eKtab
EN ع
نهضات مجهضة جدل الهوية والفاعلية
اقرأ عينة مجانية

نهضات مجهضة جدل الهوية والفاعلية

بقلم محمد الشاويش

صفحة 1

الإهداء

أهدي كتابي هذا

إلى روح شقيقي المربي

الأستاذ حسن شاويش

رحمه الله

صفحة 2

مقدمة : خمس محطات و ست شخصيات

في التاريخ العربي المعاصر

قراءة تاريخية مقارنة

المقالات الأربع الأولى في هذا الكتاب الصغير تتضمن قراءة في سيرة حياة خمس شخصيات من التاريخ الحديث، وهي شخصيات مهمة، اخترتها ليس لأهميتها السياسية العامة التي يتطرق إليها الباحثون عادة، بل لأهميتها في المبحث الذي يشكل مركز اهتمامي في كل ما أكتب منذ سنين عديدة، ألا وهو مبحث العلاقة بين الكفاح في سبيل الحفاظ على الهوية الثقافية المميزة، والكفاح في سبيل فعالية حضارية قادرة على جعل هذه الهوية المميزة قابلة للبقاء، وبالذات، وفقاً لتعبير مالك بن نبي المفضل "غير قابلة للاستعمار".

والمقالات الأربع هي عن أربع محطات في هذا التاريخ الذي سيلاحظ القارئ أنه بالفعل "يعيد نفسه":

المحطة الأولى: هي محطة (ما قبل الغزو الأوروبي)، ثم بداياته، وسأتكلم فيها على (عمر مكرم)، والشيء المهم عنده أنه في كفاحه مع أنصاره قدّم (بدايات الفاعلية الجماعية).

المحطة الثانية: هي محطة الاحتلال الأجنبي في عصر الخديويين إسماعيل وتوفيق، والشخصية فائقة الأهمية هنا هي شخصية (عبد الله النديم)، وهي شخصية فريدة من نوعها في نظري؛ لأنها تشكل أول نموذج معروف للمثقف التأصيلي الفاعل كما أسميه. وهو المثقف الذي يمتلك خاصية العلاقة العضوية العميقة مع ثقافة شعبه، ولكنه في الوقت نفسه يحرك هذا الشعب - لأنه ينطق بلغته - نحو التغيير الحضاري المنشود.

المحطة الثالثة: ظهرت فيها شخصيتا (مصطفى كامل) و(محمد فريد)، وهما تمثلان محطة النضال ضد الاحتلال، مع المواجهة الواضحة، ربما لأول مرة، لمشكلة العلاقة بين المستوى السياسي والمستويات الأخرى في المجتمع، ولتعقّد العلاقة بين السلطة الاستعمارية والقوى السياسية الداخلية.

المحطة الرابعة: ومثلتها شخصية (حسن البنا)، وهي تقدّم في نظري حالة انحراف حركة اجتماعية نهضوية مبشرة إلى حركة تآمرية نخبوية، مصابة بهذا المرض المزمن الذي يعرقل النهضة عندنا؛ وهو مرض "فرط التسيّس".

وباقتراح من دار الفكر المحترمة رأيت أن أضيف محطة خامسة من تاريخنا العربي- الإسلامي في منطقة المغرب الأقصى، وهي محطة المجاهد والنهضوي الكبير الأمير عبد الكريم الخطابي. وما هو متميز في تجربته كان دمجه بين هدفين هما مقاومة الاستعمار ونهضة العلاقات الاجتماعية الداخلية، فقد كان أستاذاً كبيراً ملهماً في العملين معاً: كان أستاذاً استراتيجياً في الفن العسكري، شهد له خصومه من فرنسيين وإسبان، وكان أستاذاً في فن النهوض بما سيسميه مالك بن نبي لاحقاً (شبكة العلاقات الاجتماعية)، فكأنه كان تطبيقاً خلاقاً لهذه الحدوس النظرية لجاره الجزائري الذي سيأتي بعده بجيل واحد.

وفي هذا الكتاب كما في كتبي الأخرى أتوجه لفاعل عربي نهضوي جديد أرجو من كتبي أن تكون مساهمة متواضعة في الحوار معه بلغة التاريخ، لكي يستفيد منها في مسعاه لإخراج أمتنا من أسوأ حقبة شهدتها في كل تاريخها، ووضعها على طريق استعادة دورها الحضاري التاريخي، ولا أقصد بحال من الأحوال تقديم مادة أكاديمية محايدة لا تعني إلا المتخصصين. وبهذه الروح أتمنى أن يقرأ كتابي هذا ككتبي الأخرى.

صفحة 3

1

عمر مكرم : إرهاصات التحول إلى الفاعلية الجماعية

عمر مكرم شخصية لم تشتهر عند عامتنا، بل أظنها لم تشتهر عند مثقفينا، وإن كانت معروفة مشهورة عند المهتمين بالتاريخ الإسلامي والعربي الحديث؛ إذ كان من الشخصيات التي يشار إليها بالبنان في مصر قبيل الحملة الفرنسية وفي أثنائها، ثم في عصر محمد علي، وكان من الشخصيات التي يقولون عنها: إنها تصنع التاريخ، وعبارة: (يصنع التاريخ) تتضمن في جملة معانيها معنى (يصنع الدول) وإن كانت تزيد عن هذا المعنى كثيراً، بقدر ما يتضمن مفهوم (التاريخ) من مكونات تزيد عن مفهوم (الدولة).

وحين أراد ابن خلدون أن يكتب مقدمة كتابه في التاريخ (العبر وديوان المبتدأ والخبر في أخبار العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر) فإنه عد نفسه مؤسساً لعلم جديد هو "علم العمران"، وعد علم التاريخ مستنداً إليه، إذ التاريخ حقيقته "أنه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال مثل التوحش والتأنس والعصبيات وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع، وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال".

عمر مكرم كان من صناع أساس التاريخ الذي هو (العمران)، وبالذات من صناع تلك المؤسسة الجوهرية في الاجتماع الإنساني، ألا وهي (الدولة)، ولكنه فيما أزعم لم يساهم في صناعة (دولة) بالمعنى المألوف المحدود فقط (هو ساهم في صناعة الدولة المصرية الحديثة عبر مساهمته الحاسمة في صناعة دولة محمد علي) بل ساهم في وضع أساس لدولة من نوع جديد تقوم في ديار الإسلام، وتكون عودة خلاقة إلى الدولة الأولى التي كانت دولة من المسلمين الأحرار، وليس من المستعبدين. لقد كانت أعمال عمر مكرم من الإرهاصات الأولى لمكون جوهري من مكونات النهضة الضرورية؛ ألا وهو مكون الجماعة الفاعلة الحرة، على نقيض ما كان عليه الوضع حتى عهده، وهو عبودية الجماعة وقطيعيتها تجاه السلطة.

حين نتكلم على دور الدين في تحويل العامة من كم متفرق من الذرات عشوائية الحركة، لا هدف لها ولا إرادة ولا هوية جماعية توحدها - إلى كيان واحد يحركه هدف واحد، ونظرة واحدة إلى مهمته في الحياة (في هذه النقطة يتفق مالك بن نبي - الذي يرى أن الدين هو الشرارة التي توحد عناصر الحضارة الأولية، وهو الذي يدفع إنسان ما قبل الحضارة، دفعته الأولى الجبارة لبناء الحضارة مع ابن خلدون الذي يرى أن الدعوة الدينية هي المكون الذي يحول العصبية إلى دولة) - فإننا في الحقيقة نتكلم على عامل جوهري من عوامل النهضة؛ ألا وهو عامل الجماعة الموحدة الواعية الفاعلة.

