eKtab
EN ع
نازك الملائكة حياتها وشعرها
اقرأ عينة مجانية

نازك الملائكة حياتها وشعرها

بقلم يوسف عطا الطريفي

صفحة 1
مقدمة
 
 
 
تقول نازك الملائكة في مقدمة ديوانها (قرارة الموجة): «ومن عادتي ألا أنشر إنتاجي الشعري إلا بعد مرور الزمن عليه، ليكون حكمي عليه أصوب، وذلك سرّ الفروق الزمنية التي تقوم بين شخصيتي الفكرية في (قرارة الموجة) وشخصيتي الجديدة عام 1957».
 
وفي هذا الكتاب عن حياة نازك الملائكة وشعرها، الذي بدأت إعداده قبل نحو عام، عندما تأكد لي بأنني جمعت له من المراجع والمصادر والمعلومات الموثقة ما يكفي لإعداده، اكتشفت بعد حين بأن قراءاتي غير كافية، فعدت إلى البحث من جديد عن مصادر أخرى خاصة عن مرحلة طفولتها وفلسفتها، ولما أتيحت لي، أعدت ما كنت كتبته حتى خرج الكتاب على ما كنت أرجوه من إحياء سيرة هذه الشاعرة والأديبة والأستاذة الجامعية، التي برعت في إثراء الأدب العربي وحلّقت في الحركة الشعرية الجديدة.
 
وُلدت الشاعرة عام 1923م، ونشأت في بيت علم وأدب، وهيئت لها أسباب الثقافة حتى لمع نجمها، فبعد أن أكملت دراستها الثانوية انتقلت إلى دار المعلمين العالية لتتخرج فيها عام 1944م بدرجة امتياز، ثم توجهت إلى الولايات المتحدة الأميركية لتزداد علماً وثقافة فحازت على الزمالة، ثم أنهت الماجستير في الأدب المقارن، ونالت الدكتوراه.
 
عشقت نازك اللغة العربية وآدابها ونحوها وصرفها فأبدعت، وبرعت في تأليف كتب النقد، وأجادت الإنكليزية والفرنسية والألمانية واللاتينية، واطلعت على آدابها وترجمت أعمالاً منها، وكتبت أبحاثاً في بعضها، ودرست الضرب على العود كما درست التمثيل، وحاولت كتابة الرواية، وتوفيت عام 2007م بعد أن تركت إرثاً كبيراً من الشعر وكتب النقد وعدداً من المقالات في ألوان أدبية متنوعة وألقت عدداً من المحاضرات أتحفت بها الحاضرين والقارئين، وكان لها دور بارز في الأدب المجتمعي وخاصة في جوانب أدب المرأة، هذا وقد كتب عنها الباحثون والأدباء الكثير من المقالات، وأعدّ طلاب الجامعات الرسائل الجامعية عن شعرها. فحق لها أن تتبوأ مكانة مرموقة رفيعة بين الشعراء والأدباء والنقاد، واستحقت عدداً من الجوائز وكان منها، جائزة الإبداع العراقي، وجائزة البابطين، وكرّمتها دار الأوبرا المصرية، ومنحتها جامعة البصرة شهادة الدكتوراه الفخرية.
 
كان أكثر ما يميز نازك الحزن والشجن الرومانسي المشوب بالنزعة الإنسانية، والذي رافقها منذ طفولتها، وكذلك تمردها الذي غدا طبيعة فيها، فكان بحاجة للبحث فيه والكتابة عنه.
 
لقد اتخذت في هذا الكتاب منحىً آخر، فجاءت منهجيته في قسمين، وتضمن القسم الأول تسعة أبواب على النحو الآتي: 
 
• الباب الأول: وتضمن حياتها ونشأتها فأشرت إلى مولدها ونسبها وأسرتها وطفولتها.
 
• الباب الثاني: وتحدثت فيه عن دراستها منذ مرحلة الروضة وحتى نهاية دراستها الجامعية في العراق وخارجها إضافة إلى دراسة اللغات الأجنبية التي أتقنتها وأثرت في حياتها الشعرية والنقدية.
 
• الباب الثالث: وبينت فيه نشاطاتها الأدبية والاجتماعية وعملها في التدريس.
 
• الباب الرابع: وتضمن رحلة الشعر في حياة نازك، وإصداراتها الشعرية، وقضية المرأة في شعرها.
 
• الباب الخامس: وأوضحت فيه أسباب حزنها وتشاؤمها من خلال شعرها، والمحن التي أثارت لواعجها عام 1953م.
صفحة 2
• الباب السادس: وقد خصصته للحديث عن فلسفتها.
 
• الباب السابع: ركزت فيه على بعض القضايا الإبداعية، مثل: فلسفتها وقضية النقد ونقد النقد.
 
• الباب الثامن: وهو باب خاص عن مرض الشاعرة ووفاتها، وما قيل عنها في حياتها وبعد موتها. 
 
• الباب التاسع: وتضمن لمحات فنية في شعر الشاعرة وخصائصها الفنية كظاهرة التكرار والتصوف والمشاعر الوطنية والقومية ورومانسية الشاعرة ولغتها وجمال صورها... وغير ذلك. كما تضمن كلمة حول مجموعاتها القصصية.
 
