eKtab
EN ع
نهضة الأمة بين عوامل الإنحدار وسبل الإرتقاء
اقرأ عينة مجانية

نهضة الأمة بين عوامل الإنحدار وسبل الإرتقاء

بقلم د. عدنان زهران

صفحة 1
بسـم الله الرحمـن الرحيـم

المقدمة

يتساءل الناس عن أسباب تقدم الأمم وتأخرها، ولكل معياره الخاص في وزن هذا التقدم والتأخر، وكثيراً ما اختلفوا في هذا الأمر، فمنهم من رده إلى الله سبحانه وتعالى، فالعز منه، ولم يتحروا الأسباب.

ونسي هؤلاء أن الله يعز من يشاء المعزة لنفسه ويسعى لذلك، ويذل من يشاء الذل لنفسه ولا يسعى لتغير واقعه، وتناسوا أننا كنا خير أمة أخرجت للناس(1)

أدرك أولو الألباب من هذه الأمة أسباب تقدم الأمة وتأخرها، فمنهم من شق الطريق، وحارب من أجل تقدم الأمة متخذاً الأسباب، غير عابئ بالصعاب، فبدا نجماً مؤثراً في تاريخها كما سيظهر في هذا الكتاب، ومنهم من تقوقع حول أفكاره فما افاد، إما لأسباب نفسيه، أو لأسباب اجتماعية، أو لمخالفته أؤلى الأمر والنهي، فأحرف وأوصل إلى الجحيم مع أفكاره. ووقف بعض من أولى الألباب موقف المدمر لها الناعق في كل واد، إما لعجزه عن تحقيق ما أراد أو ليأسه من فكرة التغير والإصلاح فأصبحت في نظره أمة ما تحت الصفر، وأمة ما دون تحت الصفر. أو صارت أمه ضحكت من جهلها الأمم.

أنصب غضب قسم من أولى النهى، وأصحاب المصالح من هذه الأمة على النخبة الحاكمة، ونسبوا أسباب التأخر إليهم ونعتوهم بأقسى النعوت من زير نساء إلى مشتغل باللهو إلى عاجز عن قيادة الأمة، وخلط الحابل بالنابل فاستحضروا كل العيوب والسلبيات والصقوها بالأمة نفسها حتى غدونا في نظرهم امة مهزوزة، ومهدّمة.

نسي الظالمون لهذه الأمة تاريخها المجيد، وما فيه من نجوم زاهرة، وإيجابيات لو عرفت وعمل بها لتغير واقعها. كما نسوا أن أهم عامل في التأخر يكمن في انقطاعها عن جذورها فتشرذم فكرها وإذا بها عالة عليها بعد أن كان دافعاً لها، وما زلت أردد إجابة محاضر كبير عن سؤال طرحته عليه عندما تكلم عن أسباب تأخر الثفافة العربية، فقلت ألا ترى معي أن من أسباب التأخر في انقطاع الثقافة عن جذورها؟ وكان جوابه ماذا تريد منى أن أبقى اكتب عن هارون الرشيد، فقلت أوراينا بعده يوماً نُسَرُّبه أو كتبنا للطامعين في خيراتنا كما تعبر إلى نكفور كلب الروم، وتساءلت لماذا لم يعد الإنسان العربي فاتحا بعد بنى أمية إلى يومنا هذا؟ هل تقاعس عن حمل فكره الإلهي إلى العالم؟ أم صار هذا الفكر عاجزاً؟ ولذا صار الإنسان العربي يُغْزىَ بعد أن كان يَغزو، وصارت أرضه نهباً ومرتعاً لغيره! هل أركن الإنسان العربي لسوء فهمه وتواكل في الأمور فقال(رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) (2) فلم يعد قادراً على حمل نفسه فأصبح مسِتهلَكاً مُستَهلَكاً.

فكر بعض المفكرين في البحث عن أفضل الأسباب للنهوض بالأمة، فوجدوا خير وسيلة في استيراد أفكار الأمم الأخرى، ولذا كثرت الأحزاب وأصبحنا شيعا! لأن أصحاب هذه الأفكار لم يدركوا أن هذه الأفكار لا تناسب جميع الأمم. ومن جهة أخرى فكر البعض الآخر الجاد، فوجدوا أن سبل الإصلاح وتقدم الأمم يكمن في الماضي من تاريخ الأمة، فغاصوا في الأعماق وعملوا على تحليل النصوص التاريخية واستفادوا من مأثره، وسير أولى الألباب الأول الذين أخذوا على عاتقهم النهوض بالأمة، فعرفوا الأنوار الساطعه في تاريخ أمتهم، وأدركوا التغير الذي أصاب الإنسان العربي بعد الإسلام بسبب هذا الفكر الجديد الذي ألف بين قلوبهم فقال سبحانه وتعالى (فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا)

(3)ولما اختلفوا وتخلفوا عن هذا الفكر صاروا فرقاً متناحرة فضعفت الأمة. وأن هذا الفكر دائم مدى الحياة محفوظ من الله (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)

فهل نحن قادرون على المحافظة عليه وحمله ونشره، بعد تحليله والأخذ به؟ لقد جاء هذا الكتاب دراسة تاريخية تحليلية مقارنة للفئات الطيبة في تاريخها لبيان أسباب النهوض بالأمة والأخذ بها حتى تنهض وتبعد عنها أصحاب الأطماع قوية من الداخل لا يدمرها الطابور الخامس ويرتع بخيراتها الراتعون من الخارجة.

والله نسأل أن يفي هذا الكتاب بالغرض ويكون مفيداً وعلى الله الأجر والثواب.
صفحة 2
الفصـل الأول

أحوال المجتمع الإسلامي قبل الغزو الصليبي

يتميز التكوين الفكري للمجتمع الإسلامي في الفترة التي سبقت الحروب الصليبية بعدة مميزات وصفات سلبية، فكان لها الدور الأساسي في هزائم المسلمين.

