eKtab
EN ع
نبضات الذاكرة
اقرأ عينة مجانية

نبضات الذاكرة

بقلم د. إحسان رؤوف البحراني

صفحة 1
مقدمة
 
مررت خلال حياتي منذ أن كنت طفلاً في الثلاثينات من القرن الماضي وحتى يومنا هذا، بأحداث وحروب وظروف قاهرة ومعاناة عشتها وواكبتها فرأيت من واجبي تجاه وطني وشعبي أن يطلع علهيا العراقيون عامة، والشباب خاصة· أحداثاً أصبحت جزءاً من تاريخنا لما لها من تأثير على مجريات الأمور في وطننا العزيز وعلى شعبنا الذي عانى من مآسٍ وحرمان وقتل وتشريد ما لم يتحمله أي شعب آخر· سأذكرها بكل أمانة وتجرد كما شاهدتها وعشت أيامها خاصة لكوني طبيب رافق وعالج كثيراً من الذين حكموا العراق منذ العهد الملكي ولحد الآن· وأترك للقارىء الكريم الحكم عليها واستنتاج الحقائق· كما ذكرت مساهماتي في تطوير تشخيص وعلاج أمراض القلب في العراق وما مررت به من مفارقات وأحداث خلال ممارستي هذه المهنة كطبيب وأستاذ منذ أكثر من نصف قرن ولحد الآن·
 
أني على يقين أن ما أذكره في هذا الكتاب سيفيد القراء وخاصة الشباب منهم والذين لم يعيشوا تلك الفترة من تاريخ العراق وما صاحبها من أحداث وإنقلابات وتطورات· راجياً أن تكون مساهمتي هذه مفيدة للقارىء العربي بصورة عامة والعراقي بصورة خاصة داعياً الله العلي القدير أن يحفظ العراق ويرعاه ويعين المخلصين من أبنائه بالسير به في طريق السلامة والأمان والإستقرار والعيش الرغيد لشعبه·
 
لا بد لي أن أذكر بكثير من الشكر والامتنان الأخ الأستاذ نجدة فتحي صفوة لمراجعته مذكراتي وإبداء رأيه فيها وتنقيحها لغوياً راجياً للجميع التوفيق والسداد والله الموفق·
صفحة 2
نبذة عن ولادتي ونشأتي
 
ولدت في محله الشيخ بشار في جانب الكرخ من بغداد في اليوم الحادي والعشرين من شهر آب عام 1930 ميلادي وكنت الطفل الأول لوالديّ·
 
والدي رؤوف حسن إبراهيم البحراني من أسرة عراقية معروفة في الوسط التجاري في بغداد· أتم دراسة الإبتدائية والثانوية في بغداد أثناء الحكم العثماني للعراق وتخرج من المدرسة السلطانية· سيق إلى الخدمة العسكرية الإجبارية أثناء قيام الحرب العالمية الأولى عام 1914 على الرغم من أنه لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره، وبعد تدريب لبضعة أشهر منح رتبة ملازم احتياط وسيق كضابط في الجيش العثماني في جبهات إيران وشمال العراق·
 
بعد إنكسار الجيش التركي أمام الجيش البريطاني والروسي انسحب إلى تركيا في نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918 وأثناء إنسحابه قرب دمشق كان الجيش العربي بقيادة الأمير فيصل ابن الحسين يسير باتجاه الشام· فالتحق والدي بالجيش العربي كملازم وخدم في الجيش العربي في دمشق وفي عمان حتى عام 1920 حيث منح إجازة لمدة ثلاثة أشهر يقضيها في بلده العراق، فعاد إلى بغداد· في تلك الأثناء نصّب الأمير فيصل ملكاً على سوريه غير أن الفرنسيين لم يرغبوا في ذلك فغزوا بجيشهم الشام وأسقطوا النظام الملكي وترك فيصل دمشق إلى فلسطين ثم إلى لندن· على أثر ذلك بقي والدي في بغداد والتحق بمدرسة الحقوق وكانت رغبته دراسة الطب في اسطنبول في تركيا غير أن ظروف الحرب وظروف العراق حرمته من ذلك·
 
