eKtab
EN ع
ناقص ضلع
اقرأ عينة مجانية

ناقص ضلع

بقلم نهى غنّام

صفحة 1
أكثرُ صراحةً مع نفسي
 
1. المرآة
 
هي الذات عندما تفقد ثقتها بالذات...
 
مجهرها لا يزال باحثاً عن بر الأمان، تريد الوصول دون إبحار أو مجازفة، تلوذ بذاك الجسم مصقول السطح مشذب الأطراف...
 
بوابة الزمن تجري بها عبر الوقت ولا شيء يؤنسها سوى بوصلة تدور... ذات الوجه والعينين، الفم والأنف، وتلك الندبة السوداء على الخد الأيسر.
 
كيف السبيل إلى تهشيم هذا العالم المجهول هناك؟
 
"بت أمقته لدرجة الجنون، لماذا أنا مجبرة على التعبد بمحرابه قبل كل نسمة هواء أتنشّقها خارج قيودي ؟ ربما لأنني في داخله أشعر بمدى بشاعتي... أتخيل وقت الحساب قد حان ولا منقذ سوى العمل الصالح. هي صديقة أغوار نفسي تشي لها بالأسرار الدفينة داخلي، مرة تخبرني أنني الأجمل، ومرة تشعرني بالنقمة على ذاتي وكأنني تلك الخالة الشريرة في"بياض الثلج"...
 
حاولت أن أحرقها بالماء كما يفعل الكيميائيون بالصوديوم، أردتها هيدروكسيداً مشتعلا دون جدوى...
 
في هذه القضية ظالم ومظلوم: هي، أنا، أم كلانا...
 
ألأنها تجبرني على مقاضاة نفسي في محكمة الضمير؟ أم لأنها تختزن شحنات الحقد المركزة وتبثها في وجهي لتزور مكامن الضعف في نفسي... نعم أمقتها جداً، لا سيما حين تخرج سيفها من جرابه لتصيب غروري الأنثوي وترديه قتيلاً".
 
لستِ جميلة، لا تحاولي أن تخففي ما أنت عليه من بشاعة... ابقَيْ كما أنت عاصية في زمن الكفر، تنفذين المشاريع الفاشلة في شركة بيع الاجتهاد والاعتماد على النفس لتقضي على حدود العالم المجهول بلا تصريح للدخول ودون أن تطرقي الباب فتزعجي سكانه.
 
2. ربما حباً
 
لحظات الليل الأكثر ظلمة تلك التي يُسرق فيها حلم...
 
"شيلوخ" لم يعد قادراً على الصبر، يقتطع لحم البشر ليبيعه في مزاد
 
الإنسانية العلني وأنت... كالمجنونة تنفخين في "قربة" مثقوبة، تهيمين في الأرض باحثةً عن حلم كان كابوساً قبل اغتياله، كاليد عندما تحاول انتزاع وردة بين الأشواك... لا تنسحب إلا بخسائر فادحة.
 
شعرتِ أن الزنزانة تطبق عليه لأنه اعترف...
 
قال أحبكِ بينما أنت راكضة في أفق الطموح المشرع الأبواب ترتشفين كؤوس الأحلام المؤجلة إلى ما بعد الحرية.
 
النوم يسيطر على المكان وقراصنة الليل فوق وسادته؛ يحومون حول الهدف، يصطادونه بمهارة ويتركون الساحة لفتحة صغيرة في الجدار لن تلتئم إلا برجوعه.
 
"المعذرة يا عاطفتي المليكة لن أقدم القربان ليكفر عن زلتي...
 
رسالة لن ترحم قلبي من ندم ينهش أطرافه أولاً بأول...
صفحة 2
هي المراهقة اللعينة تلعب بي من جديد، تمارس لعبة (القط والفأر)...
 
أحب...أكره... أكره الزنزانة وأحب...لا بل...لم أقرر بعد..."
 
إنها "اللاصراحة "حينما تختال بثوب التخمين وال"ربما"...
 
سيطفئون السجائر في جسده ويلهبون جلده بسوط شرس... سيعدمون صوتاً للحرية على مقصلة الخوف دون أن تنطقي ببنت شفة...
 
لن تقومي بالدور الذي تحبين... لن تكوني "دوبليراً" لإنسان يتألم وتقولين آه...
 
