eKtab
EN ع
نجمة
اقرأ عينة مجانية

نجمة

بقلم كاتب ياسين

صفحة 1

1

لخضر هرب من الحبس.

ظهر شبحه على السطح فجرا، وقد رفع كل واحد رأسه دون أي اندهاش يذكر.

حدق مراد في الهارب جيدا.

- أمر طبيعي، سيقبضون عليك مرة أخرى.

- يعرفون اسمك.

- ليس لي بطاقة هوية.

- سيأتون لالتقاطك من هنا.

- أغلق فمك، لا تحبط عزيمتي.

لا مجال للنوم. أبصر لخضر الزجاجة الفارغة.

- شربتم؟

- بفضل الملتحي. لقد خرج من هنا.

- وأنا! أليس لي حق في الزهو؟

- اسمع. اقترح مراد، نبيع السكين.

- سنعثر على ولد يشتري لنا النبيذ. لن يفكر أحد بأنه لنا.

دخلوا إلى أكثر المقاهي الشعبية مدعاة للرثاء، وكان لخضر في المقدمة. أبدى الزبائن علامات التفاهم، ودعتهم الأكثرية. عرضوا السكين على موشَم فاقترح خمسين فرنكا.

- خمسة وسبعون، قال مراد.

- طيب.

قيمة السكين مئة وخمسون فرنكا على الأقل، نصف السعر، أمر مضبوط. شرب الغرباء الأربعة مشروبات أخرى، على حسابهم هذه المرة. رفضت طلباتهم بلياقة واضحة وقد أبدوا بعض الفضول.

صفحة 2

- من منكم ضرب السيد إرنست؟

- أنا. أجاب لخضر بعفوية زعيم قديم.

- أحسنت يا أخ، سأزيدك إن أردت عشرين فرنكا مقابل السكين.

- اتركها. ما يذهب إلى جيبك يذهب إلى جيوبنا.

اصطدموا بسكير عند الخروج من المقهى الشعبـي. صاح رشيد:

- ها هو صاحبنا لخضر الذي صفى حساباته مع السيد إرنست. أحضر ثلاث زجاجات.

- شربوا في المرقد الجماعي إلى غاية الصبح، وفي السادسة ذهبوا إلى الورشة من دون لخضر.

وإذ لاحظ السيد إرنست الضربات الأولى للمعول، بدا أنه استعاد أسمى العواطف، وراح يسأل بنبرة هادئة، بعد اختفاء قناع الرعب المقطب عن الجبهة المضمدة:

- أين لخضر؟

- لا أدري. أجاب مصطفى مكشرا.

- بإمكانه أن يرجع، لم أرفع دعوى.

تابع العمال حديثا متقطعا أثناء هياجهما. كانوا يتساءلون عما إذا كان رئيس الفريق بصدد إعداد فخ.

- ليست هذه المرة الأولى التي يضرب فيها عامل رئيس فرقة.

- من المحتمل أن يكون السيد إرنست من النوع الذي ينصاع مرغما.

رأى أمزيان بأنه من المستحسن أن يرجع لخضر.

- إن كان فخا فنحن هنا.

- حذار من السقوط. همس مصطفى.

وصلت الفتاة في الساعة الحادية عشرة حاملة قفتها، يا الله يا كريم. حيويتها تسبب الشلل...

- اسمها سوزي. اسم فنانة!

كان السيد إرنست ينفث فرشاته.

لم يكن العمال متأكدين من أن الأكل منفردا هو الذي يزعجه على الدوام في وقت الوجبة. يبدو أن مراد هو الذي بوجه خاص هيجه هذه المرة، لأنه ظل يطارده بنظراته.

الرجال يحفرون، يخبون، يتلكأون، كأن الضغط العام يبذل قصارى جهده لإقامة حاجز ضد الصمت المتوعد لرئيس الفريق.

ابتسمت سوزي، وهذه الابتسامة الحيوية كانت قادرة بمفردها على أن تشعرك بقدوم العاصفة، رغم أنها اجتهدت كي لا تركز على أي عامل.

اختلفت وجبة الرئيس عما كانت عليه البارحة. إنه يمضغ، يدمدم بشيء ما باتجاه سوزي. لقد تجمدت البسمة، إنها تنظر إلى قدميها. تنكشف السماء، وتنتعش الأجساد في ثغرات الشمس، تطقطق الأعضاء، تكنس العيون الجديدة الورشة. كان أمزيان، في هذه الأثناء، يحتفظ بدلائل الاحتقار الدفين وهو يدمدم بالقبائلية. قصد أصدقاؤه بأنه مستعد لارتكاب حماقة.

- اسمع ... أنت.

ترك مراد ذراع النقالة تسقط دون أن يرفع عينيه.

- رافق ابنتي إلى البيت، هناك حطب للنشر.

ابتعد مراد بخطى سريعة، ولم تكن سوزي، كما يبدو، مستعدة أبدا للمشي معه. كانت تتعقبه من بعيد وتتباطأ كلما تظاهر بالالتفات.

صفحة 3

2

في السابعة كان السيد ريكارد أمام مقود حافلته التي تسع ثلاثة وثلاثين راكبا. ستون بائسا كانوا جالسين في ضباب من الدخان. ولأن الجميع كان يعرف من هو السيد ريكارد، فلا أحد من المسافرين كان يكلمه. والواقع أنهم كانوا يشتمونه بغلظة أثناء السفر، وبصوت خفيض. لكنهم لا يحدثونه. طلب السيد ريكارد سيجارة بعد لحظات من الصمت، وكأن شيئا لم يكن. ولأنه لا يتوجه بالحديث إلى أي عربـي تحديدا، فقد ظل كل واحد مطرق الرأس. والواقع أنه يوجد في الحافلة، على الدوام، إنسان ساذجأو ثري يناوله علبة السجائر، الأمر الذي يغرق المسافرين في حقد دفين.