أكمل دراسة الحقوق وتخرج عام 1923 بدرجة (عليَّ الأعلى) أي من الأوائل· ثم التحق بخدمة الدولة العراقية مميزاً في وزارة المالية ثم مفتشاً ثم معاوناً لمدير المحاسبات ثم مديراًعاماً للمحاسبات ثم وزيراً للمالية في وزارة المرحوم ياسين باشا الهاشمي الثانية عام 1935· أستوزر عدة مرات منذ ذلك التاريخ فأصبح نائباً فعضواً في مجلس الأعيان واشترك في حركة رشيد عالي الكيلاني عام 1941 بإصرار من قادة الجيش على الرغم من اعتذاره من الكيلاني بسبب ظروف العراق وعدم استعداد الجيش العراقي لمواجهة الجيش البريطاني·
صفحة 3
أدى فشل المواجهة بين الجيشين الى إنسحاب الجيش العراقي واحتلال العراق وهرب قادة الحركة وقوادها ووزرائها إلى إيران· ثم اعتقل بعد احتلال إيران من قبل الإنكليز والروس مع من اعتقلوا ونقلوا منفيين إلى روديسيا الجنوبية (زمبابوي الآن) من قبل السلطات البريطانية· بقي مع زملائه الوزراء والضباط حتى عام 1944 حيث أعيد إلى العراق وحوكم مع زملائه أمام المجلس العرفي العسكري وحكم عليه بالسجن سنتين قضاهما في سجن في الحقل الحيواني للحرس الملكي· بعد أن خرج من السجن عام 1946 اعتزل العمل السياسي وشغل منصباً استشارياً وكرئيس مجلس إدارة مصلحة مصافي النفط الحكومية لحين سقوط النظام الملكي عام (1958) اذ تقاعد عن عمله وتوجه للأعمال الحرة والأعمال الخيرية حتى وفاته في كانون الثاني من عام 1963·
 
والدتي السيدة خديجة رشيد عبدالله الروماني من العوائل السورية العريقة والتي كانت تعمل في التجارة وتسكن دمشق ولها اتصال بالعراق وبعض الدول العربية· والدها الحاج رشيد عبدالله الروماني قدم إلى بغداد مع بناته وبعض أولاده في عام 1927 وعمل في التجارة وكان من نصيب والدي الزواج بوالدتي في عام 1928· أنجبت له خمسة أطفال ولدين وثلاث بنات، أنا وأخي زهير، وأخواتي سلوى وبشرى ومها· كانت زوجة مخلصة وسيدة مثالية متدينة حريصة وساهرة على تربية أولادها فأنشأتنا نشأة صالحة، وكان لها الفضل الأكبر في تربيتنا وخاصة أثناء وجود والدنا في المنفى والسجن لمدة تقارب الست سنوات اذ كانت لنا الأم والأب·كنت آنذاك طالباً في الصف الخامس الإبتدائي وأنا أكبرهم سناً سرنا في الطريق المستقيم بتوجيهها ورعايتها وحرصها حتى خروج والدنا من السجن عام 6491·
 
ألتحقت بمدرسة مدام عادل الأهلية في حي البثاوين في بغداد وهي من أعرق المدارس الأهلية في وقتها· كانت مديرة المدرسة السيدة زهورة عادل اللبنانية الجنسية سيدة فاضلة ومربية قديرة حريصة على توجيه طلابها الوجهة الصحيحة من ناحية دراسته وتصرفاتهم وسلوكهم·كانت صارمة في تربيتهم ومتابعة دراستهم وكانت تعاقب المسيئ وتكافئ المجتهد· تخرج على يديها أبناء أحسن العوائل العراقية وأصبحوا عناصر كفؤه حصلوا على أعلى الشهادات ودخلوا معترك الحياه بكفاءه عالية وبرزوا في مجتمعهم بمختلف الإختصاصات، منهم الأطباء والمهندسون والأساتذة والسفراء ورجال السياسة
 
أكملت دراستي الإبتدائية عام 1942 والتحقت بمدرسة عادل الثانوية التي كان يديرها زوج السيده زهوره السيد أنيس عادل· كان أيضاً إدارياً حازماً وحريصاً على تعليم طلابه ومتابعة تدريسهم وتعليمهم وبعد قضاء السنة الأولى والثانية انتقلت إلى المتوسطة الشرقية في الكرادةٍ بسبب انتقال الأسرة إلى دارمجاوراً للمدرسة· بعد إكمالي السنة الثالثة ونجاحي في الدراسة المتوسطة التحقت بثانوية الأعظمية للبنين في الأعظمية نظراً لانتقالنا إلى دارنا في الوزيرية··
 