القسم الثاني: وقد خصصته لمجموعات الشاعرة الشعرية، ورتبته حسب تواريخ إصدارات الدواوين مع مقدمة مختصرة، ورتبت قصائد كل ديوان حسب تواريخ نظم القصائد كما وضعته الشاعرة، والقصائد التي لم يثبت لها تاريخ وأثبتها في نهاية قصائد كل ديوان.
 
وهنا لا بد من القول، إن الحديث عن نازك واسع سعة أشعارها وأعمالها، فقد جسدت في شعرها الذات المنطوية التي رافقتها طوال حياتها، وبرعت في التعبير عن حالة الاغتراب والوحشة بحس مرهف، فسادَ أعمالها الحزن العميق حتى أن القارئ يشعر وهو يردد شعرها بلوعة قاسية وحزن شديد، أو يشعر بتفجع وعويل، ولذلك فإن الحديث عنها مستمر ولا ينقطع، ولكن وعلى الرغم مما ساد شعرها من حزن استوطن قلبها وملأ صدرها، إلا أنها ستبقى منارة من منارات تجديد الشعر في أدبنا الحديث وهي تردد:
 
لم أكن أحلم لكن كان في عيني شيء
 
لم أكن أبسم لكن كان في روحي ضوء
 
لم أكن أبكي ولكن كان في نفسي نوء
 
مرّ بي تذكار شيء لا يُحَدُّ
 
بعض شيء ما له قبل وبعدُ
 
ربما كان خيالاً صاغه فكري وليلي
 
وتلفت ولكن لم أقابل غير ظلي
 
 
 
المؤلف
صفحة 3
1- مولدها ونسبها
 
وُلدت الشاعرة نازك الملائكة في حي العاقولية وسط بغداد، الساعة العاشرة مساءَ يوم الأحد 23 (آب) أغسطس عام 1923(1)، في بيت أجدادها، وكانت بكر والديها، حيث ملأت الفرحة نفس أمها وأبيها، على عكس بقية أهلها والأسرة الكبيرة الذين انتظروا مولوداً ذكراً، لأنهم كانوا يفضلون إنجاب الصبيان. وفي رواية أخرى أن نازك وُلدت في منتصف ليلة من ليالي عام 1923، وفي هدأت الليل إلا من صوت الحراس المتعبين الذين كانوا يسيرون في الأزقة التي يلفها الظلام إلا من أضواء الفوانيس الضعيفة المبعثرة، وزاد ظلمة الليل أن القمر كان في المحاق في نهاية شهر ذي الحجة 1341 للهجرة، حين تعالى صوت مولودة سمراء شهدت الوجود لأول مرة، حيث وصل أذن الأب في الغرفة المجاورة والذي كان ينتظر الضيفة الجديدة على البيت، وتأكد من الولادة حين دخلت عليه فتاة من الدار وهي متعبة تقول له: «فتاة... طفلة... لا تبتئس على كل حال... المهم صحة والدتها...» فقام مسرعاً إلى مفكرته ليكتب «في صباح اليوم الأربعاء 30 من ذي الحجة 1341، قبيل منتصف الليل بخمس دقائق ولدت ابنتي نازك». ونظم الوالد قصيدته «نازك جاءت في زمان السرور».
 
اختار لها والدها اسمها (نازك) تيمناً باسم الثائرة السورية (نازك العابد) الذي أُعجب بشخصيتها ووطنيتها(2)، كما أعجب الاسم جد الطفلة فقال: «ستكون ابنتنا مشهورة كنازك العابد إن شاء الله».
 
ويعود نسب أسرة الملائكة إلى جذور تاريخية تصل إلى النعمان بن المنذر بن ماء السماء، أحد ملوك المناذرة اللخميين الذين أقاموا في الحيرة، وشكلوا دولتهم على حدود العراق، وعرفوا حينها بملوك المناذرة وببني نصر، وقد هاجروا أصلاً من بلاد اليمن على أثر انهيار سد مأرب في عهد تبع.
 
وبحسب رواية وهب بن منبه، أنهم استقروا في الحيرة، وعرفوا باللخميين، وبالمناذرة، وبآل نصر، وظهروا بمظهر الملوك على الجهة الغربية للفرات، وعرفت الحيرة باسمها نسبةً إلى قولهم «حيّر الحيرة» أي مدنها ومصرها. والنعمان هو ابن المنذر المعروف بأبي قابوس، وقال مالك ابن نويرة فيه:
 
لن يذهب اللؤم تاج قد حبيت به
 
من الزبرجد والياقوت والذهب
 
 
 
ويبدو أن النعمان كان قريباً من الشعراء محباً لهم، فقد روي أن حسان بن ثابت زاره كما زاره النابغة الذبياني والذي قال فيه:
 
