eKtab
EN ع
نافذة العنكبوت
اقرأ عينة مجانية

نافذة العنكبوت

بقلم شاكر نوري

صفحة 1
أيار
 
1
 
فاح العطر من باطن هذا الربيع ، مزهوّاً في أول إطلالته مثل نبات الفطر البرّي الذي يخرج فجأة ، ليتناثر كالأمواج في الهواء المضطرب في محاولة للإختباء بين طياته ، وتغيير مذاقه ، فيما أفاق عبد الرحمن لتوه من النوم بفعل تسلل هذا العطر المفاجىء الى تعاريج أنفه المرتخي والمبلل بمخاط شفاف سائل ، وهو يتردد في إستنشاقه مرة واحدة ، رغم تذوقه العطر ، كي لايختنق بزكام الربيع الذي يظهر ويتلاشى مثل مرض مزمن يبعثه هبوب أدنى ريح لينشر في جسده حبيبات حمراء ناعمة ، لامرئية تقريباً ، تأكل مسام جلده ولاتهدأ حتى ولو نشبت فيها أظفاره الحادة التي تمنى أن تتحول الى مخالب صقر وحشي لتستأصل هذه الحبيبات الحمراء الرؤوس من جذورها ، وانتبه لأول مرة بأن الليل كان هادئاً في مخيلته قبل زواجه ، فأصبح الآن أكثر ضجيجاً من النهار ، عواء كلاب وأنينها المتحشرج كأنها تتحول الى ذئاب من طول عزلتها الليلية ، وهي تحلم بمضاجعة جثث آدمية علها تلتهم جزءاً من خبثها قبل أن يقتنصها الصغار الملاعين ، بتعليق اللحوم في صنارات صيد الأسماك لقتلها على طريقتهم الصبيانية اللاهية التي تعلموها وقت الحرب ، فيما كانت الرياح تتوجه صوب الأشجار لتستعير من نسغها عنفوان القوة لتتحول الى عواصف لكنها لاتجد سوى الخواء ، فتخبو داخل طياتها وتستكين،إنها ليلة العرس التي جعلته يشعر بكل تلك التفاصيل التي لم يكن سعيداً بدونها فحسب ، بل لم يكن حتى بحاجة لمعرفتها على الإطلاق ·
 
كابوس ليلي إخترق الفجر عنوة ، متسللاً جدران غرفته كطيف غير مرئي ، مما جعل قطرة دم سريعة الجريان ، تتسرب في متاهة شرايينه اليقظة التي مالبثت أن تخثرت مثل لبن فاسد في تلك البقعة المظلمة من الرأس - الدماغ وراحت تقض مضجعه بطبولها كلما استسلم الى بقايا فتات النوم ، مابين أنفتاح عينيه وإغماضهما على الوسادة المحشوة بالريش الأبيض الناعم ، أمحت حدود الحلم والكابوس والنوم والجدران وضياء الفجر ذلك الخيط الرفيع الواهي الذي يداهم رأسه كل ليلة ويشقه الى نصفين متصارعين دون أن يعلن عن مجيئه عبر اضطرابات الجسد وتقلباته على سطح السرير الساخن بفعل هموده لساعات طويلة حين يضجر من رقاده الرتيب على جهة دون أخرى ، مضطراً للنهوض قليلاً ورفع جسده تاركاً سريره الخشبي ذا الصرير المخيف في هدأة الليل · لعل سبب ذلك هو البول المحصور في مثانته وليس الكوابيس المهاجمة هذه المرة ، لذا يهبّ هارعاً الى غرفة المراحيض ، ويقطع صحن المنزل بقدمين مرتخيتين ، فتلوّح وجهه نسمة الربيع فتنفض بعض أجزاء جسده الحيّة العرق والزوائد الأخرى فيما تبتلع الأجزاء الميتة السعال والحشرجة والمخاط والبصاق ، فيزداد وجهه اصفراراً ، وهو يُفَرِّغ أحشاءه من مزيج الأكل والخمر ، ويتعثر إثر غيمة مشاكسة حجبت ضوء القمر الساقط على صحن المنزل· وما أن وضع رأسه على الوسادة حتى إرتفع صوت المؤذن معلناً صلاة الفجر ، وطارداً آخر ثمالة نوم من عينيه · حينئذ أدرك أنه الفجر ، ذلك اللون الغامض الذي لايعرف تماماً ملامحه بقدر مايعرف فيه من كسل وتراخ بعد أن أعلنت الكوابيس هدنتها لبرهة ، بعد أن امتصت كفايتها من ظلام الليل ، الذي يبعث في رأسه شياطين الوهم الممزوجة مع صور الملائكة اللاتي تلوحن بأجنحتهن إبتهاجاً لعذاباته ، فذهب ذهنه في الحال الى الخلط بين ملائكة الشر وملائكة الخير في تحليقاتها الساخرة والمدوّية على كتفيه العاريتين ، وكلما حاول نسيانها ، يذكّره بها صوت المؤذن الصاعق · إستند على ظهره المحني ، ملتصقاً بحافات السرير ، وتطلع من نافذة الغرفة الى أن إمتلأت عيناه بفيض من ظلام الفجر الممزوج بخيوط بيضاء انحصرت بين شقوق النافذة · كان كلّ شيء يحاصره : الفجر ، الكوابيس ، زكام الربيع ، الملائكة ، الصلاة ، الحرب وشيرين · هذا هو الفجر الذي عرفه أخي الصغير في ليلة عرسه مما زاده خوفاً وريبة وبثّ في أعماقه نوعاً من الحماس ايضاً ، ليتخلص من براثن هذا الكابوس الأعمى بخيوطه المخاطية ، اللاصقة ، مثل لحاء شجرة فتية ، وجعله يتردد بين رغبة النوم ومحاولة الإختفاء كلياً من هذا العالم وبين الغوص في جسد زوجته المخدر ، لكنه لم يتمكن من إخفاء هذا الكابوس بين طيات الأغطية الصوفية المتراكمة على جسديهما مثل خيمة عسكرية ، ثقيلة كالحة ، ولا أن يمضي الى أعماق هذا الجسد المسترخي بجواره مثل حيوان مدجّن ، غائر العينين ، لايرفض عبودية الانصياع وتطبيق القوانين الجاهزة·كابوس أكبر من رأسه بل وأكبر حتى من الغرفة ، يفيض من بين جدرانها ليصل الى الغرف الأخرى ، غرفتي وغرفة أمي ، بل أكثر من ذلك يمتد الى سطح الكون هائجاً مثل بحار تفيض وتقلب السفن وتُغرق الحيتان · أتى هذا الكابوس كصوت من البراري النائية ، رياح سوداء عاتية تتقوى كلما مرّت بقمم جبال شاهقة ، حمّى تجتاح هيكل جسده وتتسلل الى نخاع عظامه ، صداع يُقْسِم رأسه الى نصفين ، نصف مضيء ونصف مظلم ، ومابينهما تختفي ثمالة هذه الليلة - ليلة العرس ، وتساءل بمرارة :
 