أكملت دراستي فيها وتخرجت بتفوق والتحقت بالكلية الطبية الملكية العراقية في بغداد إذ كانت كلية الطب الوحيدة في العراق عام 1947· كنت من الطلاب النشيطين فيها حيث اضافه إلى مواصلة دراستي فيها بشكل جيد عملت سكرتيراً في اتحاد الطلبة ثم اصبحت نائب رئيس ورئيساً لاتحاد الطلبة وقد قمنا بفعاليات إجتماعية وثقافية وفنية عديدة إذ أقمنا مهرجانات وحفلات ومسرحيات وقمنا بسفرات مدرسية داخل العراق، وسفرةٍ إلى الكويت· كانت كلية الطب من أبرز الكليات بأنشطتها اجتماعياً وعلمياً وسياسياً أيضاً حيث ساهمت الكلية أثناء وجودي فيها في الحركات الوطنية وتظاهرت ضد تقسيم فلسطين عام 1947 وضد معاهدة بورتسموث عام 1948 وانتفاضة عام 1952 وكانت الرائدة في هذه المجالات· تخرجت فيها عام 1953 ضمن الربع الأول من الصف·
صفحة 4
1- حضوري احتفال عيد ميلاد الأمير فيصل الثاني ببلوغه العام الأول مايس 1936 في قصر الزهور
 
كنت في الصف الأول الإبتدائي عند إكمال الأمير فيصل الثاني، الابن الوحيد للملك غازي، السنة الأولى من العمر· فأقيمت حفلة كبيرة في قصر الزهور دُعي إليها عدد من أطفال المسؤولين الكبار· كان والدي في ذلك الوقت وزيراً للمالية في وزارة ياسين باشا الهاشمي الثانية وكنت من الأطفال المدعوين إلى هذه الحفلة· كان معي حوالي الخمسه وثلاثين طفلاً من أعمار متقاربة من أولاد الوزراء والمسؤولين الكبار وبعضهم من الذين زاملوني في المدرسة· أذكر منهم وسام شوكت الزهاوي وسداد جلال بابان وشوان جمال بابان ولميس صبحي الدفتري ومنى عزت الفارسي وسلوى ساطع الحصري وليلى سامي شوكت ومحسن حكمت سليمان وغيرهم· احتفى بنا كل من الملك غازي والملكة عاليه وأقيمت حفلة شاي مع كعكة كبيرة احتفالاً بالمناسبة وقدمت لنا هدايا ثمينة·بعد انتهاء الحفلة ودعنا بكل حفاوه وتكريم وكانت هذه المناسبة أول لقائي بالعائلة المالكة·
 
2- انقلاب بكر صدقي عام 1936
 
كنت أنا وأخي زهير في مدرسة عادل حيث كنت أنا في الصف الأول الإبتدائي وأخي زهير في الروضة· في يوم 29 أيلول من عام 1936 حضرت والدتي إلى المدرسة حوالي الساعة الحادية عشرة صباحاً وطلبت من مديرة المدرسة السيدة زهوره عادل أن تسمح لي وأخي زهير بمغادرة المدرسة بسبب ظروف خاصة· فوجئت بالمديرة تطلب منا مصاحبة والدتنا فقلت لوالدتي وقتها لماذا نترك المدرسة ولازالت هناك دروس لم نكملها· فقالت لي يا ابني إن بكر صدقي رئيس اركان الجيش قام بإنقلاب عسكري ضد الحكومة· كانت هذه المرة الاولى التي أسمع فيها كلمة انقلاب· فقلت لوالدتي ماذا تعنين بإنقلاب؟ فقالت إن بكر صدقي يريد إسقاط الحكومة وهدد بقتل الوزراء· ثم أخذتنا من المدرسة إلى بيت خالتنا زوجة السيد عبدالمهدي، وهو من الوزراء السابقين وعضو مجلس الأعيان، لأنها كانت خائفة علينا من أن يقوم بكر صدقي بعمل ضد الوزراء وعوائلهم؛ خاصة بعد مقتل وزير الدفاع جعفر باشا العسكري· كان هذا الإنقلاب الأول في العالم العربي وهو بداية تدخل الجيش في السياسة والمشاكل التي اعقبت هذا الإنقلاب في الدول العربية.
صفحة 5
3- حركة رشيد عالي الكيلاني عام 1941
 