أنت مثلهن لا تتقنين إلا الصعود إلى أسفل... تذبحين وتلعبين دور الضحية.
 
3. ثورة
 
عيد ميلادها العشرون وكآبتي ترفض أن تموت! تريد أن تسجل في مقياس “جينيس":
 
أطول فترة صداقة بين شخص وكآبته، تتحدى ذلك المجنون الذي أعلن عن مولد كآبته بسعادة...
 
جبران كان يحبها... اقترن بها حتى ماتت فأعلن الوفاء لها...
 
هي "ست الحسن" تزيدك جمالاً وتقتلك إذا أثقلتِ العيار، تدفعك إلى "فوق الطبيعة" حيث نارٌ مشتعلة تثور على كل شيء...
 
ترغبين في أن تكوني أفعى يبحث الناس عن جلدها الذي خلعته...
 
تقولين لو أنني متُ قبل ولادتي بثانية لأذوق طعمهما معاً: الموت والحياة...
 
هكذا أنت دائماً...
 
تثقلين كاهلك بالواجبات الفلسفية، وفي داخلك فراشة تحوم باستمرار، عما قريب ستغدو شاهيناً متوحشاً...
 
هي الثورة...
 
السادية، دائمة الوخز المؤلم جداً، تتألمين وتطلقين أبواقاً بالغناء المتحشرج... كالطير يرقص مذبوحاً من الألم.
 
"التيار يسري من أخمص قدمي إلى قمة رأسي، يشحن أوصالي بلظى ثورة خرساء تغذيها حرارة الرفض والنفور، كيف أفك القيود وأتحرر من نير كآبتي التي تلازمني كالظل في جو نصف مشمس "
 
لماذا تهزمين في كل مرة تجربين فيها أن تثوري ؟
 
لأنك لم تعدي العدة، تهتمين بأسلحة ضعيفة، تماطلين في دفع الثمن وتقولين: لا أستطيع ببساطة
 
أنت مهزومة، كفي عن التراجع فالكيل طفح ولم يعد هناك حل إلا الثورة.
صفحة 3
سُلفة ودَيْن
 
شوق يتلمس أطراف أصابعه، يرتابه منهمكاً في دفعه نحو السيارة المصطفة في الطرف الجنوبي من "الساحة"، هنا بالساحة الكبيرة في قلب البلدة يتجمع العائلون من أفرادها، يتناغمون في بحثهم عن ضالة خطوط الهاتف، يتأججون صبرا ويخترقون الحواجز أملا بانفراج ما يتقدم.
 
"أبو أحمد.. أبو أحمد.. على جنين؟" يصرخ وقد استثقل صوته الخروج من آلاف الأنات المنتظرة، للمرة الأولى ينادي على جنين وقد اعتادت متغرطسة أن تنادي على الجميع.
 
"اركب اركب" ويمضي أبو أحمد مسرعا "راجع راجع" ويقذف سيارته كسهمٍ أطلقته يد خبيرة في اصطياد الأهداف.
 
إنّه الآن منشغل في الكلام عن الوضع في البلد ودقات قلبه تتوارى تحت اللسان، تتسارع بانتظام عشوائي يتولى إدارة الكلمات في السيارة الهاربة إلى الفرج حيث يتضايق كل من فيها من بعضهم يتململون وليس بيدهم غير ذلك في ظل هجمة الرزق المفاجئة على "فوردات" النقل.
 
- لم أتوقع أن يصرفوا الرواتب اليوم
 
- ألم تسمع نشرة الأخبار في البارحة
 
- يقولون أن سلفة هذه المرة من "إسرائيل".
 
- إنْ شاء الله من "مالطا"
 
- المهم "نقبض".
 
صامتا استمع، وحزينا تنهد، ومفكرا أمضى وقته في حرب الكلام، وحتما لن ينتظر سماع المنتصر فكلهم منتصرون وقد تمرنوا على سلاحهم منذ زمن.. وأي شيء يمشي في هذه البلاد غير الكلام ؟!
 
تسكنه لمسات من الخجل وتعتريه رغبة في الصراخ وقد استبدلها منذ العهد الأول للأزمات بالبكاء مستفردا بطاقته التعليمية التي لم يعد لتنفيسها مكان إلا القهوة التي مشت هي الأخرى نحو "الكوفي شوب" فارتفعت أسعار شايها وقهوتها إلى النصف.
 
