صفحة 1
المقدمـــة
( 1 )
أتى دخولي إلى الوطن، العراق لأول مرة بعد نكبة سقوط بغداد بثلاثة أشهر، وتحديداً في تموز من العام 2003، وفي أعقاب سبع سنوات من الغربة والبعد عنه وعن الأهلوالأحبة· وللقارئ أن يتوقع حجم ونوع الأحاسيس والعواطف والانفعالات التي كان لا بدّ من أن تتفاعل وتصطخب في داخلي آنذاك، وكما يمكن أن تكون في داخل أي إنسان في طريقه إلى وطنه بعد غياب طويل، مضافاً إلى ذلك أن يكون الوطن حينذاك في ظل الاحتلال· والواقع لم أكن قادراً حينها على تصور اللقيا، فقد اصطخبت في ذهني وتلبست مشاعري أسئلة عديدة تتمحور حول الوضع الذي لم آلفه: كيف سأجد الوطن بعد سبع سنوات لم أره خلالها؟ كيف سيكون في ظل أول احتلال مباشر له في أكثر من ثمانين عاماً، وأول احتلال سأراه في حياتي؟ وكيف ستكون مشاعري وأنا أرى المحتل؟ وكيف سأتصرف حين لا يكون من طريقة لتلافي اللقاء بجنوده؟ إلى غير ذلك من هذه الأسئلة· وتفجرت تلك الانفعالات بعنف وارتبكتُ أيّما ارتباك مع أولى خطوات أخطوها على تراب الوطن عابراً الحدود البرية، حين لمحت أول مظهر كنت أُمنّي نفسي عبثاً بأن لا أراه، عسكرياً أمريكياً يقف إلى جانب بضعة موظفين عراقيين· كان الوحيد الذي يحمل سلاحاً طالما رأيته في الأفلام السينمائية والوثائقية والإخبارية على شاشات التلفزيون يحمله الأمريكيون، عسكريين وغير عسكريين، ويفعلون به كلَّ ما هو مسموح وممنوع مما قد يتعدى لا الواقع الذي نعرفه فحسب، بل حتى المديات التي تصل إليها مخيّلاتنا، حين يكون هناك إنسان واحد فقط هو الفرد الأمريكي، وكل من عداه قد يقتربون، ضمن أُطر تعامل ذلك (الإنسان) الأمريكي معهم، من الإنسان وقد لا يقتربون· وهنا، وفي ظل خوفي على بلدي وأناسي، تذكرتُ رسالة قائد عسكري أمريكي إلى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، بعد احتلالها للفلبين نهايةَ القرن التاسع عشر· ففي سنة 1898 اجتاحت القوات الأمريكية الفلبين بدعوى جلب الديمقراطية إليه، وعندما قاومها الفلبينيون، خاطب الجنرال الأمريكي سميث جنوده قائلاً: إنني لا أريد أَسرى·· أريدكم أن تحرقوا وتقتلوا، وكلَّما زدتم في الحرق والقتل جلبتم السرور إلى قلبي· وفعلاً ارتكبتْ القوات الأمريكية جرائم بشعة، مستخدمةً ضد الفلبينيين الحرب الجرثومية، فنشرت بينهم الكوليرا، وقتلت مئات الألوف منهم، ليكتب الجنرال الأمريكي بعد ذلك رسالة إلى رئيسه قائلاً فيها: أُطمئنكم بخلوّ البلاد من المقاومين الفلبينيين، لأنه لم يعد هناك أصلاً من وجود للفلبينيينوهكذا كنتُ قد نويت الابتعاد عن ذلك العسكري الأمريكي، ولكني لم أعرف كيف أتصرّف وقد تفجّر الغضب في داخلي حين وجدتني مضطراً إلى الاقتراب منه، إذ كان يقف قرب شباك خَتْم جوازات السفر· ولكن عند اقترابي منه بادر إلى سؤالي بودّ غريب: هل أنت من العائدين إلى الوطن؟ فأجبت بكلمة واحدة: نعم· فعاد ليقول بالود نفسه: أهلاً بك في وطنك· وأحسسته يركّز على (وطنك)، وعندها فقط تأملته فانتبهت إلى حداثة سنه·· كان في الواقع صبياً أكثر منه رجلاً مقاتلاً، فتوقعت أن يكون مجنداً وليس عسكرياً محترفاً· في الواقع هو، أكثر من ذلك، بدا واضحاً، وهو يكلمني، يحاول أن يكون ودوداً، بل لا أبالغ إن قلت كان خجولاً ومتردداً· هنا نبعت في داخلي، إلى جانب الغضب والحقد الطبيعيين عليه محتلاً، رؤيةٌ إنسانية يتمثّل لي من خلالها، إلى جانب المقاتل المعتدي المحتل والمهين لوطني، الإنسان العادي أيضاً الذي يمكن أن يكون، ومن الطبيعي أن يكون، في أمريكا وبين الأمريكيين، وقبل ذلك أو بعده في الغرب وبين الغربيين·
من هذه التجربة الإنسانية القصيرة، وهذه الرؤية المزدوجة، المتناقضة ظاهرياً، بدأتُ التفكير في البحث في هذا الجانب· ولأن الوعاء الأكثر غنىً خارج نفس الإنسان ذاته، تعلقاً باصطراع مثل هذا الذي اصطرع في داخلي، كان الأدب، الذي هو بالطبع المعبر عن النفس الإنسانية، ولتخصصي واهتمامي الأدبي والنقدي بالدراسات الأدبية المقارنة عموماً وبموضوعة الآخر أو (نحن والآخر)، انطلقتُ في تأليف هذا الكتاب، الذي يأتي بعد سلسلة عديدة من المقالات والأبحاث في الموضوع، يساعدني في ذلك أنني اشتغلت فيه وأنا في أحد مواطن الآخر، أعني بريطانيا حيث كنت أقضي سنتين، 9002-2011، أستاذاً زائراً في معهد الدرسات العربية والإسلامية بجامعة إكستر جنوب إنكلترا· ولكن لأن هذه الموضوعة تحديداً تنبثق منها أو تسبقها موضوعةٌ لا يمكن، في هذه الحالة، تجاوزها، حتى وإن لم تكن هي محط عنايتي، تلك هي لقاء الشرق عاماً أو إسلامياً أو عربياً، والغرب عاماً أو أوروبياً أو أمريكياً، فقد كان لا بد من التوقف باختصار عند هذه الموضوعة أو الجانب·
صفحة 2
( 2 )
إن اللقاء بين الشرق والغرب هو قضيةٌ، وقبل ذلك واقعة، أوسع من أن تكون فنية أو أدبية فقط، وهو لقاء تحقق عبر العصور مرات عديدة، بل لعلنا يمكن أن نقول إنه يقترب من أن يكون أمراً طبيعياً ودائماً· ونحن هنا نذهب مع ما ذهب إليه جبرا إبراهيم جبرا حين وعى هذا الأمر فقال قبل ما يقارب نصف قرن: العرب والغرب: قصة طويلة ومعقدة، وفيها، مثل أي قصة معقدة جيدة وممتعة، الكثير من الصراع، والكثير من الحب والكراهية· إن العلاقة قديمة قدم الإسلام: طالما وترافقت فيها الجاذبية والنفور بينهما إلى مستوى الابتهاج أحياناً ومستوى التراجيديا أحياناً أخرى· وإذا كنا نقصد بالشرق العرب وإلى حد ما بقية العالم الإسلامي، ونقصد بالغرب أوروبا وإلى حد ما أمريكا، فإن مثل هذا اللقاء بين الشرق والغرب قد تحقق واسعاً وحضارياً مرتين رئيستين في التاريخ· الأولى حين وصلت جحافل الإمبراطورية العربية