- هل هذا الكابوس صوت مزمجر إنطلق من آلة موسيقية لم تُخْلق بعد ، أصداء بئر عميقة ، مجوفة ، غارقة في الظلام ؟ أهو ، ياترى ، بئر طفولته ، تلك البئر التي يرى فيها كل مآسي العائلة ، وبالذات إغتيال أبي · بئر تتموج فيها صور صقور محلقة في السماء ودلافين تعبث في جوف البحار ·
 
رفع نظره الى السجّادة ، المطرزة بالأيدي ، والمعلقة على الجدار المقابل لسريره يكشف له بعض ضوء طفيلي أتى من الصحن لينير وجه فارس يطعن حيواناً وحشياً ، ذا مخالب جارحة ، برمحه ويجعل الدماء تنزف من فكيه · منذ تلك اللحظة ، جثم ذلك الحيوان ، مثل صورة معلقة ، توشك على السقوط احياناً ، على خياله واحلامه بحيث اصبحت كل الحيوانات ، حتى الوديعة منها ، جارحة ومخيفة وباعثة للحمى في مخيلته · في تلك اللحظة ، البرهة التي تختبىء بين خدر النوم وكسل اليقظة، إذ يلفظ فيها الزمن أحشاءه الزائدة خارج دورته في تعاقب الليل والنهار، رأى بالفعل صقوراً تداهم نافذة غرفته ، تهجم على جسده العاري ، وتنقر قضيبه الواهن ، العاري ، المتدلي نحو الأرض مثل خرقة بالية أو مجرد مصران مجوف داكن اللون ، وهو خائر القوى يرغي ويزبد ولايقوى على طردها في اشتباكها الأخير على عري جسده ولا يمتلك الاّ أن يستسلم الى الارادة الالهية التي أسكنت حيامنه المنوية الى سبات عميق ، بل وأفقدتها طاقتها في فض بكارة زوجته وإنتاج ولد شبيه · هذا الشبيه لن يولد ،في مملكة أقامت أمي صرحها ،الاّ بالمعجزة · أجل كنّا ننتظر هذه الكلمة الالهية ، المعجزة ، التي لاتكلفه شيئاً حين يقذفها من فمه الهائل المليء بعبارات كن فيكون الى مالانهاية ·
صفحة 2
2
 
فتح جفونه اللزجة ، الناعسة ، وأحس بأن الصحراء برمالها المتّقدة، الحارة ، الحارقة ، إنتقلت الى رأسه وإستقرت جمراتها المستعرة ، اللاهبة ، في ذلك المكان المضطرب ، رأسه ، فأسرع وتناول جرعة من الماء ، ثم طاف في غرفته باحثاً عن إجازته العسكرية التي لم يبق لانتهائها سوى اسبوع واحد يحتم عليه الالتحاق بثكنته ، أراد أن يتأكد من تاريخ انتهائها فقط · ثم مد يده الأخرى يفرك عينيه من حبيبات الرمل الوهمية بين جفنيه ، وهو يلهث كما لو كان يهرب من بدو متوحشين يطاردونه بسيوفهم ، وطائرات عملاقة ترشه بالصواريخ، ثم نظر الى النافذة حيث تركت آثار بصمات اجنحة الصقور بقع دماء حمراء لاصقة ببقايا الزجاج المهشم · ولأول مرة بدأ يشك ببصره ، وتساءل في سره أما أن يكون الكابوس حقيقياً أو أن غرفته إنتقلت الى الصحراء وانغرست أعمدة سريره في رمال متحركة · وحين فرك عينيه جيداً وأزاح طبقة البياض المترسبة بين جفونه ، توضح له شكل الوشاح الأحمر الذي القته زوجته على كرسي بجوار النافذة قبل ساعات استعداداً لتكملة نزع ثيابها لأداء الواجب الزوجي إذ نظر بدهشة الى جسدها ، ولم يتخيله بهذه النضارة والجمال ، وتحسّر كيف أمضى نصف حياته بعيداً عن هذا الجسد الأنثوي ، رجل عاش برئة واحدة أو بدين وثني أو بعزلة متوحشة فأخفض رأسه الى السرير خجلاً من زوجته التي كانت غريبة عليه قبل قليل ، كاشفاً لها عن عورته دون أن يفلح بفض بكارتها الآن ، شرود ذهني لايسمح له بجمع قواه ، وتركيزها في بوتقة واحدة · تلمس قضيبه العاري المتدلي ، وقد التفت غضاريفه الجلدية الفالتة مع الشرشف الناصع البياض ، ثم جال بنظره في تلك البقعة الممتدة تحته كسجادة من القطن ، باحثاً عن نقطة الدم الحمراء التي من شأنها ان تثبت رجولته وترفع رأسه عالياً بين أمه وزوجته وجيرانه وابناء قبيلته · ليس هذا عرسه بل عرس قبيلته التي تفككت فروعها ، وذبلت أغصانها في انصهار الاجناس والاعراق ، وتشردها في أتون حربين متواليتين ، ثم اجتماعها الآن بعد أن توزعت على فرق متقاتلة ومتصارعة فيما بينها · حمدنا الله أن عرس أخي جمع الأخوة الأعداء في هرج ومرج · لكنه في هذه اللحظة المحيرة لم يفكر بهذه الترهات بقدر مايفكر بخجله المنساب على شكل قطرات عرق مالحة ، رجولته المهدورة أمام عيني زوجته · هكذا اختفت نقطة الرجولة الحمراء في كومة الشراشف البيضاء المبعثرة مثل قطعة ظفر صغيرة ، مقطوعة ، ضائعة ، وراح يفتش عن تلك النقطة التي لايعادلها سوى قطرة خجل متخثرة بين ثنايا جسده ، ذلك الإثم الأزلي ، لكن زوجته لم تكن تعرف عمّا كان يبحث ، فنظرت الى خاتمه ، فرأته يلتمع ضاغطاً ، ملتوياً على عروق إصبعه الزرقاء ، وتساءلت :
 