ومن أهم هذه السمات السلبية ما يلي:

أولاً: مذهبية الفكر الذي كان سائداً والصراع المذهبي

1. الطابع المذهبي للفكر السائد:

اتسم الفكر الإسلامي الذي عاصر الحملات الصليبية الأولى، بشكل عام بالمذهبية والإنقسام، لذلك ظلت الجهود تهدر دون الوصول إلى نتائج مذكورة.

منذ النصف الثاني للقرن الخامس الهجري، ساد المجتمع الإسلامي انقسام مذهبي حاد.. فقد كان هناك الحنابلة الذين انجبوا في تلك الفترة علماء مخلصين ودعاة عاملين اشتهروا بحماسهم واجتهادهم في جذب جماهير العامة إلى صفوفهم، كما اشتهروا بقدرتهم على إثارة المعارضة أمام الاتجاهات والعناصر التي لا يرضون عنها متحملين في ذلك ألواناً قاسية من الإضطهاد والأذى.

وإلى جانب الحنابلة، وجد: الأشاعرة الشافعية الذين اشتهروا بثقافتهم العميقة وقدرتهم على مواجهة تيار الفلسفة والعقائد الباطنية.

وعلى الرغم من أهمية الدور الذي لعبه الحنابلة والأشاعرة في ذلك الوقت إلا أنهم كانوا يعانون من أخطاء في تطبيق منهج العمل الإسلامي. ويمكن القول أن هذه الأخطاء تركزت في أن ولاء هذه الجماعات كان لإنتماءاتها المذهبية أكثر من ولائها لفكرها أو للأمة التي تنتسب إليها.

لقد نشأت هذه الجماعات أصلاً كمدارس فكرية مثل مدرسة سفيان الثوري، ومدرسة أبي حنيفة النعمان، ومدرسة الشافعي، ومدرسة أحمد بن حنبل. ولم تكن هذه المدارس إلا تخصصات في إطار الرسالة الأكاديمية الواحدة، وكان أغلب رجالاتها قد تتملذوا على بعضهم البعض، وربطتهم روابط المودة والإحترام المتبادل وكانت الوظيفة الرئيسة لهذه المدارس بلورة النظم التي تترجم إلى مؤسسات اجتماعية وثقافية وإدارية واقتصادية.. الخ، ولكن فيما بعد تطورت هذه المدارس الفكرية إلى مذاهب تشبه الأحزاب أو الجماعات.

لقد دخل أشياع هذه المذاهب في صراع مذهبي استنفذ جهود الجميع في ميادين لا طائل منها، وقلبت جوانب الحياة الثقافية، والاجتماعية بقوالب السلبية والتقيد والجمود، وقسمت الأمة إلى فرق متناحرة متنافرة، حول قضاياها الرئيسية الهامشية فأصبحت قضايا هامشية بالنسبة لإهتماماتها بالمذاهب والفرق.

لقد كانت المشكلة الرئيسية التي تفرعت عنها سلبيات هذه المذاهب، أن كل جماعة منها اعتبرت نفسها صاحبة الحق الوحيد في التواجد على مسرح الحياة الإسلامية بسبب تاريخ اسلافها المجيد، فالحنابلة بسبب جهاد من سبقهم منذ أيام أحمد بن حنبل، وبسبب المحن التي عانوا منها، أصيبوا بداء الغرور والتكبر، وأصبحوا يرون أنفسهم أوصياء على المجتمع الإسلامي، وأنهم هم وحدهم أهل السنة والفهم الصحيح للعقيدة الإسلامية، ولهم وحدهم حق التواجد وحق الدعوة إلى الإسلام، وحق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبسبب هذا الإعتقاد صاروا إذا قام إلى جانبهم من يحاول الدعوة إلى الله اعترضوا عليه وقاوموه وأثاروا الشغب ضده في المساجد وخارجها، ولذلك حين أخذ الأشاعره في الدعوة والنشاط الإسلامي اعتبرهم الحنابلة منافسين لهم، مخربين لجهودهم، فراحوا يعترضون دعاة الاشاعره ويتهمونهم بشتى التهم، ويثيرون الشغب بوجودهم في كل مكان.

كذلك كان الأشاعره، بسبب دور الإمام ابى الحسن الشعري في دحض عقائد المعتزلة، يعانون من عقدة الإستعلاء الثقافي، فقد كانوا يرون انفسهم أهل الثقافة والفكر، ويرمون الحنابلة بالسطحية وضيق الأفق.
صفحة 3
2. الاثار الفكرية والتربوية والإجتماعية والسياسية للصراع المذهبي:

أفرز هذا المفهوم للإسلام آثاراً خطيرة في ميادين الفكر، والتربية، والاجتماع، والسياسية، وأهم هذه الآثار:-

أ- الآثـار العقائدية

في ضوء ذلك الواقع تحددت أطر الإنتاج الفكري في حدود المذهب ذاته، فصارت المؤلفات إما إجتراراً وتكراراً لأفكار من سبقوا من رجال المذاهب، أو إطراء وإشارة بتضحياتهم وجهادهم، وظهرت كتب الطبقات المذهبية مثل طبقات الحنابلة، وطبقات الشافعية، وظهرت الشروح والحواشي والمختصرات المذهبية.

وفي كل هذه الأعمال الفكرية لم تنل المشكلات المعاصرة والحاجات القائمة التي تتعلق بالأمة الإسلامية آنذاك إلا إشارات هامشية سريعة.

ولقد أفرز هذا الإلتزام المذهبي نوعاً من الإرهاب الفكري ضد المستنيرين من أعضاء المذاهب نفسها، وفرض عليهم التوقف عن التفاعل الفكري مع نظرائهم من خارج المذهب، وألزمهم بالاقتصار على مطالعة كتب المذهب وتصانيفه، اما الذين كانوا يخرجون على تقاليد المذهب في الإنفلات والتعصب وينفتحون على الآخرين، فقد كانوا يصبحون هدفاً للإتهام بالنفاق وعدم الإلتزام والخروج على تقاليد المذهب مهما كانت منزلتهم العلمية، أو رتبتهم المذهبية.

ولقد شاعت ظاهرة الإرهاب الفكري والمذهبية المنغلقة ومزقت الأمة إلى جماعات ومذاهب متناحرة متنافرة.