كأنك شمس والملوك كواكب
 
إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
صفحة 4
وقد عرفت داره في الحيرة بالزوراء، ونُسبت إليه شقائق النعمان(3)، أما عائلة الملائكة، فيعود نسبها إلى الحاج كاظم اللخمي المنذري القحطاني، والذي قدم إلى الكاظمية واستقر فيها، واختار القحطانية التي تُعرف باسم «القطانة» سكناً له، ويروى أن أسلافه جاؤوا إلى الكاظمية من الحيرة سنة 1300 وظل أحد أحفاده يحمل لقب اللخمي حتى سنة 1760م عندما صدر فرمان سلطاني بمنح العائلة لقب «الجلبي»، وكان الحاج عبدالهادي درويش أول من لُقِّب بالجلبي ثم توارثه الأبناء من بعده حتى مطلع القرن العشرين، عندما تخلى عنه البعض منهم وحملوا لقب «الملائكة»، وكان والد الشاعرة «صادق» أول من لُقِّب به، ثم حذا إخوته حذوه وانضموا إليه، كما انضم إليه اثنان من أعمامه وهما عبدالرزاق وعيسى. وقد عرف أهل نازك في العاقولية بالتقوى وحُسْن الجيرة، فلم يسمحوا لأبنائهم الصغار اللعب في الشارع، أو التطاول على أحد أو الإساءة لغيرهم، وكانوا لا يخرجون من البيت إلا إلى المدرسة أو زيارة الأقارب ومع أحد من ذويهم، ومن كان يخرج عن الطوق يعاقب، ويروى أن صادق الملائكة (والد الشاعرة) خرج مرة لينوب عن والده جعفر لحضور حفل زفاف، كونه الابن الأكبر، وصادف أن تأخر، فلم يسمح له والده بالدخول عقاباً له على تأخره ودخوله البيت بعد والده، واعتبر ذلك خروجاً عن النظام المتبع الذي يفرض تواجد الجميع قبل عودة الوالد، فتوسط له أعمامه حتى سمح له بالدخول، لكن «صادقاً» ظل يحس بالذنب، وبقي خجلاً حتى اليوم التالي، ولم يكن هذا السلوك مألوفاً بين أبناء الجيران، إضافة إلى ما كانت تتمتع به العائلة من روح دينية ورثتها عن الأجداد، ليكون موضع إعجاب الناس الذين كانوا يسكنون حولهم.
 
لفت هذا السلوك أحد جيرانهم وهو الشاعر «عبدالباقي العمري»، فقال: إن هذا بيت ملائكة، وكان ذلك في أوائل القرن التاسع عشر وشاعت التسمية حتى لصق بهم وعرفوا به، وأحب أبناء العائلة التسمية، خاصة من كان يُعنى بالأدب والشعر، لما وجدوا فيه من رومانتيكية وشاعرية، فأحبوه وتخلوا عن «الجلبي» رغم ما كان يحمله لقب الجلبي من نفوذ ووجاهة، وكان «صادق الملائكة» أول من لقّب به وعُرف واشتهر بالاسم الجديد(4).
 
أنهت نازك الملائكة المرحلة الثانوية عام 1939 ودخلت المعهد العالي وتخرجت منه عام 1944، فانخرطت في التدريس في نفس الكلية التي درست فيها، وأصبح أساتذتها زملاء لها، وكان شباب أسرتها قد تركوا مهنة التجارة وتحولوا إلى التدريس. بسبب تغير الحياة والنظم الاجتماعية، فكان والدها من أوائل أبناء العائلة الذين عملوا بمهنة التدريس، وقد عمل معلماً في المدرسة الجعفرية والثانوية المركزية، كما كان خالها الشاعر (عبدالصاحب) مدرساً في مدرسة الرصافة الابتدائية، وكذلك عمها (ناظم) مدرساً للغة الإنكليزية في المدرسة نفسها، ولم تكن نازك الأولى في العائلة من الإناث اللواتي عملن في هذه المهنة فقد روي أن عمتيها عائشة وبتول كانتا معلمتين في مدارس بغداد.
 
ومع دخول المرأة في العراق ميدان العمل خارج البيت، فقد تغيرت عادات كثيرة، فكانت نازك من أوائل الفتيات اللواتي خلعت العباءَة بتشجيع من والدها الذي تحدى التقاليد، واشترى لها قبعة تضعها على رأسها بدل العباءَة، لكن السفور حينذاك كان خرقاً للعادات والتقاليد، مما اضطر والدها الخروج معها في بداية الأمر حتى لا يتعرض لها أحد، ومع ذلك فإن نازك ظلت تلبس العباءة في الشارع عندما تخرج لزيارة الأهل أو بعض الأقارب أو المعارف.
 
تزوجت نازك من زميلها الدكتور عبدالهادي محبوبة، وأنجبت طفلها الوحيد «البراق»، فوقعت تحت ثقل المسؤولية، وانتقلت مع زوجها إلى البصرة حيث كان رئيساً لجامعة البصرة، وقد عملت مدرسة في الجامعة في قسم اللغة العربية، ثم انتخبت رئيسة للقسم واستمر عملها واستمرت في التدريس لأكثر من خمس وعشرين سنة، ثم طلبت إحالتها على التقاعد من جامعة بغداد، إلا أن الجامعة رفضت طلبها، وحينها طلبت من الجامعة تمديد فترة إيفادها لجامعة الكويت، وكان لها ما طلبت، وقد أخذ التدريس معظم وقتها في تحضير المواد التدريسية كالبلاغة والعروض والنقد والأدب المقارن إضافة إلى تصحيح كراسات الامتحانات والإشراف على رسائل الماجستير. وبهذا تكون قد عملت مدرسة في كلية التربية ببغداد وفي جامعة بغداد وجامعة البصرة وجامعة الكويت حتى عام 1985.
 