***
 
يفكر بانقلاب المعادلات وقد بدأتْ حبات عرق تشاطر لحيته المسمرة كفحمة مطحونة على لوح أبيض، تشاطرها في الاستيلاء على مساحة وجهه الذي احمر زهقا؛ فالرواتب قُطعت والأسعار ترتفع، ولكن العلاقة لم تنعكس بعد ففعل الارتفاع لا يقابله انخفاض بل انقطاع ربما سيبحث عن علاقة جديدة غير الطردية والعكسية في الحصص القادمة التي لن يعرف لها موعد رجوع.
صفحة 4
منهكة وتكاد أن تفقد ملامحها ذكرياته في صفه المقفل منذ ستة شهور، تطير من مخيلته فجأة كرماد طبشورة أزاله عن جاكيته، ويعود من جديد إلى معمعة الثائرين في السيارة.
 
- ترى كم سيقبضونا هذه المرة؟
 
- سمعت أنَّ المبلغ 600 شيقل.
 
- بس؟!
 
- وماذا تعتقد؟!
 
- "يلا الريحة ولا العدم"
 
ويخفقون انتظارا، يخنقون بداخلهم حربا لم يتقنوا استخدام أسلحتها بعد، إنها الأسلحة المحرمة حياتيا حيث ينتهك إطلاقها فرصة ضئيلة باستحقاق لقمة عيش.
 
***
 
"شوَّبَت" يقول أحد المحاربين، "شغل المكيف يا أبو أحمد" يتجاوب الثاني مع ردة فعله،" منين؟ والله خربان يا خيي" يدافع السائق، "وليه ما تصلحه" يتدخل ثالث مستغضبا نفسه، "مانت شايف الوضع" يتذمر السائق وقد جعل من ذاته أضحية العيد، يبادر رابع بالهجوم "كيف لو انك مثلنا؟"، يكمل خامس وقد تناوبت ملامح الحسرة والسخرية على وجهه "هو في حدا مثلنا في كل العالم؟"...
 
يمتقع وجهه صبرا ويجازف بكلمة "اهدوا يا جماعة" بعد أن ارتفعت وتيرة النقاش الذي مل من ارتداء ثوب السياسة والمصير المحتوم لقوم مقاطعين من العالم محرومين من لقمة عيشهم غاضبين من وجودهم هنا ومتشبثين بهنا علهم يدركون الدور في الصف المستجدي باب البنك.
 
ثم يجد نفسه مضطرا للنفخ وقد اقتربت السيارة من "حاجز طيار"، حينها فقط يصمت الجميع مجبرين على الانتظار محتسبين صبرهم عند الله تعالى.
 
وتقفز "شذى" إلى عقله.. تستغل أبوته لها لتستولي على ما بقي محصنا منه، يثيره منظر أسنانها المتكسرة بفعل ارتطامها بدرج المنزل، حيث تدحرجت عليه قسرا وجريا لتدشين فرحتها "بالشيقل" الأول بعد انتخاب حماس...
 
يقرر لحظتها بالذات أن يعزف على وتر "حماس" المقطوع، أنْ يلعن اللحظة التي قرر فيها أن يمارس حقه، "تمارس حقك أين" يخاطب نفسه، إنه مكان المقاييس الجديدة والقواميس المنفتحة إلى الخلف تلك التي تدفع أسنان شذى ثمنا لحق مشروع، و"لكن ما ذنب صناديق الاقتراع؟؟"
 
***
 
"هي هي دورك بالتفتيش انزل الجندي يناديك" يقوم فزعا ولا يتروى بمشيته كما العادة ينتظم كحروف ترتسم على خط مستقيم، يتلكأ بخطواته كسلحفاة قررت أن تغير طريقها ويقطع على حبات عرقه مسارها فاتكاً بها بمسحة منديل، إنه يتهيأ لطقوس الوقوف أمام صرخة الجندي: "وقف"، وفوهة بندقيته الموجهة، ترتجف يداه كدموع تتناثر على دفعات، ويتلمس ملابسه التي أمره الجندي برفعها وكأنه يراها للمرة الأولى، يدور ويدور معه الراتب والسلفة وشذى ومحمد وهناء وأحمد وأمهم المبتلعة دائما لبركانها الغاضب.
صفحة 5
" خلص" يقول الجندي وقد عاودته نوبة الصراخ من جديد، يتحفز مسرعا إلى الهوية ضروري جدا أن يفعل ذلك فهي زاده الآن إنّها أهم ما يمكن أن يُحمل في هذه الأيام ولا يناسبها أكثر من جيب القميص فوق القلب مباشرة.
 