ولكن أخطر الآثار الفكرية للحزبية المذهبية هو انقطاع اتباع المذهب عن الاتصال المباشر بالقرآن والسنة، والتوجه بعقولهم وأسماعهم وأبصارهم إلى مؤلفات رجال المذهب، على اعتبار أنها الفهم الصحيح المطلق للقرآن والسنة، وبهذه الفرضية رفع رجال المذهب فهمهم للكتاب والسنة إلى مستوى الكتاب والسنة، وجعلوا من كتّابهم ومفكريهم، من الناحية العملية، وسطاء بين الخالق والناس، وشكل الأحياء منهم، "كهانة" توجه إليها الأتباع بالطاعة الغرباء، واسبغوا عليهم من الألقاب والصفات التي كانت تصل إلى العشرات للفرد الواحد، فهو: شيخ الإسلام، والحبر الفهامة، وحجة الأمة... الخ. مما هو معروف كما جعلوهم فوق النقد أو المناقشة وقاتلوا كل من قام بذلك من داخل المذهب أو خارجه.

فقد أدى حدوث هذه الظاهرة إلى تعطل الفكر الإسلامي عن الإبداع والإجتهاد إلى الإتباع، وليس صحيحاً أن الإجتهاد توقف في التاريخ الإسلامي لأن فئة من العلماء اغلقوا باب الإجتهاد كما يشاع، ولكن الإجتهاد تعطل لأن المختصين تحولوا من الإتصال المباشر بالكتاب والسنة إلى الإلتزام بكتابات أئمة المذاهب والانغلاق على التفاعل مع الآخرين. ذلك أن الإجتهاد هو ثمرة النظر في مصدرين:

الأول: الكتاب والسنة، ومن مظاهر إعجازهما هو تجدد معانيهما بتجدد الأزمنة وتنوع الأمكنة، ومن الطبيعي أن كتابات أئمة المذاهب ليس لها مثل هذا الإعجاز، وإنما هي افهام بشرية محدودة بحدود الأزمنة التي عاصروها والأمكنة التي عاشوا فيها.

والثاني: هو الآفاق والأنفس، أي البيئة الطبيعية والاجتماعية، وهذه انقطع عنها اتباع المذاهب وتحددوا بحدودهم المذهبية، ولذلك جفت أفهام الذين توقفوا عند الاثار المذهبية والبيئية، ولم يملكوا ان ينتجوا إلا الشروح والمختصرات والحواشي.

لقد تجددت هذه الظاهرة المذهبية في فترات مختلفة من التاريخ الإسلامي، وفي كل عصر تشيع فيه فإن الفكر الإسلامي يهبط إلى الإنغلاق والجمود والتطرف، ويمضي دون تبصر في ميادين السياسة والاجتماع والثقافة.

ب- الانعكاسات التعليمية والأخلاقية والتربوية:

انعكست آثار التعصب المذهبي على التعليم ومؤسساته بشكل خطير جداً، فلقد تسرب شيوخ المذاهب إلى المدارس, وأمكنة التعليم وانتشروا فيها، واثروا تأثيراً بالغاً في مناهجها، وأهدافها، واتجاهاتها، ونوع الحياة السائدة فيها، ولقد تمثلت هذه الآثار فيما يلي:

1. فساد أهداف التعليم وغاياته: فلقد أصبحت هذه الأهداف تدور حول تأهيل الدارسين لمناصب، الإفتاء، والقضاء، والأوقاف، والتدريس، في الجامعات، والمدارس، والحسبة، وغير ذلك مما كان قائماً في ذلك الزمان، ولقد تنافست المذاهبية لهيمنة آرائها في هذه المجالات، تمهيداً لهيمنتها على المناصب والإدارات.

2. ونتيجة للأهداف المذكورة ضاق مفهوم المنهج الدراسي، فاقتصر على مباحث الفقه الخاصة بالعبارات والمعاملات التي تحددت بحدود الأطر المذهبية، ونتيجة لذلك انقسمت المدرسة الواحدة إلى دوائر وأقسام حسب المذاهب الممثلة في المدرسة، واختفت مباحث التزكية، والأخلاق، وعلوم الآخرة، وتأهيل الدعاة والمصلحين، وتوقف التجديد والإبتكار.

كذلك غلب على هذه المناهج أساليب الطابع المذهبي، والدفاع عن المذهب، ومحاولة إشاعتها بين الدراسين, أكثر من معالجة مشكلات الحياة القائمة بمعناها الشامل. ولذلك شاعت أساليب المناظرة والجدل الذي أصبح علماً مستقلاً له أصوله وقواعده، واختفت أساليب التطبيق، والتركيز على السلوك، والمهارات العقلية، والعملية.

كذلك وقع الإنشقاق بين الدراسات الإسلامية، وبين العلوم الطبيعية، والطب، والفلك، فانحسرت الأخيرة إلى المؤسسات الخاصة بسبب اقترانها بالفلسفة التي وقفت من العلوم الطبيعية موقفاً سلبياً يقوم على الريبة وعدم التشجيع.

3. تسرب المذهبية الحزبية إلى صفوف الطلبة، وإفساد روابطهم وعلاقاتهم، وتدريبهم على الخصومات والصراعات التي كانت قائمة في المجتمع، فلقد حرص المدرسون من مختلف المذاهب على اجتذاب الطلاب حولهم، وغرس المفاهيم المذهبية في عقولهم واتجاهاتهم، ونتيجة لذلك تحولت مجالس الدرس وساحات المدارس إلى ميادين لمناصرة آراء المذاهب، وتفنيد آراء المخالفين ومهاجمتهم بالتصريح والتلميح، وانقسم الطلبة إلى مجموعات مختلفة كل مجموعة تلتف حول شيخ من مدرسي المذهب، وتعظمه وتبجله، وتتلقى ما يقول دون فهم، وتنفذ أوامره دون تفكير.