- إذاً إنه لايبحث عن خاتمه ،عمّا كان يبحث ياترى ؟
 
لم تفهم شيئاً · وحين أخرج رأسه الذي دسّه في تجاعيد الشراشف، لم يعثر الاّ عل بقعة مبللة ، قطرة بول ، لا أكثر ولا أقل ، نزلت دون ارادته اثناء ماكان يدفع بكوابيسه الليلية خارج رأسه · ثم حدّق جيداً في النافذة التي سرعان ما تراجعت ، وهربت ، بعيداً عنه ، بسرعة فائقة في نفق مظلم داكن حيث زمْجَرَ قطار الليل ، المعبأ بالرجال والأطعمة والأعتدة العسكرية ، وهو يقتحم النفق الحجري الطويل الذي غَلّف روحه بغطاء قاتم دقائق معدودة ·
 
تذكر ساعة إبتهاجه لرحلته بالقطار بصحبة أمي لتخطب له شيرين·· دخان ممزوج برائحة جثث متروكة، متعفنة، معظمها جثث حيوانات برية، خائفة، هربت من حرارة قصف القنابل ووجدت مصيرها بين قضبان السكك الحديدية تحت رحمة عجلات القطار، وهي تبحث عن آخر فرصة لتوفير طعامها أثناء أيام الحصار، هذه الأيام التي عبقت برائحة غريبة، طعم مرارة، عالقة في جوف حلقه· هكذا·· قدر هبط على الرؤوس، قبل أن تحّل هذه الأيام، لم يكن للأشياء طعم أو مذاق: لحوم مجفّفة، رّز، طحين، غلال مغلفة بورق السلفون، كلها تأتي جاهزة على ظهور الطائرات والبواخر والشاحنات، عند المزارعين الذين أهملوا الأرض يوم سقطت الاشتراكية على رؤوسهم مثل أطباق طائرة غريبة· بعد أن عاد من شروده الذهني لم يجد شيرين بجواره على سريرهما المشترك، حرّك بصره في أرجاء الغرفة، سرعان ما رآها تنهمك بتعليق الشراشف البيضاء أمام النافذة، لتتبخر بقعة البول في أدراج الرياح· بعد ذلك عادت الى الغرفة بإلتماع شعرها الأصفر، المطلي بالزيت، تحت ضوء المصباح الخافت في أعلى طاولة زينتها ليل نهار، تألق ذهبي أصفر مائل نحو الاحمرار نوعاً ما، ينبعث من شعرها المصبوغ باللون الأصفر، بعض خصلاته بدت أكثر إصفراراً من الخصلات الأخرى، نوع من تدّرج الألوان، العابث، غير المقصود، لكنه يكشف في الوقت ذاته عن نوعية الصبغ الرخيص الذي كان يضطرها الى أن تعيد صبغه كلما بهّت بريقه، قبل أن يخرج الشعر الأسود ويستولي كنباتات وحشية ضارة ويقضي على بقايا اللون الأصفر·
 
فتح عبد الرحمن فمه، فتدلت شفته السفلى، اللماعة بالبصّاق، منذهلاً لهذا اللون الأصفر الذي لم ير مثيلاً له الاّ في صور ممثلات السينما، لكن وجهها الأسمر، المليء بالبثور، لم يكن يتلاءم مع اللون الأصفر بل يشكل مفارقة محزنة في لعبة إنسجام الألوان، غبار ذهبي يطلي شعرها المصفّف بإعتناء، حتى يخيّل لمن يراها في تلك اللحظة بأنها لم تحرّك رأسها على الوسادة طيلة الليلة الماضية، خوفاً من تبعثره، غطتّه بخرقة تشبه شباك الصيادين، المخاطة بمربعات متقاطعة، من أجل الحفاظ على إنتظامه· ولم تكن كل إضطرابات رأسه وكوابيسه التي تجهلها، قادرة على بعثرة أو تحريك خصلة واحدة من خصلاته، المتحّدة ببعضها كأنها لصّقت بصمغ كثيف وأصبحت قطعة واحدة، كتلة شعر متراصة لا تتململ، حتى لو حرّكت رأسها بقوة· وربما أمي التي حرصت على ضبط تفاصيل ليلة العرس، بدقة متناهية، أوحت لها بكل هذا النظام الصارم، في أبسط التفاصيل، دقة ديكورات غرف العرس التي لم يجرؤ أحد على لمسها أو تغيير أمكنتها، حتى أعمدة السرير ما زالت مغطاة بورق المصانع الشفاف وكأنه معروض للبيع وليس مهيأً لليلة العرس· وتألقت المفاتيح النحاسية الصقيلة في مغالق خزانة الثياب وطاولة الزينة والصناديق الأخرى· ولم تمتد يدي أمي لإزالة الورق الشفاف، اللاصق بالمرآة المدّورة، لغرض الحفاظ على نضارتها أعواماً طويلة، لكنها بدت كمرآة قديمة تعّرضت لأشعة الشمس أو من كثرة التحديق فيها لمدة من الزمن· وحرصت أمي على تلبيس المذياع الخشبي الكبير ثوباً مطرزاً من قماش القديفة السميك، مرسومة عليه يد كبيرة، تتوسطها عين مفتوحة لصّد نظرات الحاسدين والمتطفلين، وزيادة في طقوسها أركنت فوقه صندوقا مليئاً بالأحجية الملفوفة بالورق والقماش والجلد·· فيما وضعت كتاب القرآن الضخم، المذّهب، والمكسّو بالحرير الأخضر على رّف خشبي شاهق إغراقاً في السّمو والتقدير·
صفحة 3
تناهى الى سمعه ضجيج أنثوي في صحن المنزل، ورائحة شواء غيّرت طعم الهواء داخل غرفته، فقد أشعلت أمي مراجل الحمام وزودته بالزيت الأسود، لتسخين جدرانه وأرضيته، فلا بد للعريسين أن يغتسلا في هذا الصباح بعد ليلة العرس، وأحضرت خروفاً، بعد سلخه وتنظيفه، أجلت أكله لهذا اليوم ليترطب لحمه وتنجلي عنه الدماء · أنه العرس لا محال· وبعد أن فاحت رائحة الشواء، المقززة في الصباح الباكر، نهضت شيرين من السرير وتكورت على الكرسي المنتصب قبالة مرآة زينتها، ينبعث منها نحيب مكبوت، دون أن تعبأ بالتواجد الى جواره على السرير، قبل اليقظة النهائية، وما تزال تلقي نظرات الأعجاب على شعرها المصفوف، المتألق بأصفراره، في قلب المرآة، ولم تجد في حركاتها العبثية إلاّ أن تمّد يدها الى المرآة المدوّرة، وتمزق بأظفارها الطويلة الحادة صفحة الورق الشفاف الذي يغطي المرآة مما أحدث شرخاً فيها، لكنها كشفت عن طبقة المرآة الصقيلة، فظهر شعرها أكثر تألقاً واشعاعاً من السابق لدرجة أنها لم تتمكن من اخفاء إبتسامة الأعجاب بالنفس·
 