(الفاعلة): تعني أنها لا تتوحد نظرياً بعقيدة عامة تجمعها لفظياً فقط، شأن المسلمين في عصرنا في الغالب من حالاتهم، بل تعني الجماعة المتحركة التي يشعر فيها كل فرد أنه مسؤول عن مصير الجماعة، ومسؤول عن تحقيق هدفها، وتحويل رؤيتها للحياة إلى واقع.

وهذا ما لم يكن عليه الحال في مصر في أواخر العهد العثماني، فقد تحولت العامة إلى كم مهمل من الأفراد تتقاذفهم أرجل الظلمة؛ من العناصر المتحكمة بلا رادع من شرع أو قانون - ككرات جامدة لا إرادة لها، ولا قدرة على الدفاع عن الذات.

لقد فقدت الجماعة المسلمة العزة في عقر دارها، والله عز وجل يقول: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 63/8] ، أين ذلك الأعرابي ربعي بن عامر الذي بعثه الإسلام بعثاً جديداً فاخترق برمحه وثيابه المهلهلة بساط الأمير المغرور رستم في القادسية، ودعاه ودعا قومه للخروج من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.

من هذا الفرد الخائف الذليل الذي استحال إليه المسلم "بعد عهد الموحدين" بتسمية مالك بن نبي؟

ويتذكر المرء - حين يرى حالة كهذه - نظرية ابن خلدون في اضمحلال العصبية وانكسار الشوكة الذي يصيب أهل الأمصار الذين لا يقوون على المحاماة عن أنفسهم، ويتولى المحاماة بالنيابة عنهم أهل السلطة والتحكم، الذين غالباً ما يأتون من عصبية خارجية قامت بتأسيس دولة لها، دورة حياة وصفها ابن خلدون في مقدمته الشهيرة.

ويقصد ابن خلدون - غالباً - بمصطلح (العصبية) في مقدمته: "الالتحام بالنسب أو ما في معناه"، وبالذات ذلك الالتحام الذي يقود إلى التناصر والاتحاد و"النعرة على ذي القربى وأهل الأرحام أن ينالهم ضيم"، ولكنه يعمم نظريته ليقول: إن العصبية تقوى بالدعوة الدينية، بل "العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية"، فلا بد للجماعة الفاعلة سياسياً من عنصرين: (العصبية) و(الدعوة الدينية).

صفحة 4

ولعل الدول حتى عهد ابن خلدون، بل حتى بعد عهده وإلى العصر الحديث، كانت تتبع هذا المخطط، فلم تقم دولة وطيدة الأركان في بلادنا بلا عصبية تسندها، وإن ذكرنا مصر بالذات فسنذكر أن الدولة فيها ربما كانت تستند إلى عصبية فريدة من نوعها في التاريخ، وهي عصبية المماليك أي: الأرقاء أصلاً!

كان المماليك في الأصل قوة مؤلفة من أرقاء يجلبون من بلاد القوقاز وآسية الصغرى، وينتظمون في تدريب عسكري منذ طفولتهم، بحيث يكون منهم الجيش والأمراء، ولم يكن حكامهم غالباً من أسر متوارثة؛ بل كان المماليك يجددون صفوفهم دوماً بأجيال جديدة من الأرقاء المجلوبين؛ إذ كانوا من ذوي النسل القليل المنقطع.

كان هؤلاء إذن قوة منفصلة عن المجتمع في كل شيء، ولم يكن للعامة حيالهم من خيار إلا أن يطيعوهم ويقبلوا تسلطهم ضمن حدود عامة.ولكن العامة لم يخلوا من قوى تنظمهم، فقد انتظم الحرفيون والتجار في المدن في طوائف حرفية يقودها شيخ الكار، على أن الزعماء الأهم للعامة كانوا هم العلماء.

وفي الوقائع التي سنراها في هذا المقال تغير حال العامة من كم مهمل متفرق، لا رأي له ولا فعل، إلى كلٍّ فاعل له قيادة مستقلة، استطاعت أن تغير من نظام الحكم في مصر، وتمهد السبيل لنظام جديد هو نظام محمد علي.

ولكننا سنرى أن محمد علي استطاع أن يخترق هذا الإنجاز العظيم - الذي هو فرض مبدأ مشاركة العلماء في القرار والحكم، وهو مبدأ أصيل سار عليه الخلفاء الراشدون الذين قال أولهم: "أطيعوني ما أقمت كتاب الله فيكم، فإن اعوججت فقومومني"! - مستعيناً بالعيوب الشخصية للعلماء، وفقدانهم لخصلة الزهد في الدنيا، وقلة وعيهم بدورهم التاريخي، وانعدام شعورهم بالمسؤولية عن المجتمع، مما جعل عمر مكرم يقف في النهاية وحيداً في مواجهة الطغيان.

ومن الشائق للباحث أن يقارن هذه التجربة مع تجربة جارة، هي تجربة الدعوة التي قادها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وسارت على مبدأ الوحدة اللصيقة بين السلطة السياسية والعلماء، ولم تنفصم هذه الوحدة كما حصل في التجربة المصرية، بل صيغت الدولة السعودية الحديثة وفقاً للاتفاق الأصلي بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود رحمهما الله.

أريد لهذا المقال إذن أن يشير إلى بعض النقاط الجوهرية في هذا المكون من مكونات النهضة؛ وهو نشوء جماعة فاعلة واثقة بنفسها، لها هدف وغاية وقدرة على الفعل وإرادة للفعل، عبر الترجمة لحياة وأعمال هذا الرائد الكبير.

وقد اعتمدت في المعلومات التاريخية على الكتب التالية:

1- عبد الرحمن الرافعي: تاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم في مصر - الجزء الأول - مكتبة النهضة المصرية - القاهرة - 1374هـ-1955م -الطبعة الرابعة.

2- عبد الرحمن الرافعي: تاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم في مصر - الجزء االثاني - مكتبة النهضة المصرية - القاهرة - 1378هـ-1958م -الطبعة الثالثة.

3- عبد الرحمن الرافعي: عصر محمد علي- مكتبة النهضة المصرية - القاهرة - 1370هـ-1951م -الطبعة الثالثة.

4- دكتور عبد العزيز محمد الشناوي: عمر مكرم بطل المقاومة الشعبية - دار الكاتب العربي للطباعة والنشر- يوليه 1967-القاهرة.

صفحة 5

مصر في عصر مكرم

احتلَّ العثمانيون مصر سنة 1517 م، مُنهين بهذا وضعها دولةً مستقلةً محكومةً من المماليك.

وفي البداية أنشأ العثمانيون نظاماً للحكم يتكون من قوى متعددة متوازنة تتألف من: الوالي، وهو نائب السلطان في مصر، ومن ديوان يتألف من قواد الجيش العثماني، ومن الأمراء المماليك الذين لم يقض العثمانيون عليهم، بل أبقوهم تحت سيطرتهم ليقوموا بوظائف عسكرية وإدارية، وكبير القضاة، وكبار العلماء، والدفتردار، وهو رئيس ديوان المالية، وكان يرأس الديوان نائب الوالي.

كان المقصود من هذا النظام إيجاد توازن في القوى؛ فلا تقوى قوة واحدة على الاستقلال بهذه الولاية الكبيرة عن الدولة المركزية، ولكن ما جرى هو أن المماليك سرعان ما عادوا وامتلكوا القوة الرئيسة في القطر حالما ضعفت الدولة، اعتباراً من النصف الثاني للقرن الثامن عشر الميلادي؛ إذ أصبح المماليك يولون الولاة ويعزلونهم على هواهم، ولكنهم كانوا يحصلون دوماً على مرسوم من السلطان بتعيين الوالي الجديد.