لقد ترتب على ذلك أن أصبحت المصادمات وحوادث الشجار بين مجموعات الطلبة ظاهرة بارزة في المدارس، فكثيراً ما كان اتباع المذهب الواحد يستقدمون شيخاً من رجال المذهب نفسه أو من مدينة اخرى لإلقاء درس أو محاضرة عامة، وخلال هذه الدروس والمحاضرات يجري التعرض للمذاهب الأخرى، فتنشب الفتن وتثور الخصومات.
صفحة 4
وخلال هذه الفتن والمصادمات كثيراً ما كان أفراد المذاهب يلفقون التهم ضد بعضهم بعضاً، ويوشون بها إلى السلطات.

ونستطيع أن نتصور نوع القدوة والأخلاق التي كان الطلبة يتلقونها من اساتذتهم، واشكال الكيد والتآمر التي كانت تدبر بينهم، وأمثال ذلك مما يفرزه خلق التعصب المذهبي.

4. تسرب اتجاهات الإنحلال والإقليمية إلى صفوف الطلبة، ومن المضاعفات التي أفرزتها الخصومات المذهبية اشتغال بعض الطلبة بأمور أكثر سوءاً، إذ يروي ابن الجوزي(4) بعض الحوادث التي تنسب إلى طلبة النظامية ومنها شرب المسكرات، وشيوع النعرات الإقليمية بين العراقيين والأعاجم، وقيامهم بالشغب والفوضى، مما أدى إلى تدخل الشرطة وحجز عدد من الطلاب وإهانة بعض المدرسين.

ولا شك أن هذا الطابع الذي تركته المذهبية في نظم التعليم ومؤسساته، قد أثر في الحياة الاجتماعية تأثيراً سلبياً من خلال نوعية الموجهين، والمرشدين، والوعاظ الذين كانت تخرجهم إلى المجتمع تلك النظم والمؤسسات.

3. الآثار الاجتماعية والبشرية :

انعكست آثار التعصب المذهبي على الحياة الاجتماعية، وأسهمت في إشاعة التفكك والإضطراب في المجتمع، ولقد تمثلت هذه الآثار بما يلي:

‌أ- شكلت المذاهب طوائف اجتماعية اشبه ما تكون بالأحزاب المتناحرة فقد اختلفت تكوين المذاهب تماماً عن المدارس الفكرية التي تطورت عنها في الأصل، ففي حين كانت المدارس الفكرية لا تضم إلا رجال الفكر، وأئمة الفقه، والمشتغلين بالعلم الذين تنظم علاقاتهم أخلاق العلماء وفضائل الدين، صار المذهب أخلاطاً من الماس، فكان منهم المشايخ والتجار والطلبة والعوام، وكان بينهم المنتفع الذي يريد المذهب وسيلة لمنافعه. والتاجر الذي يريد اتباع المذهب زبوناً لتجارته، وكانت تربط هؤلاء جميعاً رابطة هشة تقوم على المظهرية أكثر من الجوهر. إذ كان يكفي الفرد أن ينتمي للمذهب دون فهم أو تطبيق، وأن يصحب أفراد المذاهب في مكتبته دون أن يقرأ صفحة واحدة منها في عمره، لينال نصرتهم ويشاركهم مكاسبهم. وكان اولئك الذين يخالفون تقاليد المذهب في الخصومة لبقية المذاهب أو ينفصلون عن المذاهب أو يستعصون على الإنتماء إليه يصبحون هدفاً للإيذاء وعرضة للطعن والتشكيك في الدين والخلق مهما كان حظهم من الفهم والإيمان والإستقامة، وكان في المذهب فئات تستعمل قوة المذهب للضغط على الخصوم والتأثير على الحكومات للوصول للخصوم والتأثير على الحكومات للوصول إلى مناصب الوزارة ونظارة الأوقاف والحسبة وغير ذلك من مناصب ذلك الزمان.

‌ب- ونتيجة لذلك انقسم الناس على بعضهم وانصرفوا عن التحديات التي تهددهم من الداخل والخارج، واستنزفوا طاقاتهم في الخصومات والمصادمات المذهبية. وتطفح كتب التاريخ المعاصرة لتلك الفترة بحوادث الشجار والفتنة التي بدأت في المساجد ثم اندلعت إلى الشوارع والساحات العامة بين اتباع المذاهب من عوام الجماهير(5).

‌ج- ولم يقتصر هذا التفكك والتنافس على المذاهب بعضها مع بعض، وإنما امتدت إلى صفوف المذهب الواحد نفسه، فقد كان المتصدرون في المذهب يتنافسون فيما بينهم لتصدر الأتباع وتمثيل المذهب في مناصب الدولة، أو الاحتفالات. وصارت روابطهم وصلاتهم تشكل طبقاً لحصصهم مما يفوز به المذهب من المناصب والمغانم، ولقد انسحبت هذه العلاقات والإتجاهات إلى الاتباع أنفسهم فانقسموا إلى شلل ومجموعات تتبع كل مجموعة زعيماً من زعماء المذهب وتشايعه في سياساته.

4. الآثار السياسية والاقتصادية:

تحولت أهداف العمل الإسلامي على يد المذاهب من السعي لتحكيم الإسلام إلى تحكيم رجال المذاهب أنفسهم، ولذلك أصبحت السمة البارزة للنشاط السياسي لهذه المذاهب هي انتهاء أهداف العمل الإسلامي عند مشاركة زعماء المذهب ورجالاته في إدارات الدولة وفوزهم بمناصب القضاء والأوقاف والتعليم والحسبة وغيرها. ولقد أدى هذا الوضع إلى نتيجتين:

الأولـى: تنافس المتصدرين لهذه المذاهب في التقرب من السلاطين والقادة، وكيد كل مذهب للآخر وللإيقاع به وللإستئثار دونه بمناصب الدولة ووظائفها، تحت ستار الغيرة على العقيدة والإتهام بالزندقة. والثانية: أن الإنتهازيين أصحاب المطامع الشخصية وجدوا في الإنتساب للمذاهب وسيلة لتحقيق مطامعهم، وبذلك صار الناس ينتقلون بين هذه المذاهب حسب نفوذها في دوائر الدولة، وقدرتها على خدمة المصالح الشخصية للاتباع.
صفحة 5
ومن الآثار السياسية أن العلاقات بين المذاهب الإسلامية والحكومات القائمة صارت تتشكل حسب مواقف هذه الحكومات من تلك المذاهب، وحسب استجابتها أو رفضها لأطماع هذه المذاهب. فإذا مكنت الحكومة رجالات المذهب من مناصب الدولة التي يتطلعون إليها، رضى المذهب وأتباعه واشادوا بعدل الدولة وبخدمتها للإسلام وإذا لم ينل المذهب ما يرنو إليه جعل الحكومة هدفاً للتشهير والتجريح. وعمد خطباؤه ووعاظه إلى إثارة العامة في المساجد، اماكن العلم وإلى تخريب الطلبة في المدارس. وكثيراً ما قاد علماء المذهب الساخط المظاهرات لأن الحكومة (كما كانوا يعلنون) تهاونت في تولية " وزير ظالم أو قاض مترخص" والقاضي المترخص هنا من مذهب آخر،‍‍ وإذا ساعدت الدولة أحد المذاهب اعتبرت المذاهب منصباً ركز همه على النيل من أتباع المذاهب الأخرى بالقول والعمل.

وإزاء هذا التنافس بين المذاهب على حطام الدنيا تحت ستار الدين استخفت الدولة بالمشايخ والوعاظ، وهيمنة السلاطين والقادة على المؤسسات العلمية والقضائية، وصاروا يعينون القضاة والمدرسين، أو يعزلونهم وينزلون بهم العقاب، ويتدخلون في وضع المناهج الدراسية وتعيين المذهب الرسمي للدولة.

ولم تكن هذه المواقف المذهبية وآثارها التي استعرضناها إلا نماذج للعلاقات التي كانت قائمة بين مختلف الجماعات والفرق الإسلامية في العراق وغيرها من أقطار العالم الإسلامي. فقد أطنب المؤرخون في سرد الصراعات المذهبية في بلاد الشام وغيرها وقدموا الأمثلة الكثيرة للأحقاد التي كان يكنها المذهبيون بعضهم لبعض.

ولقد طغى تسجيل هذه الإتجاهات المذهبية على مؤرخي هذه الفترة، وجعلوا لكل مذهب طبقات، في حين لم تحظ الكوارث والمشكلات التي كانت تتوالى وعلى رأسها حملات الصليبيين إلا إشارات مقتضبة خالية من المشاركة الوجدانية.

ونخلص من ذلك كله إلى أنه لم يكن لدى الفكر الإسلامي والمؤسسات التي كانت تمثله الأهداف والمفاهيم التي تتناسب والحاجات والتحديات القائمة، ولا كان هناك الإستراتيجيات التي تمكن هذه المؤسسات من تحمل مسؤولياتها في المجتمعات الإسلامية المعاصرة.

ثانياً: الشيع الصوفية وتطرفها

لم تقتصر الأمراض المذهبية وسلبياتها على المذاهب الفقهية وإنما امتدت إلى الصوفية المعاصرة، وأصابتها بالإنحراف والإنقسام والشكلية في السلوك والتطبيقات.

والأصل في التصوف أنه نشأ كمدارس تربوية- كالمدارس الفقهية- هدفها تزكية النفس وصقل الأخلاق، مثل المدرسة المحاسبية نسبة إلى الحارث المحاسبي، والمدرسة الجنيدية نسبة إلى الجنيد البغدادي، والمدرسة النورية نسبة إلى ابي الحسن النوري، والمدرسة النيسابروية نسبة إلى ابى جعفر النيسابوري، ومدرسة سري السقطي وغيرها.

ولم تكن هذه المدارس تغلو في آرائها ولا تخرج عن قيد الشريعة في شئ كما فعل ذلك ابن تيمية في فتاويه. غير أن عوامل التطور عمت في هذه المدارس التربوية فطورتها إلى طرق كما تطورت المدارس الفقهية إلى مذاهب.

ومهما كان أمر التطور التاريخي للصوفية فقد انتهى في الفترة التي نتحدث عنها بانقسامه إلى ثلاث اتجاهات هي:
صفحة 6
1. الملامتيـة

يجعل مؤرخو الصوفية القدماء- من أمثال أبى نعيم والسلمي(6) والهجويري(7)- أبرز رواد الملامتية(8) هو حمدون القصار المتوفى عام 271هـ/884 م الذي نقل عنه قوله : «إن النفس لأمارة بالسوء وإن لانت، فهي لا تنقاد لطاعة إلا وتضمر شراً، ولذلك يجب اتهامها في جميع الأوقات» وقوله كذلك:الملامة هي ترك السلامة. ولم يكن حمدان هذا إلا واحداً من كبار شيوخ التصوف السني امتاز باليقظة الوجدانية ومراقبة النفس هو وتلميذه عبد الله بن منازل المتوفى عام 329هـ/940 م والذي أصبح شيخ الملامتية من بعده، فقد جعل دنــاءة النفس وتأصل الشر فيها قاعدة اصلية، ومن كلامه في ذلك ( لو صح لعبد في عمـره نفس واحد من غير رياء ولا شرك لأثر بركات ذلك عليه إلى آخر الدهر).

ثم خلفه محمد بن أحمد الفراء فعمق هذا الأصل بمقولاته وقرر (أن كتمان الحسنات أولى من كتمان السيئات) (9). كما أول كلام المشايخ المتقدمين تأويلاً يدعم ما جاء به. فنقل عن حمدون القصار قوله: (إذا رأيت سكراناً فتمايل لئلا تنعى عليه فتبتلى بمثل ذلك) (10) ويبدو أن هذا التأصيل لشرور النفس قد شجع الاتباع على الخروج على الآداب العامة، وصار احتقار الناس لهم مطلباً بحجة أن الإخلاص لا يتحقق إلا إذا سقط العبد من عيون الخلق، فكان منهم من يعمل نهاره في السوق ليوزع ما يجنيه سراً على الفقراء ثم يسأل الناس طعامه سعياً وراء التحقير والإهانة، ويذكر الهجويري أنه رأى منهم من هجر الطعام وراح يعيش على النفايات الملقاه والخضراوات المتعفنة، ويجمع الخرق الملقاه على المزابل فيغسلها ويخيط منها مرقعات يسلمونها للقذارة والأوساخ حتى تصبح عشاً للحشرات والعقارب، وأنه شاهد في اذربيجان بعض المتصوفة وهم يدورون على بيادر القمح يتسولون لشيوخهم.