الإسلامية بإنسانها وفكرها وحضارتها إلى أوروبا، ابتداءً من القرن الثامن الميلادي وما استتبع ذلك من تأثير ضخم وشامل للحضارة العربية الإسلامية في أوروبا· أما المرة الثانية، وهي التي تعنينا في هذا الكتاب، فكانت حين وصل الغربي إلينا غازياً ومبشراً دينياً ومستعمِراً وعالِماً ومُعلَّماً، خصوصاً عبر بوابتَي مصر وبلاد الشام· ونحن هنا لا ننسى بالطبع اللقاء عبر الحملات الصليبية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر· لقد كان من الطبيعي أن يشكل هذا اللقاء، ضمن ما يشكله، قضيةً فكريةً وفنيةً وأدبيةً لأسباب عديدة· منها، أولاً، أنه موضوع إنساني يتعلق بصلات البشر بعضهم ببعض، وبمواقف الواحد أو الفئة منهم من الفئات الأخرى وما يتعلق بذلك أو يتشاكل معه أو يلتبس به أو ينتج عنه· ومنها، ثانياً، أن ما يمس الحضارة وضمن ذلك المجتمع، أي مجتمع، لا بد أن يكون بشكل أو بآخر قضية فكرية وأن يمس بالضرورة الفن والأدب· ومن أسباب ذلك، ثالثاً، ما كان لا بد لهذا أن يمارسه من تأثير في العرب وفعلهم· فكان للقاء، من جهة، تأثيراته الكثيرة والغنية، بإيجابياتها بشكل خاص، في المفكرين ليكون قضية شغلتهم ولا تزال تشغلهم، بل تشغل الناس، وفي الأدباء والأدب العربي، ليكون ذلك الأدب في النتيجة موضوع المؤرخ الأدبي والدارس المقارن· كما لم يكن للأدب الإبداعي، من جهة أخرى، إلاّ أن يتناول هذا اللقاء ويتأثر به، وهو ما كان حقيقةً وبشكل مبكر نسبياً، فتَمثَّلَ الأدباء هذا اللقاء بأشكال مختلفة، ليتبعه بالضرورة انشغال النقد الأدبي به موضوعاً من موضوعات الإبداع· ضمن هذا المجال الأخير كان انشغالنا بالموضوع، كما قلنا، في دراسات وفصولِ كتبٍ ومقالات ومحاضرات عديدة، ولكنْ لماذا الرواية تحديداً في كتابنا هذا؟إذا كان الأدباء في العصر الحديث قد تمثلوا اللقاء بين الشرق ممثَّلاً غالباً بالعرب، والغرب ممثلاً بشكل خاص بأوروبا، فإن الروائيين كانوا أكثر هؤلاء الأدباء فعلاً لذلك، بالرغم من حداثة الفن الروائي في الأدب العربي، مقارنة بالشعر مثلاً· فمع حضور الآخر كثيراً في الشعر قلّ تمثُّله للقاء أو المواجهة كما فعلت الرواية، وإلى حد أقل منه في القصة القصيرة والمسرحية· ويبدو أن مرد ذلك هو طبيعة الجنس الروائي نفسه المتعامل مع الحياة والواقع والناس والتجربة أكثر من أي جنس آخر· صحيح أن الأدباء عموماً، كما عرفناهم دائماً، يهتمون بالعالم والناس من حولهم، حين يكتبون أعمالهم الأدبية لينعكس ذلك بشكل ما في هذه الأعمال، إلا أن الروائي هو أكثرهم عنايةً بتقديم الوقائع، أو ربما جاز لنا القول روح الواقع، كما عبّر عن ذلك مرة الروائي الإنكليزي وليم ثاكري· وإذا كان هذا المفهوم للرواية في زمن ثاكري الذي يعود إلى القرن التاسع عشر فإنه برأينا لما يزل معبّراً عن الفن الروائي وإن لم يكن بالضرورة انطلاقاً من الفلسفة والفهم الفكري وزاوية النظر نفسها التي كان ثاكري ومعاصروه ينظرون منها· فالرواية إذ تُعنى بالناس والحياة التي يراها الروائي أو يَخبِرها أو يجد نفسه فيها، فإنها لن تكون في كل الأحوال صورةً لذلك· وإذا ما بدونا هنا في ما يشبه الإشكالية المنهجية والنقدية، ونحن نقدم صورة الغرب ضمن بحثنا في (نحن والآخر الغربي) تحديداً في الرواية العربية، فإننا نقول إن طبيعة العلاقة بين الرواية والواقع تتيح لنا أن نرى، ضمن ما نراه فيها من ناس وحياة، صورة هي، بدرجةٍ ما، تمثل الواقع، مع ما لهذه الصورة بالطبع ولما نراه فيها من خصوصية تَحُول دون أن تكون المطابقة تفصيلية بين المتخيَّل والواقع الحقيقي· والحقيقة لم يكن لأية دراسة أن تتناول أو تطرح أو تفترض مثل هكذا ثيمة أو موضوعة، بل ما كان لفرع أدبي مهم هو (الأدب المقارن)- الذي تشكل صورةُ أمةٍ أو بلد في أدب أمة أو بلد آخر، أحدَ مجالات الدراسة فيه- أن يفعل ذلك، لو لم تكن هناك علاقة بين ما في الرواية والأدب عموماً وما هو على أرض الواقع الذي تنطلق منه الرواية، والأدب عموماً·
هنا قد يستوقفنا فن آخر ليزاحم الرواية في القدرة على فعل هذا الذي تفعله، ذلك هو فن القصة القصيرة· لكن القصة إذ تفعل ذلك، بدرجة ما بلا شك، فإنها لا يمكن أن تفعله بالقدر والعمق والشمولية والتفصيلية التي تفعله بها الرواية· فنحن نعرف أن من الفروق الأساسية بين القصة القصيرة والرواية، أنّ الأولى تمثل وضعاً نفسياً واحداً تقريباً للشخصية، بينما تجسد الرواية امتداداً لهذا الوضع النفسي للشخصية أو الشخصيات ليكون متبدل المراحل والحالات، وبالتالي فهي تقصر في كثير من الحالات عن التعبير عن التجربة التي تعبر عنها الرواية· كما أن شخصيات القصة القصيرة، وهي محدودة على أية حال- وضمنها بطلها الذي كثيراً ما يكون شخصيتها الوحيدة- لا تشهد ولا تقدم التبدّل الجوهري الإنساني الذي يحدث للفرد في الحياة، وهو ما تقدمه حقيقةً شخصيات الرواية ومعها يكون القارئ قادراً على أن يستمع في ذهنه إلى الصوت الحي للشخص المتكلم· كما أن الرواية قد تسعى إلى تقديم صورة الحياة الكاملة··· لا أقل، أما القصة القصيرة فقصاراها أن تختار زاويةً للنظر محددة بدقة نرى منها جانباً واحداً من جوانب تلك الحياة· لكن هذا يجب أن لا يُنسينا إدراك أن الفن الروائي إذا كان فناً زمانياً، فإن زمنه هو، كما يقول أحد الدارسين: ليس محتوىً تتكدس فيه الأحداث، إنما هو يرتبط ويتعلق بنا وبحركات وجودنا· ومن الطبيعي أننا، إذ لا نقلّل أبداً من شأن ما تقدمه لنا القصة القصيرة الذي هو بعض ما تقدمه الرواية من صورة حياة كاملة، أو لنقل من امتداد حياتيّ، فإننا، في دراسة (الآخر) معنيون أصلاً وبشكل أساس بصورة الحياة الكاملة هذه· ومن هنا اخترنا الرواية ميداناً لبحثنا، دون أن نلغي بالطبع مشروعية ومنطقية أن يكون أي شكل أدبي آخر ميدان دراسات أخرى ضمن الاهتمام والأهداف نفسها، بل من الطبيعي أن يكون هناك تطرّق لبعض تجارب تلك الأشكال الأخرى هذه حتى هنا وهناك في دراستنا هذه نفسها·