وقد خرجت من بغداد أكثر من مرة واستقرت عام 1990 في القاهرة، وبقيت فيها حتى وفاتها.
صفحة 5
2- أسرتها:
 
وُلدت نازك في البيت الكبير، بيت أجدادها وهو بيت ممتد، وكان جد العائلة جعفر والد صادق ميسور الحال، فقد نشأ ربيب نعمة، وتاجراً مرموقاً، ودرس العلوم العربية وكتب الأدب، وكان رقيق الطبع، شديد الذكاء. أتقن العلوم العربية وحظي بالعلوم الدينية، وكان لديه مكتبة كبيرة فيها الشروح والتفاسير الفقهية، وكتب طبية ومخطوطات نادرة ونسخ مُذهبّةٌ من القرآن الكريم لكنه كان مسرفاً، وبسبب إسرافه، اضطر أخوه عبدالهادي بيع نفائس المكتبة لتسديد الديون التي تراكمت على العائلة بعد وفاته.
 
وكانت الجدة «هداية» جدة نازك لأمها وهي ابنة محمد حسن كبة، قد عرفت بحبها للشعر وقرضه، وسماع الكلمة الشعرية، وموسيقى الأوزان، وكانت تنظم الشعر وتنشر بعضه مثل أرجوزتها المئوية المكية التي كتبتها على خطى والدها الحاج محمد حسن ونشرتها في صحيفة «كل شيء» بتاريخ 31/5/1965 ومطلعها:
 
أبداً باسم الله ذي الآلاء
 
مبشر الصابرين بالجزاء
 
 
 
أرجوزة أنظمها خفيفة
 
تنبئ عن سفرتنا اللطيفة
 
 
 
تجمع ما بين شقيقات غرر
 
وأقرباء نوّروا هذا السفر
 
 
 
وكانت تنشر إنتاجها تحت اسم «أم عبد الصاحب الملائكة» أكبر أولادها وبذلك غرست حب الشعر في نفوس أولادها، وقد قيل إنها تزوجت مرتين، وأنجبت ابنتها البكر «سليمة عبدالرزاق الملائكة» والتي هي «والدة نازك».
 
وكان من الأسلاف في هذه العائلة الذين أحبوا الشعراء والكُتّاب واعتزوا بهم، الشاعر محمد حسن كبة والد «هداية» جدة الشاعرة «نازك» والحاج محمد صالح كبة الذي أحب العلم والعلماء، ودرس علوم العربية، ولشدة حبه لهم، وضع جوائز شهرية لهم، وعرف عنه أنه نظم قصيدة الألفية التي اشتهرت بـ «الرحلة المكية». وضمن الحسيني كتاب «العقد المفصل» الجزء الأكبر من أشعاره ومساجلاته ونبذة عن حياته وجاء فيها: «نشأ ببغداد ربيب نعمة مشتغلاً بالتجارة، ودرس العلوم العربية، وكتب الأدب مدفوعاً بمحركين قويين، رقة الطبع وشدة ذكائه، وحب أبيه اكتساب العلم والأدب، حتى برع في قرض الشعر، وأتقن العلوم العربية ولم يعدم حظاً يومئذ من العلوم الدينية والعقلية»(5).
صفحة 6
وعندما توفي عبدالرزاق الملائكة، والد «سليمة» وزوج «هداية» تولى الحاج جعفر والد «صادق» وهو كبير الأسرة في بغداد رعاية «سليمة»، فلقيت في ظله الرعاية والعناية، والعاطفة الأبوية، وأوكل تربيتها لأخته «فاطمة»، التي علمتها أصول الدين، لأنها لم تتمكن من دخول المدرسة لعدم وجود مدارس نظامية للفتيات المسلمات في تلك الفترة، فتولت أعمال البيت إضافة إلى تلقيها الدروس في «كُتّاب للإناث مجاوراً للبيت».
 
بقيت سليمة تعيش في بيت عمها جعفر، وكان ابن عمها صادق يعيش في البيت نفسه وكان يكبرها بنحو أربعة عشر عاماً، وظلت تكبر أمام عينيه، فدخل حبها في قلبه، لكنه انتظرها حتى تبلغ سن الزواج، وكان فارع الطول، نحيف الجسم، عيناه سوداوان، صاحب صوت جهوري، ويرتدي الجبة والعمامة، وكان خفيف الظل يحب المزاح والفكاهة، تلقى علوم الدين واللغة العربية، وكان يرى ضرورة معرفة لغة أوروبية لتساعده على دراسة علوم الغرب، وأساليب التربية عندهم، فوجد معارضة من الكبار في العائلة، فكان ينتهز الفرصة ويخرج من البيت خلسة مع عمه (عيسى) لتلقي مبادئ الفرنسية عند أستاذ يهودي، وتعلم العزف على العود، واطلع على المجلات والكتب، وكان «المقتطف» الرافد الأول له للتعرف على الإنجازات العلمية الجديدة، وتفاءَل بالنهضة الأدبية في مصر، وتتبَّعها وتحمس لحركة تحرير المرأة كما قرأها عند قاسم أمين في مصر، والزهاوي في العراق.
 