انتشرت الملامتية فيما بعد ومضت قدماً في طريقها المغالي حتى إذا جاء القرن الخامس والقرن السادس آل أمرهم، كما ذكر ابن الجوزي والسهرودي(11)- إلى فرقة خرجت على تعاليم الشريعة واستباحت المحرمات وقالت أن المراد خلوص القلب إلى الله. اما التقيد بالشرع فهو رتبة القاصرين عن الفهم .

2. الإحلاليون والخوارج على أصول الشريعة

تمثل هذا الإتجاه بطوائف يجمعها الخروج على تعاليم الشريعة، فكان منهم اتباع الحلاج(12) الذين تداعوا لمناقشة القضايا التي صلب من أجلها وانتهى بعضهم إلى أن صلبه مقتضيات التضحية التي يفرضها مقامه إذ لا معنى لفناء الصفات دون فناء الجسد، ومنهم من أنكر موت الحلاج وقال برفعه إلى السماء وان الذي صلب هو عدو له ألقى الله عليه شبهه.

ولقد ظل اتباع الحلاج هؤلاء يقيمون في بغداد والمناطق المتخامة لها حتى القرنين الخامس والسادس الهجريين وكانوا يسمون بالحلاجين ويتكلمون عنه في غلو يشبه الشيعة في علي بن أبي طالب.

ولقد تطورت نظرية الحلول في القرنين الخامس والسادس فلم يعد الحلول وقفاً على فئة العارفين بل شمل كل شئ جميل، وانطلاقاً من هذا فقد أباح الحلوليون النظر إلى المستحسنات باعتبار أنهم ينظرون إلى جمال الله.

وبرزت طائفة تقول أن الشريعة قيد للفرد في مقام العبودية وهو مقام الجهل بالله. فإذا عرف الصوفي ربه فقد تحلى بالحرية وسقطت عنه بالأشكال والمظاهر كلبس المرقعات وصياغة الألحان والرقص. ووجدت طوائف تخلط الرجال بالنساء وحجتهم أنهم بلغوا مقاماً عصموا فيه رؤيتهن.

وأخيراً تطالعنا القلندرية وهم- حسب تعبير السهرودي: "أقوام ملكهم سكر طيبة قلوبهم حتى ضربوا العادات وطرحوا التقيد بالآداب العامة، ولم يأتوا من العبادات إلا الفرائض وأخذوا بالرخص ولم يتحروا الشبهات.. واكتفوا من التصوف بطيبة القلب" (13) والقلندرية معناها في العربيةالمحلقون وقد نشأت فرقتهم في دركزين من همدان(14)، ثم زحفت نحو العراق وبرزت في القرن السابع في الشام حيث أقامت لها زوايا تميز أصحابها بلبس الفراجي والطراطير.
صفحة 7
3. السنة والتصوف

أمام الإنحرافات التي اصابت ميدان التصوف برز التصوف السني ليتصدى لهذه التيارات المنجرفة وليطهر الساحة الصوفية من آثارها. وقد مثل هذا التصدي مدرستان كلاهما امتداد للجنيدية، المدرسة الأولى في نيسابور، والثانية في بغداد.

أما مدرسة نيسابور فقد قادها ابو نصر السراج(15)، المتوفي عام 378هـ/1021م، وعلى السلمي تتلمذ على يد عبد الكريم بن هوازن القشيري(16) المتوفي عام 495هـ/1072م. وممن اقتفى أثر السراج الهجويري المتوفى عام 465هـ/ 1072م كذلك.

ولقد قام نشاط هذه المدرسة على أمرين: الأول تدوين التراث الصوفي وصب مفاهيم التصوف في قوالب تقيدها بالشرع وتبعدها عما يفضي بها إلى الحلول والإتحاد.

والثاني إبراز التصوف السني باعتباره عملية تزكية للنفس تدعم الإيمان والتوحيد وتنقيه من شوائب الرياء والحظوظ النفسية. وكان من ثمار هذا النشاط تلك المؤلفات التي مازالت تشكل المصادر الأولى للتصوف السني والتي جمعت أقوال رجال التصوف الأوائل ومن سبقهم من الزهاد.

أما مدرسة بغداد فقد اعتمدت المنابر ومجالس الوعظ. وأبرز مشايخها هو جعفر بن محمد الخلدي(17) المتوفي عام 248هـ/ 959م، والذي أصبح مرجعاً في علوم التصوف بعد الجنيد، وكان يعكس نفس الإتجاه في التزام الشريعة واجتناب الدعاوى الخارجه على الكتاب والسنة.

ومع أن التصوف السني قد نجح في مهمته الفكرية، واستطاع ان يبلور تصوراً متقيداً بالشرع، إلا أنه ظل مصاباً بالإنقسام ونقصان التنظيم، وبرز هذا النقص بشكل واضح منذ النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، يضاف إلى ذلك أن الإضطراب الاجتماعي الذي أحاط به جعله يجنح إلى العزلة عن الحياة، ويكتفي بالعمل على خلاص الفرد الآخرة، ولذلك فقد استقل كل شيخ بأتباعه في رباط خاص؟ مما يبينه الخلفاء والسلاطين والوزراء والمحسنون في الحضر والريف والبادية: وراح يمارس نوعاً من التطبيقات المذهبية كما كان معاصروهم من الفقهاء.

كذلك قامت الخصومات بين الفقهاء والمتصوفة إلى جانب الفتن المذهبية، وانتشرت طوائف الجهلة والسطحيين من الصوفية، ويروي الهجويري قصصاً من مشاهداته عن كيفية تلقي المريدين لكلام شيخهم تلقياً حرفياً وتقلدياً، وأنهم كانوا يأخذون بظواهر الأمور، كذلك يذكر أن كثير من الشيوخ في زمنه أصبح همهم جمع المريدين وتصدر الأتباع طلباً للجاه والنوال.