هكذا كان ممكناً نقدياً، وربما نموذجياً، النظر إلى صور اللقاء بين الشرق والغرب، من خلال الروايات العربية التي ظهرت في مختلف الفترات التي شهدت هذا اللقاء، وصولاً إلى وضع اليد على مواقف تعبّر، عما هو أبعد من حدود هذه الصور داخل العمل الروائي· فكل الذي يمكن أن نرصده أو نفهمه أو نخرج به، أو حتى الذي توحي به إلينا الروايات التي ندرسها، لا يمكن أن يكون إلا من وعيٍ ما· هل هو وعي الرواية، في ظل مفهوم تغييب المؤلف وسلطته ضمن ما يسمى بـ(موت المؤلف)؟ أم هو وعي الروائي في ظل حضور المؤلف، الذي نؤمن به على أن لا تُفرض وجهة نظره على قراءتنا لعمله؟ أم هو وعي الإنسان أو الناس الآخرين الذين من حول المؤلف؟ لا نرى في البحث عن جواب لهذا التساؤل المركّب من أهمية بحدود تعلق الأمر بتقديمنا لموضوعة (نحن والآخر) التي ربما هي بدورها، كما أشرنا، جزء من موضوعة أكبر هي (لقاء الشرق والغرب) في الرواية العربية· ولأن ميدان هذه الموضوعة- نعني الرواية العربية- من السعة بحيث لا بد من أن تكون هناك نماذج مختارة لإدخالها في مختبر بحثنا، كان تركيزنا، في هذا الكتاب، جغرافياً على الرواية العربية المشرقية، ولكن دون تهميش لرواية المغرب العربي، وزمنياً عليها خلال المدة الممتدة من العام 1980 إلى العام 2010، ولكن دون استبعاد ما قبل ذلك وتحديداً ما صدر منها بعد نكسة حزيران 1967، والتي نرى أنها لا تضيف الكثير، عدداً على الأقل، إلى روايات المدة الأصلية· وعليه، إذا ما بدا هذا الذي ستسعى الدراسة إلى كشفه من صورة الآخر الغربي ممثلاً للوعي العربي المشرقي أكثر منه العربي عامةً، فإن ذلك سيمثل، بدرجة ما، رؤى العربي أي عربي· بعبارة أخرى، نعتقد أن الكثير مما سنكشفه أو نقوله سيصحّ إسقاطه على الرواية العربية بشكل عام، ومن ثم سيمثل بدرجة أو أخرى رؤى العربي عموماً، خلال العقود الثلاثة الأخيرة بشكل خاص· أما لماذا هذه العقود الثلاثة، فنعتقد أن تعليله يكمن في ما شهِدتْه هذه المدة من أحداث جسام قادت إلى تنوّع غير عادي في العلاقات ما بين العرب والغرب، والعكس صحيح فربما قاد هذا التنوع في العلاقات إلى تلك الأحداث الجسام، بدءاً بسيطرة صدام حسين على الحكم في العراق، واتفاقيات كامب ديفيد، والحرب العراقية الإيرانية، واغتيال السادات وتولي حسني مبارك الحكم وما قاد إليه من لعب دور بيدق أمريكا والغرب في المنطقة العربية قاد جلّ عمليات التغيرات المدمرة للعرب في العراق وفلسطين والسودان، ومروراً بغزو العراق للكويت، والحرب الأمريكية الغربية على العراق عام 1991، وفرض الحصار القاسي الذي لم يشهد التاريخ مثيلاً له على العراق، والإعلان عن إنشاء (دولة) فلسطين، ووصولاً إلى غزو التحالف الأمريكي البريطاني للعراق وسقوط بغداد الدراماتيكي واحتلال البلد، وهيمنة حماس على جزء من الواقع الفلسطيني، ومحاصرة قطاع غزة·· وغيرها· وكان من الطبيعي أن نتوقف عند أهم أحداث من نوعها يشهدها العرب، في العصر الحديث المتمثلة في ثورات الربيع العربي، لما سيكون لها من دور وتأثير في كل شيء بما في ذلك الأدب العربي· وعلى أية حال، وتعلقاً بنهاية المدة التي نغطيها، تشاء الصدفة أيضاً أن عملنا في البحث كان خلال السنوات 2009-2011، كما أشرنا، وعليه فكان من المنطقي أن نتوقف عند سنة 2010 التي تسبق سنة اندلاع ثورات الربيع العربي·
صفحة 3
( 3 )
إذا كانت العلاقة بيننا وبين الغرب هي ما تسعى هذه الدراسة إلى الكشف عنه، كما تتمثل في الرواية، وبما يعني بدرجة ما حقيقتها على أرض الواقع، حتى وإنْ لم تبدُ لنا أحياناً هكذا على أرض هذا الواقع، فإن هذه العلاقة، أياًّ كان نوعها أو تنوّعها، لا بد أن تكون قد اعتمدت رؤية كل من طرفيها للآخر وما قادت إليه من رسم كل من الطرفين- العرب أو الشرق، والغرب- للطرف الآخر· ومن هذا المنطلق كان طبيعياً أن تسعى دراستنا، قبل النظر في نوعية علاقة الـ(نحن) العرب بـ(الآخر) الغربي في المتخيّل المتمثل في الرواية العربية، إلى محاولة كشف صور الغرب والغربيين كما تكونت عند العرب خارج هذا المتخيل، والرؤى التي وراءها· ومرة أخرى ما كان لهذه الصور على أرض الواقع، وبعدها في المتخيل الروائي، أن تتكون قبل معرفة الآخر، الأمر الذي كان لا بد أن يسحب الدراسة إلى خارج حدود المتخيّل· وهكذا ستتناول تاريخ اللقاء بين الشرق، العربي تحديداً، والغرب، أوروبياً فأمريكياً، وتطور هذا اللقاء تاريخياً، ثم تاريخ تناول المتخيل الروائي العربــي له وللآخر الغربي نفسه، وتطور هذا التناول وتنوعاته، قبل المدة التي ندرسها، وصولاً إلى ما ستتناوله فصول الدراسة الرئيسة من تجربة الرواية العربية، في العقود الثلاثة الأخيرة بشكل أساس، مع هذا الآخر· وذلك كله في ضوء النزعة الإنسانية التي تبنّيناها من تجربتنا الشخصية التي بدأنا بها مقدمتنا هــذه، مـن جهــة، وبتطبيــق غيــر قســري لإحدى طروحات إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق، كما تمثلت في كتابه المهم والخطير والمفصلي في تاريخ الاستشراق· خلاصة هذه الطروحة أن خطاب الاستشراق قدم شرقاً متخيّلاً ومصنوعاً أراده بعض الغربيين، ولم يقدم الشرق كما هو، الشرق المادي الجغرافي الحقيقي· وتطبيق الطروحة عندنا ستكون بالطبع بشكل معاكس- إن صح التعبير- أي على تقديم الخطاب