وبعد.. تستطرد عباراته الغزلية بها إلى أن يباغته أحد المحاربين كلاما في السيارة فيتذكر أنهم في الطريق إلى الفرج ويسرع أكثر.
 
يتململ الجالسون وتدور الكلمات لشن هجومٍ آخر انطلاقا من أنفسهم إلى آذانهم فيدورون في فلكهم من جديد.
 
ويحلق أبو أحمد في سماء الطرق المهترئة تتهدج سيارته للوصول تنتظر نقلة أخرى.
 
***
 
"محمد" يصر على تشغيل الكمبيوتر لساعات طويلة تنهك فاتورة الكهرباء التي انقطع نَفَسها منذ زمن، منذ زمن أيضا أتقن محمد "الغرافيكس" والرسم على الجهاز "لطالما استحدث في قلبه رسوما للخريطة من النهر إلى البحر، لحظة... أقصد لطالما استرجع على جهازه رسوما لفلسطين من أم الرشراش إلى رأس الناقورة، نعم إنها كذلك جدي أخبرني أنها كذلك" يناقش نفسه وجلا، نعم فقد انتخبت خريطة ابني ولم أنتخب حماس فلماذا أعاقب...؟؟
 
***
 
"يلا شباب هجوم على الموقع"، ورغم وصولهم بقيت حربهم الداخلية قائمة؛ لا زالت فيهم لهفة مقاومة، ينزل الجميع من السيارة ثم يركضون باتجاه البنك فيتخذون مسرباً قصيراً وقد بدأت هوياتهم بالخروج من مكامنها، يلتحق بركبهم متنقلا بين فتح وحماس والقضية واليوم الذي نام فيه جائعاً ليصل بالنتيجة إلى باب البنك المغلق حتماً، إنها الطريقة الوحيدة لتلافي سيل البشر المنشقين عن أصواتهم الانتخابية، الباحثين عن لقمة خبز بين ثنايا أرقام حسابهم التي افتتحتها الدول المانحة، لم يكن يعلم أن الدول المانحة هي ولية نعمته، ظنها "إسرائيل" وبناء على ذلك تمادى في سوء الظن بنفسه لوقت طويل!؟
 
يتزاحمون جميعا يتناوبون في خرق الدور فالكل "مستعجل" وله دكان ينتظره جانب البيت أو أبعد منه قليلا، جميعهم يرسمون أجمل صورة لتشطيب جزء من ديونهم على الدفاتر المكتظة وهو يتفرس بالوجوه ظنا منه أن نظرة أمل ستنبثق منها في ساعة كهذه، وإذا به يلمح... "سمير كيف الحال؟" يصيح مخاطبا أحد زملائه في المدرسة ونافثا عنه تكدس المنتظرين، يهم جاهدا لتخطي الصفوف فيعاونه الزميل طالبا منه البقاء في مكانه.
صفحة 6
كانت اللحظة التي ينفتح فيها المجال لمقابلة الصراف الآلي أشبه بمحاولة القفز من طيارة مقبلة على الانفجار حيث يحتفظ الجميع بحق الانقذاف منها إلى الصراف مباشرة، يسحبون ما وجد لهم وينطلقون غير آبهين بشيء، ربما لم يعرفوا مقدار المبلغ بعد فلحظة القبض لم تعد السراب الذي يندفعون نحوه ليل نهار.

يجد نفسه مضطرا للارتطام بالصراف فور اقتراب دوره وتبدو يده متذبذبة في إدخال البطاقة تروح وتجيء وفقا لما تتلقاه من دفعات من الخلف، حتى إنّه ضاعف الجهد ليحصل على رقمها السري في ثنايا دماغه المغمورة بما بعد السلفة، كان يتطلع شوقا لل600 شيقل التي اقتادته بلمحة لتجاوز المصطفين من أجلها، وتسلق الطريق متجها إلى موقف بلدته يتحسس الوريقات جيدا وتباغته عينه بالانجذاب لحظة إليها تسترق لها صورة بين أصابعه، وكأن تلك الأصابع فمه الذي ارتوى من الماء في صحراء قاحلة، إنها ما تبقى من ثروته التي انتهى احتياطها قبل أيام وله الحق في اعتصارها بين يديه...