كنت في الصف الخامس الإبتدائي عندما هاجم الجيش البريطاني، المرابط في معسكر الحبانية، الجيش العراقي المرابط في محيط الفلوجه بعد أن رفض رشيد عالي الكيلاني السماح للجيش البريطاني بالبقاء في القاعدتين العسكريتين في الحبانية في الأنبار والشعيبة في البصره بموجب المعاهدة العراقية البريطانية والتي تسمح لهم بإستعمال القاعدتين أثناء الحروب وذلك بالمرور فقط· كان الإنكليز يضغطون على الأمير عبدالإله لاقالة رشيد عالي الكيلاني لكونه ضد سياسة بريطانيا في المنطقة ويبغون دفع العراق الى قطع العلاقات الدبلوماسية مع دول المحور ألمانيا وإيطاليا وإقحام العراق في الحرب· لكن قواد الجيش لم يرغبوا في أن يكون موقف العراق موالياً لبريطانيا· بسبب موقف الجيش هذا ترك الأمير عبدالإله بغداد إلى البصره ثم تركها على بارجة بريطانية في الخليج·
 
اجتمع مجلس النواب وانتخب الشريف شرف وصياً على العرش، بسبب ترك الأمير عبدالإله العراق بدون موافقة الحكومة وكلف رشيد عالي الكيلاني بتشكيل الوزارة· أصر ضباط الجيش على اشتراك الوالد بالوزارة على الرغم من اعتذاره لرشيد عالي في الاشتراك· لكن إصرار الجيش العراقي في مواجهة الجيش البريطاني في حرب غير متكافئة وهو في حالة حرب مع ألمانيا أدى الى الصدام· قاوم الجيش العراقي هذا الجيش الكبير لمدة شهر وبالرغم من ذلك دحر الجيش العراقي ودخل الإنكليز بغداد وهرب قادة الجيش ورئيس الوزراء والوزراء وتوجهوا إلى إيران عبر الحدود المشتركة·
 
كان الوالد من ضمنهم وكنا جميعاً والدي ووالدتي وأخوتي وأنا في سيارتنا في طريقنا إلى طهران· كانت هذه التجربة كبيرة لي وأنا في هذه السن وبقينا في إيران لمدة ثلاثة أشهر· وعندما قرر الإنكليز من الغرب والروس من الشمال بالهجوم على إيران وإسقاط نظام الشاه رضا بهلوى، بسبب موقفه المؤيد للعراق والمعارض لبريطانيا، قرر الوالد ألا يزجنا في هذا المأزق، فرافقنا إلى الحدود العراقية الإيرانية وعدنا مع والدتي إلى العراق بسيارتنا الخاصة، وعاد هو إلى طهران بسيارة أجرة·
 
عند عودتنا إلى العراق واجهتنا مضايقات من السلطات البريطانيه حيث أجبرنا على ترك دارنا في الوزيرية واحتلت الدار من قبل القوات البولونية المرافقة للقوات البريطانية وحجزت أموالنا المنقولة وغيرالمنقولة وحتى تقاعد الوالد· عانينا كثيرا مادياً ومعنوياً· كذلك كان الحال بالنسبة للوالد اذ انه عندما دخل الإنكليز طهران اعتقل مع بقية الوزراء والضباط ونقلوا إلى الأحواز، ثم بسفينة بريطانية إلى روديسيا الجنوبية (زمبابوي) حيث نفيوا هناك في معسكر للإعتقال· بقوا في تلك البلاد حتى نهاية عام 1944 ثم نقلوا إلى العراق· حوكموا أمام المجلس العرفي العسكري وحكم على الوالد بالسجن لمدة سنتين وهكذا دفع الوالد ست سنوات من حياته في النفي والسجن.
صفحة 6
4- خروج الوالد من السجن والبحث عن مصدر للعيش عام 1946
 
على الرغم من فرحته كبيرة بعودته إلى داره وأسرته التي حرمت منه أكثر من خمس سنوات· كانت فرحتنا أكبر بالرغم من علائم التعب والأرهاق والتي كانت ظاهرة على محياه· احتفلت الأسرة البحرانية بعودة عميدها إلى داره وأسرته وأقيمت عدة دعوات بهذه المناسبة·
 
بعد عدة أسابيع حاول الوالد أن يجد وسيلة لكسب العيش حيث اعتبرت جريمتهم اعتيادية وصودرت أملاكهم المنقولة وغير المنقولة وحتى حسابه في البنك جمّد وحرم من راتبه التقاعدي وهو حق شرعي وقانوني كما منع من ممارسة مهنة المحاماة·
 