ولعل هذه المرحلة هي واحدة من أسوأ المراحل التي مرت على مصر في تاريخها؛ إذ تحولت البلد إلى ساحة للحرب بين أمراء المماليك المتنافسين، وساد الظلم والجور، وانحدر الوضع الاقتصادي إلى أسوأ درجاته، واستحالت سيطرة الدولة المركزية إلى أن أصبحت سيطرة شكلية، كل ما فيها إرسال مبلغ مالي سنوي إلى السلطان، وإرسال أموال مخصصة للحرمين الشريفين، وهذه الأموال كانت تقطع في بعض الأحيان.

ظهرت في الشام ومصر طلائع الحركات الاستقلالية عن الدولة العثمانية قبل ذلك العصر، وتجلت في ولاة وأمراء وزعماء طموحين في الشام ومصر، من أمثال فخر الدين المعني في لبنان، والشيخ ظاهر العمر في فلسطين، وعلي بك الكبير في مصر، والتحالف بين الأخيرين كاد أن يشكل خطراً محققاً على الدولة المركزية، حين تمكن الأمير المملوكي علي بك مدعوماً بمساعدات عسكرية روسية (كانت روسية آنذاك في حرب مع الدولة العثمانية) ومتحالفاً مع ظاهر العمر، من الاستيلاء على دمشق وفلسطين، وكاد يستولي على ما تبقى من بلاد الشام، لولا أن الدولة العثمانية اشترت واحداً من رجاله وهو محمد أبو الذهب، وهكذا انتهت حركة علي بك، وتولى أبو الذهب منصبه، متحولاً إلى الشخصية الأقوى في مصر، مع وجود وال عثماني ضعيف لا صلاحيات له، ومات أبو الذهب بعد مدة قصيرة، تاركاً مصر تحت رحمة أميرين مملوكيين ذاقت الأمرّين من بغيهما وصراعاتهما التي لا تنتهي، وهذان الأميران هما إبراهيم ومراد، وقدر لمصر أن تواجه الحملة الفرنسية وهي تحت هذه القيادة المنقسمة، غير الكفيّة وغير المسؤولة، والتي لا تعرف معنى لغير مصالحها الأنانية ولذائذها المنحطة. لقد كانت هذه هي نقطة الانحدار العظمى التي وصلت إليها الدولة الإسلامية، وكانت مصر والعالم الإسلامي كله معها على تخوم عهد جديد؛ هو عهد الاستعمار (كان هذا العهد قد بدأ بالفعل في مناطق أخرى على أطراف العالم الإسلامي، متمثلاً في احتلال إسبانية لبعض المدن الساحلية المغربية، واحتلال بريطانية وهولندة وفرنسة والبرتغال لبلاد إسلامية في شرق آسية).

صفحة 6

ظهور دور عمر مكرم

ولد عمر مكرم نحو عام1750م، (التاريخ تقريبي إذ لم يكن يُهتم بتاريخ الميلاد في بلادنا آنذاك) وكانت ولادته في مدينة أسيوط لأسرة تنتسب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ومن هنا جاء لقب (السيد) الذي يسبق اسمه غالباً في المراجع. وقد تلقى عمر العلم على علماء عصره، ودرس في الأزهر، وإن كان على علمه واطلاعه الواسعين، وهو ما تشهد به مكتبته الكبيرة، لم يشتغل في التدريس أو التأليف، وإنما عمل في الشؤون العامة، واعتاش من عمله ناظراً للأوقاف. وابتدأت حياة عمر مكرم السياسية - كما تذكر المصادر -بوساطة قام بها بين أميرين مملوكيين متمردين في الصعيد هما إبراهيم ومراد، وبين والي القاهرة وبقية المتنفذين فيها، وقد نجحت الوساطة، وعاد الأميران إلى القاهرة ليتحولا إلى أقوى قوة فيها، وليقوما بتعيين عمر مكرم حين توفي نقيبُ الأشراف مكانه، وبهذا أصبح عمر عضواً في الديوان الذي ذكرناه سابقاً، وتحول بفضل مواهبه ومبدئيته ونزاهته المعروفة مجتمعةً إلى شخصية عامة فاعلة قوية النفوذ، ومصدر نفوذه الأساسي كان محبة جماهير العامة له.

وقد تجلى هذا النفوذ في ثورة العامة عام 1795 على جور المماليك. والسبب المباشر لهذه الثورة كان فرض ضرائب تعسفية على إحدى القرى في الشرقية، فقام أحد أكبر مشايخ الأزهر وهو عبد الله الشرقاوي، وكانت له في هذه القرية أرض، بجمع المشايخ وإغلاق أبواب الجامع الأزهر والمناداة بإغلاق الدكاكين، وكانت هذه هي الشرارة التي أضرمت النار، إذ كانت النفوس تغلي بسبب ما كان يرتكبه المماليك من مظالم وتعديات يومية على الناس، فاحتشدت العامة، وركب المشايخ في طليعهم، فقابلهم مندوب عن الأمير إبراهيم، وسألهم عمّا يريدون، فقالوا كما يذكر الجبرتي في تاريخه: "نريد العدل ورفع الظلم والجور وإقامة الشرع وإبطال الحوادث والمكوسات التي ابتدعتموها وأحدثتموها"، فقال: "لا يمكن الإجابة إلى هذا كله، فإننا إن فعلنا ذلك ضاقت علينا المعايش والنفقات"، فقيل له: "هذا ليس بعذر عند الله ولا عند الناس، وما الباعث على الإكثار من النفقات وشراء المماليك؟ والأمير يكون أميراً بالإعطاء لا بالأخذ".

ونلاحظ في هذه المطالب أن العامة سلمت قيادتها إلى العلماء بصورة طبيعية، علماً أنه كانت هناك - كما رأينا - في الدولة العثمانية أشكال تنظيمية لممارسي الحرف وأنواع التجارة، فلكل حرفة نقابة لها (شيخ كار)، على أن العامة كانت في الملمات تتجمع تحت قيادة العلماء، وفي القاهرة كان المركز الأساسي لهؤلاء هو الأزهر كما هو معلوم.

وحين تلكأ الأمراء المماليك في الاستجابة لهذه المطالب ازداد هياج العامة، وتقاطروا على القاهرة من الضواحي والقرى المجاورة لها، مما جعل الأمراء يحنون رؤوسهم للعاصفة ويجتمعون مع المشايخ ومنهم عمر مكرم، ويظهرون التوبة وقبول ما أراده العلماء منهم، مثل الإقلاع عن الظلم والنهب واحتكار الأغذية والقوت، وإرسال غلة الأوقاف المرصودة للحرمين الشريفين في الحجاز، وكان المماليك قد حبسوها ولم يرسلوها.