الروائي العربي للغرب، ووفقاً له سيعني هذا عندنا أن الكثير من هذا الخطاب العربي، الذي تعامل مع الغرب، قدم غرباً متخيّلاً ومصنوعاً أراده بعض العرب ولم يقدم الغرب كما هو، الغرب المادي الجغرافي الحقيقي، وكما سنعرض لذلك من خلال تلخيص طروحة إدوارد سعيد وفرضيتنا نحن المبنية عليها· ولكن من المهم أن نشير هنا إلى أننا حين نتبنى هذه الرؤية تبنّياً خاصاً، ونحن نعرف أن سعيد يُعدّ أهم رواد نظرية ما بعد الاستعمار في كتابه هذا، فإننا لن نبتعد عن هذه النظرية، ومن خلال بعض أهم طروحاتها، كفهم ثنائية الشرق والغرب، والتعددية الثقافية، وعلاقة الأنا بالآخر، ولكن تحديداً من خلال تمثّلها في الرواية العربية بالطبع· هنا سنتفادى التناقض الذي قد يسببه تطبيقنا لطروحات هذه النظرية مع رؤية إدوارد سعيد، كوننا سنطبق رؤية سعيد على رسم العرب للغرب، مقابل تطبيق سعيد لها على رسم الغرب للشرق، كما قلنا، وكما سنبين هذا في التمهيد·من المفيد أن نشير هنا إلى أن هذا الذي قد يبدو تناقضاً، قد تبلور عندنا ونحن نقضي سنتين أستاذاً زائراً في جامعة إكستر بالمملكة المتحدة، وكتبنا خلالها كتابنا هذا، حين انفرز أمامنا غرب غير الغرب الذي عانينا ولا زلنا نعاني، بدرجة ما، من مواقفه السلبية منّا ومن قضايانا، وتربينا على تشخيصه بوصفه عدواً· فهو غرب كان هذه المرة صديقاً وإنسانياً، ولكن دون أن يكون بديلاً كلياً عن صورة المعتدي·
صفحة 4
( 4 )
انطلاقاً من هذا كله وبناءً عليه، جاءت خطة كتابنا الذي بدأناه، بعد هذه المقدمة، بالتمهيد الذي تناولنا فيه (النزعة الإنسانية في الأدب) كونها أحد منطلقاتنا في الدراسة· ولانحسار الكلام فيها في السنين الأخيرة، فقد كان كلامنا تفصيلياً بعض الشيء· وأتبعناه بوقفة قصيرة عند ما نرى أن لها هامشاً من العلاقة الموضوعية، وليست النوعية، بالنزعة الإنسانية، نعني طروحة إدوارد السعيد، والفرضية التي بنيناها عليها، ونظرية ما بعد الأستعمار وكان من الممكن لنا أن نضمّ موضوعاً آخر للتمهيد، لولا احتلاله حيّزاً كبيراً بعض الشيء من جهة، وعلاقته المباشرة بموضوع الكتاب، الآخر الغربي، من جهة أخرى، فجعلناه موضوع الفصل الأول· ذلك هو تاريخ (لقاء الشرق والغرب والمواقف العربية منه)، نعني بهذا المواجهة أو اللقاء ما بين العرب أو الشرق والغرب، كما تم على أرض الواقع، وما نتج عنه من مواقف عربية مختلفة منه ومن الآخر الغربي، لنتناول، بعد ذلك وتبعاً له، تعامل الرواية العربية مع هذا اللقاء، في الفصل الثاني الذي سيكون (رحلة الرواية العربية مع الآخر) وفيه استعرضنا تاريخ تناول الرواية العربية للآخر وأشكاله ومنطلقاته وطبيعته وأهم الروايات التي تناولته إلى ما قبل العقود الثلاثة الأخيرة، وكان هذا غالباً بالاعتماد على مَن كتب في الموضوع وتناول تلك الروايات أكثر من الاعتماد على قراءاتنا نحن لها· وأتبعنا كل ذلك بتوقف عند روايات هذه العقود الثلاثة، وهو توقف عام وغير تفصيلي كوننا سندرسها تفصيلياً في فصول الأطروحة التالية·لأن عموم الصور التي رسمتها الأعمال الروائية العراقية، أو التي يمكن أن ترسمها أعمال أي فن بل حتى الأفراد للغرب والغربيين لا بد أن تتوزع، على اختلاف الأشكال التي تكون عليها، إلى صور سلبية وصور إيجابية، كان منطقياً عندنا أن يأتي الفصلان التاليان ليعنيا بهذين القسمين أو النوعين من الصور، وتحت عنوانَي (صور الغرب الاستعماري والعنصري) للفصل الثالث وفيه سنتناول، ضمن ما سنتناوله، صورة الأمريكي القبيح، و(صور الغرب المتحضر والإنساني والصديق) للفصل الرابع، وفيه سنتناول، ضمن ما سنتناوله، صورة أمريكا الحلم·
واستكمالاً لصور الغرب والغربيين، وبغض النظر عن سلبية هذه الصور أو إيجابيتها، وجدنا من المهم أن نفرد لصور آخرى فصلين آخرين، وذلك لسعة ما احتلاه من مساحات في الروايات، ولعلاقتهما باستكمال الصور، كما قلنا، من جهة، ولأهميتهما في التعبير عما نريد الوصول إليه مما تُعنى به دراستنا بشكل أساس من جهة أخرى· هذان الفصلان هما (صور المرأة الغربية) للفصل الخامس، و(الناس والحياة في الغرب·· صور ومقارنات) للفصل السادس، وفي هذا الأخير، سنقوم فيه بإجراء بعض المقارنات بين الغرب والشرق·
وعلى كل ما مرّ تقريباً نبني الفصل السابع/ الأخير (نحن والآخر·· تواصل أم انقطاع؟)، قبل أن نبني، في الوقت نفسه، على ذلك أيضاً وعلى هذا الفصل بشكل خاص، الخاتمة· ففيه تناولنا مستويات علاقات العرب بالآخر الغربي، كما يمكن استنباطها من الروايات المدروسة نفسها، أو كما تفترضها تلك الروايات، وقد توحي بها وتستشرفها، وفق قراءاتنا لها، وهو الاستشراف الذي سيشكل، في النتيجة، جل خاتمة الدراسة (نحن والآخر·· إلى أين؟)· كما سنحاول في هذا الفصل وهذه الخاتمة أن نرى ماذا سيعني إسقاط ما تمثله الصور التي يرسمها الروائيون للغرب، وإنْ بدرجةٍ، على رؤية العرب له وربما استشرافهم لمستقبل العلاقة به· وهذا يجب أن لا يعني، بالطبع، أن هذا الاستشراف سيكون صحيحاً بالمطلق ولا خاطئاً بالمطلق· هو في كل الأحوال سيكون مهماً وهو يمثل رؤى فئة مهمة من الناس، هم الروائيون أنفسهم، وإلى حد كبير الناس الذين يمثّلونهم، بدرجة ما، وينطلقون من معايشتهم لهم مؤثّرين ومتأثرين بالظروف والزمن والوقائع، كالاستعمار، والصراع الحضاري، والصراع العربي الإسرائيلي مثلاً، مع كل ما يترتب عليها من رؤى عربية مصيبة وخاطئة عن الغرب· وفي هذا يقول أحد الدارسين: بمعزل عن السياسات الغربية السيئة، لاسيما تعلقاً بالصراع العربي الإسرائيلي، كان سوء الحكم العربي في حقبة ما بعد الاستعمار وما بعدها إلى الوقت الحاضر مسؤولاً عن إفراغ النموذج الغربي من الكثير من محتواه الأصلي، لتكون النتيجة رؤية قد تفتقد الدقة للغرب· وإذ ستكون هذه رؤية مستنبَطة من الروايات، كما قلنا، فإنها من جانب آخر رؤيتنا نحن الشخصية ما يجعلها اجتهاداً، ولكنه اجتهاد مبني على التناول النقدي العلمي للروايات المدروسة· بعبارة أخرى، ومع اعترافنا هنا بأن كل ما توصلنا إليه تعلقاً بذلك سيبقى يحمل من الاجتهاد ما تحمله كل دراسة، أن ما تعرضه دراستنا من نماذج الشخصيات والتعامل الفني والموضوعي معها، كما وردت في عدد من الروايات العربية، لهو سندنا في القول بما سنقوله، وفي الخروج بما سنخرج به، وفي اجتهادنا الذي سنجتهده·