اضطر في هذه الحالة الشاذة المخالفة لكل القوانين والأعراف الدولية إلى أن يسجلني عضواً في غرفة تجارة بغداد كي يعمل بإسمي لكسب عيشنا وتغطية مصاريفنا· هكذا كنا نستورد بعض المواد الغذائية والأقمشة ونبيعها بالجملة وكان أحد أقربائنا الحاج أحمد البحراني يقوم بهذه المهمة وأصبح خان العم خليل البحراني في شارع المأمون مركزاً لعملنا هذا· استمرت الحالة هذه لمدة سنتين صدر بعدها عفو ملكي باعتبار جريمتهم سياسية وعاد راتبه التقاعدي وممارسته مهنته الحرة المحاماة بعد طول عذاب·
 
5- المجابهة بين الوالد ورئيس الوزراء حمدي الباجه جي عام 1946
 
عندما خرج الوالد من السجن بعد إكمال محكوميته في مطلع عام 1946 قرر زيارة وزير المالية آنذاك يوسف غنيمة في مكتبه في السراي حيث كان قد عمل معه كمدير عام عندما كان الوالد وزيراً للمالية عام 1935· اصطحبني معه في محاولة لإقناع الوزير بحقه في الحصول على راتبه التقاعدي غير أن الوزير بعد الترحيب به اعتذر بسبب قرار المحكمة اعتبار جريمتهم اعتيادية وليست سياسية ويجب أن يصدر قرار بتصحيح ذلك· أثناء الزيارة وإذا بسكرتير الوزير يدخل فجأةٍ مكتب الوزير ويخبره بأن رئيس الوزراء في طريقه إليه· فجأه دخل رئيس الوزراء، حمدي الباجه جي، وقال مخاطباً الوزير أليس الجالس رؤوف البحراني؟ فأجابه الوالد نعم صدقت· فقال الباجه جي أين كنت هذه المدة فأحتد الوالد غضباً وقام مخاطباً رئيس الوزراء، كنا في ضيافتك في السجن يا رئيس الوزراء المحترم· هل أن (خروعه خضرة) أم رئيس وزراء ولا تعلم من كان في سجنكم من الوزراء السابقين وغيرهم ممن خدموا هذا البلد لسنين طويلة·
 
أثناء انفعاله ضغط على صدر رئيس الوزراء فسقط مغشياً عليه على أحد الكراسي المجاورة وأسرع وزير المالية بإسعافه وتوسل إلى الوالد بالكف عنه· أنا بدوري توسلت إلى الوالد بترك المكان، خوفاً من أن يحدث ما لا يحمد عقباه لتهجم الوالد على رئيس الوزراء· حاولت أنا والوزير وسكرتيره بإقناع الوالد بترك الغرفة· فصحبته إلى السيارة التي كانت واقفه قرب المكتب·
صفحة 7
ذهبنا إلى البيت وأنا قلق من أن يحدث شيء خطير لرئيس الوزراء ويتحمل الوالد تبعات ذلك· وفي مساء ذلك اليوم صدر بيان في الإذاعة بأن رئيس الوزراء أجل سفره إلى القاهرة لحضور إجتماعات الجامعة العربية بسبب وعكة صحية ألمّت به ولم يعلم أحد غيري وغير الوزير وسكرتيره بماحدث في مكتب وزير المالية بين الوالد والباجه جي وسبب عدم سفره إلى القاهرة· في اليوم التالي بعث الباجه جي بأحد أصدقائه إلى الوالد معتذراً على ماصدر منه وكان ذلك عملاً نبيلاً يشكر عليه·
 
6- مشاركتي مع طلبة كلية الطب في المظاهرات ضد تقسيم فلسطين عام 1947 وضد معاهدة بورتسموت عام 1948
 
خلال العامين 1947 و 1948 حدثت حادثتان مهمتان بالنسبة للعالم العربي عموماً والعراق خصوصاً، وهما قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين إلى دولتين دولة يهودية (اسرائيل) ودولة فلسطينية والتي لم تقم لحد يومنا هذا· قامت مظاهرات في كل العالم العربي احتجاجاً واستنكاراً ضد قرار التقسيم الذي اعتبر مجحفاً بحق الشعب الفلسطيني العربي وهم أصحاب الأرض الأصليون وإعطاء قسم كبير من أرض فلسطين إلى اليهود وهم مهاجرون ودخلاء على أرض فلسطين من مختلف أنحاء العالم· لكن وعد بلفور اللعين ومساندة أمريكا لليهود أدّيا إلى تقسيم فلسطين وظلم أهلها وكان طلبة كلية الطب على رأس المتظاهرين·
 