تناول السيد ريكارد السيجارة. إنه يضحك وقد طفق يدخن بتلذذ، مسترقا السمع مرتشفا الشتائم. هل هناك شيء آخر يسخط المسافرين أكثر؟ أعواد الثقاب تقرقع من كل الجهات، وكان البؤساء يحرقون أعقاب السجائر الأخيرة في جحيم أبدي.

على أبواب عنابة ترك السيد ريكارد السائقين يتجاوزونه وهو يحيي رجال الشرطة. لم يعد ذلك الشخص الذي ظل يعبر القرية من قبل ك مثل الإعصار.

المدينة تقمع السيد ريكارد الذي لا يجرؤ على النظر إلى الواجهات. ثمة فكرة واحدة من الآن فصاعدا: الجلوس في الحانة الفاخرة حيث لا يعرف أحدا. النادلة طيبة. ثماني عشرة سنة. تلفظت بجملة ذات شفرة مزدوجة: "السيد ريكارد. متى سيكون زواجك؟"

كاد أن ينقلب على بعد صوتين من المدينة. "هذه القذرة تظن أنه ليس بإمكاني العثور على امرأة، الخرافة التي يتداولها اليهود والعرب. هم يعرفون بأني تزوجت قبل أن يولدوا، وبالمراسلة أيضا، الشيء الذي لا يمكن أن يتخيلوه...". نـزع بضيق كبير قباعته المسمرة على طاولة، وبانفعال الراغب في ضربات عنيفة. وإذ رأت الخادمة الحنق يسحق سيدها اختبأت في الزريبة. لقد هجرها النوم منذ سنين، مثل الأبقار التي تقضي الليل في إزعاجها بحضورها الشبحي. وأبصرت من خلال البوابة الخربة سيدها يغادر الطاولة. توجه السيد ريكارد رأسا شطر الحانة الحديثة التي لم تطأها قدماه منذ مسابقة المانيل[1]. كانت ربة العمل مختبئة في المكتب، وكان السيد إرنست وحيدا في القاعة. كان رئيس الفرقة، يدعي لنفسه، في الأوقات العادية، شرف عدم توجيه دعوة للمقاول. بيد أنه، كما يبدو للعيان، أن السيد ريكارد قدم خصيصا لرؤية السيد إرنست.

- هل نشرب شيئا؟

صفحة 4

3

انسحب السيد ريكارد من فراشه في حدود الخامسة، ارتدى سروالا مخرما وابتدأ يطن متعقبا ظل الخادمة، الأحذية في اليد وهو يرتطم بالأسوار والأثاث المصقول. كان ثقيلا، مزعزعا، صاخبا كالذباب الذي قاطع الفاصل الزمني لليله فراح يتبعه بهياجه المتعثر، وبإسفافه في الاحتجاج على هذه اليقظة التي بلا حرارة الشمس، ومن دون حبور النهار الذي كان سيخرجه من الخدر بليونة، لو لم يقفز هذا المقاول المسن من سريره كعادته مع صياح الديك، مع أن حافلته لا تنطلق إلا بعد ساعتين.

تحسس جيوبه قبل أن يفتح عينيه جيدا، داعب القداحة ومفاتيح شقته المتعذر ولوجها، ترنم قدام المغسلة معجبا باستدامة الصابون، ثم ارتدى القبعة الجلدية التي تكفي لتمييزه عن كل المواطنين الذين ينهضون في وقت مبكر، ولكنهم لا يقدرون على تقليد كيفية ارتداء القبعة على جذر الشعر الرمادي، هي التي يشهر بها ثراءه في القرية التي لا تزال نائمة، ما عدا بعض رؤساء العمال، من نوع السيد إرنست الذي امتد شبحه نحو المحجر حيث ينتظره العمال في الغبش وهم ينظفون أدواتهم. في حين ابتدأت حافلة المقاول تتلألأ أضواء... غدا كل من المقاول ورئيس الفريق يحترزان من بعضهما أكثر من أي وقت مضى، مذ أصبحت سوزي بالغا. كل منهما يتحدى الآخر، وكلاهما يقفز من السرير في الساعة ذاتها ويلعب بالقبعة عشية المصاهرة الحتمية التي لا تتطلب سوى حركة واحدة: إن طلب الزواج الذي سيقدم عليه السيد ريكارد في آخر لحظة، وبالنظر إلى مكانته وسمعته والقبعة ذات النوعية الرديئة، لن يزيده سوى انحناء أمام كبرياء السيد إرنست وعجرفة سوزي المعتادة على تنهدات العمال اليدويين، ولن يتحقق له ذلك دون منافسة الأرمل الملتبس، الشيخ المهووس الذي ما انفك رئيس الفريق يلعن نجاحه الغريب، في الوقت الذي يستعد لتقديم ابنته قربانا له. والحق أن السيد ريكارد لم يفكر في المضاربة بهيبته كمالك متهرب، صموت، جشع ومضحك ليست له أية صفة من صفات رجال الأعمال. إن ثراءه مجرد حادث جنوني، مفعول طاقة يائسة عزلته وجعلته عقيما، هو الذي لا تستطيع عائلته البروتستانتية أن تجد لها مكانا بين الأوروبيين أثناء الذهاب إلى الكنيسة.

وصل ماعون السيد ريكارد إلى القرية في عربة ذات دولابين، وقد رآه أوائل المعمرين ناعسا مثل صقر في قفص يجره بغل أبوي غريب يكون قد نهب أو انتزع من صاحبه وبيع بثمن بخس من جندي عابر سبيل. ماتت الأم أثناء الوضع بين مركزين للمستعمر، ولم يتأخر الأب العاثر الحظ عن الالتحاق بها.

