الشاعر عن تجارب حياته·
في المدار المغلق يتخطى جبرا إنجازاته السابقة في مجموعته الأولى تموز في المدينة ويحقق مزيداً من التحكم في مادّته اللغوية والانطلاق في مجالات ثورة الفكر العربي الحديث والشعر العربي الجديد·
في مجموعته هذه الثانية يكتب جبرا الشعر، كما في مجموعته الأولى، حرّاً من كلّ أوزان العروض التقليدية، ولا يتقيّد حتى بالتفعيلة التي كتب بها كثير من الشعر الجديد منذ الخمسينات، ولم يتحوّل إليه كما تحوّل إليه أدونيس مثلاً بعد مدة من كتابة الشعر المنظوم على الطريقة الخليلية· وهذا يدلّ على إيمان جبرا المستمرّ بهذا الشكل، فهو يراه مناسباً للمضمون المتفجر الذي يودّ التعبير عنه· واستمراره على هذا الشكل من الكتابة الشعرية في مجموعاته اللاحقة يؤيّد هذا القول·
غير أن المتمعّن في شعر جبرا لا تفوته محاولاته لخلق إيقاع آخر في شعره غير إيقاع الوزن· فهو كشاعر يدرك أن الموسيقى من لوازم الشعر لكنه لا يريدها موسيقى خارجيةمبعثها الكم بل موسيقى داخلية قوامها الكيف، لأن المضمون الذي يعيه شعره هو هزّ للنفس في أغوارها· وكأن جبرا يخشى إن هو نظم كلامه موزوناً أن لا يتعدّى أثره السطح وأن يكتفي بالدغدغة الخارجية الحسيّة·
إلا أن القارى يجب أن يكون على درجة كبيرة من الإرهاف والوعي كي يتجاوب مع هذه الموسيقى ويتفاعل مع المضمون وإلا حكم على الشعر جميعاً بالغموض والتعمية· ذلك زن جبرا يكتفي بالإيماء الخاطف في خلق الصور والمعاني، وكأنه رسّام يضع الخطوط الموحية للوحته دون الأنوار والظلال المفسِّرة· بل على القارئ أن يجعل من نفسه اللوحة ذاتها ويترك للشاعر أن يلقي عليها هذه الخطوط ثم يرى ماذا أراد الشاعر·
من أجل هذا كثرت في المدار المغلق الرموز ولجأ الشاعر أحياناً إلى الأسطورة· والرمز الأول الذي يصادفنا هو البوق في القصيدة الأولى (ص 5)· فهو رمز الكذب، ورمز الضجيج الفارغ· والشاعر يفضل عليه صيحة الحنجرة لأن فيها الصدق· وقد افتتح جبرا المجموعة بهذه القصيدة وكأنه يوحي إلى القارئ أنه لن يقول له إلا الصدق· وقد وفى بوعده للقارئ في القصائد التالية، حتى إذا كاد يصل إلى نهاية المجموعة هاله الذي ما زال يجده حوله من النفاق والتفاهة، ومن اللامبالاة بما يقول: فيكتب قصيدة عنوانها رسالة إلى توفيق صايغ يقول فيها إنه ما عاد يريد أن يكتب الشع، ولمن يكتب؟
أندخل عُراةً بين جمع تسربلوا بالرقع،
أم ندخل مُرتدين الوشي والجوخ
بين جمْع من عُراة يريّلون ؟
أبين الكُسحاء ننطلق على الجياد الأصيلة ؟
ما لنا ولهم ؟ عشرين سنة ورمتُ قلبي،
نقّبتُ عيني، جرّحت حنجرتي،
أجمع الأفكار والصور وأبثّها مع هبّات الرياح
تحمل العشق مني والقلق·
ورفاقي يخزنون الدنانير لا يقلقهم
عشقٌ لشيء أو أحد· (ص 4 7 )·
هذه مأساة الشاعر الحديث: يجوع ليطعم الآخرين وهم في جوعهم يتلهّون بالتفاهات والباهة· وتنتهي المجموعة بقصيدة ما بعد الجُلجلة وفيها يعرب الشاعر عن موته الفدائي وبعثه في حياة ذات مفاهيم جديدة يظل فيها صوته يلعلع عبثاً كأنه صوت ما بل الجلجلة والموت· فيرى هذه الحياة بعد الموت عناءً كلّها، ويقول:
أغمضتُ جفني، وعلى الشفتين
بقيةٌ من عسلٍ وبقيّةٌ من علقم· (ص 8 7 )
وعلى هذه النغمة تنتهي المجموعة ويتمّ لجبرا ما أراد من تسميتها المدار المغلق فهو منذ البدء يكره البوق ويعاني القلق والتمزّق في سبيل التعبير عن الحقّ بصدق· لكنّ من يوجّه لهم شعره عامهون بتفاهاتهم، مُعرضون عنه باهتماماتهم الآنيّة· ومع هذا فهو لا يستطيع إلا أن يقول الشعر، فلا يتمثّل له إلا مداراً مغلقاً يدور فيه ويحسبه عملاً بلا جدوى أو نهاية·
ولكن يجدر بنا أن نمرّ بين بداية المجموعة ونهايتها لنعيش مع جبرا بعض التجارب التي عاناها· فنذكر قبل كلّ شيء أنه فلسطيني لجأ إلى العراق بعد النكبة، وهذه حقيقة يجب ألا ينساها القارئ لأنها في الصميم من قلب جبرا· وعلى الرغم من أن اهتمامات جبرا ليست سياسيّة بالدرجة الأولى، فإن قضيّة فلسطين قضيّة مصيريّة وتتعلّق باللحظة الحضارية المتأزّمة التي تمرّ بها الأمة العربيّة· لذلك فهو لا يستطيع أن يكتب شعراً لا يكون لفلسطين والعروبة فيه الأثر الكبير، وهو المفكر العربي الذي تعنيه شؤون حضارته ومصيرها· غير أن جبرا، كما علمت، لا يصرّح بل يوحي ويومئ لأنه فنّان وليس رجل سياسة· إنه يلمّح بلمسات خاطفة يرسم بها بحثاً عن الرمز ليهمس به بإبداع وصدق، بعيداً عن الغوغائية· إنه لا يذكر فلسطين أو الأمّة العربيّة تصريحاً، لكنها في كل صفحة من صفحات مجموعته، معاناةً عميقةً أليمةً لمشاكلها·
صفحة 4
إقرأ مثلاً قصيدة يوميات من عالم الوباء فتراه اللاجئ الناقم على المسؤولين العرب المنقسمين على أنفسهم خصاماً، المتلاعبين بمقدّرات الأمة نفاقاً، المانعين عن أفرادها حريّة الكلمة وشرفها كبتاً وتكميماً، بينما هو كفرد من أبناء الشعب يحلم بتحقيق السعادة والأماني العذبة للفلسطيني وغيره من أبناء العروبة:
عشر سنين من السفر
ومدينتي على ظهرها مستلقية
تمجّ حقداً لعُشّاقها
فالحُبّ فيها ليس يسقط في الدروب
كالبذر في الأرض الحريثة:
الحُبّ فيها نزوة حاقدٍ
أشبقه ضوء القمر·
عُشّاقها بُكاتُها
وعُراتُها على الرصيف يهرولون
يهلّلون،
بُكاتُها يبكونها، وعُراتُها يأتونها
كطيورٍ سودٍ ضمّخت مناقيرها ــ
عشرُ سنين من السفر
وجيبي للّه يصفّر· (ص 9 1 ــ 0 2 )
وتأمّل معه انقسام العرب بعضهم على بعض واشمئزاز الأمة ومرارتها من ذلك كلّه:
نصفٌ على نصف
حتى وجهُكِ انشق شقّين،
شقٌّ يعضّ شقاً،
أيتها المدينة تبكي
في زواياها النساء
ويبصق الرجال حقداً على الأرصفة،
والتحية يلفظونها كالشتيمة· (ص 3 2 )·
وتصوّر معه جلسة في جامعة الدول العربية بعد عشر سنين من نكبة فلسطين سنة 8 4 9 1:
وتسعُ جِيفٍ مبيّضةٍ قد جلست
حول مائدة عليها نقود وورق·
وحول الزقاق لا سهل ولا جبل،
أرضٌ من رصاص
تتهرّأ الأقدام عليها
وتتهرّأ الأفخاذُ والأرداف· (ص 6 2 ــ 7 2 )
وعش معه في الصمت المفروض حيث يقول:
جرحٌ أوجع من جرح الجسد
أن تُحْرَمَ الشفتان نُطقاً
عمّا وراء الجسد
وإذا الإنسان والكلب، بحثاً عن نجاة،
في صفيحة الصمت والقِمامة رفيقاً حياة· (ص 7 2 )
صفحة 5