نزل عبد الرحمن من سريره، متعثراً بأطراف دشداشته البيضاء، ودقق النظر في المرآة التي أزيح عنها الورق الشفاف، فلاحظ آثار أظفارها العصبّية، المهتاجة، أحدثت شرخاً في المرآة كأنها إشارة خفيّة لأنفصال عالمين متأهبين للصراع القادم، وبعجالة عاد من شرودهوسألها:
 
- هل رأيتِ الكابوس مثلي؟!
 
إندهشت شيرين لهذا السؤال الذي خرج من فمه على شكل تمتمات متقطّعة، لم تفهم ماذا كان يقصد في حين تخيّل هو بأن كابوسه إنتقل الى رأسها، متوهما بأن الزوجين يريان ذات الأحلام·· والكوابيس، ما داما ينامان على وسادة واحدة· ثم لعن هذا النوع من الاسرة العالية، ذي الأعمدة الحديدية المزركشة بحلقات صفراء، مصنوع خصيصاً للنواميس البيضاء، المنسوجة من القماش المخملي الهندي الذي تتحول في لحظة من لحظات اللّذة الى هالة بيضاء، لا لكي تمنع دخول الحشرات التائهة، الباحثة عن هاجس تطمين غذائها، الدم البشري فحسب، بل لتكّون عالماً مصغراً يحمي العريسين من الآخرين في أجمل أوقات الألتقاء، خلوة الجسدين· عاد الى مخبئه الدافئ، بعد تلاشي دويّ القطارات الصباحية الهاربة الى جبهات القتال في أقاليم الشمال والجنوب· وفي الواقع لم يكن ذلك الدوّي سوى ثمالة الإيقاع المنتظم للقطارات الليلية، التي ظلت عالقة في رأسه، متذّكراً إياها في هذه اللحظة بالذات· وبحركة متشنجّة، إن لم تكن جنونية، طلب منها الصعود الى السرير وترك شياطين المرآة، التي تعكس الوجوه المكرّرة، وتفرس عميقاً في عينيها نصف المغمضتين، فرآى بقايا أصباغ الطلاء والكحل الأسود، ممتزجة بالدموع، التي إنحصرت داخل الحدقتين، رافضة الخروج، وتساءل في سّره:
 
- لماذا تبكي شيرين؟!
 
كان وحده يعرف سّر تلك الدموع المترددة، التي تحمل في مزيجها المالح، حيرة أنثى، وشبق محتشم، يظهر ويختفي، ويفشل في التعبير عن نفسه، وراح هو يبحث عن دموعه المحصورة، التي يطبق عليها بجفنيه، ولا يريدها أن تفضح رجولته· إنها المرّة الأولى التي نام فيها بعيداً عن أحضان أمي، وبالأحرى إستبدلها بامرأة أخرى، جاءت تبحث عن الرجل المختبئ في أعماقه، قريباً من المدفأة النفطية المعطّلة وقت الربيع، تذكر كيف كان ينام مع أمي، مفترشين الأرض، وكان عليه أن ينتظر أعواماً طويلة سرير العرس الذي جلبته أمي من بغداد، على ظهر حافلة، الى هذه البقعة النائية، مدينتنا، إحتفاءً بهذا اليوم، لذا كان عليه أن يتصرف مثل سيد مطلق ذو جاه لهذه الغرفة، فهو الرجل الوحيد هنا، إذا لم نقل الرجل الوحيد على الأرض· ولاح له وجه أمي، التي باركت زواجه بدعاءاتها وصلواتها عند بدء الليلة، لكنه كان يتمنى، كأي طفل نزق، أن تنام معهما على سرير الزوجية لكنه شعر بالخجل من هذا التفكير، فالعريس وحيد، غريق في بحر، يبحث عن قشة الأنقاذ، وسط زبد أبيض طافٍ، عن رعشة بعيدة مختبئة في مكان ما من جسد شيرين، في هذه اللجّة العمياء، اللذة المغلقة على نفسها، ترك مهاوسه قائلاً بلهجة يشوبها إعتذار باطني مرير:
 
- تعبان هذه الليلة!
 