استكمالاً للفائدة، التي نأمل أن يقدمها كتابنا للقراء والباحثين، لاسيما من المعنيين بالموضوع، ألحقنا به مسرداً بما وصلت إليه أيدينا وبحثنا من الأعمال الروائية العربية التي تمثّلت الآخر وعُنيت به وبعلاقاتنا (نحن) به· وهنا يجب أن نشير إلى أننا تحمسنا لتقديم هذا المسرد، حين فوجئنا، بعد عقود طويلة من الكتابة التي تتمثل الآخر روائياً وقصصياً، بمن قد لا يعرفون الكثير عن حجم هذا النتاج ونوعه وأشكاله وتعدد رؤاه· بل إن أحد الكتّاب لا يعرف أن هناك المئات من الروايات والقصص التي استحضرت الآخر الغربي، أو اتخذت من المدن الأوروبية ميداناً لحوادثها، فيقول: يذكرنا عنوان رواية الكاتبة اللبنانية حنان الشيخ الجديدة إنها لندن يا عزيزي بضآلة الاعمال القصصية العربية التي تتخذ من المدينة الأوروبية ميداناً لحوادثها ومن العلاقات التي تسود فيها موضوعاً·
بقي، تعلقاً بما استفدنا منه من مصادر ومراجع اعتمدناها في استنباط ما استنبطناه وتبنّي ما تبنيناه وإثارة ما أثرناه من تساؤلات، في عملنا البحثي هذا والوصول إلى نتائجه، وهي جميعاً سندرجها بالطبع في قائمة (المصادر والمراجع)، نرى من الواجب أن نعبر عن الشكر والتقدير لمؤلفيها من روائيين ودارسين وأكاديميين ونقاد· فهم جميعاً أصحاب فضل علينا نقر به، ونشير بشكل خاص إلى كل من الروائيين الطيب صالح وسحر خليفة وصنع الله إبراهيم ومحمد أزوقة ومهدي عيسى الصقر وميسلون هادي وناجي التكريتي، والنقاد والباحثين إدوارد سعيد، وجورج طرابيشي، وحسام محيي الدين الآلوسي، ورشيد العناني، ومحمد راتب الحلاق· وما كان لي أن أتجاوز، في هذا الشكر، الصديق البروفيسور كيرد نونيمان من معهد الدراسات العربية الإسلامية بجامعة إكستر، الذي كان على رأس من هيأوا لي عندهم أفضل ظروف العمل في بحثي·
أخيراً نتمنى أن يسهم هذا كله في رفد الدراسات الخاصة بموضوع (نحن والآخر) في المكتبة العربية، والله من وراء القصد·
أ د· نجم عبدالله كاظم
إكستر - المملكة المتحدة - 2011
صفحة 5
التمهيد النزعة الإنسانية في الأدب
إن عظمة الكاتب تكمن في أن يكون بعضه فيلسوفاً، أو بعضه عالماً، أو بعضه أديباً، ولكن معظمه يجب أن يكون على الدوام إنسانا·سلامة موسى
( 1 )
كثر، من زمن ليس بالقصير، الكلام عن إنسانية الأدب، والإنسانية في الأدب، وبشكل خاص (الأدب الإنساني)· وإذا كانت معروفةً معاني ودلالات التعبيرين الأولين ومفرداتهما، وهي معان ليست ببعيدة عن معاني التعبيرين حين يُستخدمان أو تستخدم اشتقاقاتهما في غير الأدب، فإن التعبير الثالث لهو حمّالٌ لغير قليل من الاختلافات، خصوصاً حين صار أو كاد يصير مصطلحاً، كما سنأتي إلى ذلك بعد قليل· فقبل أكثر من نصف قرن طرحت مجلة (الآداب) البيروتية، مثلاً، سؤالاً وجّهته إلى عدد من الأدباء عما تراه من ضعف النزعة الإنسانية في الأدب العربي، وعن سبب أو أسباب ذلك، إن كان هو كذلك فعلاً· وكان من الطبيعي أن تأتي الردود مختلفة، فمن الأدباء من قال يومذاك إنه بسبب أن الأدباء العرب ما زالوا يتعالون على الشعوب التي يعيشون بينها ويأكلون لقمتهم من كدّ أبنائها، بل إن منهم من يكرهون الفقراء، ومنهم من علل ذلك في ما سماه كسل الأدباء في معالجة الفنون الأدبية التي تتجلى فيها النزعة الإنسانية، ومنهم من علله بغير ذلك· وبالطبع إننا لا نتناول، في دراستنا، هذه المعاني جميعاً في الأدب عموماً بقدر تناولنا لما نعبر عنه بالنزعة الإنسانية والحضارية في الأدب العربي ممثَّلاً بالرواية العربية تحديداً· وحتى ضمن هذا التحديد فإننا لا نتناول هذه النزعة الإنسانية الحضارية في الرواية جملةً، بل عبر جانب أو موضوع بعينه، نعني العلاقات الحضارية والإنسانية والدولية· فإذا كان اللقاء والحوار ما بين الحضارات ونظرة الإنسان فرداً أو مجتمعاً للآخر موضوعاً لا بد أن تتنافس فيه الرؤى الحضارية والإنسانية المختلفة والرؤى القومية وربما العنصرية، فإن دخول هذا في الأدب الإبداعي يعني بالضرورة أن تلعب النزعة الإنسانية دورها في هذا الأدب الممثَّل عندنا بالرواية· وتبعاً لذلك سيعني تناول الموضوع في هذا الأدب أن تؤخذ النزعة الإنسانية بنظر الاعتبار في هذا التناول، وهذا ما سنقوم به فعلاً حين نتناول صور الغرب والغربيين كما يراهما العربي في الرواية العربية، وهي صور تأتي نتيجة اللقاء بين الشرق أو العرب، والغرب وكما تتشكّل في هذه الرواية· نقول هذا، خصوصاً وقد تبنينا ابتداءً فرضيتنا التي بنيناها على طروحة إدوارد سعيد، ولكن بشكل معاكس، وتعني أن الخطاب العربي عن الغرب قدّم ويقدّم غرباً يريده أصحابه أو يرتسم في لا وعيهم أحياناً وليس الغرب الحقيقي تماماً، وعليه فتتصاعد النزعة الإنسانية في ذلك أو تنحسر وفقاً لدرجة هذه الإرادة الواعية وغير الواعية·حين نعود اليوم إلى سؤال مجلة (الآداب) عن ضعف النزعة الإنسانية في الأدب العربي الحديث، بحثاً عن جواب، نجد لزاماً علينا الرجوع قبلاً إلى ما يعنيه مصطلح (الأدب الإنساني)· هنا نتذكر ما أشار إليه الفريد نوبل في وصيته حول من هو الأديب الذي تُمنح له الجائزة التي أوصى بها، إذ قال: هو مَن أنتج أدباً هو الأكثر تميّزا في اتجاه مثالي فهنا كان من الطبيعة أن يعني الاتجاه المثالي، من جملة ما يعنيه للكثيرين، الجانب الأخلاقي إلى جانب البعد الإنساني، مع أن الأكاديمية قد صارت في فترات لاحقة تتحرى في الأديب الذي تمنح له الجائزة أن يمتلك قيمة أدبية عالية وذات أهمية لتطور الأدب· وهذا يعني أن الأكاديمية قد تجاوزت تفسيرها للأدب المثالي ذي الدلالة الأخلاقية· ولكن من الواضح أن الأكاديمية لم تتخل عن خاصية (الإنسانية) الأخلاقية ليكون واحداً من خصائص الأدب الذي تريده·