"حسنا... نصف المبلغ مصروف للبيت" وتحركت يده اليسرى منتزعة من اليمنى نصف ما تطبق عليه في حركة واضح أنها مقصودة، وما تبقى من المبلغ غير معلوم النهاية؛ فهناك مجال للتفاوض... ربما يرجع ذلك لاتساع مساحات "الرقع" المطلوب منه إغلاقها، رغم انتظاره طويلا للسيارة فإن لمسة دفء تغمره وأشعة أمل تنطلق من مكان ما يحيط به.

انطلقت السيارة بركابها الحالمين بغد أفضل غير آبهين بالحواجز التي قد تتقصدهم في الطريق وكأن طريق العودة معبدة بالغيوم "إنها نشوة الحصول على سلفة في بلادنا هههه".

"لمن سيذهب النصف الآخر من النقود؟!"... فالدين أكبر من هذا والطبيب حباله طويلة في الزيارات والمصروف لا بد من تقشفه و... و...

"حد نازل هون؟؟" تصعقه عبارة السائق ليكتشف أنه أمام المنزل، إنه مشغول بتجهيز نفسه لنظرات بلا ألم، جرعة أخف من الألم سترمم فقدانا للثقة بدأ بالتشكل بينه والعائلة، سيحمل لهم أشعة الأمل التي تنطلق من مكان ما يحيط به، ويدخل برفق تحنو يده على مقبض الباب مستغلا في الوقت نفسه فرحة داخلية لترسم بسمة على وجه تغيرت ملامحه منذ ما يقارب الساعة، تقترب شذى مقبلة إيّاه ثم يباغته الباب مفتوحا وإذا بالزوجة تدخل، هي أيضاً تغيرت ملامح وجهها منذ ما يقارب الساعة...

***

"أم جهاد لم تقبض معاش زوجها"...

تفاجأ، فلم يسبق له أن سمع تفاصيل بشأن مساعدات الشهداء والأسرى "يبدو أن سلفهم ستتأخر بعضا من الوقت"، فكرة هبطت بتأن معتاد على دماغه وأصوات من داخله بدأت تصرح بمعرفتها للمكان الذي ستذهب إليه نصف السلفة التي تساوي ربع راتبه المتأخر منذ ستة شهور وذهبت إلى أم جهاد وأولادها الستة دون لحظة انتظار أو مراجعة. وبالنسبة للديون فالقضية طويلة وليس انتصاراً أن تسدد من البداية، لا بد له من مقاومة الدكان المجاورة والأخرى في رأس الحارة والثالثة خلف البيت.

إنّهم جميعا الآن يتسلون بلمسة دفء وأشعة أمل تخرج من مكان ما يحيط بهم. واحتفالا بالمناسبة ليكن العشاء وليمة فاخرة من الزيت والزعتر و...الجبنة...؟!
صفحة 7
زكام الفصل "الهاتفي"؟!
 
رنات الهاتف تتسارع لتقطع جو السكون الذي أشاعه صوت الأستاذ في المحاضرة...
 
النغمة نفسها التي اضطرتها إلى إقفال الهاتف ليلة البارحة، وفي الصباح، وبعد المحاضرة الأولى، والآن...
 
امتطاط الدقائق عند الحديث عن الدروس يثير شهية الانكماش لديها، فتغدو متقوقعة على الكرسي القديمة، التي احتجزتها في المكان ذاته، منذ بداية الفصل الدراسي الأخير لها في الجامعة.
 
الجو اليوم "مُحير" كما الذي سبقه، وعادة ما تتقشف السنة بحرارتها وبرودتها في هذا الموسم، ومن يدفع الضريبة هي التي تجلس على الكرسي نفسها منذ بداية الفصل الأخير لها في الجامعة، فتتلوى من وجع حلقها، ثم تجري قشعريرة الجفاف في قصباتها الهوائية، وتنفث في أنفها ريح الزكام... فتعاني...
 