وفاضت شفتاه بالخجل، وأضاف:
 
- سأحاول في الليلة القادمة!
 
واحتقنت ملامح وجهه، وتقلصّت عضلاته، كأن الدماء جفّت في عروقه، وهو يتذكر لائحة التحذيرات التي تلّقنها، تخوفاً من الليلة الأولى، وتطيّر جميع الرجال، وأشدهم بطشاً وفحولة، من العتبة الأولى، ورنّت في أذنه عصارة من حروف وكلمات تفصح عن جملة بليغة واحدة: الحذار من الليلة الأولى، شيطانة السحر، واغواء الأنثى للذكر، ومدجّنة العتاة، وأمسك بيديها النديتين، المتعرقتين، بفعل الحركات المتشنجّة، التي لا تتوقف، فطأطأت رأسها الى الأرض، وعادت الى طاولة الزينة، وانهمكت بتقشير ظاهر أظفارها المطلية بالصبغ الاحمر، بمقص صغير، مما أزعجته تلك الحركات، فصرخ في وجهها، بكلمات مبهمة، في محاولة لايقافها عن تلك الحركة، ثم مضى كل واحد منهما كأنما يوغلان في ممرات مظلمة، عسيرة، فيما أطبقت الرعشة على لسانيهما، وجعلتهما يتحدثان بأشارات الأصابع، ويغرقان في بحر كلمات عاجزة، لا معنى لهما أزاء الفعل···
صفحة 4
3
 
في إطلالة أول صباح، بعد هذا التاريخ المدّون، ليلة العرس، هرعت أمي، وبقايا نوم عالق في عينيها، تحمل بيديها مبخّرة فضيّة، إقتحمت غرفتيهما، دون أن تطرق الباب، ودلفت الى السرير مباشرة، وقرّبت المبخرة اللاهبة، بأحجار الفحم، الى أنفه حيث إلتهم، دون إرادته، كل الدخان الخارچ على شكل دوائر رمادية حتى إنتفخ منخراه، وعندما لاحظت تعبه الواهن، رشقت وجهه بماء بارد، نثرته من أطراف أصابعها بعد أن غرفته من الطاسة الصغيرة، وحين لم يفق من غيبوبته، أخذت جرعة كبيرة ونثرته من فمها، في صفحة وجهه، على شكل تيار مائي جارف، فأفاق صارخاً:
 
- شيرين·· شيرين!
 
ألقتها أمي بنظرة غاضبة عندما رأتها ما تزال منهمكة بتقشير أظفارها من الأصباغ، دون أن تعبأ بأبنها الذي حشر جسده الضئيل في حجرها مذعوراً، وهو يصحح كلمات صرخته:
 
- أمي·· أمي!
 
وسارعت أمي بتمتمة آيات قرآنية ناقصة، ومغلوطة، ثم لملمت أذيال وشاحها المبعثر ودخان مبخرتها وغادرت الغرفة بارتباك، تهّز رأسها، بنوع من فهم الليلة الأولى لعريسين عذراوين، وتبعت شيرين خطواتها، ينضح منها عرق الخجل، الممزوج بالعطر الفرنسي الرخيص ريف دور، باعثاً رائحة زنخة إثر إختلاطها بدخان المبخرة، كأنه رائحة عرق حيوان برّي مذعور، فيما خرج عبد الرحمن الى صحن المنزل، يتأمل ظله الواهن على الجدران البيض، التي حمته من الآخرين سنوات طويلة، وسرعان ما أدرك ان هذه الليلة إنفجرت مثل فقاعة صابون هشّة، ولم يبق منها سوى رذاذ بليد ذاب على وجهه، مكتشفاً الدرس الأول·
 
هكذا وجد نفسه وحيداً، ولأول مرّة، في مواجهة ظلام هذه الليلة، وربما الليالي المقبلة، بين جدران أربع وسقف شاهق، وكأنه قائد مهزوم يقف أمام جيشه المنكسّر، متبجحاً بكلمات الانتصار المجّوفة التي يعرف بنفسه حقيقتها أكثر من الآخرين· وبعد أن أفرغ ما إنحصر في أحشائه من بول أصفر خائف، عاد الى غرفته بعد أن هام بعينيه على الغرف الأخرى، مبصراً أعمدة بخار تتصاعد من نافذة غرفة أمي المجاورة، لكن الشاي الساخن فقد مذاقه منذ هذا الصباح، وتحول الى طعم الصدأ في باطن حلقه· ثم نظر الى الأثاث الجديد الجامد وسط الغرفة، فأكتشف بلادة الأشياء الرخيصة الصنع، وهشاشتها المخيفة، تحت البريق اللّماع، وما زالت الشراشف البيضاء، ناصعة، مكوية بأعتناء، كما لو أن جسدين ميتتين أمضتا ليلتهما الأخيرة على ذلك السرير· وبدت قلائد زوجته وحليها وأساورها وخواتمها الذهبية، مصفّفة بأنتظام على طاولة الزينة دون أن تتبعثر على أرضية الغرفة وزواياها كما كان يتخيلها في لحظة هياج الليلة الأولى· وهكذا بدا له كل شيء باعثاً على نظام دقيق الا دواخله التي تعّج بفوضى عارمة· نظر الى المرآة، دون أن يتقصّد ذلك، فانعكس وجهه الممتقع بتقاطيعه، الهزيلة، المنهارة، فتجرأ وتلمس البثور الحمراء التي إنتشرت على وجهه منذ الليلة الماضية، وحاول أن ينزع قشورها، فوجدها ممتلئة بالقيح الأبيض، ظلّ مسمراً في مكانه لا يصّدق المرآة، وكأنه ينظر الى وجه رجل غريب، تصّلب داخل ثيابه البيضاء الجديدة، وهو يفكر بالعبارة الخبيثة، الفظّة، التي نطقت بها زوجته في الليلة الفائتة:
صفحة 5
- أنت···
 
لم يكن يرغب في أن يتذكر بقية الكلام الجارح إحتراما لنفسه ولأمه، وفكر في أن يصفعها بكف يشّل عروق وجهها، لكنه سيطر على حماسته المندفعة، عندما تذكر مسؤوليته الرجولية في ليلة العرس، وتسآءل في حيرة:
 
- أينفذ رغبته في صفّعها أم يتراجع؟!
 