ورث السيد ريكارد، المنهك بالأشغال، الذي لا يزال أمرد، ما يشبه العقوبة: نصف قرن من الاستعباد خصه به المرحوم والده الذي وقع في غابة الأشغال الشاقة، ولم يجد الخلف خيارا آخر سوى هذا المستقبل ذاته من العناء والقلق. وإذ لم يكن له لا سيولة مالية، ولا أرض بور ولا مبقلة، ولا الأحصنة الستة ولا حقل الكروم، ولا الأرباح المحصل عليها من عربة الأحصنة الأولى التي سيقودها السيد ريكارد إلى المدينة كل أسبوع لضمان البريد، حسب المشروع الأبوي، الذي اتضح أنه كان محقا أكثر منه متعبا. كانت العربة هي التي ستضمن رأس المال فعلا، ولو أنه قاد بعد ثلاثين سنة حافلة رائعة، الشيء النفيس الوحيد الذي لم يوله عناية صارمة، مع أنه يملك (خارج القرية أو مسكنه، المستودع، الورشة، الإسطبل، الملبنة وملحقات تكون ما يشبه مركزا متقدما على حافتي الطريق) مزرعة مزدهرة، لكنها معزولة بحيث لا يعرف موضعها بدقة سوى قلة من الناس- ومع أنه يملك كل شيء، دون أن يكون له شريك يقاسمه، فإن السيد ريكارد ثابر على عمالية غريبة وبدائية اتخذها معتقدا. وبقيت بذل مواسم الحصاد الاستثنائية في استعداد، مهملة، ماعدا في مناسبات نادرة، كالحج إلى فرنسا أو سويسرا أو بلجيكا- لا أحد يعلم. المرأة التي استقبل فيما مضى، عن طريق وكالة متخصصة في الزواج (الزوجة التي لم تعرف كيف تسير الملبنة بشكل مطابق لنص الإعلان) أغمي عليها مثل حلم عظيم، دون طلاق، ودون عربة موتى، حتى ليظن أن السيد ريكارد طور وعيه الذاتي، إلى درجة إنجاب ولد وحيد اختفى ما بين الحربين وبدا أنه نسي ذكراه. ولأنه كان من النوع الذي لا يسأل، عاملا مقتدرا ونموذجا للنضال، كان يدافع بشراسة عن راتبه الخاص، عن راحته الخاصة، غير قابل للمعاشرة، ومبكرا مثل رئيس حكومة أو محكوم عليه بالأشغال الشاقة، أو مثل كاهن.

تفحص السيد ريكارد ماعونه بعد أن ابتلع قدحا من القهوة بالحليب، في الوقت الذي كانت الخادمة تحضر أمام عنايته شطيرة رشها بنبيذ كاسد لحظة خروجه من المعصرة، من يد المزارع نفسه الذي كان حطابا مع والد المقاول في زمان طنبر البؤس. لم تكن الساعة السادسة قد هلت عندما جلس إلى الطاولة في المطبخ قدام لتر الروم الذي لا يعرف أي كان تذوقه، ما عداه، ولو في عيد ميلاد المسيح. لم يدخل رب البيت من المدينة في تلك الأيام، بات مع الحافلة وأغلق مرأبه بعد إغفاءة. وقد شوهد في نهاية النهار حليق الذقن لتوَه، مرتديا سروال حماية وقميصا نظيفين. كان متكئا في حانة يلعب الورق، مسألة التهيج قليلا بجرعات شراب الأنيزون المضاعفة ثلاث مرات، تلك التي كان يشربها معتقة. كشف السكر عن الشيخ السعيد الذي كان بالإمكان أن يكونه لو لم يرث عن عربة وعن أب بروتستانتي، لأن الصوت المرتفع للسيد ريكارد جبل للفرح والجلبة، كما أن يديه جبلتا للتربيت على الظهور، وجسده الضليع للحرب التي يخرج منها سالما منتصرا أمام أشخاص باهتين مهزومين، غير قادرين على المطالبة بالجولة الأخيرة التي يترقب أن يهبها في حالة إهانة أو تحد، أو في حالة مقابلة سكير نخبة يستحق مواجهة لإنهاء الليلة... ولكن الليالي الأخرى كانت تنتهي في المطبخ مع الذباب نصف اليقظ. وإذ انتعش من غبطة الليل في السادسة، خبأ السيد ريكارد زجاجة الروم وسمع الخادمة تضلع. تظاهر وقتئذ بالابتعاد ثم استدار.

- أريني فستانك.

ضغط على جيدها.

- هل سرقت القهوة؟

تخبطت كدجاجة محاصرة بالخزانة. "سأعضه. لنفترض أني عضضته."

ذهبت الخادمة حاملة دلو الغسيل، وأبصرت قرب المغسل مراد وأمزيان وعمالا آخرين. حياها مراد واستمر التحاور. كانت تستمع إليه. يبدو أن العمال على دراية.

إنها تستمع.

كفوا عن الكلام. غسلوا وجوههم الواحد تلو الآخر، معتمين ومتعبين سلفا، ثم سلكوا طريق الورشة.

صفحة 5

4

سوزي بفستان الأحد. "لست بحاجة إلى دعامة الصدر، الحمد لله، ليس بـي ألم في النهدين". ذهبت إلى السوق بسرعة فائقة، وضعت القفة في المطبخ وسلكت الطريق الواسع عابرة أرضا بورا. هناك في البعاد يمتد مرعى، جرت إلى غاية العشب الكثيف وأهملت نفسها بين النرجس. كانت الشمس لافحة، أغلقت عينيها بعض الثواني وانتصبت بقشعريرة مستديرة بوله نحو القرية، كأن وحشا فاجأها، لادغا إياها من الكعب، دون أن تقوى على التخلص من اللدغة أو الشعور بها. وشاهدت في الطريق فلاحين على صهوات البغال، ثم برز مراد في المنعرج.

- صباح الخير آنسة.

توهمت سوزي أن الفلاحين ينظرون إليها وهم يخزون رقاب دوابهم، اقتربت من مراد عندما مر الفلاحون، وإذ كانت دانية منه قام بحركة متراجعا.

- هل أنت بخير؟

- أتجول.

- أسرعا الخطى.

- كان مراد يمشي مطأطأ الرأس.

- اتركني.