في أول يوليو (تموز) عام 1798م وصل الفرنسيون إلى الإسكندرية، فووجهوا بمقاومة من الحامية والناس الذين أرسلوا يستنجدون بالمماليك في القاهرة. ولم يحتل الفرنسيون الإسكندرية بسهولة؛ إذ إن عامة الشعب حصنت الأسوار، وأعدت ما استطاعت من أسلحة كانت طبعاً لا تقارن بالأسلحة الثقيلة لجيش نابليون بونابرت (بالمناسبة تذكر المصادر أن جيش نابليون كان متفوقاً حتى في العدد على القوى العسكرية النظامية الموجودة في مصر آنذاك، ناهيك عن تفوقه في العدة) وشارك الجميع في القتال رجالاً ونساءً وكل من كان في المدينة أو حولها، بل كاد نابليون يلقى مصرعه في بداية مغامرته هذه؛ حين نجا بأعجوبة من رصاصة جاءته من نافذة منزل اقتحمه الفرنسيون بعدها، فلم يجدوا فيه غير رجل وامرأة فقتلوهما فوراً، وفي هذه المعركة قتل الجنرال ماس وخمسة ضباط آخرون، وأصيب خليفتا نابليون اللذان سيحكمان مصر بعده خلال مدة الحملة الفرنسية، وهما الجنرالان كليبر ومينو في المعركة، وبعد أن خسر الفرنسيون خسائر اعترف نابليون منها بثلاث مئة قتيل وجريح، تمكن الفرنسيون من الاستيلاء على الإسكندرية.

وفي القاهرة عقد اجتماع كبير ضم أمراء المماليك ونقيب الأشراف السيد عمر مكرم ومشايخ الأزهر، كباراً وصغاراً، وأعيان البلد والوالي العثماني الضعيف.

وأظهر المماليك قدراً كبيراً من سوء تقدير الخطر الداهم، ولم يمنعهم هذا العدو الغازي من متابعة ما كانوا فيه من سوء الظن بعضهم ببعض، فعجز الأميران إبراهيم ومراد عن التنسيق العسكري بين قواتهما، وقد بدأت الحملة بالهجوم على قوات مراد في الدلتا فهزمتها، وانسحب مراد إلى القاهرة، وكانت هذه هي اللحظة التي تحول فيها عمر مكرم إلى الزعيم الأول في القاهرة.

لا شك أن عمر مكرم قد استفاد من منصبه ونسبه وما يضفيانه عليه من جلال واحترام، ولكن هذه كلها لا تكفي لتصنع الزعيم، وسنرى - بعد قليل - في مثال (شريف) آخر هو خليل البكري أن النسب لا يكفي ليكون المرء زعيماً ويحظى باحترام الناس.

حين علم عمر مكرم بأن الفرنسيين لا بد قادمون إلى القاهرة، صعد إلى القلعة وأنزل منها علماً كبيراً عرف بالبيرق النبوي، ورفعه ومشى به إلى بولاق، فتجمعت الناس حوله بالألوف، وحملوا ما وجدوه من أسلحة، وجمعت طوائف الحرفيين الأموال من أفرادها واشترت أسلحة وذخائر، ولم يبخل الأغنياء بأموالهم، وذهب من يستطيع القتال إلى بولاق، حتى لم يبق في القاهرة إلا النساء والأطفال والكهول.

وظل المماليك على انقسامهم؛ فعسكر مراد بك في إمبابة ومعه ألوف المتطوعين من عامة القاهرة وفلاحي القرى، على حين عسكر إبراهيم بك في بولاق ومعه الوالي بكر باشا.

إن المماليك على ظلمهم وسوء سياستهم كانوا بلا شك فرساناً شجعاناً، وقد حمل مراد الذي كان في مقدمة من واجه الفرنسيين بفرسانه على جيش نابليون فأرعبهم، ولكن هؤلاء استعانوا بالمدفعية التي لم تستطع الشجاعة أن تقف في وجهها، فخسر المماليك ألفي قتيل، وخسر المتطوعون خمسة آلاف قتيل، وزعم نابليون أن خسائر الفرنسيين كانت ثلاث مئة قتيل.

وحين انكسر جيش مراد بك والمتطوعون في إمبابة، انسحب إبراهيم بك بجيشه من القاهرة دون أن يحاول القتال، وتوجه إلى بلبيس، وغادر المشايخ الكبار أيضاً القاهرة ومعهم عمر مكرم، وهكذا دخل الفرنسيون القاهرة بعد أن أرسل من تبقى في القاهرة من مشايخ صغار وتجار وغيرهم وفداً إلى نابليون، يطلبون منه الأمان للسكان، فأعطاهم منشوراً وطلب إليهم أن يرسلوا للمشايخ الكبار ليعودوا.

صفحة 7

وبالفعل عاد الشيخ الشرقاوي والشيخ السادات وكثير غيرهم، ورفض عمر مكرم العودة، فهاجم نابليون بلبيس بجيشه حيث كان عمر مكرم وإبراهيم بك وقواته، وبعد معركة أبلى فيها المماليك بلاءً حسناً مرةً أخرى، اضطروا للانسحاب أمام سلاح المدفعية الفرنسي، وغادر كل من عمر مكرم وإبراهيم بك مصر إلى غزة.

أما في القاهرة فقد قام نابليون بتشكيل ديوان يضم تسعة أعضاء، منهم الشيخان السادات والشرقاوي، وكان عمر مكرم أيضاً من جملة الأسماء التي سماها نابليون لعضوية الديوان، آملاً أن يغريه المنصب؛ فيعود ويتخلى عن مقاومته للاحتلال، ولكنه رفض كل تعاون مع الفرنسيين كما رأينا، وكذلك رفض الشيخ السادات عضوية الديوان، فعين عضو آخر في مكانه.

وحين وجد نابليون أن عمر لم يتعاون معه عزله عن منصب نقيب الأشراف، وصادر أمواله، وعين الشيخ خليل البكري مكانه، وكان هذا مثالاً سيئاً للانتهازي الأناني - كما تذكر المصادر - الذي لا يقيم حتى لكرامته الشخصية وزناً، إذ غمر نابليون بهداياه، ورضي لنفسه بعلاقة شائنة مع الفرنسيين، وصلت إلى حد أثار عليه سخط الشعب المصري واحتقاره.

تركزت المقاومة للفرنسيين في الصعيد، وساهم فيها المماليك والفلاحون والبدو، وقوة من المفيد أن نذكرها، فقد لا يتوقع القارئ وجودها؛ ألا وهي قوة المتطوعين من الحجاز ويسميهم الفرنسيون (المكاويون) نسبة إلى مكة، ويذكرهم الجبرتي في تاريخه: "لما وردت أخبار الفرنسيس إلى الحجاز وأنهم ملكوا الديار المصرية انزعج أهل الحجاز لذلك وضجوا بالحرم، وصار هذا الشيخ (وهو شيخ مكي اسمه الكيلاني.م) يعظ الناس ويدعوهم إلى الجهاد، ويحضهم على نصرة الحق والدين، وقرأ بالحرم كتاباً مؤلفاً في معنى ذلك فاتعظ جملة من الناس، وبذلوا أموالهم وأنفسهم، واجتمع نحو ست مئة من المجاهدين، وركبوا البحر إلى القصير مع من انضم إليهم من أهل ينبع وخلافهم".

وهؤلاء كانوا من المحاربين الأشداء الشجعان الذين أشاد بهم الجبرتي.

وممن ساهم في القتال ضد الفرنسيين جملة من المغاربة والأتراك، ومجاهد جاء من ليبية ولقب نفسه بالمهدي، وكان في مجموعة من رجال القبائل، قاتل بهم الفرنسيين، وانتصر عليهم في دمنهور التي أبيدت حاميتها الفرنسية، ثم هزمت النجدة التي أرسلها الفرنسيون، وكانت مزودة بأسلحة ثقيلة، ولعل هذه المشاركات العربية الإسلامية المهمة في مقاومة الفرنسيين مما يغفل ذكره عادة، ولا أعتقد أن سبب ذلك بريءٌ دائماً؛ إذ كان بعضٌ من المؤرخين للحملة الفرنسية لاحقاً ممن كانوا يرفعون شعار القومية المصرية، ويجتهدون في عزل مصر عن سياقها الديني والحضاري واللغوي.