ثالثاً: تحديات الفكر الباطني

ازدهرت الحركة الباطنية نتيجة للمذهبية والركود اللذين ضربا الفكر الإسلامي السني ومؤسساته: ويجعل المؤرخون بدايات هذه الحركة بالفرقة الاسماعيلية(18) التي أنشأها الحسن بن الصباح(19) الذي تمكن عام 483هـ/1090م من الاستيلاء على قلعة الموت(20) وجعلها عاصمته ومركز أعماله والواقع أن الباطنية أوسع انتشاراً من ذلك بكثير. فهي حلقة في سلسلة المحاولات التي قامت بها سلالات الأرستقراطيات الفارسية التي فقدت امتيازاتها بانهيار حكم الأكاسرة، والزرادشة الرامية إلى استعادة ذلك المجد الغابر. ولتحقيق هذا الهدف لجأت إلى أساليب وشعارات جديدة تتفق من المنعطف العقادئدي والحضاري الذي تحول إليه الشعب الفارسي المسلم بعد الفتوحات الإسلامية. ومن هذه الأساليب الجديدة الشعوبية(21) والباطنية (22)، والتشيع المتطرف، والفلسفة الأفلاطونية الجديدة وإحياء اللغة الفرنسية، وتعود الحركة الباطنيةإلىالقرنالرابعالهجري حيث ضمت بين صفوفها جماعات يجمعها هدف العقيدة. فقد ضمت فلاسفة ومفكرين مثل اخوان الصفا(23)وشعراء مثل أبى العلاء المعري(24)، وعلماء مثل أبى حيان التوحيدي(25)، ويذكر ابن سينا(26) إن والده كان يحرص على حضور ابن سينا واخيه هذه الاجتماعات والالتقاء بالمفكرين اللذين يديرونها.
صفحة 8
وفي النصف الثاني من القرن الخامس الهجري أفرزت هذه الحركة جناحاً عسكرياً إرهابياً بقيادة الحسن الصباح المذكور أعلاه. وراح الحسن هذا يبعث دعاته من قلعة الموت ليخدعوا الأحداث والبسطاء ويضمونهم- باسم الدين ونصرة آل البيت- ويملأون نفوسهم حقداً على المسلمين ويربونهم على الطاعة العمياء. ويذكر المؤرخون المسلمون أنهم يستعينون في التأثير على الإتباع بالمخدر أو الحشيش الذي يقدمونه لهم فإذا أصابهم الدوار أمروهم بما يريدون ولذلك سموا بالحشاشين.

ولن نتبين حجم التحدي الباطني في مجال العقيدة والفكر إلا إذا وقفنا على تعاليمهم التي جعلت لنصوص القرآن ظاهراً وباطناً يخرجان بها عن مضامين العقيدة الإسلامية. فقد فسروا قوله تعالى((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ))(27). بأن القلائد هم الأئمة المستورون. والبيت الحرام هو الخليفة الفاطمي. ومعنى قوله تعالى((إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ))(28) هو الإقرار بالإمام الناطق الذي يفيض عنه العلم ويوصل من قبله إلى معرفة الله تعالى والملائكة هم دعاة الإمام الذين يأخذون له العهد على المستحبين ويربونهم على عقيدة الباطنية الإسماعيلية التي تمنح شخص الإمام الحاكم الريادة العقائدية والسياسية المغلقة وتمنحه مرتبة الإلهية.

ولقد وضعت الباطنية للعبادات والعقائد الإسلامية قاموساً لغوياً يناسب التأويلات التي ابتدعوها. ومن ذلك قولهم إن كل ما ورد من الظواهر عن التكاليف والحشر والنشر والأمور الإلهية هي أمثلة ورموز إلى بواطن. فمعنى الجنابة: إفشاء السر. والغسل: تجديد العهد على من أفشى السر. والكعبة: النبي، والباب: علي. والتلبية: إجابة الداعي. والطواف بالبيت سبعاً: الطواف بالإمام إلى تمام السبعة. والنار: الجهل بعلوم الباطنية. والطهور: التبري من كل مذهب يخالف مذهب إمام الباطنية(29).

ولقد انتشر دعاة الباطنية في غرب العالم الإسلامي وشرقه، وأخذوا يدعون إلى إسقاط الحكومة السنية وعلى رأسها الخلافة العباسية، واستطاعوا من خلال ذلك ان يفسدوا عقائد الأمة وأن يثيروا الفتن والقلاقل. ومضوا يغتالون الشخصيات التي تعارضهم، فقتلوا مئات القادة من الوزراء والعلماء والسلاطين ونشروا الرعب في كل مكان.

الفصـل الثاني

النتائج المدمرة على اختلاط الأوراق الفكرية

انعكست آثار الاضطراب الفكري، والتشكيلة الدينية اللذين ضربا المجتمعات الإسلامية في الفترة التي سبقت الهجمات الصليبية على تكوين هذه المجتمعات، وتوجه سلوكهم ونشاطاتهم. فقد افتقرت هذه المجتمات إلى المفاهيم الصائبة والقيادات الناضجة، وسار الناس في حياتهم اليومية والعامة دون إرشاد صحيح، واختفت الموازين الإسلامية، وسيطرت الأهواء والشهوات. ولقد أثر ذلك كله في ميادين الحياة الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والعسكرية، فأفسدها وأضعف مقومات المجتمع في الداخل ومناعة المقاومة فيه، وجعله عرضة للهزائم والنكسات. أما تفاصيل هذا الضعف فهي كما يلي:
صفحة 9
أولاً: الفساد الاقتصادي

ليس صحيحاً أن الإزدهار أو التخلف الإقتصاديين يعتمدان على وفرة مصادر الثروة أو قلتها؛ ولكنهما يعتمدان على التصور الذهني الذي يوجه طرق الكسب وطرق الإنفاق. فإذا قام هذا التصور على اساس الكسب المشروع والإنفاق المشروع ازدهرت الحياة الإقتصادية وشاع الرخاء. أما إذا تشكل هذا التصور عكس الطرق المشروعة انتكست الحياة الإقتصادية وعمت الأزمات، والسبب أن التصور الأول يوجه طرق الكسب وطرق الإنفاق لما فيه صالح الجميع ويكون دور النهابين المحتكرين الذين يقتصرون في الإنفاق على شهواتهم الخاصة.