وكان «صادق» ينظم الشعر ويكتب النثر(6)، وفي عام 1921 وجد صادق أن ابنة عمه سليمة قد اكتمل نضجها فتزوجها، واستقل الزوجان في غرفة من البيت الكبير، وقام بمد يد العون لزوجته، حتى بدا الشعر يأسر فكرها، وقد انعكست دراسته على سلوكه مع زوجته وفي تربية أبنائه، وحرص على توفير سبل المعرفة لأبنائه فيما بعد من أدب وتاريخ وفلسفة، فعمرت مكتبته بأمهات الكتب العربية والأدبية والدواوين القديمة والحديثة، وكان يهتم بالإصدارات في حقول العلم والأدب في المجلات المصرية واللبنانية إضافة إلى ما كان يصدر في العراق، وفي مقدمة هذه المجلات الرسالة والرواية، والكاتب المصري، والمقتطف والسياسة والمقطم والهلال... وغيرها من المجلات(7)، فكانت الكتب والمجلات من أثمن كنوز الدنيا لديه.
 
وفي عام 1923، أنجبت «سليمة» أول أطفالها، فكانت نازك هي بكرها، فعمرت الغرفة بالضيفة الجديدة، وفرح بها والدها ووالدتها، وبدأت تكبر أمام أعينهم، وقد ولدت «سليمة» 29 شباط 1909، وتوفي والدها وهي صغيرة، فكفلها عمها جعفر، وقد ورثت حب الشعر عن والدتها «هداية»، وبعد زواجها بسنوات أتيحت لها الفرصة بنظم الشعر ونشره، وقد كانت معجبة بالشعراء القدامى، وأعجبت بالزهاوي وفكره، كما أعجبت بشعر ناجي، وصالح جودت، وكانت تقرأ شعرها على ابنتها نازك حيث ارتبطتا بعلاقة قوية في الأمومة والأدب، وكانت تكبر ابنتها بأربعة عشر عاماً، وأنجبت سبعة من الأبناء، فانشغلت بهم، ونشرت أولى قصائدها عام 1936 عندما توفي الزهاوي، الذي صدمت بموته، لأنها أعجبت بأفكاره التحررية ودعوته إلى التعليم ونبذ التقاليد وإعطاء المرأة حريتها في التعليم، فلما سمعت بنبأ موته تفجر ألمها بقصيدة عاطفية، أعجبت زوجها فدفعها إلى مجلة «الصبح» لنشرها وكان مطلعها:
 
أجهش الشعر باكياً ينعاكا
 
حين داعي الموت الزؤام دعاكا(8)
صفحة 7
واستمرت بعد ذلك بنظم الشعر، حتى كان عام 1953 وهو عام الفجيعة على بيت صادق الملائكة، عندما تجهزوا للاحتفال بعيد ميلادها الذي كانوا يحتفلون به كل أربع سنوات، وتقديم الهدايا فيه لها، أحست بألم غريب، فلم تسعد بالهدايا أو بالشموع، وسافرت إلى لندن لإجراء عملية جراحية، رافقتها فيها نازك لمعرفتها باللغة الإنكليزية، وقد كانت متخوفة كثيراً، فكان تقول لابنتها: «... وأنا يا نازك عدوة لهم، وشعري كله حرب على إسرائيل والصهيونية، ولذلك أخشى أنهم سيقتلونني فلا أرجع إلى الوطن»، وكانت تقصد بذلك الطبيب الذي سيجري لها العملية الجراحية، لأنها عرفت بأنه سيكون يهودياً، وعندما دخلت إلى غرفة العمليات كان تصرخ «نازك.. نازك.. نازك» مستنجدة بابنتها، وبعد انتهاء العملية، أدركت نازك أن أمها قد ماتت بذلك الورم الخبيث الذي كان في رأسها وذلك عام 1953، وهي في الرابعة والأربعين من عمرها، ودُفنت في لندن، بعد أن أنجبت: نازك، إحسان، سعاد، لبنى، سهام، نزار، وعصام.
 
ومع أن موت الأم نزل كالصاعقة على نازك، وخاصة عندما عاد رجع صوت الكلمات بأنهم سيقتلونها، إلا أنها تماسكت وانشغلت بدفن أمها دون أن يكون معها أحداً من أفراد عائلتها، وتحملت منظر دفن أمها وصاحبتها، وعادت إلى العراق وحيدة لا رفيق معها إلا الدموع الساخنة على وجنتيها، وعندما وصلت إلى البيت أصيبت بانهيار عصبي، وبقيت عدة أشهر إلا أن هذا المصاب كان له أثره الكبير في حياتها الشعرية والأدبية.
 
وكان لا بد من تقبل الأمر الواقع بعد الفراغ الذي خلفته الأم، وكان لا بد من إجراء التغيير لتستمر الحياة، فوكل الأمر إلى البنت الثالثة سعاد لتصريف أمور البيت ومسؤولياته، خاصة وأنها التي كانت تساعد أمها في الإشراف على أعمال البيت.
 