"هكذا إذن، فكر مراد، مر الجمال وغدوت عاملا يدويا عند أبيها، ستكمل سيرها عبر الأرض البور، كأني اغتصبها بمجرد أن أتجول في الجهة نفسها. كأنه لا يجب أبدا أن نوجد في عالم واحد، إلا بالمشاجرة والاغتصاب، وهاهي تخاطبني بصيغة المفرد، وتقول لي اتركني، كأني أمسكتها من خصرها، أو فاجأتها وأكرهتها. العمال أيضا يعلمون أنهم فاجأوها وأكرهوها بمجرد أنهم أبصروها، هي التي ليست لا من عالمهم ولا من عالمي، بل من كوكب مستقل، من دون عمال يدويين، ومن دون فلاحين، ماعدا إن تجلوا هذه الليلة في كوابيسها... لو ضغطت على نهديها؟". ثم لم يعد يفكر سوى في ضربها، في رؤيتها طريحة الأرض، في التقاطها وإعادة إسقاطها من جديد- "إلى أن تستيقظ كمسرنمة سقطت من عل، بكل هذه المعتقدات الباطلة، حتى لو مت دون أن أعلم بوجود عالم، لا عالمها ولا عالمي ولا عالمنا أيضا، ولكن، وببساطة، العالم الذي ليس في طور الرجل البدائي، في طور المرأة البدائية، العالم الذي لا يحتفظ طويلا بآثارنا الواهنة، بذكرياتنا الشاحبة، هذا كل ما في الأمر". هكذا فكر مراد. ولكن سوزي أحجمت عن الضحك حاليا. إنها حمراء كلها، انـزعاج عابر من شيم أية فتاة شابة، إنها تهدئ غضبه." "ستذهب". لم ينبسا ببنت شفة. "إنها تنظر إلى جهة النرجس، هناك حيث كانت نائمة قبل قليل، مبللة، وحيدة، منفرجة". احمر مراد، واستعاد وجه سوزي المحمر صرامته فانطلقت راكضة.

- كدت أن أغويها.

- كيف، كيف، ماذا، أوّاه؟

اقترح عليه أمزيان الشرب، وكان في مقدمة الحانة الحديثة. تجاوزت المعلمة الخمسين، وتحسر أمزيان على ماله. ولكنه الليل، إنهما أرقان من شدة التعب. الحانة مضيئة قليلا، تبدو قاحلة، تنخفض الأصوات، ترتفع، تسكت كخم في الغسق. تجاوزت المعلمة الخمسين، دون الحديث عن الإرهاب والضجر المخيمين على القرية بعد العمل، وحتى على الحانات وبيوت العائلات الكبيرة. طلب أمزيان مزيدا من الشراب بتذمر من خاب أمله في السعادة، وكان يحدث نفسه قائلا: إن ظهور النسوة لا تنبئ بحقيقتهن أبدا: عجائز أو مسنات، فاتنات أو محتشمات، ماعدا لو كشفن عن وجوههن... أليس كذلك؟ كيف ذلك؟

- كدت أن أغويها، قال مراد.

- فقط؟

- قال أمزيان مقطبا: أنا أفهمه. ماذا يمكن أن نقول لفتاة في الطريق، خاصة إذا كانت ابنة رئيس الفرقة! ومن ذرية أخرى، فضلا عن ذلك... من الأحسن أن نبقى صديقين... سأحكي لكم كيف كنا نتسلى عندما كنا نشتغل في المدينة، قبل أن أجد نفسي في ولاية أخرى، في الوقت الذي لم أكن أعرف كيف أشد مجرفة...

ابتسمت المعلمة ابتسامة فتاة:

- بإمكاني أن أفتح لكم حسابا جاريا إن كنتم تشتغلون عند السيد إرنست.

شكرها مصطفى المعلمة وصافحها. لم تعد الحانة تشبه الخم، إنها تلمع كأحد المطارات. وضع رشيد نظاراته السوداء وطفق يبحث عن خصم وهو يدمدم مراعاة للأعراف: "كنت واثقا من أننا سنجد دائما شيئا نشربه، أما فيما يخص فتح حساب لدى صاحب المطعم الحقير، فيجب أن نجتهد...".

أفرغت المعلمة النبيذ الخفيف. لم يُرخِ الليل سدوله بعد، غير أن الشمس أظلمت، وراحت السماء تنطفئ مثل كومة رماد متأجج في الأحداق المشعة للشاربين، وفي الألق الأسير للزجاجة التي تعيد ما استولت عليه والرأس مقلوب، مليء بالنور الهائج المثلج.

- قال أمزيان: كان ذلك في وهران، وكنت صغيرا، كنت أشتغل في أي شيء، وكان لي صديق في سني جاء من الصحراء لكسب قوته. كنا نعمل في الحمام نفسه. كنا أنا والعربـي، نقوم أحيانا مقام المدلك. نأتي بالماء الساخن. وكان لنا صديق آخر من الصحراء يأتي بالماء النقي من الربوة ويبيعه. كنا إذن، نحن الثلاثة، من سلك واحد: نبيع الماء، ونلتقي مساء في الغرفة الواسعة، ومرة جاءنا بهذه العلبة ذاك الذي يبيع الماء الصالح للشرب...

- هاتها.

- وماذا وضع بداخلها؟ مسحوق تبغ.

- فقط... تنشيقة بين الفينة والأخرى. ولكننا وجدنا هذه المرة شيئا آخر في العلبة...

- ماذا وجدتم؟

- معجونا.

- وبعد؟

- معجون التمر...

- في العلبة؟

- نعم، أكلنا نحن الثلاثة.

- إيواه؟

- رغم الرائحة...

- ماذا؟ كيف؟

- رائحة التبغ، كنا نرى دقاق الأغصان في المربى. من الأحسن عدم المضغ... "إنه غبار"، قال الصحراوي الآخر، ناقل الماء الصالح للشرب. أكل العربـي، أنا أيضا أكلت. كان فعلا غبارا، ولكن الرائحة...