المعنى الآخر للأدب الإنساني، الذي قد يعنيه من يستخدم المصطلح، هو العالمية، وكما قصدها الأديب الشهير غوتة، مثلاً، وتوسعت لدى رائدة الأدب المقارن الفرنسية مدام دي ستال التي تمثلتها بشكل خاص من خلال اهتمامها بالآداب الأوربية معتبرةً أن ثقافات البلدان الأوربية هي ملك لكل الأوروبيين· وإذ لا يتطابق هذا بالطبع مع المعنى أو المعنيين السابقين فإنه لا يخرج بالضرورة عنهما أو يناقضهما، بل هو قد يلتقي معهما انطلاقاً من أن الأدب إذ يلتزم أخلاقياً، خصوصاً من خلال اهتمامه بالإنسان وشؤون الإنسان، ويكون مثاليا، فإنه يكون في النتيجة أكثر تأهّلاً للعالمية·
هنا نقترب كما يقترب المصطلح تلقائيا من معنى أو دلالة أخرى، تلك هي دلالة ما يسمى بالأدب الخالد الذي يتواتر ذكره في النقد والدراسات الأدبية، وربما بشكل أكثر في الصحافة الأدبية· ومعروف أن المقصود به الأدب الذي إذ يبقى ويعيش على مر الزمن، مع بقاء تأثيره وعطائه، فإنه يكون جزءاً من التراث القومي أولاً، والتراث الإنساني الذي لا يموت غالباً· من هنا جاء تعريف البعض له وبما يجمع جل ما قلناه سابقاً كالآتي:
الأدب الإنسانيّ، هو أيّ نصّ، شعرًا كان أم نثرًا، بصرف النّظر عن الأدوات الفنّيّة التي يعتمدها، يحمل معانيَ إنسانيّة خالدة خلود الزّمان·· والمكان·· والإنسان· وهو أيّ نصّ تُرْجِمَ إلى أيّة لغة، ولم يفقد رسالته الإنسانيّة، ولو كان مغرقًا في المحلّيّة·
أخيراً نأتي إلى المعنى أو الدلالة التي تكاد تشتمل، وبدرجات مختلفة، على تلك المعاني والدلالات السابقة كلها، وفي ظل ما قيل الكثير عنه واختُلِف فيه، نعني التزام الأدب والأديب، وهو الالتزام الذي ربطهما، وتحت مفاهيم وآيديوليجيات وأفكار وفلسفات مختلفة، بالإنسان وإنسانية الإنسان وما يتبع ذلك من قيم· وهكذا وجدنا من يقول عن (الأدب الإنساني)، أو بالضرورة عن إنسانية الأدب، الآتي:
يختص هذا النوع من الأدب في الانحياز نحو التعبير عن إنسانية الإنسان، ويساهم في فضح الانتهاكات والتجاوزات على القيم الإنسانية··· وهذا الاصطفاف للأديب مع القيم الإنسانية يؤدي إلى تعريض حياته إلى العديد من المشاكل، ابتداءً من الفقر وانتهاءً بالتنكيل من قوى الشر التي تجد في هذا الاصطفاف خطورة تهدد مصالحها· ويعبر عن ذلك برنارد شو بقوله: (ألم يصبح الأدب كفاحاً، والكفاح أدباً؟)· ويجد البعض أن اصطفاف الأديب إلى جانب القيم الإنسانية والعمل على الدفاع عنها يعود إلى ضمير (الإنسان الأديب)، فكلما كان ضمير الأديب حياً، كان حراً في التعبير والدفاع عن قيم الخير··· وهناك من يجد أن الحرية الحقيقية التي يسعى إليها الأديب هي تعبير عن حرية الضمير، والأديب الذي يمنح ضميره إجازة، في أي مرحلة من مراحل حياته، يفقد حريته، وبذلك نجده يغير من اصطفافه لصالح قوى الشر· ويجد فولتير أن حرية العقل وحرية العقيدة وحرية الضمير هي أثمن ما يملكه البشر· وهنا تكمن عظمة الكاتب والمبدع والأديب الذي ينهل من القيم الإنسانية مادته ويصنع منها آلياتٍ وأسلحةً مضادة ضد قوى الشر التي تسعى لفرض قيمها على سائر البشر· وبهذا يعبر الأديب عن إنسانيته، وبالتالي عن حريته التي دُونَها يفقد آلياته في التعبير· ويعبر سلامة موسى عن ذلك خير تعبير بقوله: (إن عظمة الكاتب تكمن في أن يكون بعضه فيلسوفاً، أو بعضه عالماً، أو بعضه أديباً، ولكن معظمه يجب أن يكون على الدوام إنساناً)· وبهذا فإن الأدب الإنساني، هو تعبير عن الحرية والضمير وقيم الخير والتصدي لقيم الشر المضادة·وهكذا النتاجات الأدبية، لا تعبر عن عظمة وحجم الأديب في عالم الأدب، بل عن ماهية هذه النتاجات الأدبية· فالتقييم للأعمال الأدبية لا يعتمد معيار عدد النتاجات وإنما قيمة هذه النتاجات وما تقدمه لرفد الحضارة الإنسانية·
والواقع أن الكثير قيل وكُتب عن مثل هذا الأدب وعما ارتبط به طويلاً، نعني الالتزام، بل إن هذا الالتزام صار أو كاد يصير المشرّع للأديب ليكون أديباً فعلاً أو لا يكون· أما (الأدب الملتزم) فقد صار عنواناً يترى في كل وقت ومكان، والقول به صار أشبه بالموضة، لاسيما بين مثقفي ما بين الخمسينيات والسبعينيات من القرن الماضي· هنا كلنا يتذكر طروحات سارتر في الحرية والالتزام وما قيل من كثير القول والنقاش والآراء في ذلك، وكيف صار القول في الالتزام والأدب الملتزم مطرداً في ما قد يبدو نقيضاً له، نعني الكتابات الوجودية والخطاب الوجودي· في الواقع أن القول بالالتزام في الأدب، وبما يقود إليه من خصائص الإنسان والإنسانية وإيجابية الحياة، قد أخرج الوجودية ذاتها، إلى حد كبير، مما كان أشبه بمَحبس لها عقوداً طويلة، نعني ارتباطها بالتشاؤم والعدمية والسوداوية واليأس· وفي العودة إلى ذلك، في الأدب خصوصاً، وفي الفنون عموماً، فإنه لواضح الآن أن الارتباط بالأدب والإنسان ومعالجة قضاياه قد صار واحداً من مواصفات ما يجب أن يكون عليه الأدب، وتبعاً لذلك صار تقييمه ينطلق من هذا أولاً، على الأقل في مراحل مهمة من مسيرة الأدب الحديث، أو ضمن توجهات مهمة ورئيسة فيه، ولم يكن الأدب العربي ببعيد عنه·