وقبل وفاة الأم خرجت أسرة صادق الملائكة من البيت الكبير، واستقلت في بيت منفرد، وارتحلت مع العائلة «العمة فاطمة» وهي عمة الأبوين صادق وسليمة، ولأنها لم تتزوج، فقد بقيت تساعد أم نازك في تربية الأولاد الذين كانوا يعتبرونها أمهم الثانية، وهي عمة لهم في الوقت نفسه(9).
 
وقد وصفت نازك هذا البيت الجديد فقالت: «وقد ابتنى أبي بيتاً صغيراً فيه أربع غرف، الكبرى منها كنا ننام فيها نحن الأطفال الخمسة مع عمة أبويَّ فاطمة التي ربتنا جميعاً (فيما بعد ولدت لنا أختان فصرنا خمسة)، والغرفة الثانية الأصغر، كان ينام فيها أبواي، والثالثة غرفة صغيرة لاستقبال الضيوف، أما الرابعة، فلم تكن غرفة في الواقع، لأنها كانت واطئة الأرضية بحيث تبرد برداً شديداً في الشتاء، وكنا نستعملها خلال الصيف اتقاءً لحر الظهيرة ونهجرها شتاءً، وكان بين الغرف ممر طويل، وضعنا فيه مائدة الطعام، إذ لم تكن في البيت غرفة طعام»(10 ).
 
كانت نازك أصغر من أمها بأربعة عشر عاماً، وكانت الفجوة تتناقص بينهما كلما كبرت نازك يوماً وتوسعت مداركها، وقد أشارت نازك إلى أمها بإشارات كثيرة ومنها: «وكانت حياة أمي شعلة من العواطف لا تهدأ، فهي شديدة الحب لنا نحن أولادها، كثيرة القلق علينا من أن يصيبنا شيء، بحيث تصهر نفسها صهراً إذا ما تأخر أحدنا في المدرسة دقائق عن الموعد، فإذا عدنا جميعاً ورأتنا حولها، انطلقت إما في نظم الشعر، وهو عملها الأثير أو الاستماع إلى الراديو»(11). 
 
وأحبت نازك أخواتها، وكانت تتفهم طريقة كل واحدة منهن، فأحبت إحسان التي كانت تصغرها مباشرة، فتشاركها اهتماماتها، وكانت أقرب أخواتها إليها، وكانت إحسان تعتبر نازك مثلها الأعلى فتطلعها على ما تنظم وتكتب، وكانت نازك تبثها همومها ومشاعرها، وقد تعلمت إحسان من نازك طريقة تسجيل مذكراتها اليومية، وبدورها نازك كان تشجعها على القراءة والمطالعة حتى أوصلتها إلى قرض الشعر فنشرت لها أول قصيدة بعنوان «عيد النبي» في جريدة الحوادث البغدادية في شباط عام 1945، ثم انصرفت عن الشعر إلى الكتابة النقدية والترجمة، ثم تزوجت من زميل لها في معهد الفنون الجميلة الرسام «علي الشعلان» وأنجبت أول حفيد للأسرة بتاريخ 25/12/1954، مما أدخل الفرحة على نفوس العائلة بعد وفاة أمهم ليصبح المولود موضع اهتمام العائلة بأكملها.
 
أما سعاد، فقد كانت العون والمساعد لأمها في شؤون البيت، لأنها لم تكن تحب المطالعة، وعلمت نازك أختيها الصغيرتين لبنى وسها على التعامل باحترام فيما بينهما، وسعت إلى توجيههما فكرياً، فنجحت مع سها التي توسمت فيها النبوغ، فراحت توثق أحداث طفولتها وتسجلها في دفترها، ومما جاء فيها: «إني أعلم جيداً أن هذه الطفلة الصغيرة المحبوبة ستكون في مستقبلها الباهر، إن شاء الله درة لامعة في سماء الشعر وكوكباً مؤلقاً في دنيا الموسيقى، وعالماً كاملاً من النبل والوداعة وسمو الخلق...» (12). وقد دربتها على حفظ الشعر وسماع الموسيقى، وغمرت نازك فرحة عارمة عندما سمعت أختها تقرأ أبياتاً لأبي ماضي عام 1942 وتناقشها بها. وقد اقتدت سها بأختها نازك في حركاتها وسكناتها، حتى تقمصت في وقت من الأوقات شخصيتها.
صفحة 8
3- طفولتها:
 
تحدث بعض الباحثين عن طفولة نازك الملائكة، وقسموها إلى ثلاث مراحل ابتداءً من ولادتها في البيت الكبير، والتي حملت الشاعرة ذكرياته حتى كبرت، ثم تجاوزوا المرحلة بانتهاء مرحلة الدراسة الثانوية، فكان الخلط بين مراحل طفولتها ومرحلة الدراسة الثانوية.
 
وبعيداً عن هذا التقسيم، فقد أوضحت نازك الملائكة ملامح طفولتها الأولى في البيت الكبير فقالت: «كنا نعيش في منزل شاهق عتيق يقوم من ناحية من بغداد القديمة، وقد انحدر إلينا من الآباء والأجداد، وهو أمر كنا نحسه في طفولتنا، فقد كان القدم(13) يخلق حول البيت جواً من الرهبة الغامضة، والعظمة الصامتة التي تركت في حياتنا حتى اليوم آثاراً شديدة العمق»(14 ).
 