ثم، تحاول أن ترقد، وبعد ذلك بأربعٍ وعشرين ساعة، تجتاح صوتها موجة كتمان، فتفقد القدرة على الحديث مدة ثلاثة أيام،
 
ولا ترد على الهاتف الذي أيقظ فيها سطوع الشمس وخفوت القمر وصراخ الرعد وعويل البرق، وتصبح خبيرة درجة أولى بحالة الطقس.
 
***
 
ألفين وواحد... ألفين وثلاثة..... وأربعة.... وتهجم الشمس جهرا على السماء فتمحو الملامح العقائدية لليلة على ضوء القمر، ولذة عد النجوم فيها...
 
سميت الليلة بذلك لأنه لم ينم فيها؛ فلا يستطيع مرتادو لحظاتها أن يطرقوا باب النعاس، وهي جميلة جدا حين تترنح بدلال في سماء النقب، متبخترة بصفاء ما فوق الخيمة، ومتعالية على سبب الوجود المقيت في مكان جعلته الأمم المتحدة من نصيب الدولة غير الشرعية التي أصبحت شرعية لأن "الداية" التي ولَّدت جارتها "بنت حلال"، ولأنها وُلدتْ وحدها واقفة على قدميها، لم تجد إلا أن تكنى بداية جارتها...
 
سُجلت في شهادة الاحتلال "قانونية"، وبقي الأمر مُتَداولاً في حانات اللاوعي العربي، إلى أن يحين موعد الغروب، وتنطفئ الكهرباء، فيتحدث العرب عن عدم شرعيتها بلغة الإشارة...
 
هو حاليا موجود فيها؟! ويعترف بها بكل ما أوتي من سخرية ساقته إلى قدر ملعون، فواعده مع الثورة التي اعتادت أن ترمي همومها على بعض الأشداء، فتنكسر ظهورهم ويلجأوون إلى... إلى تيار معكوس ليحميهم، فيُرجعون للثورة همومها ولا تندم أبدا.
صفحة 8
انتهى الدوام، وتراقصت النغمة الخاصة من جديد، ولا حياة لمن ينادي، يخنقه "برستيج" "الفصائل" حين تتهادى عجرفة أبنائها نحو الجالسين في الخيمة بنعومة، فيظن الموجودون أنهم غير الذين انخرطوا في الثورة ؟!
 
وهو... يغدق عليها برناته، بحثا عن الوجه الآخر للحرية الحمراء، التي يتغنى بها برفقة الشعراء في الخارج...
 
تهديد اضطر لفرض نفسه على الأجواء حين أراد أن يكلمها في المرة الأولى؟! فأقسم باسم "التنظيم" الذي رضع من صدره أن يحاسبها، على كل عمل شرير قامت به منذ أن وقعت في دائرة المراقبة؟!
 
وحين تدرك أن المتحدث مدعوم تقول له: "بلط البحر يا......... "
 
فتستثير فيه حقا الرغبة في تبليطها، وينجح...
 
فيكون حبيبها الذي حلمت به من قبل ما يقارب الخمس سنوات...
 
وأدى عمق التجربة إلى حمل غير شرعي برنات الجوال.
 
***
 
تسرع نحو المطبخ، تخرج نصف كيلو من الأرز، وتنقعه في الماء مستعجلة، بينما يتخطى هو مرحلة قتل الوقت وينقع الأرز أيضا...
 
نصف ساعة مرت الآن، استطاعت فيها أن تغير ملابسها، وتصلي، ثم تعود إلى المطبخ،
 
كل شيء جاهز الآن عنده، ولا يحتاج إلا لبعض البهار، يرش مكونات الطعام به
 
فكرا ببعضهما حين نضج الأرز...
 
اشتاق أحدهما إلى الآخر وماء "الشوربة" يغلي،
 
أطبقا على جهاز الاتصال بشدة، وهما يأكلان...
 
- الآن سأتصل
 
- لا بد أنه سيرن الآن
 
ترن ترن ترن ترن ترن ترن
 
- وأخيرا تكلمتِ؟ لماذا لم تردي على اتصالاتي منذ يومين؟
 
- عفوا أنا لست..... أنا صديقتها في السكن الجامعي
 
- وأين هي؟
صفحة 9
- لقد اختفى صوتها كليا وتخبرك أنها سترد حين يعود.
 