بعد هذا تشجعت الدولة العثمانية، وقررت مواجهة الفرنسيين عسكرياً، بعد أن تدخل الإنجليز، وحطموا الأسطول الفرنسي في أبي قير، عازلين الحملة الفرنسية عن وطنها.

وثارت القاهرة ثورتها الأولى على الفرنسيين عام 1798م، وكان عمر مكرم منفياً في يافا، وكانت ثورة عنيفة اهتز لها نابليون، وصار يخشى من اقتراب الجيوش العثمانية التي كانت تتجهز في الشام للزحف على مصر، حيث سيقع بين نارين؛ نار الشعب ونار العثمانيين، فقرر مهاجمة الشام واحتل المدن الساحلية في سيناء، ثم غزة والرملة واللد، ووصل إلى يافا، فأخمد مقاومتها بعنف بالغ، ثم أمر بإعدام الأسرى، وبرر الفرنسيون هذا الإجراء الوحشي بأنهم لم يكونوا يستطيعون إطعام هؤلاء ولا إرسالهم إلى مصر!

أما عمر مكرم الذي كان في يافا فقد قبض عليه، ووجدها نابليون فرصةً للتقرب من الشعب المصري فأعاده إلى مصر في سفينة إلى دمياط، حيث فرضت عليه الإقامة الجبرية مدة ثلاثة أشهر، ثم عاد إلى القاهرة فاستقبله الشعب استقبالاً حافلاً، وكان نابليون يأمل أن يتعاون معه عمر فلم يفعل، واعتكف في داره، ولم يشهد أياً من المحافل والاحتفالات والأعياد التي كان يشارك فيها الفرنسيون.

وفي أغسطس من عام 1799م غادر نابليون مصر سرّاً، فخلفه كليبر في قيادة الحملة.

كان كليبر لا يؤمن بنجاح الحملة؛ فقرر التفاوض مع العثمانيين للانسحاب من مصر، وبالفعل وقع مع العثمانيين اتفاق العريش مطلع عام 1800م؛ الذي نص على انسحاب الفرنسيين خلال ثلاثة أشهر من مصر على أن يسمح لهم بالمغادرة بكامل أسلحتهم، وبضمان ألاّ يتعرض لهم أحد في الطريق إلى فرنسة، وقد ابتهج المصريون بهذه الاتفاقية وتبرعوا من أموالهم بكل سرور بالمبلغ الذي طلبته منهم السلطات العثمانية لتمويل رحلة عودة الفرنسيين إلى بلادهم، ولكن الإنجليز عارضوا الاتفاقية وقالوا: إنهم لا يوافقون على خروج الفرنسيين إلا بعد أن يسلموا أنفسهم باعتبارهم أسرى حرب، عندها تراجع كليبر عن الاتفاق، وهاجم الجيش العثماني الذي كان يتأهب لدخول القاهرة فهزمه في عين شمس، إلا فرقتين من الجيش العثماني لم تقاتلا، واتجهتا نحو القاهرة بقيادة الوالي العثماني الجديد على مصر نصوح باشا.

وكانت هذه هي النقطة التي بدأت منها ثورة القاهرة الثانية؛ لأن الشعب المصري انتهز فرصة انشغال الجيش الفرنسي، ولبى نداء عمر مكرم الذي خرج من اعتكافه ونادى بالثورة، فاقتحم الشعب المعسكرات الفرنسية واستولى على ما فيها من أسلحة، وتجمهرت العامة في الشوارع وبيدها كل ما وجدته من سلاح؛ من البنادق إلى السكاكين والعصي. وهكذا أقيمت المتاريس، ووقف عليها كل سكان القاهرة لم يكد يتخلف منهم أحد، ووقف مع العامة بعض أمراء المماليك وجنود وضباط العثمانيين من الفرقتين اللتين ذكرنا أنهما تركتا المعركة واتجهتا إلى القاهرة .

وحررت القاهرة عملياً، ولكن الجيش الفرنسي كان ما يزال بقوته على الأبواب.

وكان أول ما فعله كليبر بعد أن انتهى من العثمانيين؛ فرضُ الحصار على القاهرة، فتوقف إمدادها بالمواد الغذائية من الريف، وحتى نهر النيل ما عادوا يستطيعون الوصول إليه، فاعتمدوا على الآبار. وكان موقف المشايخ؛ مثل الشيخ السادات والشيخ الصاوي، وموقف العثمانيين والمماليك أيضاً موقفاً مشرفاً، وكان عمر مكرم مع المشايخ يطوف على المتاريس ويتجول في قلب المعارك الخطرة.

ومن الطريف أن العامة كانوا في غاية (التطرف) فحين طلب كليبر وفداً من المشايخ للصلح، عارضاً عليهم شروطاً منها: خروج العثمانيين والعفو عن المصريين وتأمينهم على حياتهم، وجاء وفد المشايخ وذكر هذه العروض للناس، كان ردهم بأن شتموهم ورموا عمائمهم على الأرض، واتهموهم بالارتداد وأن الفرنسيين رشوهم بالدراهم!

ومن المحتمل أن العامل الذي ساعد على رفض الشعب لأي مفاوضة تقود إلى إنهاء الثورة وبقاء الاحتلال الفرنسي هو، علاوة على كراهيته الشديدة للاحتلال، شعوره بالثقة بالنفس، وتقديره أن الفرنسيين في موقف ضعيف، خصوصاً مع انتشار الشائعات بقدوم جيش عثماني جرار، وأنه في طريقه إليه.

ولكن هذا التقدير لتوازن القوى كان غير صائب؛ إذ هاجم الفرنسيون ضاحية بولاق بالمدفعية وأحرقوها، وانتقموا من سكانها الذين كانوا قد وقفوا في وجه المدافع بشجاعة خارقة، فقتلوا منهم عدداً كبيراً في مجزرة وحشية جعلت زعماء الثورة في القاهرة يفاوضون كليبر، ويبرمون معه اتفاقاً نص على انسحاب العثمانيين والمماليك من القاهرة، وجلائهم عن مصر كلها. وهذا ما جرى بالفعل، وخرج مع العثمانيين عمر مكرم إلى الصالحية في الطريق إلى الشام.

ويعلل أحد مؤرخي حياة عمر مكرم؛ وهو الدكتور عبد العزيز محمد الشناوي في كتابه (عمر مكرم بطل المقاومة الشعبية) خروج عمر مكرم بأنه كان حتى ذلك الوقت "يربط كيانه السياسي ومستقبله بدعامتي الحكم العثماني اللتين تتمثلان وقت ذاك في الوالي والأمراء المماليك".

وهو يقارن بين موقف مكرم الذي خرج من القاهرة، وموقف الشيخ السادات الذي بقي فيها محتملاً الاضطهاد والاعتقال والتعذيب، يقول الشناوي: "حقيقة أن عمر مكرم لم يكن رجل حرب وحقيقة أنه لم تكن لديه الوسائل أو الإمكانيات كي يمنع عن الشعب انتقام الفرنسيين، وحقيقة أن الأوضاع السياسية في مصر كانت واحدة عند هجرته من مصر أول مرة وعند ارتحاله عنها في المرة الثانية، ولكن كان الفرنسيون في المرة الأولى يوادون المصريين رياء ونفاقاً، وكانوا في المرة الثانية يحادون المصريين جهاراً واستكباراً، ولا ريب أن بواعث هجرة عمر مكرم مع القوات العثمانية والمملوكية كانت هي نفس الأسباب التي حملته على الهجرة الأولى، لكن يضاف إليها في ضوء ملابسات الموقف أن عمر مكرم أراد في هجرته الثانية أن ينأى بنفسه عن انتقام الفرنسيين منه. ومن واجب الزعيم أن يقف إلى جانب الشعب في وقت المحن والشدائد، وأن يشاركه آلامه وأتراحه ... ولا ينفي هذا المأخذ أن حياته جاءت حافلة بصدقه الثوري مليئة بالشجاعة والنزاهة زاخرة بالنضال"[1].