وسبق أن عرفنا بأن نازك ولدت في بغداد، في منتصف ليلة من ليالي عام 1923، وتحت هدأت الليل إلا من أصوات الحراس المتعبين، وهم يسيرون في أزقة المدينة التي يسودها الظلام، إلا من أضواء الفوانيس القليلة المبعثرة، وزاد من ظلمة الليل، أن القمر كان في المحاق في آخر ساعات شهر ذي الحجة، وكان الجو حاراً.
 
في وسط هذا الهدوء في محلة العاقولية، كان بيتاً واحداً مستيقظاً تعالت فيه الأصوات، وفي غرفة من غرف البيت الكبير، تعالى صوت صراخ مولودة جديدة سمراء، شهدت الوجود لأول مرة، وبلغ صراخ الطفلة أذن والدها الذي كان ينتظر في حجرة أخرى، قدوم الضيفة الجديدة، حين دخلت عليه فتاة من الدار وهي متعبة لتخبره «فتاة... طفلة... لا تبتئس على كل حال... المهم صحة والدتها...».
 
كان الوقت منتصف الليل، وبدأت الحياة في البيت فصلاً جديداً، ليقول الأب في داخله، يولد عام جديد (1342) الهجري، وبمولده ولدت هذه الطفلة.. ابنتي الأولى.
 
لقد شاءت قدرة الله، أن تأتي هذه الفتاة إلى الدنيا في أول ليلة من ليالي المحرم، عندما كانت الأسرة تستعد للاحتفال باستقبال العام الهجري الجديد، فكانت الدموع في هذا الشهر على موعد مع استقبال الضيفة الجديدة، ولم يمنع هذا المشهد فرح الأبوين، وتوزيع الحلوى وعق العقيقة، وتعالي الزغاريد والأغاني. فنظم الوالد قصيدة بهذه المناسبة وبعنوان «نازك جاءت في زمان السرور» وعلم الجد بالخبر، فأعجبه اسم الطفلة وقال: «ستكون ابنتنا مشهورة كنازك العابد إن شاء الله».
 
لقد حظيت الطفلة برعاية خاصة، وكبرت أمام عيني والديها، فما أن بلغت الخامسة من عمرها، حتى اختار لها الوالدان الروضة التابعة لابتدائية المركزية في العاقولية، حين دخلت بها أمها ترافقها خالة الطفلة مبنى المدرسة، وبكل الفرح والسرور قالت الأم لابنتها: نازك! هذه مدرستك،.. اذهبي والعبي مع الأطفال.
 
سلمت الأم ابنتها للمدرسة، وانصرفت تاركة فلذة كبدها لأول مرة، ووقفت الطفلة حائرة في ساحة الروضة تحدق في الوجوه الجديدة بمشاعر غريبة، ثم ما لبثت أن ركضت نحو الباب باكية، تريد اللحاق بأمها، فسقطت على الأرض، ثم تحاملت على نفسها ونهضت، لتجد رجلاً طويلاً يناديها ويمنعها من الخروج، ويطلب منها العودة إلى الساحة.
 
وقفت ثابتة ثم انفجرت بالبكاء فحضرت إليها إحدى العاملات في الروضة وحملتها إلى صفها وسط عشرات الأطفال، ويوماً بعد يوم، اعتادت الطفلة على المكان، واستقرت حالتها.
 
كانت نازك خجولة هادئة منزوية، فلم تجد في الروضة صديقاً لها، وكانت تنفر من الأطفال، فانطوت على نفسها عندما أحست بالاعتداء عليها من زملائها بالدفع والضرب لإجبارها على الاختلاط بهم واللعب معهم، لكن ذلك زادها انعزالاً، وحاولت إحدى المعلمات إخراجها من عزلتها، فقدمت لها قطعة من (الشوكولاته)، لكنها رفضتها، وأصرت على سكوتها، فاشتكتها المعلمة لوالدتها، ولما عادت نازك إلى البيت، عنفتها أمها ولامتها ونعتتها بكلمة «مسخوطة» أي متوحشة، ومع ذلك ظلت منطوية على نفسها.
 
تعرفت نازك في الروضة على تل الرمل الرطب في ساحة الروضة فاتخذت منه صديقاً، وسرعان ما جلست فوقه تبني قصور أحلامها، ومستقبل خيالها، ورسمته في الذاكرة لتصفه فيما بعد في قصيدتها «مأساة الحياة» حين قالت:
 
لم يزل مجلسي على تلي الرملي يصغي إلى أناشيد أمسي
صفحة 9
لم أزل طفلة سوى أنني قد
 
زدت جهلاً بكنه عمري ونفسي
 
 
 
ليتني لم أزل كما كنت قلباً
 
ليس فيه إلا السنا والنقاء
 
 
 
كل يوم أبني حياتي أحلا
 
ماً وأنسى إذا أتاني المساء
 
 
 
إيه تل الرمال ماذا ترى أبـ
 
ـقيت لي من مدرسة الأحلام
 
 
 