ثم تردّدت على أذنه لائحة النصائح وتلقينات الرجال المتمرسين في الزواج: يجب أن تهان المرأة في الليلة الأولى! ثم سخر من هذه الترهات الشعبية واعتبرها إحدى الآفات التي تنخر رؤوس البشر المحيطين به، وذهب الى النافذة، واضعاً أنفه على زجاج النافذة الرطب، طابعاً انفاً من ضباب فمه، وهو يبحث عن نسمة هواء عابرة، وسط هواء فاسد هجم على الغرفة، وربما كان رائحة شواء لحم الخروف، ثم مضى الى خزانة الثياب، يفتش عن شيء يجهله، سرعان ما أدرك عبثية أفعاله التي يحاول عبرها إخفاء شيء جوهري في دواخله:
 
- ما هو يا ترى؟
 
-لا أحد يعلم!
 
إستلقى على أريكة ضائعة في زاوية الغرفة، مفكراً بالوجوه التي يراها عند منتصف النهار، وهي تصهر كل كلمات التهاني القلبية، وتحولها الى لوم ولوعة وخبث وتهكم، لكن أمي المتفائلة على الدوام، إنهمكت بالصلاة له، رافعة يدها الى الأعلى، وطالبة أن تنشق السماء، ويتدلى منها المستحيل! في هذه الأثناء، لم يتحمل عبد الرحمن دعاء أمي الضعيف، المهين، حتى أمام خالق البشر، فهرع الى غرفتها، وانتزع بغضب بندقية أبي الصدئة من الجدار، فتهاوت غيمة غبار مخدّرة وتناثرت على أواني الشاي الموضوعة على الأرضية بحيث إضطرت أمي الى تغطيتها بمنديل، ثم خرج الى صحن المنزل، ووقف منتصباً كحارس قلعة، حاول أن يحّرك زناد البندقية، دون جدوى، اذ جفّ في قنواتها الزيت، ولم ينج من الصدأ الزاحف سوى الأخمص الخشبي· قلص عضلات وجهه أمام الشمس، محاولاً بأصابعه المرتجفة، الضغط على الزناد اليدوي، دون أن تتحرك أقسامها الداخلية، فرفع فوهة البندقية الى بطنه في محاولة لبّقرها على الأقل، وبعد أن فشل في ذلك، وجّه فوهتها صوب الأرض وأتكىء عليها، كشيخ واهن يتكأ على عصا، متخيلاً إنطلاق الرصاصة من مغارة البندقية لتستقر في قلبه، لكن بندقية أبي القديمة خذلته كما خذلته ليلة العرس، وما أن رفع رأسه من الأرض، رآنا نحن الثلاثة، أمي وشيرين وأنا، نقف على عتبة غرفته، ونراقب حركاته، فأجهش بالبكاء، تاركاً بندقية أبي تتهاوى من قبضته على الأرض، وحينئذ هرعنا اليه، وإقتدناه الى غرفته، إعتصرت ملامح وجه أمي حزناً وارتباكاً فيما إرتسمت على وجه شيرين علامات التهكم والسخرية! نادتني أمي بصوت مبحوح، وغمزت لي من عينها اليسرى كأنما أرادت أن تبوح لي بسّر، بعيداً عن مساحة إلتقاط آذان العريسين· سارعت في تتبع خطواتها المتعجلة، الخجولة، أركز نظري على ثوبها الطويل، الاطراف، بأذياله المهترئة على الأرض، حتى دخولها الغرفة· لمحت صورة أبي الشمسية، المطوقة بأطار خشبي غليظ، ومعلقة على لجدار بمسمار بارز· ثم تسلقت كرسيا وأعدت تعليق بندقيته القديمة في مكانها، مثل ديكور يصفي على الغرفة روح أبي·· ومصيره· تذكرت، دون إرادتي، يوم إغتياله المشؤوم، الذي ما زال يلاحقنا بأنفاسه اللاهثة حتى هذه اللحظة، وبينما كنت أنصت الى صوت قاتل أبي وحشرجته الحيوانية، بدأت أمي ترفع صوتها في محاولة منها لجذب إنتباهي عن صورة أبي وبندقيته، وحين أخفضت رأسي نحوها، لسماعها بشكل أفضل، قبلتني على وجهي، وهمست في أذني، بشفتين مرتعشتين، عاجزتين عن ضبط مخارج الكلمات:
 
- إفعل شيئا من أجل أخيك!
 
آنذاك وجدت الفرصة لمعاتبتها:
 
- ولماذا لم تستدعني قبل العرس؟!
 
أجابتني بصوت يشوبه مرارة ولوعة:
 
- العرس لم ينته بعد···
صفحة 6
4
 
أجل، لم ينته العرس بعد، وربما قد تطول هذه الليلة، لا أعرف بالضبط، ولكن ما أعرفه، هو أن عرس أخي جمع شمل عائلتنا الصغيرة المبعثرة، بين وظيفتي في قرية نائية، وانتظار أخي في جبهة حرب حدودية، وعزلة أمي في منزلنا·
 