والمقارنة مع السادات جديرة بالتأمل في اعتقادي، فهذا الشيخ وقف موقفاً مبدئياً صارماً، وتحمل اضطهاد الفرنسيين، فشابه مكرم في مبدئيته، وزاد عليه بأنه لم يتصور - على ما يبدو - إمكانية العيش في المنفى. ولكن من جهة أخرى سنرى لاحقاً أن السادات الذي كان في غاية المبدئية في وجه الأجانب، كان في غاية الانتهازية مع الحاكم المحلي أي محمد علي، بخلاف عمر مكرم الذي مثل الشعب حقاً وفعلاً، وصمد صموداً أسطورياً في وجه إغراءات الفساد وإرهاب الطغيان حتى النهاية.

صفحة 8

عمر مكرم بعد انتهاء الحملة الفرنسية

قتل الجنرال كليبر على يد الشاب السوري سليمان الحلبي، الطالب الأزهري، فاستلم القيادة من بعده الجنرال مينو الذي اضطر أخيراً، بعد أن تابع السياسة المتعسّفة التي اتبعها أسلافه، إلى توقيع اتفاقية جلاء في يونيو 1801م تحت ضغط عسكري مزدوج إنجليزي عثماني.

وعاد عمر مكرم إلى القاهرة مع عودة السلطة العثمانية، وأعاده العثمانيون إلى منصب نقيب الأشراف (واستقر بهذا المنصب بعد أن أحبط المصريون محاولة للاستيلاء عليه من قبل نصَّابٍ تركي الجنسية). وهنا تبدأ في اعتقادي زعامته الشعبية الفذة كما تجلت في تمثيله للشعب في وجه القوة المتسلطة الداخلية وليس الاحتلال الأجنبي.

بعد انسحاب الفرنسيين دخلت مصر من جديد في فوضى، إذ انعدمت السلطة المركزية الحازمة، ووقع الشعب بين نيران الفرق العثمانية المختلفة والمملوكية المتطاحنة، ومن هذه الفرق نذكر الفرقة الألبانية التي كان أحد ضباطها رجلاً أمياً طموحاً داهية واسع المواهب، اسمه محمد علي.

بعد تبديل متكرر للولاة العثمانيين استلم الولاية في شهر مارس 1804م أحمد خورشيد باشا، فجلب إلى مصر جنوداً قساة من الأكراد يسمون الدلاة أو الدالاتية، كانوا يعيثون فساداً في البلد، وقد جلبهم محاولاً الاستعانة بهم على التخلص من محمد علي والألبان.

وقد عجز خورشيد عن دفع رواتب الجنود، فلجأ إلى فرض الضرائب الباهظة على الشعب، وأسرف الدلاتية في جرائمهم وتعدياتهم الوحشية ولاسيما حين تأخرت رواتبهم، حتى طفح الكيل بالناس ووقف المشايخ الوقفة المرتجاة منهم بصفتهم ممثلين لمصالح الشعب وقادة له، فحرضوا الرأي العام على إغلاق الحوانيت والمخازن والأسواق، وتجمهرت الناس في حي الأزهر، وطلبوا من المشايخ أن يعطوهم الأمر بالزحف إلى مصر القديمة حيث مراكز الدلاتية، وحين أرسل خورشيد جماعة من العسكر تتفاوض مع المشايخ، رمتهم الناس بالحجارة من أسطح المنازل ولم يستطيعوا الوصول إلى الأزهر، فرجعوا إلى خورشيد، واستمرت المفاوضات بعد ذلك واستمر التجار في إغلاق الدكاكين محتجين على ما كان يثقل كاهلهم من الضرائب التعسفية، وباختصار اتحدت عامة القاهرة بجميع شرائحها مقررة أن تزيل المظالم بعد أن عجزت عن تحمُّلها، وفي هذه الأزمة تحول عمر مكرم إلى الزعيم الأول للعامة، وصار هو صاحب الكلمة بالتشاور مع المشايخ.

وفي مايو 1805 قدم المشايخ برئاسة مكرم مطالبهم للوالي معتبرين هذه المطالب شروطاً، إن لم يحققها فلن يعترفوا بشرعيته والياً على مصر، ومن هذه المطالب:

1- عدم مرابطة القوات العسكرية في القاهرة ونقلها إلى الجيزة.

2- منع الجنود من الدخول بأسلحتهم إلى القاهرة.

3- عدم فرض أي ضريبة إلا بموافقة المشايخ.

ودبر خورشيد في أثناء ذلك مؤامرة لقتل عمر مكرم، لكنها لم تنجح.

ورأى عمر مكرم أن الأوان قد آن لإزاحة الوالي بالقوة من مركزه، وكان محمد علي يظهر لمكرم والزعماء تعاطفه معهم، وكراهيته لخورشيد ومظالمه، فقرر عمر مكرم والمشايخ أن يولوا محمد علي بدلاً من خورشيد، ويصف الجبرتي هذه الحادثة بقوله: "وركب الجميع وذهبوا إلى محمد علي، وقالوا له: إنا لا نريد هذا الباشا حاكماً علينا ولا بد من عزله من الولاية. فقال: ومن تريدونه يكون والياً؟ قالوا له: لا نرضى إلا بك فتكون والياً علينا بشروطنا لما نتوسمه فيك من العدالة والخير".

صفحة 9

كان عمر مكرم صاحب الاقتراح بتولية محمد علي، وكانت هذه نقطة تاريخية حاسمة؛ إذ يولى الوالي بقوة الشعب لأول مرة في تاريخ مصر، لا بقوة السلطة العثمانية أو بقوة المماليك، ونلاحظ أن عمر مكرم ساير التقاليد التي كانت سائدة حتى ذلك الوقت؛ وهي تولية شخصيات عثمانية من خارج مصر، وكان الوالي عملياً يتم فرضه على السلطان الذي كان يصدر الفرمان بتعيينه، ولكن الذي كان يفرضه هو زعماء المماليك، ومن هنا كانت تولية محمد علي استمراراً ظاهرياً لتقاليد سابقة، وقطيعة فعلية معها. وتولية محمد علي على أساس شروط شعبية كانت واقعة لا سابقة لها؛ إذ لأول مرة تنصب العامة بأيديها والياً بناء على برنامج سياسي واضح، يهدف إلى تغيير الوضع الفاسد في جهاز الحكم في مصر.

ورفض خورشيد القرار متمسكاً بالقول: إنه هو الذي ولاه السلطان، ولن يترك منصبه إلا بأمر السلطان، واستعان خورشيد بالقوات العسكرية العثمانية، وبجزء من القوات الألبانية التي كانت تحت إمرة ضباط منافسين لمحمد علي، وبالدالاتية، وبدأ في مراسلة أمراء المماليك أيضاً.