انظر الآن هل ترى في حياتي
 
لمحة غير نشوة الأوهام؟
 
 
 
آه يا تل ها أنا مثلك كنـ
 
ـت فأرجع فردوسي المفقود
 
 
 
أي كف أثيمة سلبت رمـ
 
ـلك هذا جماله المعبودا
 
 
 
كنت عرشي بالأمس يا تلي الرمـ
 
ـلي والآن لم تعد غير تل
 
 
 
كان شدو الطيور رجع أناشيـ
 
ـدي وكان النعيم يتبع ظلي
صفحة 10
وبدون أن تقصد نازك الملائكة، فقد كان هذا التل الرملي، أحد مظاهر شاعريتها فيما بعد، حيث وجدت فيه الصديق الذي لا يضربها، وشكّل لها عرش خيالها.
 
وفي هذه المرحلة من مراحل حياتها، لفت نظرها أشياء كثيرة، كان منها وجه «الفراشة»(15) الذي ظل ماثلاً أمام عينيها، تلك المرأة الطويلة السمراء، ضئيلة الوجه، صغيرة العينين، ذات السن الذهبي في ناحية الفم اليمنى، فكانت تسبب لها الضجر بحكاياتها التي كانت تقصها على الأطفال وهي تداعبهم فوق تل الرمل، كما كان يقلقها صوت ذاك اللقلق الذي كان يقف أحياناً فوق المنارة القريبة من الروضة ويصدر صوته الغامض، فيثير في نفسها صورة مجهولة ليوم بعيد، وذكرت نازك أنه صادف في تلك الفترة حدوث كسوف كامل للشمس أثناء وجودها في الروضة، فخافت من تلك الظاهرة، ووقفت تبكي مع بقية الأطفال في الساحة الكبيرة، ملتصقة بأحدهم دون أن تشعر بما حصل لها.
 
كانت الطفلة نازك تقضي فترات الظهيرة في الساحة الخلفية للروضة، بعيدة عن أعين المعلمات، منزوية تراقب الأطفال الهاجعين، وتقارن بين الأشياء من حولها، وذات يوم مرت بها طفلة ضخمة كما صورتها نازك فطلبت منها أن تحتفظ بكتبها وأقلامها حتى تعود إليها، فحملتها نازك، لكن توازنها اختلّ، فسقطت الأغراض من يدها على الأرض، فلما عادت صاحبة الأغراض ووجدتها مبعثرة، صرخت في وجهها وصفعتها، فصكت نازك أسنانها، ونزلت دمعتها دون أن تخرج صوتاً، وكان أحد الأطفال يراقب المشهد، فاستغرب صمتها واقترب منها وقال لها: «لماذا لم تضربيها؟ لماذا سكت لها؟ لو كنت مكانك لأشبعتها ضرباً»، لكن نازك لم تجبه ولم تفكر بما قاله، وقالت في النهاية: «إنني خير منها... آه لو عرفت أمي هذا الحادث...» وقررت في داخلها أن تكتم ما حدث لها، لكنها أحست بأن الحادثة تركت أثراً في نفسها.
 
كانت نازك عنيدة بطبيعتها، متمسكة برأيها، متمردة داخل نفسها، إلى حد يضايق أبويها ومعلماتها، وكانت تكتم ما ترغب بقوله، فتصمت، ومن مظاهر تمردها، أنها لم تكن تكلم أحداً ولا ترضى بأفعال أترابها، وكانت تصر على فعل ما تريد، وهذا واضح عندما انتقلت في الروضة من سنتها الأولى إلى الثالثة دون أن تفهم مسار هذا الحدث، ولم تعرف كيف حصل الأمر دون اعتراض إدارة الروضة.
 
وفي عام 1930، انتقلت نازك من الروضة إلى الصف الأول الابتدائي في المدرسة المركزية للبنات، وأصبحت على عتبة الدراسة، ولم تكن حينها تهتم بهندامها أو ترتيب شعرها، وفي اليوم الأول من السنة الدراسية، اصطفت على رأس الصف الطويل، ودخلت مع الطالبات حجرة الصف، فجلست مع طالبتين على رَحْلَة واحدة، فكانت هذه أول علاقة لها خارج البيت مع زميلتيها في المقعد «كاملة وماجدة» وظلت ذكرياتها مع صديقتها كاملة محفورة في ذاكرتها حتى كبرت، فقد كانت تشبهها في شكلها وحجمها، وعندما تجمعت عواطفها أهدتها قصيدتها «ذكرى مولدي»(16) مع أنها افترقت عنها ولم تعرف شيئاً عنها بعد ذلك العام، وقدمت لقصيدتها بعبارة تقول فيها: «إلى صديقة طفولتي البعيدة التي لا أعرف منها الآن إلا اسمها وحده» وجاء في أبياتها: 
 
أين أصبحت يا رفيقة أمسي
 
ما الذي قد شهدت فوق الوجود؟
 
 
 
أترى تذكرين مثلي أيا
 
م صبانا وحلمنا المفقود؟
 
 
 
أم تري قد نسيتني ونسيت الأ
 
مس في فرحة الشباب الرغيد؟