- وبعد؟

- قال العربـي: رحنا نضحك.: "معجون غريب، معجون غريب". أما أنا فلم أقدر على التحمل، كأني أكلت بأنفي. كان الصحراوي الآخر شاحبا، وقال إن رائحة التبغ تجيء من القاعة، وليس من العلبة. كان ذلك قريبا من الحقيقة. كانت القاعة تفوح بالعرق والتبغ، ولكننا بدأنا نضحك ونحن ننـزلق على قباقيبنا، هناك حيث كان الزبائن يشخرون خفية متظاهرين بتجفيف جلودهم. لقد طردونا لأننا كنا نضحك كثيرا. ثم فهمت...

- ولكن ماذا؟ قال مصطفى، ماذا فهمت؟

- ... استنتجت بسرعة أنها غبرة الحشيش، ولكني كنت آكل مع العربـي وأعاود: "معجون غريب، أليس كذلك؟". لو أن واحدا منا ذكر كلمة حشيش لما أكلنا بالتأكيد، ولكننا بذكر معجون، فعلناها. في البداية سخنا. كنا نظن أنه البخار، وأعطانا الصحراوي الآخر قمصاننا: "نقوم بجولة، شدة وتزول". ولكن الأمر في الخارج لم يكن على ما يرام، كنا نرتعد، ومع ذلك كنا نمزح ونغني بالفرنسية: "الهي، سكَر".

وتساءلت لماذا كنا نغني هذه الأغنية. غير أن حمال الماء كان أكبر منا، أدخلنا إلى حانة يهودية، ولا ندري كم من أنيسون أفرغنا في بطوننا. كنا في النهاية موتى. ذهب اليهودي للبحث عن سيارة أجرة، ودفع الثمن لإعادتنا إلى الحمام.

- وبعد؟

- النشوة الثانية لا تساوي الأولى.

صفحة 6

5

كانت الغرفة التي يحتلها مراد ورشيد أقل تضررا جراء المطر، مقارنة بالغرفة التي أقام فيها مصطفى ولخضر، وهكذا كان كلهم ينامون معا على فراش من الساف ويتدثرون بالآخر، وهم ممددون عرضا وأرجلهم عارية، لكن الصدر والكليّ كانت محمية. الأرضية الإسمنتية باردة، والقرية على ارتفاع ستمائة متر.

الغرفة المهجورة لا تصلح لشيء، غير أن الإيطالية رفضت كراء غرفة واحدة لأربعة رجال.

- قال مراد: سنجد وسيلة لاستعمال البيت المهمل، نبدأ بوضع الثياب الوسخة والمسخنة. ترك المرقد المطر ينفذ إلى غاية الصباح.

كانوا يرتجفون.

وكانوا يسعلون عندما استفاقوا من النوم، أراحتهم القهوة كثيرا. لخضر هو الذي كانت له الشجاعة الكافية ليستلف رطلا مسحوقا جيدا من صاحب المقهى الشعبـي. شربوا قدرين من العصير الساخن وهم يدخنون السجائر الأولى. الساعة السادسة، القرية حزينة وقد نظفها المطر، مبتذلة كممثل أزال المساحيق. الفجر بارد رمادي، ولا يمكن أن نسمع سوى خطى ثقيلة، نوبات سعال مفسحة، تحيات مختصرة تخلف صدى، موسومة برفقة اضطرارية تميز أصوات الرجال أثناء اليقظة، أغلبية العابرين. النادرين في هذه اللحظات لا يملكون رد الفعل لغسل وجهوهم وهم ملفوفون في برانسهم يرنون عصيهم بتناغم، وبفن مدرج بالهياج والخمود. يدخلون الواحد تلو الآخر إلى المحل الوحيد المفتوح، هناك حيث يستعيدون قواهم بسرعة، بداية من الجرعات الأولى. القهوة تزيل التعب والبرد. السماء أكثر تهديدا من أمس.

- خشخش كناس مسن مطوي: مع أننا في الربيع.

هز الفلاحون رؤوسهم وابتدأ المحل يفرغ بسرعة، كما امتلأ بسرعة. الكناسون والفلاحون والعمال يتلاحقون على الطريق السوي. لقد خف السعال الأبح وغدا صوت العصي أكثر كتمانا، كأن كل واحد منهم وجد ضالته، حلا ليومه كاملا.

صفحة 7

6

لاحظ أحد العسس من مرقبه الجماعة المتأخرة، وكانت بندقيته مصوبة نحو السماء.

فرح الملتحي إذ لم يلقِ عليه التحية.

- إنه ثعبان يسترق السمع من خلال الأبواب. لقد وضع في السجن مجموعة من الشباب...

- من يدفع لهؤلاء الناس؟

- بلديتنا. إنهم عادة قدامى فرسان الحاكم. موظفون متقاعدون، جنود مسرحون.

- قال مراد: لا لوم علينا.

- مع ذلك، لو عرف الحارس أنكم عاملون باليوم، لو لم أكن معكم لصفر.

- نحن أيضا نعرف كيف نصفر، بمقدورنا أن نرد عليه.

- سيقول إنكم لا تحترمون القانون. إذا أخذنا بعين الاعتبار هذا، من الأحسن أن تسلموا عليه، كما هو الشأن بالنسبة إلى السلطات المدنية والعسكرية، خاصة السيد ريكارد الذي يملك خطوط الحافلة، كل الناس أعداء له، وكلهم يحيونه. إنه يرفض نقل المسافرين عندما لا تعجبه رؤوسهم، ليس المال هو الذي ينقصه. اشترى منذ أيام الحافلة الخامسة، ولم يبق له الآن سوى أن يتزوج من جديد...

أسرع لخضر خطاه. ورفض الملتحي، في هذا المساء، إضاءة فانوس "هؤلاء الفتية الطيبين، العصبيين قليلا، الساذجين، المتقززين من كل الحضريين": هكذا يصف سكان القرية للملتحي العمال اليدويين الأربعة الذين وظفهم السيد إرنست مؤخرا.