نعرف أن التقييم النقدي للأدب الإبداعي، وفي سعيٍ لطوي صفحة المضمون والموضوع لحساب الشكل والفن، قد انصرف عن ذلك بشكل محدود في الستينيات، وبشكل واسع في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وفي ظل ازدهار البنيوية بعد ممهداتها المتمثلة في النقد الجديد والتيارات اللغوية الحديثة في النقد· لكن ملامح عودة النقد الموضوعاتي، وبالتالي الاهتمام بالمضامين، قد وسمت المدة التالية، ربما ليعني ذلك، ضمن ما يعنيه، البحث من جديد عن غايات الأدب وأهدافه وربطه بالمجتمع والإنسان والإنسانية·
صفحة 6
( 2 )
وهكذا، وبناءً على ما مرّ، ربما لا نستطيع استبعاد أيًّ من المعاني والدلالات السابقة من النزعة الإنسانية للأدب العربي· والواقع أن الأدب العربي، مع كل ما اشتملت عليه أجوبة بعض من سألَتْهم مجلة (الآداب) في استفتائها الذي أشرنا إليه، لم يكن بعيداً عن النزعة الإنسانية، حتى وإنْ بدا بعضه كذلك أحياناً· وربما كانت شواهد ذلك غير واضحة بما يكفي لتأشيرها بشكل مباشر أو تناولها دراسياً أو بحثياً ونقدياً في أجناس بعينها، بحكم طبيعة هذه الأجناس، وفي فترات معينة، وفي آداب أقطار محددة بفعل عدم تعرض هذه الأقطار لأزمات شديدة سياسية واجتماعية وثقافية· لكنّ شواهد هذه الأعمال والموضوعات والأفكار والمعالجات، في أدبنا عموماً أو في أجناس بعينها منه، لتبقى أكثر من أن تُغفل· ولأن التعرض لها يخرج عن اهتمامات كتابنا إلا بحدود تعلق الأمر بما يدل عليه عنوانه، فلا بأس في أن نعرض باختصار لأبرز موضوعات الأدب العربي الحديث التي يكون لهذه النزعة تأثيراتها فيها، وهي:أولاً: موضوعات الظلم الاجتماعي والفوارق الطبقية وما ينتج عنها من فقر ومعاناة وظلم ومظالم تلحق خصوصاً الطبقات المسحوقة· والواقع أنه قد نُظر دوماً إلى الأعمال التي تعالج هكذا موضوعات، تتعلق بالطبقات الفقيرة والمسحوقة، على أنها أعمال إنسانية، وفي كل الآداب ومنها الأدب العربي· ولا نظن أن أديباً عربياً لم يتطرق لذلك، بهذه الدرجة أو تلك· إن المعالجة الإنسانية المنحازة إلى الإنسان المظلوم هنا هي التي تمثل النزعة الإنسانية، التي نجدها بشكل خاص عند الأديب الملتزم وصاحب الموقف، والذي يشكل هذا الموضوعُ إحدى الثيمات التي يهتم بها· ولنا أمثلة على ذلك بعض أعمال مصطفى لطفي المفلوطي، وبدر شاكر السياب، ونجيب محفوظ، وغائب طعمة فرمان، وعبد الرحمن الشرقاوي·
ثانياً: موضوعات القمع السياسي والسجون والمعاناة من ذلك· إن موضوعة السجون تتعدى بالطبع حدود النَّفَس الإنساني لتكون، في الكثير من الأحيان، موضوعات سياسية فحسب· وقد تكون، في بعض مستوياتها، نفسية، من خلال ما تعالجه من توترات وعُقَدٍ وأحاسيس باليأس والإحباط وما إلى ذلك، كما نجده مثلاً لدى عبد الرحمن مجيد الربيعي في واحدة من أشهر وأبكر روايات السجون، الوشم، وإسماعيل فهد إسماعيل في رباعيته وغيرهما· لكن النزعة الإنسانية تكون المهيمنة أو ضمن المهيمنات في أعمال أخرى بالطبع، مثل بعض أعمال عبد الرحمن منيف، وفاضل العزاوي، ومحمود درويش، والطاهر بن جلون، ولا ننسى شعراء السجون والمعتقلات·
ثالثاً: وتعلقاً بالموضوعات السابقة، تأتي موضوعات الهجرة والغربة، ولا سيما الإجبارية الناتجة عن القمع السياسي بشكل خاص· إن النفَس الإنساني هنا يتركز ويتوهج، في الوقت نفسه، حين تصدر الأعمال الأدبية من معاناة الإنسان من البعد عن الوطن ومما يلاقيه في الخارج· ومن أمثلة ذلك بعض أعمال أحمد شوقي، وإلياس فرحات، وسميرة المانع، وعبد الرحمن منيف، وبدر شاكر السياب، وبلند الحيدري·
رابعاً: موضوع المقاومة والحرب· وإذا ما كان الأدب العربي قد قدم مثل هذا الموضوع أو الموضوعات من خلال معالجاته لحروب العرب وإسرائيل، وخصوصاً حربّي حزيران 1967 وتشرين 1973، والحرب العراقية- الإيرانية 1980-1988، فإن الموضوع أكثر ما تمثّل واضحاً ومؤثراً في أعمال المقاومة الفلسطينية، كبعض أعمال غسان كنفاني، ومحمود درويش، وسميح القاسم· ولعل من جميل ما عبر عن هذا الأدب القول عن بعض أعمال القضية الفلسطينية الإبداعية العربية: لقد كتبوا عن محمد الدرة في الوطن العربي مشرقه ومغربه، ماذا تبقى منه؟ لا شيء! الذي يتبقى هو الأدب الإنساني· حينما نصل إلى درجة الزعيق فقد وصلنا إلى العنصرية التي نرفضها، مفروض أن نتعامل بشكل حذر وفعال مع قضيتنا ليكون أدبنا ذا صبغة إنسانية مثل أدب أمريكا اللاتينية وأفريقيا!· وهذا يعني أن الأدب الذي يتعامل مع الحروب وتأثيراتها لا يكون في كثير من الأحيان إنسانياً، بل لا نبتعد عن الحقيقة إذا ما قلنا إنه كثيراً ما يكون لا إنسانياً، بل هو قد لا يكون أحياناً أدباً فعلاً، كما هو حال الكثير مما يصب في ما يُسمى بأدب البطولة والتعبئة· أما النزعة الإنسانية فأكثر ما تتمثل في معالجات مآسي الحرب عموماً وتأثيراتها العميقة سلبيباً في المجتمع والإنسان، ثم الأسْر والموت والفقد كما ينعكس على هؤلاء الذين يفقدون أعزة موتاً أو أسْراً أو فقداناً، من أزواج وأحبة آباءً وأبناءً· ومثل هذا نجده في أعمال أدباء مثل غسان كنفاني، ومحمد خضير·
خامساً: موضوع (نحن والآخر)، والمقصود بشكل خاص نحن العرب، والآخر الغرب والغربيين· ونعني به ابتداءً رؤية الآخر ثم ما ينفرز عن ذلك أو يشتمل عليه من صورة هذا الآخر والعلاقة معه وإمكانات التواصل وضروراته بل حتميته انطلاقاً من المشتركات الإنسانية· ومن أمثلة هذا التناول ما تعكسه بعض أعمال توفيق الحكيم، وعبد الوهاب البياتي، وسهيل إدريس، والطيب صالح، وعبد الرحمن منيف، وصلاح عبد الصبور، وواسيني الأعرج، ومهدي عيسى الصقر، وميسلون هادي، وسحر خليفة·