- ما الذي يمكن أن أتعرف عليه أكثر من ذلك، أكثر مما حدث أمام عينيّ؟
 
دهشت لهذا العرس الذي تحول بين إستلامي لبرقية أمي، ورحلة القطار الى مدينتنا، الى مأتم جنائزي، دون ميت، وخصوصا منظر النساء القادمات بعباءاتهن السوداء، كأنهن يرتدين أثواب الحداد· والشموع التي أوقدتها أمي بسبب إنقطاع التيار الكهربائي إثر قصف القنابل المستمر، ألقى بضيائه الكئيبة على وجه العريسين بحيث أدركت، دون إستفسار أو همس البوح بالأسرار، بأن شيئاً خارقاًَ قد حدث في الليلة الماضية، وقلب بهجة العرس الى حزن الموت، وضحكات الآخرين، هي الأخرى، كانت مغلّفة بشيء مصطنع، من تهكم ودهشة وانفعال، عسير الفهم، لكن صوت أمي المنبعث من غرفتها، أنار لي كل شيء، بكلمات غير مفهومة، غير مترابطة، متدفقة كجملة واحدة، تمتمات، أنين، دعاءات، إبتهالات، صلوات، هذا الأيقاع الصوتي الذي لا يمكن الاّ أن يكون نكهة أمي وروحها، أخرجني من غرفتي في الليلة التالية، لأنصت من وراء باب غرفتها، الى حديثها، المخنوق، الباعث على الحيرة، حيرة أخي أمام شيرين: إبني، إبني، إلعن الشيطان وأخرج من سجنك ها هي شيرين تنتظرك إهجم عليها قل لها كلاماً جميلاً داعبها مسّد شعرها أنفخ أنفاسك فيها قل لها أنت أقوى رجل على الأرض هكذا تصورتك منذ ولادتك أعرف أن بابك مغلق الآن وأعرف أنهم سحروا لك في غيابي لكنك تعرف بأني انتظرت يوم عرسك يوما بعد يوم لحظة بعد لحظة هل يرضيك أن تخيّب أمالي لا أعتقد أنك ستفعل ذلك· أنت آخر من تبقى لي قل لي لماذا أنت خائف منها أتخاف من المرأة أتخاف من شيرين من جسدها الذي أصبح الآن ملكك إفعل شيئا من أجلي فكّر قليلاً بالعائلة بالضيوف بي بأخيك الكبير بزوجتك ابني، ابني قل لي ما الذي جرى ما الذي حدث لأرى وجهك بهذا الحزن في يوم فرحك ما الذي مات فيك قل لي سأجلب لك كل عقاقير العالم لكي تشفى كل أدوية الأرض لتتغلب على هذا العسر لا تقل انها أوهام أعرف جيداً بماذا تفكّر سأذهب الى قائد الثكنة العسكرية وأمدّد اجازة العرس حتى تنتصر أقول لهم بأني أحارب مكانك لكي تبقى بجوار شيرين وتفّض بكارتها وتلطخ الشراشف البيضاء كلها بالدماء· دماء حتى يرى الجميع الدماء إلعن الشيطان واخرج من سجنك هاهي شيرين تنتظرك تنتظرك!
صفحة 7
حزيران
 
1
 
بدأ الربيع ينحسر أمام القيظ الآتي، وكنا نأمل أن يحمل في طياته إنعتاق جسد أخي، ولعله يذيب جسدي العريسين في بوتقة واحدة، وينزع عنهما الجلّد الميت الذي غلّف غرائزنا كلها بسيل من المعتقدات والأعراف، فتساءلنا بكل سذاجة:
 
- هل يمكن أن يتمزق غشاء بكارتها في حرارة الجسد؟!
 
لم نعد نعرف من يطرح الأسئلة ومَنْ يجيب، إذ إستولى علينا هاجس فضّ البكارة تماماً، وأصبح جزءاً من حمى أجسادنا جميعاً، رغم بعدنا، أمي وأنا، عن هذا الموضوع· ومَنْ يدري؟ إننا أيضا بشر، أمي ختمت حياتها بستار حديد، وهي في عمر الثلاثين، أي منذ إغتيال أبي، وأنا أفضل أن أنسى نفسي، نوع من الرجل التائه·
 
بين أمي التي قبرت شهواتها في أعراف الآخرين، وبيني، الجاهل بالمرأة، إندفعنا نحن الإثنين،في رحلتنا، كل من جانبه، لوحده، كأننا سلكنا طريقين متنافرين، لكنهما يصلان الى نفس الهدف، دون أن يتمكن أحدنا الأفصاح عن رحلته· لكل منا خططه السّرية، المتواصلة مع ثغرات نفسه· فأي بحث من هذا النوع لا يمكن أن ينفذ دون تجاربنا الحيّة· لكن في لحظة من لحظات اليأس كنت أقرر التخلي عن هذه المهمة، والرحيل الى قريتي، رغم أنني بعثت بطلبي لأخذ إجازة بدون راتب لأجل مفتوح، وحصلت من إدارة المدرسة التي أعمل فيها أمر الموافقة، بعد أن تعهدت أمي بأنها ستصرف ما أدخرته على معيشتنا نحن الأربعة في المنزل· أمي لم تيأس لحظة واحدة، واندفعنا نتلصص على العريسين من ثقب حفرته أمي في لحظة شيطانية خبيثة، بجدار غرفتها الملاصق لغرفة العريسين· دون أن يعرف أحدنا بالأخرى، اكتشفت ثقب الجدار عن طريق المصادفة· فلم تكن لحظات الشك والريبة عند الاكتشاف سهلة لأي منّا، بين تبادل النظرات الصامتة وإنتظار المعجزة الخارقة· انتظرنا أن يخرج أخي من هذا العجز المطبق، المحيّر لطباعنا البشرية· وفي لحظات محمومة، تخيلنا أن ينفخ فيه شيطان أو مجنون أو إله أو أي مارد آخر، ليقوى على إختراق قبّة الأنوثة، طمأنينة أجسادنا الأبدية، ولحسن الحظ، أن غشاء البكارة ليس من إبتكار الله بل من إبتكار غرائزنا· فلو كان من إبتكار الله لما كان له كل هذه القيمة· لكن أمي حاولت أن تهرب من طرح السؤال التالي مراراً:
 
- متى يفضّ عبد الرحمن بكارتها؟
 
لم يكن يسّر أمي إلحاحي بدخول غرفتها مراراً وبشكل سرّي· لذا بدأت أسحب نفسي من هذه المغامرة اللعينة، لكني فوجئت هذا الصباح بأمي تصرخ:
صفحة 8
- ما هذه الهالة البيضاء؟
 
تراءى لها غشاء رقيق، أبيض، مخملي، شفاف، غطى الثقب الذي كانت تتلصص منه، بل كاد يغطي كل رقعة البصر، ويفيض على جسدي العريسين العاريين، بحيث نكاد لا نراهما· ثم أضافت بارتباك:
 
- يا الهي·· هذا كفن الموت؟!
 