أعقب ذلك في العام التالي في كانون الثاني من عام 1948 توقيع رئيس الوزراء العراقي صالح جبر ووزير خارجية بريطانيا ارنست بيفن معاهدة بريطانية عراقية جديدة في مدينة بور تسموت البريطانية سميت بمعاهدة بورتسموت واعتقد العراقيون أنها معاهدة جائرة تربط العراق ببريطانيا بقيود والتزامات هو في غنى عنها· فقامت مظاهرات في بغداد ومدن أخرى وكان طلبة كلية الطب على رأس المتظاهرين وسقط عدد من الطلبة في شارع الجسر القديم المعروف الآن بجسر الشهداء·
 
استمرت المظاهرات لبضعة أيام قرر الأمير عبدالإله بعد اجتماعه بالساسه العراقيين إلغاء المعاهدة، مما أدى إلى عودة الهدوء والاستقرار الى العراق· وكان هذا حدثاً تاريخياً مهماًً·
 
7- استدعائي من قبل رئيس الوزراء نورى باشا السعيد عام 1952
 
كنت في ذلك العام طالباً في الصف الخامس في كلية الطب وكنت في الوقت نفسه نائباً لرئيس اتحاد طلبة كلية الطب· في تلك السنة قدم عميد كلية الطب الأستاذ الدكتور هاشم الوترى مشروع قرار قانون بيت الحكمة الذي يضم كليات الطب وطب الأسنان والصيدله والكيمياء في أشبه ما يكون جامعة طبية تشبها ببيت أو دار الحكمة في زمن الخليفة العباسي المأمون· في هذا المشروع تكون الدراسة في كلية الطب سبع سنوات وليس ستاً ويشمل الطلبة في كافة المراحل· ولما كنا في الصفوف المنتهية، قرر اتحاد الطلبة الاضراب عن الدوام احتجاجاً على تطبيق هذا القانون علينا·كان هذا اجحافاً بحقنا وقد أضرب طلاب الكلية جميعهم تأييداً لطلبنا استثناء الطلبة الموجودين من تطبيق هذا القانون وشموله بالطلبة الجدد فقط· أيد طلبة بعض الكليات الاخرى كلية الطب في مطلبها، وصاحب ذلك بعض الشعارات المعادية للوزارة· وفي أحد ايام الاضراب بينما كنت جالساً في نادي الكلية مع بعض الزملاء وإذا بالسيد فكتور ناصر سكرتير العميد يدخل علينا ويقول وهو منفعل نورى باشا رئيس الوزراء يطلبك حالاً الحضور إلى مكتبه في السراى· فطلبت من زميلي جلبرت توما الذي يملك سيارة خاصة بأخذي بسيارته إلى مجلس الوزراء·
صفحة 8
صعدت إلى مكتب مرافقه الأقدم المقدم ابراهيم· كانت غرفته تعج بالنواب والمسؤولين الذين يرومون مقابلة رئيس الوزراء وعندما دخلت الغرفة قال لي المقدم إبراهيم انت احسان البحراني فقلت له نعم فقال ان الباشا بانتظارك· فأخذني إلى غرفة مدير مكتبه السيد هنري عيسائي الذي استقبلني وقال ان الباشا بانتظارك· ثم استأذن من الباشا وأخبره بوجودي·
 
دخلت على الباشا قائلاً صباح الخير فخامة الباشا فقال لي باللهجة العراقية إحسان أبوك دوخنا ( تعبنا) وانت هم تريد اتدوخنا باللهجة العراقية وهو يشير إلى اشتراك الوالد بوزارة رشيد عالي الكيلاني عام 1941 والحرب العراقية البريطانية التي أعقبتها· فقلت له يا باشا انشاء الله ما ادوخك (لانزعجك) وكل مانطلبه هو عدم شمولنا بقانون بيت الحكمة ونعتقد أن فيه احجافاً لنا بسبب إضافة سنة أخرى قبل تخرجنا وهذا ليس من الإنصاف· فقال لي سمعت ببعض الهتافات ضد الحكومة فقلت له ليس ذلك في كليتنا فنحن لانريد إلا حقنا وليس هناك أي دافع سياسي· فقال إذا لبينا طلبكم تنهون الإضراب فقلت له أنا أضمن لك ذلك· فطلب من السيد عيسائي مدير مكتبه أن يتصل بالدكتور الوترى ليحضر إلى مكتب رئيس الوزراء·
 