صفحة 8

7

تم الاحتفال بزواج السيد إرنست في جو حميم غاية في الانضباط. حاول الناس تسلق الشجر والقيام بكل أنواع البهلوانات، ولم يستطع حضور أجواء الإفراط في الأكل والشرب.

كان السيد ريكارد يتعذب إذ فتح بيته مضطرا لكل هؤلاء المدعوين:

كل أوروبيي القرية بعائلاتهم. لم تنقص سوى الشخصيات ذات المقام الأول التي قدم ممثلوها بعدد وافر، بلا دعوة أو تفويض. لحسن الحظ أن كاهن المنطقة لم يعلم بالأمر، ولم يشعر القس بدوره. لم يقع أي صدام، على عكس الأمنية، ما بين بروتستانتية المقاول وكاثوليكية خطيبته، ولو حضر الكهنة لتشابكت السيوف.

أخذت الفضيحة منحى آخر. تحمل السيد ريكارد، في بداية الأمر، جلسة السكر بنية الصمود، غير أن المؤامرة كانت ستعصف به، فسكر بدوره عندما أدرك أنه التحدي الوحيد الذي كان سيستطيع إعلانه ببعض الأمل في الانتصار. هناك من سقاته من ركع أمامه، وزاده هذا النصر نشوة. تحول فرحه إلى عدوانية فراح يضحك فحسب. بيد أن رئيسة الصليب الأحمر تلقت عدة أنوية من التمر في صدارها فراح رضيعها المرعوب يعض البزال. نقل السيد ريكارد إلى سريره في حالة وعي، لكنه كان غير قادر على تجاوز الرعب الواهن الذي استولى عليه منذ بداية الوليمة. كان يرى بوضوح أن ألد أعدائه كانوا هنا، وأنهم يستهزئون به ويدنسون بمتعة عرين الشيخ الأعزب الموشك على الإخفاق في زواجه الثاني. بيد أنه استلذ ارتداء قميص قديم قصير جدا. وإذ أدركت سوزي أن ليلة الزفاف لن تتحقق، أفرغت بقية الشمبانيا، دون أن تدرك إن كانت تكبت الفرحة أم الغيظ أمام مرأى أوليائها.

أُرقدت في السرير الزوجي حيث ابتدأ العراك تحت الصليب المذعور، في حين انتقمت رئيسة الصليب الأحمر بإقامة الحراسة على الزوجين الصريعين وهي تلوح بصبيها الصاخب كي تغم صيحات المقاول المسعورة. إلى درجة عدم سماعهم خاتمة الترتيل الذي أنشده السيد إرنست في غمرة حب عابر ومتحمس أظهرته زوجته، إما للحفاظ على ماء الحياء، وإما لإثارة رد بروتستانتي للسيد ريكارد، ثم الانتهاء بجعله أضحوكة. لكن رئيسة الصليب الأحمر بقيت وسط الفضيحة. كفت سوزي عن التخبط، استدارت في النهاية نحو خطيبها وراحت ترجه وتعنفه دون داع، ودون أن تواجه أية مقاومة، لأن المقاول كان في غيبوبة عميقة على ما يبدو. كان عقله غائبا في حقيقة الأمر، لم يسمع الترتيل، إلا أن عينيه انفتحتا على جماعة من المدعوين يفتشون الخزانة. كانت الخادمة في المطبخ الغارق في الشمس في بداية الوليمة، وخرجت من هناك في الغسق لرد النهب، وبمجرد الإمساك بها وجرها إلى الغرفة الزوجية، أخذت زوجة قابض البريد زجاجة الروم نصف الفارغة وألصقتها بشفتيّ الخادمة، وهلل المحضر: "أية نكتة! سنفوت عليها جنتها قبل موتها". تصلبت الخادمة. وضربتها زوجة قابض البريد على لثتها فسال كل شيء دفعة واحدة. كان ثمانية رجال يشدون بقوة وثاق الخادمة، دون الحديث عن الأطفال، وفي الأخير ألقت زوجة قابض البريد الزجاجة فارغة. سقطت الخادمة ثم انتصبت وعيناها جاحظتان. كانت تلك أول لعنة وآخرها: "أنتم كفار".

قفز السيد ريكارد من سريره.

اذهبـي من هنا، اخرجي حالاً.

كانت تتمايل وسط الغرفة وقد استبد بها الغثيان وهي تردد نافثة، دون أن تبصر رب العمل، ودون أن تميز صوته: "أنتم كفار". اندس قابض البريد في أريكة، ولو لم تترأس زوجته الوليمة لتوسل إلى الخادمة، ليس لمواساتها، بل لإسكاتها. وأبصر سوزي بدورها تقفز من السرير للاستحواذ على السوط المعلق في الحائط.

توقع السيد ريكارد حركة خطيبته، أخذ السوط فأصابت الضربة الأولى عيني الخادمة التي لم تطلق سوى أنين مرارة، كأنها خشيت لو أنها صرخت لتقيأت على صحن القدوس. أصابتها الضربة الثانية في عينيها أيضا. ظلت واقفة ويداها ممددتان دون أن تنطق. الحماقة الفظة، لم يعد يفهم أن الخادمة تقدم له وجهها على الدوام، وابتدأ يشعر بقبعته الغائبة. إنه يعرف الآن، في ظل خفوت سكرته، أنه لن ينقلب على ضيوفه المتزاحمين، المحلقين حوله. دخل حينها مراد بخطوات صامتة. لم يزاحم المدعوين، وبضربة من الركبة لوى جسد المقاول، في اللحظة التي كانت سوزي تجره إلى الخلف. هاج مراد بدوره ولم يستطع التحكم في ضرباته. وإذ استعاد وعيه، كان موثقا بمتانة قرب الجسدين اللذين يبدوان حانقين إلى الأبد. راحت الخادمة تتأوه. وانتزع العريف الحبل من معصم مراد. كان المدعوون لا يزالون هناك، ملتفين حول الدائرة نفسها، كما لو لم تحصل هناك جريمة. كأن سوزي أنبئت بأنها لن تحتفظ بفستانها البهي، وبأن الحفل سينتهي بسهرة مأتمية. وود الدركي الذي سجن مراد تقبيله. كان هو الدركي نفسه الذي طلبته سوزي للقبض على لخضر في الورشة، الدركي نفسه الذي أحب سوزي وأحبته، هو نفسه الذي سجن مراد وكان يرغب في حمله على الأكتاف، هو نفسه الذي حمل تابوت السيد ريكارد، لأنه كان بروتستانتيا هو الآخر.