وصام عن الحديث هو الآخر، لن يتطرق إلى تضييع ثانية بعيدا عن ملكوت الحديث معها، وبدا له صوتها كسراب في الصحراء يجري للإمساك به دون جدوى...
 
فصام وصلى وصبر وتضرع داعيا.
 
***
 
وتعود رنات الهاتف، تتسارع لتقطع جو السكون الذي أشاعه صوت الأستاذ في المحاضرة...
 
النغمة نفسها التي اضطرتها إلى إقفال الهاتف ليلة البارحة، وفي الصباح، وبعد المحاضرة الأولى، و...
 
وهي نفسها التي جعلت الأستاذ يطردها من المحاضرة،
 
فأسرعت قدماها تعانقان بلاط الأرض، تركضان نحو أهدأ نقطة، وطبعا أكثر نقطة تعمل فيها الشبكة، تسمع: "شو، ما رجع الصوت؟"
 
فتقول: " اشـــتَقتلَك كثير"
 
ويعودان إلى العزف على الأوتار ذاتها؟!
 
لا يملان..... ولا مرة أحسا أنهما يعيدان الحديث عن المشاعر نفسها والأشخاص عينهم
 
لا زالا يتمتعان بروح مقاومة...
 
فتسأله: "كيف المعنويات؟"
 
يجيب: "عالية"
 
تكمل: "إن شاء الله على طول، راح الكثير وبقي القليل".
 
ويختمان: "ديري بالك على حالك" و"انت كمان".
صفحة 10
شاغر على القمر
 
لو أن الدنيا أخاطت فمها الليلة بالذات لارتاحت من "نقها" وكتبت عن التجارب الخائبة في دوامة الهزائم التاريخية.
 
حتى ما فشل التاريخ باقتناصه من انتصارات، لها فيه ذنب، و"ستحد وتقد" عليه الليلة، راجية أن يغيّر القدر من مخططه التوسعي ضد أحلامها الخجولة.
 
لم تخرج من نطاق السذاجة بعد؛ ما زالت تتدرج في الصعود إلى حيث القمة التي لا يراها غيرها، إنها هنا الآن... مستلقية، ترنو بعينيها مستجدية القمر الذي اعتادت على رؤيته دون أن تراه! ومؤنسة وحدتها بذاتها بلا اعتماد على الآخرين في زحمة "الواسطات".
 
غدا سيكون الموعد العشرون مع المؤسسة المئة والمقابلة الألف والمشوار المليون لـ"شحد" وظيفة تتناسب والذوق الخاص.
 
"إنه الزمن الذي أصبح فيه العمل توسلا، والشهادة كرتونة عاجزة حتى عن الانطواء".
 
النفخات، والآهات، والأوفات، واللحظات المنبثقة عن "واو العطف"، المتكررة والمُكررة، هي بين أولئك و "واو العطف" أيضا.
 
تحس أنها مضغوطة ولولا خوفها من وصول الخبر إلى الاحتلال لأحست أنها مفخخة ومحزمة وبين فينة وضحاها سيحدث حولها ما لا تحمد عقباه.
 
ستكون الذكريات زاداً كامل الدسم وإن خلا من الدسم، أيضا لا يتغير من الموضوع شيء... أين المهرب من وجهها الذي لم تره منذ فترة؟؟؟
 
يخرج ماردا في الحلم... الكابوس... الواقع... إنه هو المرعب الذي أصبح مرعبا منذ معانقة الكرتونة بابتسامة مرسومة على الوجنتين فقط، وربما امتنعت العينان عن الابتسام مُقاطِعة للحظات القادمة حيث لا عمل ولا أمل ودوام على اللوم والحوم حول الندم.
 
لم يرو قصتها بعد... القدر المغتاظ من عمق التجارب... وأي تجارب ستفيد في زحمة المحسوبيات؟!
 
- أراكِ في 2011 قالها ذاك الصديق المهاجر.
 
- "شمعنا؟"
 
- ربما تحتاج الواسطة إلى خمس سنوات لتزول من الوجود!!
 
- وأنت الصادق العمر كله.
 
- وهل ستنتظرين العمر كله؟