كنا ننظر من ثقب الجدار دون أن يعرف أحدنا بالآخر، كمحاولة يائسة للدخول في خفايا جسديهما·
 
- لكن ماذا كنا ننتظر؟
 
بدأت شكوك أمي تزداد كلما دخلت الى غرفتها وكأنها إكتشفت بأني تعرفت على سرّ ثقب الجدار، لكني تمكنت، وبمهارة الاقناع والمراوغة، أن أغير مجرى قلقها الى طمأنينة هادئة، وجعلتها تعتقد بأن ما نقوم به هو من أجل إخراج إبنها من محنته، رغم عملنا التجسسي الخسيس· لكننا فكرنا:
 
- ماذا يحصل لو إكتشف عبد الرحمن الأمر؟
 
يتجسس عليه أعز ما يملك في الدنيا، أمه وأخوه، بعيون جامدة وأفواه مفتوحة· انفجرت الدموع في عينيّ أمي، وخرج منها نحيب يفصح عن حكمة باطنية، فهمت منها أن مَنْ يتدخل في شؤون الآخرين يدسّ أنفه في عفونة نفسه! الأهل، القبيلة، الأصدقاء، الأعداء، والآخرون، يتدفقون على منزلنا ليتلصصوا على حياة العريسين· ولكل واحد منهم فتوى، يواصلون حياتهم، ويتغذون على أخبار الآخرين، حشرات طفيلية تعتاش على دماء الآخرين، تملأ معدتها بدماء نقيّة، وتصبّها في عروق الآخرين دماءً فاسدة بعد أن تصهره في أحشائها الى ما لا نهاية، وكلما أصابت ضحية، تتفتح شهيتها لضحية أخرى، وفي بحثها المحموم عن الضحايا لا تجد في النهاية سوى أقرب الناس اليها، وحين لا تجدهم تصبّها في جسدها ثانية لتموت مسمومة، هذا السمّ تسلّل الينا خفية· ثم حاولت إقناع نفسي، شأني شأن جميع المتلصصين على الأرض، بأني أقوم بعمل إنساني، وهو مثل سائر الأوهام المحّركة للحياة، لكن تلصصنا على العريسين تحوّل الى أكبر خطيئة نقترفها سوية، أمي وأنا، وهي ليست لعبة كما توهمنا بادئ الأمر!
صفحة 9
2
 
كان زواج عبد الرحمن أكبر تعويض لأمي التي لم تحصد من السنوات العجاف، سوى الصبر والفاقة والأيمان· لحظة واحدة تهيمن على إيقاع كل هذا الزمن الماضي، وهي اللحظة التي علمت بها بنبأ إغتيال أبي، ومنذ ذلك الحين، ترفض الاقتران برجل آخر، بل لم يكن يعني لها أي رجل على الأرض غير أبي· والحماس الذي إدخرته في نفسها لتزويجي، أظهرته مرّة واحدة، وبقوة هائلة في زواج أخي الصغير، وكأنها لا تمتلك سوى إبنٍ واحدٍ، حتى خيّل إليّ بأنني لم أخرج من رحمها أبداً· فيما كان القدر يرسم خطته اللعينة بسرية تامة لهذا الزواج، ويلقي بظلاله المحّذرة، والمتنبأة، والمريضة على وجوهنا، لتّذكرنا بعبء الآخر
 
- مَنْ هو هذا الآخر يا ترى؟!
 
وأجبت نفسي:
 
- هل هو أخي الصغير أم آلاف الرجال العاجزين أمثاله؟!
 
- مَنْ كان يتخيّل هذا العجز وسطوته؟!
 
لا أحد! لا أحد كان يفكر بأن تدخل ليلة عرسه شهرها الثاني، وتتحول الى جرثومة تعشعش في رؤوس المدينة بأكملها· وبدأت الألسن الشبّقية، تتساءل باستمرار:
 
- ماذا فعل عبد الرحمن؟ أين وصل؟ لماذا لا يطلّقها؟ لماذا لا يذهب الى أطباء بغداد؟ لماذا لا يزور الأئمة؟!
صفحة 10
لكن عبد الرحمن حسم أمره وأودع مفاتيح حياته الزوجية بيد أمي، التي لم تتوقف عن رعايته، بل واصلت كما كانت تفعل أثناء عزوبيته، تهيأ له أطباق الطعام، ترافقه الى سريره، تقرأ عليه آية قرآنية، وتضع جرة الماء في غرفته·
 
- ولكن هل هو بحاجة الى أمي الآن؟
 
لم يكن يعرف عن شيرين بقدر ما كان يعرف عن محارة ضائعة في عرض البحر، هذه المرأة المجهولة، العاقلة، النبيلة، التي طالما أذعن لإغراءاتها ونزواتها، وفي هذه الحركة الدائرية في الانتقال من كلمة المرأة الى المرأة ذاتها، كان ينتقل من سرّ غامض الى سرّ أكثر غموضاً·
 
- مَنْ يقدر أن يخبره عن هذا السّر غير ليلة هيجانية، ليلة العرس؟!
 
أمي، أحكمت سيطرتها على هذيانات الجسد، ولم تعد كلماتها الساذجة وأوصافها للمرأة مواويل وتراتيل تشوبها رتابة قاتلة، وهو يتكوّر كطفل كسيح في حجرها الدافئ، يطرب لهذا اللحن ويطلق العنان لأحلامه· وفي لحظة سبات مذهلة، يتخيّل عروسته، تركض نحوه، بعد أن رمت ألعابها، وسرعان ما يفتح عينيه ينهض من حجر أمي، مذعوراً، يلوذ بالركض، ويلقي بنظراته الطويلة الى أعماق البئر الكائن في صحن منزلنا، والمحشو بألغاز وجوده بل وربما بألغاز هذه الحرب التي تدّثر عجزه بآلاف الأغطية·