صفحة 9

8

رفض لخضر الالتحاق بعمله في الورشة، وكان ذلك أمرا مثيرا للدهشة.

- لن أذهب، قال لخضر، ضاق صدر السيد إرنست. لن أذهب.

- ربما سامحك. ستتزوج اليوم ابنته.

- نعم، قال رشيد. لو جئت غدا سيكون تحت تأثير الوليمة، لن يجرؤ على إيقافك أبدا.

- سأذهب لحضور العرس قليلا، وإذا صادفت السيد إرنست سأحدثه عن لخضر.

أصر لخضر على هز رأسه بمظهر مصمم وهو يأكل بنهم فطيرة باردة. لقد ذهب مراد.

- الغسق. ولم نخرج بعد.

انتهى مصطفى من تقشير البطاطس.

- ماذا سنأكل إن لم يحضر الملتحي القِدر والزيت؟

- من الأحسن لمراد، بدلا من الاهتمام بهذا الزواج بحجة إعادتي إلى الورشة، أن يقول للسيد إرنست إن كان بمقدوره أن يعطينا بعض المال. أريد الانسحاب من هنا.

نام رشيد في زاوية الفراش.

- قال رشيد: هيّا نشعل شمعة؟. هاهو صاحبنا...

وصل الملتحي مرفقا بغريبين: سي صالح وسي عبد القادر الموظفين في البلدية المختلطة. كان الملتحي يلهث. لقد نسي القِدر وأشياء أخرى منتظرة.

ألا تعلمون؟...

انتفض رشيد دون أن يعيد فتح عينيه، وكان مصطفى ينظر إلى لخضر وهو بصدد إشعال شمعة. في حين راح الملتحي يسرد الجريمة، وكأن الليل الذي هزته الشعلة يريد طيّ الخبر الحزين، واستنتج الملتحي الذي أيدته تنهدات الدخيلين:

- لن ينجو هذه المرة... عليكم أن تختبئوا بدوركم. إما ما عدا إن أرسلوا إليكم من أجل الاستنطاق.

نهض رشيد متخطيا الفراش ليتفرس في الملتحي، ونهض لخضر ومصطفى بدورهما. وكان الستة يحدقون يتقابلون.

- محال. كم الساعة؟ تركنا مراد عند مغيب الشمس. كم تكون الساعة الآن يا ترى؟

- حدث كل شيء في طرفة عين. وما زال رجال الدرك هناك.

- الله!

- مع الأسف!... قال سي عبد القادر.

- كل القرية تلعننا في هذه الساعة...

- إلا المتاعب! العراك أولا، الاعتقال وهروب لخضر. والآن مراد... كانت القرية هادئة قبل مجيئكم، كل شيء يقع على الغرباء بطبيعة الحال. الناس تعبوا. هناك من يحجزون زوجاتهم. ذهب الأوروبيون إلى الحاكم مرفقين بأعضاء مجالسهم البلدية. إنهم يطالبون بطردكم، باحترام السيادة الفرنسية، أما بالنسبة إلى إخوتنا في الدين فقد غبتم عن أذهانهم. في الوقت الذي يبتهجون بمغامراتكم سرا، يدينونكم بالعزم نفسه. يقولون إنكم بعتم شيئا ما نظير الحصول على الشراب. السكيرون بدورهم لا يخفون تقززهم، والواقع أن الجميع يلعنكم.

- الله! الله! زايد سي صالح، واستدرك الملتحي:

- لا ينبغي أن تيأسوا. هيّا بنا لقضاء آخر سهرة أخوية... أنا أيضا امتلأت بالهواجس، بإمكان أصدقائي الحاضرين هنا أن يشهدوا، ماداموا لا يتعارفون فيما بينهم. لن يتسبب لي خصومي في أي أذى. لقد تعروا حاليا وتحالفوا. لو أنهم تحالفوا فقط! زوجاتهم اللائي سامحوهن بسخاء اشتد حبهن لهم! إنهن يحاصرنني، يتابعنني بالتداول ليلا، لو أن أحدهم حافظ على عرضه لضعت!

- الصديق المسكين! قال مصطفى وقد انصرف عن مأساته الشخصية...

- كان بإمكان خليلاتي إنقاذي في الأوقات العادية، وها هن اليوم يصوبن خطومهن نحوي، القرون لا تعرف الشفقة...

- تشجع...

- هذه هي الدنيا، تباكى الموظفون، في حين كان الملتحي يقوم بحركات يائسة.

- ليس هذا فقط. لقد رأوني أقوم بزيارتكم...

تواجه الستة، في حين راحت الشمعة تنهار بشكل محزن.

- لم يبق لنا إلا الذهاب، قال مصطفى، وأضاف لخضر هائجا:

- منذ زمان وأنا أنوي القيام بذلك، كان يجب علينا الانسحاب من هنا منذ مدة. لكن الخطأ خطئي، كان يجب أن أصادف ورشة الأوساخ هذه.

كان الملتحي يقطب وجهه بتقزز.

- المؤكد والأكيد أنهم تبعوني هذا المساء كذلك. قالت لهم امرأة الحانة إني أعرفكم، كما أننا شربنا عندها عشية وصولكم.

مؤكد وأكيد.

كان سي عبد القادر يستاك أسنانه.