خلال أقل من عشرة دقائق حضر الأستاذ الوترى وهو متوتر إلى غرفة رئيس الوزراء فاستقبله الباشا وقال له يادكتور هاشم أنا لا أريد أي قانون لايرضى عليه الطلبة وعليه سأؤجل إصدار هذا القانون إلى وقت آخر وأطلب منك اصطحاب إحسان إلى الكلية وإنهاء الإضراب بالسرعة الممكنة ليعود الطلبة إلى دراستهم· فالتفت إلي الوترى قائلاً اتيت بسيارتك فقال لا ياباشا أتيت بسيارة أجرة فطلب من السيد عيسائي أن يطلب من سائق سيارته أن يأخذنا إلى الكلية أنا والدكتور الوترى·
 
عندما ركبنا سيارة الباشا التفت إليّ الأستاذ الوترى وقال بالحرف الواحد لقد حطمت كل آمالي وماكنت أتمناه من تحقيق حلمي ببيت الحكمة فقلت له أنا غير مسؤول عن ذلك يا أستاذي وكل ماطلبت من الباشا أن يستثنينا من القانون·
 
لم ينفذ قانون بيت الحكمة وعدنا إلى الدوام وانتهى الإضراب وأكملنا دراستنا وتخرجنا عام 1953· ان موقف نوري باشا من هذه المشكلة تدل على حكمته وبعد نظره ونظرته للطلبة على انهم جيل المستقبل·
صفحة 9
الكلية الطبية الملكية العراقية
 
1947 - 1953 كما عشتها
 
تأسست الكلية الطبية الملكية العراقية وافتتحت عام 1927 بعد جهود كبيرة من الأطباء الأوائل الذين درسوا الطب في جامعة اسطنبول أثناء الحكم العثماني ثم عادوا إلى العراق· هم الأساتذة الدكاترة هاشم الوترى وصائب شوكت وسامي شوكت واسماعيل الصفار وشاكر السويدي وفائق شاكروشوكت الزهاوي· وقد أسسوا الجمعية الطبية البغدادية وهذه الجمعية دعت إلى تأسيس كلية طب في العراق وقدموا مقترحاتهم إلى الملك فيصل الأول بعد توليه الحكم في العراق في بداية العشرينات من القرن الماضي· كانت هذه المحاولة قد دفعت الملك فيصل لتبني الموضوع بعد مناقشات في مجلس النواب· بدأت الدولة بإنشاء كلية الطب بمبانيها ومختبراتها وقاعاتها وافتتحت عام 1927 وقبل عشرة طلاب في الصف الأول في بداية الدراسة فيها·
 
التحقت بالكلية الطبية الملكية العراقية عام 1947، بعد تخرجي من الثانوية وحصولي على درجات عاليه تؤهلني للالتحاق بكلية الطب· كانت هذه رغبتي الأساسية بدون تأثير من أحد عليّ؛ حيث أعجبتني المهنة بعدما أجرى قريب لي وهو أول طبيب في العائلة الفحص على أخي زهير وهو صغير عندما أصيب بحمى طارئة· أعجبت بطريقة فحصه وعلاجه وكنت لا أتجاوز العاشرة من العمر· استمر الإعجاب حتى تخرجي من الثانوية حيث أن زملاء لي التحقوا بالبعثة الدراسية في الولايات المتحدة لدراسة الهندسة وشجعوني على الإلتحاق في البعثة غير أني كنت راغباً بإصرار على دراسة الطب· باشرت الدراسة في كلية الطب في أيلول من عام 1947· كانت الدراسة مختلفة تماماً عن الثانوية من ناحية، وأن دراسة الطب تحتاج إلى جهد كبير وتحضير وتواصل وإن الدراسة جميعها باللغة الإنكليزية كما أن أكثر أساتذة الطب في ذلك الحين كانوا من البريطانيين وقليل من العراقيين· كان الاستاذ الدكتور هاشم الوتري عميد كلية الطب آنذاك·
 