ولذلك صرف القرآن الكريم الناس عن التفكير بمصادر الرزق، ولكنه فصل في توجيههم إلى مراعاة طرق الكسب الحلال والإنفاق الحلال وأداء ما أمر الله بأدائه.

والخلط بين الحقيقتين هو منشأ التخبط الذي يقع به المسلمون في فترات الإنحطاط وهو ما طبع الحياة الإقتصادية في الفترة التي سبقت الهجمات الصليبية ورافقتها.

فلقد قامت وسائل الكسب- في هذه الفترة- على أسس غير مشروعة. فالدولة تفننت في أنواع الضرائب وابتزاز الجباة، حتى الحجاج كانوا يدفعون الكثير من الضرائب للبلد الذي يمرون فيه- كما كان يفعل الفاطميون مع حجاج المغرب في مصر- "ومن عجز عن الأداء حبس وربما فاته الوقوف بعرفة".

وخلال هذه الممارسات أثرى القائمون على أمور الإمارة إثراء يفوق التصور.

واقتفى الجند آثار الأمراء والوزراء فكانوا إذا ما نشبت الفتن بين أمرائهم أو السلاطين والملوك يستغلون الفرصة وينهبون المدن والمحلات التجارية والبيوت.

كذلك تفنن التجار في رفع الأسعار خاصة خلال ندرة الأقوات والحاجات، وقلد السلاطين والولاة وكبار الموظفين بقية الأغنياء، وشابههم بذلك نماذج غير قليلة من وعاظ المذاهب الذين كانوا يعظون بأسلوب ويعيشون في بيوتهم بأسلوب آخر.

أما المصالح العامة فلم تنل شيئاً من الإنفاق. من ذلك إهمال العناية بالري والزراعة فكثرت الفيضانات- مثل دجلة والفرات- التي أهلكت المرافق العامة، وأهملت الطرق وشؤون المدن وغلاء الأسعار فاستغل العيارون واللصوص الفرصة وشاركوا في نهب المحلات التجارية والبيوت. أضف إلى ذلك ما كان يقوم به الأعراب من غارات على الريف ونهب المحاصيل وتربص بقوافل الحجاج والتجارة(30). ونتيجة لهذا كله عانت جماهير المسلمين من ضروب الجوع ما لا يمكن تصوره ولا تصديقه. فقد وجدت جماعات كبيرة لم تجد مصادر للعيش إلا ضفاف الأنهار وسواقي المياه حيث تلتقط أوراق الخضار الساقطة، وانتشرت المجاعات والأوبئة في أقطار العالم الإسلامي كله ولربما انشب الجوع أظفاره في بعض العائلات فلم تجد من سبيل لمجابهته إلا افتراس أحد أصداقائها أو اطفالها أو المتوفى من أفرادها، وليست هذه رواية مؤرخ منفرد في روايته وإنما هي ظاهرة تواتر الخبر بها عند جميع مؤرخي الفترة من أمثال ابن الجوري(31)وابن كثير(32) وابن تغري بردي(33)وغيرهم.

وتحدرت المصائب والفقر والأمراض سنة بعد سنة وأصبحت سمة ميزت المجتمعات الإسلامية واسهمت في إضعافها امام الأخطار التي جذبت من الخارج.
صفحة 10
ثانياً: الفساد الاجتماعي

كان لانهيار وحدة العقيدة في الحياة الفكرية، وشيوع المذهبية آثارها في الحياة الاجتماعية. فقد انهار مفهوم الأمة الإسلامية وحلت محله مفاهيم: العصبية، والإقليمية، والعشائرية، والمذهبية. حتى أن العصبية كانت بين أحياء بغداد في باب البصرة وأهل الكرخ، وسوق المدرسة وغير ذلك. كما أن الفتن تكررت بين هذه الأحياء مرات ومرات، وأنه (مثلاً) قتل عدد كبير في عام 470ه واحرقت المنازل " ورفع العامة الصلبان، وهجموا على الوزير في حجرته وأكثروا من الكلام الشنيع... وجرى من النهب والقتل والفساد، أمور عظيمة".

ولقد أصبحت الصفة العامة للحياة الأجتماعية هي الشغب والإضطراب، فلطالما تمرد العيارون واللصوص- حتى في قلب العاصمة بغداد- واحتلوا أحياءها واستعصموا على قوات الخلافة. ولطالما اشتبك العامة بغلمان الخليفة من الأتراك(34).

وفي غمرة الفساد الذي ضرب الحياة الإجتماعية انصرف المجتمع بمختلف هيئاته إلى الإنشغال بقضاياه اليومية الصغيرة التي تدور حول الغذاء والكساء والمأوي والتنافس في التجارات واللهو وتلبية الشهوات. وانتشر النفاق والوصولية، وسقطت، الأخلاق، وانهارت القيم وصار الحديث عن المثل العليا، أو القضايا العامة إما وسيلة ثقافية يكتسب بها الخطباء والوعاظ، او مثاليات وخيالات يستخف بها الكثيرون ولا يعيرون لها انتباها، ولقد وصف المؤرخ أبو شامة مجتمع تلك الفترة فقال:

" كانوا كالجاهلية هَمُ أحدهم بطنه وفرجه. لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً"(35)

ورافق هذا الفساد مضاعفات من اللهو وفساد الأخلاق ترافق في العادة كل انحطاط في أي زمان ومكان. فقد شاعت ألعاب مصارعة الحمام، وشاع الزنا، وشرب الخمر، وانتشرت الملاهي والجواري والمغنيات إلى درجة ارتفعت من أجلها الشكاوي من آن لآخر.