وكان سي صالح وسي عبد القادر يتبادلان النظر.

كان سي مصطفى يتكلم (ولكنه لم يعد يتكلم أبدا)، ربما أقام وزنا للتصريحات المقذعة المرة التي أدلى بها سي صالح وسي عبد القادر والدخيلان: "لنذهب، اتركوهم يفعلوا، بؤسنا ليس بؤسكم، ليس لنا سوى الإبحار بعد أن أخذنا من قريتكم ذكرى أخرى عن المشاجرات التي لا طائل من ورائها... إنها غلطتكم إن طردنا أسيادكم: لا توجد أبدا عبودية للجميع، وسينتهي بهم الأمر إلى طرد أنفسهم، لا بأس إن وجدت مناوشات قاتلة..."

أخرج الملتحي مندوليته من برنسه ثم زجاجة، وأخرج سي صالح شيئا من جيبه، آه؟ وقفز لخضر.

أعطني هذا السكين، إنه لي، لا داعي لفتح الزجاجة، سنطفئ الشمعة بعد قليل.

- آه! غرغر سي صالح.

وقال سي عبد القادر:

- لا تغضبوا.

- اذهبوا، قال الملتحي وجِما.

فر الدخلاء كالجرذان.

صفق لخضر الباب على أعقابهم.

- كانت له الشجاعة الكافية لشراء السكين الذي باعه مراد...

- ويعرضه أمامنا بازدراء. هذا هو نوع الزوار الذين تأتي لنا بهم...

تكدر الملتحي:

- ماذا تريدون، الخونة يتبعونني دائما، هذا قدري.

قال مصطفى كابحا دموعه:

- والحال هذه، لا يوجد شيء مقدس، ذكرى صديق لن نراه عما قريب... السكين الذي بيع للاحتفال بعودة صديق آخر...

لخضر:

- مع أنه يعرف كل الحكاية، اشترى السكين هذا الذي يسمى رجلا، دون التفكير في إعادته لنا، وجاء ليذلنا به.

قال رشيد وقد استبد به الهياج:

- وهذا ليفتح به زجاجة، كأننا بصدد الاحتفال بتوقيف مراد!

- أحضرت زجاجات أخرى، قال الملتحي ويده في القلنسوة، اعذروني، لم أكن أنوي أن أزيدكم همّا.

الزجاجات ممددة.

المندولية قربها أيضا.

أقلع الملتحي عن الغناء.

فهم أنها سهرة وداع.

- لو لم يكن لي أطفال لتبعتكم... الموت بحادث عنيف ينتظرني، أحسن من أن يقتلني خصومي، لو أنا جئت معكم لاعتدوا على زوجتي...

- لم تكن لأي من العمال اليدويين القدرة على الضحك.

رافق رشيد الملتحي إلى بيته.

وانتظر لخضر ذهابهما ليرتج الباب.

- هات السكين، قال رشيد، من يدري...

- من يدري، قال الملتحي.

صفحة 10

9

غادر العمال الثلاثة المرقد في الهزيع تاركين مسافة بينهم، تجمعوا في عرض الطريق، أشاحوا بوجوههم عن المحجر وراحوا يدوسون على التراب حيث انتثرت الأغصان العارية. كانت الريح الشمالية تدفعهم عبر العليق، إلى أن غاصوا في الضباب. ألغى غياب خط السير مفهوم الزمن، وفي الصبيحة أدركوا، دون مشقة، دوارا من حوالي عشرة أكواخ.

القرية الآن غير مرئية. مشى العمال الثلاثة باتجاه الدوار بعدما تشاوروا في الأمر. رآهم الفلاحون قادمين ودعوهم عند كبيرهم بمجرد أن لاحظوا أن القادمين الجدد حضريون. تركوهم بمفردهم أمام الخبز والتمر واللبن الرائب كي لا يخجلوا من شرههم. جاء كبيرهم لتناول القهوة معهم، وسألهم عن الرواتب في المدينة وفي القرية، عن محصول القمح والعنب والزيتون. بيد أن كبيرهم بدا غير مرتاح لرؤية الرجال الثلاثة يفكرون في التأخر بالغابة، وتحدث عن الغارات البوليسية، عن الانتخابات والانتقامات. وطمأنه رشيد. نصح كبيرهم أخيرا بحمل ربطات الحطب عن نساء الدوار المسنات اللائي سيتكفلن ببيعها في القرية وفي الجهات المجاورة، مادام أن حارس الغابات لن يقتحم المنطقة، أما بالنسبة إلى الباقي...

- هناك، غير بعيد، دار مهجورة.

- لا أدري كيف يمكن أن نقاوم، غمغم مصطفى. هل سينتهي الدوار بطردنا، كما فعل سكان القرية؟

لم يبق من الدار المهجورة سوى شقوق الجدران وروافد صغيرة عارية. وكان الغرباء، خلال الأمسية كلها، ينقلون الحشفة والتبن.

- لا تشعلوا النار، أوصى كبيرهم.

كان لخضر متذمرا ورأسه مدسوس في التبن.

النجوم تعج.

البرد شديد.

وكان مصطفى يدندن لمقاومة البرد من جهة، ومن أجل النوم من جهة ثانية. وكانت النجوم تعج.

راحوا ينحدرون مع الممرات السيئة للغابة عند مطلع الشمس، ولا أحد يكلم الآخر.

إنها لحظة الفراق.

لم يعد أي منهم يكلم الآخر.

كان سي مراد هناك. بإمكانهم إتباع الجهات الأصلية. بإمكان كل واحد منهم أن يأخذ اتجاها معينا.

لكن مراد ليس هنا. فكروا في مراد.

- أعطاني الملتحي مالا، حسم لخضر بجرأة. لنتقاسمه.

- أذهب إلى قسنطينة، قال رشيد.

- هيا، قال لخضر، سأرافقك إلى عنابة. مصطفى، وأنت؟

- أسلك طريقا آخر.

وتبدد الظلان في الطريق.