قد وجدت صعوبة في الأشهر الأولى من الدراسة غير أني كنت حريصاً على متابعة دروسي وحضور كل المحاضرات وأخذ رؤوس أقلام ومتابعة الدروس في البيت بمصادر كثيرة وكتب مخصصة لمراحل الدراسة المختلفة· ولكن بالرغم من حرصي على دوامي المنتظم ومتابعة دراستي بجهد ومثابرة كنت نشطاً في مجالات اجتماعية ورياضية وشاركت في فعاليات الكلية في مختلف المجالات، حيث ساهمت في اللجنة الإجتماعية في الصفوف الأولى ثم أصبحت في الصف الرابع سكرتيراً لاتحاد الطلبة في الكلية وفي الصف الخامس نائباً لرئيس الاتحاد ورئيساً للاتحاد في الصف السادس· كنت نشطاً في كل الفعاليات من تمثيل إلى مشاركة في الفعاليات الرياضية من تنس إلى كرة المنصده وكرة الطائرة ولعبت دور روشيليو في مسرحية لويس الحادي عشر مع الزملاء وليد الخيال وعفاف خليل إسماعيل وحميد تاج الدين وكمال يونس على مسرح الكلية· وكان الملك فيصل والامير عبد الاله يحضرون احيانا هذه التمثيليات· اضافة إلى مساهمات في مواقف وطنية مع بقية الكليات خاصة في مظاهرات الاحتجاج على معاهدة بورتسموث عام 1948·
صفحة 10
التحق في الصف الأول مائة وخمسون طالباً لكن لم يصل إلى الصف الثاني إلا أقل من مائة وكان أكثر الأساتذة الإنكليز تشدداً هو الأستاذ بوزويل أستاذ علم الأحياء وكان الذي يحصل عنده على درجة 60 يعتبر طالباً جيداً أما أستاذ البكتريولوجي فكان الاستاذ ملز، وأستاذ الكيمياء الحيوية كان الأستاذ استرتاب وأستاذ الجراحة كان الأستاذ واردل وأسائذه الباطنية كان الأستاذ درو والأستاذ هاركريفز· أما أساتذة الجراحة العراقيين فكانا الأستاذ صائب شوكت والأستاذ نجيب اليعقوبي، أما أستاذ علم الأدوية فكان الأستاذ مهدي فوزي· كانت الكلية الطبية في تلك الفترة من أحسن الكليات من حيث التدريس والمستوى العلمي والجو الدراسي والنشاطات المدرسية وكانت الرائدة في المواقف الوطنية والإجتماعية·
 
كما ذكرت سابقاً على الرغم من أني كنت من الطلاب الجيدين في الدراسة غير أني كنت أيضاً من الطلاب النشيطين في الفعاليات الاجتماعية والطلابية ايضاً وشاركت في كثير من الفعاليات في الكلية سواء في اتحاد الطلبة أو في النشاطات الاجتماعية أو العلمية· وعندما كنت سكرتيراًلاتحاد الطلبة نظمت سفرةٍ إلى الكويت مع حوالي العشرين طالباً في العطلة الربيعية من عام 1950· فقضينا بضعة أيام فيها، وكانت لاتزال متأخرة عن العراق في كل المجالات، وكرمنا من قبل شيوخها في دعوات وزيارات· في عام 1952، كما ذكرت في مكان سابق عن إضرابنا بسبب قرب صدور قانون بيت الحكمة وشمول جميع طلاب الكلية بالقانون وجعل الدراسة في كلية الطب سبع سنوات وقد طلبني رئيس الوزراء آنذاك تورى باشا السعيد لتسوية الموضوع وتم ذلك بإلغاء القانون· كما قمت في عام 1953، عندما كنت رئيساً لاتحاد الطلبة، بإقامة مهرجان كبير في كلية الطب في نيسان من ذلك العام تضمن فعاليات كثيرة وألعاباً وحفلة بالو وقهوة بغدادية وغيرها وكان من أنجح المهرجانات· كما شاركت في مجلة الكلية الطبية بمقالات كثيرة فيها نقد بنّاء في شتى الأمور المتعلقة بالأوضاع في العراق آنذاك·
 
وكنت على علاقة طيبة مع زملائي الطلاب ومع أساتذتي الذين كنت أكن لهم كل احترام وتقدير وكنت موضع تقدير منهم· كما ذكرت في مكان آخر من هذه المذكرات وقفت بجانبهم عندما بلغوا مرحلة متقدمة من العمر وقدمت لهم خدماتي كطبيب اختصاصي عندما احتاجوا الي·كانت علاقتنا بزميلاتنا علاقة أخوية وكنا نعاملهم كأخواتنا نحرص عليهن ونكن لهن كل محبة واحترام وقد قمنا بسفرات مدرسية إلى شمال وجنوب العراق عندما كنت سكرتيراً ورئيساً لاتحاد الطلبة وكنت أحرص أن يحظوا على تقدير واحترام زملائهم· حتى تخرجنا من الكلية· ولازلت لحد يومنا هذا على علاقة أخوية مع من بقي منهن على قيد الحياه نلتقي في مناسبات عديدة ويشعر الواحد منا تجاه الآخر بكل محبة وتقدير واحترام·
 
لا زلت أحمل في نفسي كثيراً من الذكريات الجميلة للأيام السعيدة التي قضيناها في هذه الكلية الفريدة والتي كانت من أعز الذكريات·