فهل تراه مغالياً بعد نذلك إن هو نضاق ذرعاً بالنطاق الأصمّ، فدعا إلى الأخذ بفأس الآباء الطلقاء يمشون حُفاة ألف ميل يحملون فؤوسهم لينقُضوا بها النطاق الأصمّ:
سأحمل فأسي
وأرفع رأسي إلى الشُمِّ من القمم
وأضرب الصخرَ الحبيب
المالئَ السفحَ قصوراً،
وأفجُرُ الماء والثمر
وأقول لأولادي:
من الجوع لا موت·
إنما الموت الرهيب هناك،
حيثما وجدتم نطاقاً أصمّ·
إشربوا الماء أحراراً ولا تنشقوا
إلا شميم الشُمّ من القمم (ص 2 3 )
وفي قصيدة Agnus Dei يجسد الشاعر شعور مليون لاجئ من أمته غرباء في البراري تنقصهم اللفظة التي ينطوي عليها اللسان والعصب، وفيها الرعد المزمزم والكون بسماته ويمّه، قبل انطلاق العمل الفدائي الفلسطيني:
واللفظة بعدُ مفقودة، ضياعها
ضياعي، ضياع جيلي الحاقد الباكي،
ضياعٌ في بوادي القفز والأفاعي،
ضياعُ ألفِ يُسمع صوتهم من بعيد ــ
صوتٌ في البراري ــ
يا حَمَلَ اللّه الحامل خطايا العالم
يا حمَلَ اللّه الحامل خطايا العالم
ارحمنا
واجمع الفعل إلى الكلمة،
والذكرى إلى اللسان،
وقطِّرِ الدمعَ أحرفاً تُغني عن الألم· (ص 1 5 ــ 2 5 )
وفي قصيدة مار جيروم في بيت لحم يستعيد قصة هذا القديس الذي هجر الدنيا لعيش في كهف قرب مهد المسيح ويترجم الإنجيل إلى اللاتينية، وضلوعه قد نتأت وخدّاه قد ضمرا، وهو يكتفي بكِسرة الخبز وكوز الماء، بينما قلمه يصرّ على الرقّ الثمين لينقل مغاليق النبوّة بالكلمة الشريفة راعدةً بالحقّ· وكأن جبرا يرى فيه الأمّة العربية ولاجئيها في الكهوف ويرجو أن تكون لهم رؤيا هذا الرجل الجبّار وتظلّعه:
تطلّعُ البذرةِ إلى الفَنَن ــ
انطلاقةُ الهنيهة إلى الأزل،
ذلك صوتُكَ الدافق في القبو العتيق،
غَضوباً عارماً بحُبّه، مردّداً
قصّةَ فداءٍ إلهِ للبشر· (ص 0 7 ــ 1 7 )
صفحة 6
وفي قصيدة اركضي اركضي يا مُهرتي (ص 5 1 ــ 8 1 )، يكرّ الشاعر على مهرته في المتاهة التي تضيع فيها أمّته حيث انعكست المفاهيم والقيم جميعاً، ويحثّها على الركض فَرِحةً بالموت والولادة على حدٍّ سواء، ويحذّرها من الحُفر على الطريق· إنه يريدها أن تصل به إلى النهاية ولا يهمّه بعد ذلك أن يكون كلّ ما تبقى من أمّته أطلالاً ميتة، فهناك يريد لمهرته أن تقف لا لتعدّد الموتى، بل لتعود إلى المدينة حيث المذياع يعوي جنازة الأحياء للأحياء (ص 8 1 )·
إن جبرا تعنيه الكلمة الحرّة يقولها ملء شدقيه في وضح الشمس ويرفض أن يمرّغ شرفها في الوحل· وتسمعه في قصيدة متوالية شعريّة يقول:
بصوتي أتكلم من خلال قناع الحديد
والصخر، وكلّ لفظة منّي
مركّب يقلع فيه ألف مغامر
بين القطيع وقفتُ هنا
على رجليّ بين القوائم السائمة
ورأسي يضرب الشمس بلا تردّد:
أيّةُ خرافةِ هذه التي تريدني
أن أمرِّغ الرأس بين إليَتَيْ كلّ ذي أربع ؟
هنا وقفتُ لكيما
أصنع الأسطورة والحقيقة على نهجي
وأعيش عنفَ حُلمي والحقيقة· (ص 0 6 )
وفي قصيدةج دهاليز يقول إنه لا يفرّ من مسؤوليّة الكلمة عندما يكتب الشعر، وأمّته ضائعة في المتاهة، فمتاهة أمّته متاهته هو· لكنّه يشعر أنه طليق بين جدران ثلاثة، رابعها الدهليز· دهليز الشعر· يمتدّ امتداد الأزل بينما هو لاجئ في أرض النوى التي تمتدّ امتداد الأزل حيث وَجَدَ الشعرَ منفذّه الأوحد:
وجدتُ في الكلمات الطليقة منفذي
في الكلمات وجدتُ إلى الفضاء
أخيراً منفذي،
أمامي يمتدّ
امتدادَ الأزل· (ص 0 5 )
وفي قصيدة عصفو العقيق يرى جبرا سرّه بل سرّ الأمّة كلّلها في هذا العصفور الأسطوري· فخواء قلبه فسيح لا تملؤه السقسقات والأغاني، لأنه يحنّ أبداً إلى عصفور العقيق الذي يملأ حتى الفيضُ منه الخواء· ولكنّه لا يكاد نيمسك به حتى ينتفض حيّاً في يده ولا يلبث أن يختفي· وهو يرمز به إلى السعادة التي يَعِدُ بها الغد· لذلك يجابه الشاعر الموت في الحاضر ويحاول نقض الماضي، بلا جدوى، لأن سرّ ذلك عند عصفور العقيق· يجب أن يكون الغد نسجاً من الأمس مارّاً بموت اليوم، يجب أن تكون حضارتنا في المستقبل نسجاً لا نقضاً لتراثنا الماضي· وهي تمرّ اليوم في تأخرنا الحاضر وموتنا الروحي الراهن، في هذا الليل العتيّ الذي يخفي عنّا عصفور العقيق· لكنّ أمل الشاعر بالغد وتحقيق الأماني كبير· وكما سمح لمهرته أن تركض في المتاهة إلى النهاية، فإنه هنا يستسلم لهذا الليل حتى عودة الصبح:
سأسلم النفس، أُسلمها
للمساء للّيلِ العتيّ ــ
هذا الهلالُ الطالعُ الراني لنجمِتِهِ
هل تملأ النجمةُ ما بين جنبيّهِ من خَواء ؟
كركري، وثرثري يا مناقيرُ عشقتُها ــ
فلعلّ في عودة الصبح يوماً
عودةَ عصفور العقيق· (ص 6 4 ــ 7 4 )
صفحة 7
وفي قصيدة غريب على العين مزيد من هذا الأمل بالغد· فورقة العشب قد شقّت الحجر، وصيحة الديك جلجلت وشقّت الظلام، وجرّت الشمس من شعرها وأعلنت سطوة النهار· لقد انهمر الغيث على الأرض الموات أصابعَ غرزت أظفارها أشجارً وردٍ في دم الشاعر· وظهرت معالمُ طريق الخلاص: إنه يؤدّي من البيت إلى الجلجلة، من فرشة الأحلام إلى الصليب (ص 4 3 )· يجب أن نموت موت الفداء، يجب أن يكون جيلُنا الحاضر جيلُ التضحيات بل جيلَ الضحايا حتى يكون لنا الغد المشرق:
لا الليل يملك الآن خفّاشه
ولا الصبح يُنذر بالموت العتيد·
فعلى الجبل، حيث أقيمت خشبةُ الوعيد،
انفجرت صرخةُ الماء هلاهل
وخيول الليل البربريّة صهلت
على شفاء المنهل القرير·
وغريبٌ في وجهه غمّازتان، في
شَعره طعمُ البيادر،
وفي فمه صيفُ الكرم،
راح يغمس قدميه في السيل
ويصيح: لمن خيولُ الليل هذه ؟
لمن إلا لغريبِ حوّل الوقت دوائر
وقبّل إكليلَ الشوك حتى
جُنّتِ الخيلُ والليلُ وساعاتُ المدينة كلُّها ؟ (ص 5 3 ــ 6 3 )·
والغريب هنا هو الشاعر وكلّ من وقف موقفه بل فعل فِعله وعرف طريق الخلاص بموت الفداء الذي يتبعه البعث والخصب والحياة الفضلى· وإنما هو غريب لأنه يرفض مفاهيم الواقع المعاصر وقيمَه التي يقبلها مَنْ حوله في موتهم الروحيّ·
هذه الرمزية في شعر جبرا إبراهيم جبرا إذن نبعيدةٌ عن الغموض والتعمية· لكنّها تحتاج كما قلتُ سابقاً إلى درجة كبيرة من الإرهاف والوعي لدى القارئ، لكي يتجاوب مع مضامينها المتفجّرة، لأن جبرا يعبّر عن نفسه بالصور الموحية الدافقة من أعماق ذاته ويخاطب بها أغوار القارئ· فإذا كان القارئ مستعدّاً لهذه العملية خرج من المدار المغلق بثروة روحيّة تغذّي فيه ثورةً يحدوها الأمل·