ولا شك أن هذه القوة مجتمعة كانت تستطيع أن تهزم قوات محمد علي بسهولة لولا وجود هذه القوة الجبارة الجديدة التي يقودها عمر مكرم ومشايخ الأزهر، ألا وهي قوة عامة الناس في القاهرة الذين نصبوا المتاريس، وسهروا الليالي يحرسون ويتحركون من جهة إلى جهة، حتى إن القنصل الفرنسي العام دروفيتي قال: إن هذه المناظر ذكرته بباريس في أيام الثورة الفرنسية!

ومن الجدير بالذكر أن هذا الصراع لم يكن صراعاً قومياً، وكان العامة وقيادتهم معاً لا ينتابهم أي شك في ضرورة استمرار مصر ولايةً عثمانية تخضع للخلافة العثمانية في إستنبول، وإنما المسألة مسألة خلاف داخلي مع جهاز الحكم الفاسد في مصر، ومن الأمور ذات الدلالة أن العالم التركي - الذي كان يتولى منصب القضاء في مصر - رفض رفضاً باتاً مناصرة خورشيد، وأقدم على قطع العلاقات معه، واقفاً مع إرادة الأكثرية التي رآها بأم عينه. ومن المفيد لمعرفة نوعية ذلك الذي كان يسيّرُ الوعي قيادة العامة والعامة نفسها أن نذكر رد السيد عمر مكرم على واحد من أنصار خورشيد، جاء يتفاوض معه، وهو عمر بك الألباني، فقد سأله هذا: كيف تعزلون من ولاه السلطان عليكم، وقد قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 4/59] ؟ فقال له السيد عمر مكرم: "أولوا الأمر هم العلماء وحملة الشريعة والسلطان العادل، وهذا رجل ظالم، وجرت العادة من قديم الزمان أن أهل البلاد يعزلون الولاة، وهذا شيء من زمان، حتى الخليفة والسلطان إذا سار فيهم بالجور فإنهم يعزلونه ويخلعونه".

وفي اعتقادي أن هذا المستوى من الوعي الذي وصلت إليه العامة وقادتها في ذلك الوقت كان يمثل لبنة أساسية من لبنات الروح النهضوية الإسلامية الجديدة، وانبلاج نور فجر جديد بعد ليل السبات الذي دام بضعة قرون، انقضت في جور وفساد وتدهور للحالة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية في مصر، فيذكر المؤرخون ومنهم عبد الرحمن الرافعي أن مصر في العهد العثماني سارت خطوة إلى الوراء، قياساً إلى وضعها في عهد الدولة المملوكية المستقلة قبل مجيء العثمانيين.

وكان عمر مكرم في هذه الأيام في نشاط لا يهدأ؛ يزور المواقع ويحمّس العامة الذين كان لهم في الحقيقة الدور الحاسم في إسقاط خورشيد؛ لأن جنود محمد علي الألبان لم يكونوا متحمسين لقتال جنود خورشيد، إذ كان جنود الأخير معظمهم من الألبان أيضاً، بل إن جنود محمد علي انسحبوا من مواقعهم حين لم يستطع أن يدفع لهم رواتبهم، فقام العامة بأخذ مواقعهم، وليتهم اكتفوا بالانسحاب، بل إنهم بدؤوا بمهاجمة المنازل واستباحتها مستغلين خلوها من الحماة الذين كانوا في المعركة، فعادت بعض فرق العامة المكونة من رجال أشداء واشتهر منهم شيخ الخضرية في القاهرة حجاج الخضري،واشتبكت مع هؤلاء، وكانت حصيلة هذه المعارك الخلفية قتل ستين جندياً ألبانياً، فذهب محمد علي إلى عمر مكرم يرجوه أن يكف الناس عن جنوده، وتعهد بضرب عنق أي جندي يعتدي على الناس. فأرسل مكرم المنادين في شوارع القاهرة: "حسبما رسم السيد عمر أفندي والعلماء لجميع الرعايا بأن يأخذوا حذرهم وأسلحتهم ويحترسوا في أماكنهم وأخطاطهم وإذا تعرض لهم عسكري بأذية قابلوه بمثلها وإلا فلا يتعرضوا له".

وذكر فرنسيون شهدوا الأحداث عن كثب أن من شارك في تلك الهبة من السكان كانوا أربعين ألفاً، يطيعون السيد عمر مكرم طاعة عمياء وينفذون أوامره بحذافيرها.

ومن مظاهر العبقرية السياسية لعمر مكرم تعامله بمنتهى المهارة والدبلوماسية مع حركة قام بها السلطان العثماني في أثناء هذه المعركة، وهي أنه أرسل مندوباً معه مرسومان متناقضان: واحدٌ بتثبيت خورشيد والياً وإخراج محمد علي من مصر، وآخر بتثبيت محمد علي والياً وعزل خورشيد! وكلف المندوب بأن يقدّر على أرض الواقع من هو الأقوى ويظهر المرسوم المناسب! وهنا قرر عمر مكرم العمل على جلب المندوب إليه وإبقائه في وسط الجموع الحاشدة في القاهرة؛ لئلا يذهب أولاً إلى خورشيد، ونظم للمندوب استقبالاً حافلاً بحيث جعل شعب القاهرة بكامله يخرج لاستقباله والترحيب به، وحوصر خورشيد حصاراً محكماً فلم يستطع الخروج، بينما قاد (المرحبون) الضيف إلى بيت محمد علي، حيث كان عمر مكرم والمشايخ مجتمعين، فلم يجد المندوب بداً من إخراج المرسوم القاضي بعزل خورشيد وتثبيت محمد علي، وكان هذا ضربة قاضية لشرعية خورشيد.

وبإعلان مرسوم تثبيت محمد علي اقترح شيخ الأزهر عبد الله الشرقاوي والشيخ محمد الأمير، ومشايخ آخرون أن يلقي الشعب السلاح، وتفتح الأسواق، وتستأنف الحياة العادية، وأيد محمد علي هذا الاقتراح، ولكن عمر مكرم وقف ضده؛ لأن خورشيد ما زال معتصماً بالقلعة ورافضاً تنفيذ المرسوم، وكان ما يزال متصلاً مع قوى عسكرية مهمة ممثلة في المماليك وجيش علي السلحدار في مصر القديمة والجيزة، علاوة على قواته في القلعة، وكان من الممكن لو ألقى الشعب سلاحه أن يعود فينقض على السلطة دافعاً السلطان إلى إعادة تنصيبه من جديد، ومن المفيد أن نلاحظ في هذه اللحظة التاريخية أن عامة القاهرة هي التي ناصرت رأي عمر مكرم، إذ إن بعض المشايخ نادوا في المدينة بالأمان واستئناف البيع والشراء، وترك حمل الأسلحة في النهار والاقتصار على حملها في الليل، فرفض العامة هذا النداء، إلا قلة منهم استجابت لنداء المشايخ ففتحوا المحلات ورموا الأسلحة، فما كان من الجنود إلا أن عاودوا اعتداءاتهم! وحين ذهب المُعتدَى عليهم إلى السيد عمر يشتكون، طلب منهم الذهاب إلى الشيخين الشرقاوي والأمير فهما صاحبا الرأي بترك السلاح!.

وأخيراً أرسل السلطان حملة إلى مصر تتألف من ألفين وخمس مئة جندي، نزلت في الإسكندرية ومعها مرسوم بتثبيت محمد علي "حيث ارتضاه الكافة والعلماء"، ومرسوم آخر يطلب من خورشيد النزول من القلعة والذهاب إلى الإسكندرية.

وفي هذا الوضع الدقيق بادر عمر مكرم فعرض على خورشيد أن ينزل إلى داره، ويحميه هو من غضب العامة حتى يذهب إلى الإسكندرية، وطلب عمر مكرم في الوقت نفسه من الشعب الاستمرار في الحذر "لأن القوم لا أمان لهم".

وأخيراً نزل خورشيد بالفعل في دار عمر مكرم، ثم غادر مصر إلى غير رجعة، واستلم محمد علي الولاية التي كانت في بدايتها مبنية على ميثاق من الشروط التي ذكرناها، والتي تحد من سلطته وتفرض عليه العدل وعدم فرض ضرائب إلا باستشارة العلماء. وسنرى بعد قليل كيف تخلص محمد علي من الزعامة الشعبية ليحكم مصر حكماً استبدادياً مطلقاً.

وقد كان لعمر مكرم مع زعماء الأزهر ومن خلفهم وتحت قيادتهم جماهير العامة الدور الجوهري في تثبيت محمد علي في حكم مصر، سواء ضد قوة المماليك التي كانت قادرة على إزاحته، لولا هذا الدور الجوهري للشعب المنظم المسلح ذي القيادة الواعية التي كانت حتى ذلك الوقت متحدة الصفوف، أم ضد محاولات العثمانيين نقلَ محمد علي من ولاية مصر إلى سالونيك، وتعيين وال آخر بدلاً منه في مصر.

صفحة 10

"وليت العامّة شُكروا.."

عمر مكرم والشعب يوجهان أول هزيمة في تاريخ مصر لبريطانية العظمى

"وجهت بريطانية حملة عسكرية لمصر في مارس عام 1807 بقيادة الميجر جنرال ماكنزي فريزر انطلقت من صِقِلِّيَّة، وضمت علاوة على الجنود الإنجليز، مرتزقة إيطاليين ومهاجرين فرنسيين معادين للثورة الفرنسية، وكان الهدف الأولي للحملة احتلال الإسكندرية.

ويذكر المؤرخون لهذه الحملة أهدافاً منها الحيلولة دون عودة فرنسة إلى مصر، وإنشاء حكومة مصرية عميلة لها، والضغط على السلطة العثمانية لجعلها تتخلى عن التحالف مع فرنسة ضدها.

وقد حمل أهل الإسكندرية السلاح في وجه الغزاة، ولكن الإنجليز رشوا الحاكم التركي أمين آغا فسلم البلد، ودخلتها الحملة في 20 آذار (مارس) عام 1807.

وفي المحطة التالية وصل الإنجليز إلى دمنهور، فقررت حاميتها الفرار على طريقة حامية الإسكندرية نفسها، وناشدهم السكان عدم الفرار فلم يستجيبوا لهم، وهربوا ليلاً بقيادة الحاكم (الذي كان برتبة (كاشف) وهو حاكم الإقليم الذي يقل مساحة عن المديرية) بل أخذ الكاشف جميع أسلحة الحامية ومدافعها وذخائرها، مانعاً بهذا السكان من استخدامها؛ فلا هو دافع ولا ساعد السكان على الدفاع!

أرسل سكان دمنهور رسالة استغاثة للزعيم عمر مكرم شرحوا فيها له ما جرى، وطلبوا منه الإغاثة، فعقد مكرم اجتماعات مع كبار المشايخ ومع نائب محمد علي، لأن الأخير كان يحارب المماليك في الصعيد، وأرسلوا إليه رسالة طلبوا منه فيها العودة لهذا الأمر الأهم والأَوْلى.

ولكن محمد علي خاف خوفاً شديداً، وتباطأ في العودة إلى القاهرة، ظاناً أن البريطانيين لن يوقفهم شيء حتى يستولوا على القاهرة، وعندها يفر بجنوده إلى الشرق، ويستطيع أن يقدم عذراً للباب العالي أنه لم يكن في القاهرة حين دخلها البريطانيون فلم يشتبك معهم.

على أن عمر مكرم كعادته قرر أن يعتمد على أهل القاهرة، فأمر بتعطيل الدراسة في الأزهر كي يتفرغ المشايخ والطلاب المجاورون للجهاد، وطلب من الناس أن يحملوا السلاح ويستعدوا للقتال.

وكان في القاهرة جنود عثمانيون وضباط، باع أكثرهم ما عنده، واشترى ذهباً ولوازم ارتحال ناوياً الفرار، أما الأقلية فبقيت في القاهرة. واجتمع عمر مكرم والمشايخ مع من تبقى من موظفين وضباط عثمانيين، وطلب عمر منهم ترك عاداتهم في النهب والسلب والوقوف مع الشعب في وجه الاحتلال الذي يهدد الجميع، وقرر الاجتماع حفر خندق وبناء استحكامات شمال المدينة حيث يتوقع مجيء الإنجليز، وذهب مكرم مع المشايخ والأعيان والقاضي إلى بولاق لبدء العمل في الخندق، ومعهم حشود العامة المسلحة، وبذل أغنياء الشعب أموالاً كثيرة في العمل، ومن الذين شاركوا في هذا العمل الأروام والشوام والأقباط، وكان عمر مكرم على رأس العمل يذهب إليه صبيحة كل يوم، وأعد لنفسه خيمة كان يظل فيها أحياناً طوال النهار، كما ذكر أحد الشهود الأجانب الذين كانوا هناك، وهو (فيليكس مانجا).

كل هذه الأعمال تمت ومحمد علي في الصعيد يتلكأ في المجيء إلى القاهرة.

بعد نجاح قائد الحملة في احتلال الإسكندرية بسهولة بالغة أقنعه القنصل البريطاني العام ميست أن يحتل مدينة رشيد؛ بهدف تأمين الإمدادات الغذائية من داخل مصر عن طريق النيل، وقد اعتقد البريطانيون - قياساً على ما جرى في الإسكندرية - أن الاستيلاء على رشيد سيكون نزهة سهلة. ولكن حاكم رشيد علي بك السلانكلي كان رجلاً نزيهاً مخلصاً، يختلف كل الاختلاف عن حاكم الإسكندرية الفاسد، فقرر المقاومة بقواته التي تقدر بنحو خمس مئة جندي وبالأهالي. ولعله احتذى بما فعله طارق بن زياد حين أحرق السفن، فأمر بإبعاد السفن لكيلا يستخدمها أحد في الهروب من المدينة عن طريق النيل!

ثم وضع هذا الحاكم خطة متقنة لاصطياد الإنجليز:

وصل الغزاة إلى رشيد فلم يواجهوا أي مقاومة، ودخلوا المدينة فوجدوا الشوارع فارغة، واعتقدوا أن الأهالي خافوا منهم فاعتصموا في بيوتهم، وكان الأهالي بالفعل في بيوتهم ولكن مسلحون ينتظرون إشارة متفقاً عليها، وحين أطلقت الإشارة أخذ الإنجليز على حين غرة، وكان كثير منهم قد استلقى في الظل يستجم من عناء السفر، وكانت النتيجة قتل قائد القوة المهاجمة وهو الجنرال ووكوب، وقتل مئة وسبعون جندياً، وجرح مئتان وخمسون وأُسر مئة وعشرون، بينما استشهد من أهل رشيد وحاميتها أربعون. وأرسلت هذه الأخبار إلى القاهرة مع الأسرى، مما أثلج صدر عمر مكرم والناس هناك طبعاً، أما القنصل المغرور ميست فعلق على المعركة بأن العالم بأسره سيدهش دهشة بالغة حين يسمع أن مدينة مثل رشيد قد استعصت على جيش أوروبي حديث.