في الفصول القادمة سنتناول بالطبع الموضوع الأخير، نعني (نحن والآخر) وتحديداً في الرواية العربية· بعبارة أخرى سنحاول أن نعرف كيف يرى العربي الآخر الغربي وكيف ينظر إليه وما هي الصور التي ترتسم في ذهنه لذلك الآخر، وما الذي ينتج عن ذلك من رؤية يتبناها، ثم ماذا سيعني ذلك كله من حيث إمكانات تواصل العربي مع الآخر الغربي؟·· وكل ذلك كما يتمثل في الرواية العربية، كما قلنا، وفي ضوء النزعة الإنسانية· فقد ساهمت النزعة الإنسانية في الأدب العربي الحديث في بلورة حضور الغرب في هذا الأدب بكل تجلياته الجمالية والثقافية والمعرفية والإنسانية والسياسية· ولأن هذا هو موضوع دراستنا، فإننا سنتناول في الفصل الأول من فصول الدراسة، اللقاء ما بين الشرق، متمثلاً بالعرب بشكل خاص، والغرب متمثلاً بشكل خاص بأوروبا، ورؤية العربي للآخر الغربي· ولكننا سنتوقف قبلاً عند طروحة إدوارد سعيد التي نتبناها جزئياً ونطبقها على تعامل الروائيين العرب في رواياتهم مع الآخر، غير بعيد عن النزعة الإنسانية·
صفحة 7
( 3 )
نتوقف عند طروحة إدوارد سعيد هذه، ليس لعلاقتها الهامشية بالنزعة الإنسانية فحسب، بل لأنها تعكس طروحة نتبناها جزئياً في دراستنا، وبشكل يمكن أن نسميه معاكساً، كما قلنا في المقدمة· وفحوى هذه الطروحة المهمة التي قال بها في كتابه الشهير الاستشراق أن الغربيين، كما تمثّلوا في الاستشراق وخطاب الاستشراق، حين نظروا إلى الشرق فإنهم غالباً نظروا إلى شرق أرادوه أو تخيّلوه أو ارتسم في أذهانهم، وليس الشرق المادي والجغرافي الحقيقي· ووفقاً لذلك انبنت لدينا فرضية فحواها أن الشرق أو العرب متمثَّلين بالروائيين والرواية العربية، حين نظروا إلى الغرب، فإنهم كثيراً ما نظروا إلى غرب أرادوه أو تخيّلوه أو ارتسم في أذهانهم، وليس الغرب المادي والجغرافي الحقيقي· ومن هنا يكون مهماً التوقف عند كتاب إدوارد سعيد هذا لنعرضه باختصار·لعل من أوليات ما يكشف عنه إدوارد سعيد، في كتابه الاستشراق، صراحةً وضمناً، آلية السلطة والسيطرة والقوة، والآلية التي مارست وتمارس بها المؤسسة الغربية الرسمية السلطة، وكل ذلك في تعامل هذه المؤسسة، وما ينشأ منها من سلطة ومستشرقين، مع الشرق· ولكن الكتاب لا يتعامل مع هذا الشرق المادي والجغرافي الذي نعرفه، بل عن شرقٍ تصوَّرَه الغرب إلى درجة يمكن أن نقول معها إن هذا الغرب- ممثَّلاً بخطاب الاستشراق- كان حين يتصور شرقاً يريده، ينفي وجود الشرق الحقيقي· والغرب حين يفعل ذلك فإنه، وانطلاقاً من فاعلية المعايِن- الغرب- في المعايَن- الشرق- وبالعكس، فإنه يؤدي إلى أن الموضوع المعايَن يبدأ بصياغة المعايِن على صورته· هكذا يصبح الاستشراق كبنية فكرية غربية ممتلكاً للخصائص التي عاينها في الشرق (البنية الفكرية اللا غربية) وتصبح المعرفة بالشرق وشرقنته، جزئياً، شرقنة للذات والمنهج الغربيين كذلك· ويرى سعيد أن الغرب، كونه ثقافياً متقدماً ومتعالياً، كان لا بد أن يؤدي إلى رسم صور مشوهة للشرق، كما قدمها فعلاً الكثير من الآراء الاستشراقية العنصرية كتلك التي لإدوارد لين ورينان وغوبينو وبلفور وكرومر، وغيرهم ليكون الشرق الخاص المختلق أو الملفّق أو المصنوع أو، على الأقل، المشوه، وفي النتيجة أصبح على الغربي أن يقبل الصورة التي خلقها المستشرقون عن الشرق·
ويرى إدوارد أنه منذ منتصف القرن الثامن عشر تبلور عنصران رئيسان في العلاقة بين الشرق والغرب· العنصر الأول، هو المعرفة الأوربية المنظمة المتنامية بالشرق وهي معرفة دعمتها المواجهة الاستعمارية··· أما العنصر الثاني فهو أن علاقة أوربا بالشرق كانت دائماً علاقة القوة··· إن الاستشراق كان في نهاية المطاف رؤية سياسية للواقع، رؤية للفرق بين المألوف (أوربا، نحن) وبين الغريب (الشرق، المشرق، هم)· وكل ذلك انطلاقاً من فرضية رئيسة مفادها أن هناك خطابا للهيمنة، يقوم بفرض تصوره، أو تمثيله للآخر التابع الذي لا يملك خطابا يستطيع أن يمثل نفسه عبره· ولأن الشرق كان، في رؤية الغربيين له، كما أرادوه، فإنه كان في الخطاب الاستشراقي شرقاً لا متغيراً·· هو، في الواقع، نتاج لقوى سياسية وفكرية يمثلها الغرب، وليس الشرق الحقيقي، المادي والجغرافي·
والآن، نحن حين نتبنى جوهر طروحة إدوارد سعيد، فإننا لا نعني هنا تطبيقها حرفياً بالطبع، بل تطبيق رؤيته، ليكون التطبيق هنا بشكل معاكس، إن صح التعبير، وبشكل فرضية نحاول أن نثبت صحتها وتحديد استثاءاتها المتوقعة· وهي تكونت لدينا، من قراءة كتاب إدورد سعيد من جهة أولى، ومن التجربة الشخصية على أرض الواقع، رؤيةً ومعيشةً وتعايشاً، من جهة ثانية، ومن قراءة بعض ما قدمه الأدب العربي الحديث، ولاسيما الرواية وإلى حد ما القصة القصيرة، من جهة ثالثة· تقول فرضيتنا هذه، (إن الروائيين العرب غالباً لم يصوروا، في خطابهم الإبداعي، الغربَ كما هو على أرض الواقع، الغرب الجغرافي المادي، بل كما رأوه ذهنياً وفكرياً، أو كما أرادوا له، وربما تمنوا، أن يكون)· بمعنى أن الكثير مما نراه في الروايات العربية عن الغرب، أفكاراً وأحداثاً وشخصيات وعوالم، ليس بالضرورة هو تمثّل للغرب الحقيقي، نعني الغرب الجغرافي المادي الذي نعرفه ويعرفه العالم، بل هو غرب ذهني- أي في أذهان الروائيين- وهو في النتيجة ورقي مرغوب فيه أن يكون بالشكل الذي تقدمه الروايات لأسباب يتعلق بعضها بالكاتب، وبمرجعياته والمجتمع الذي ينتمي إليه، والظروف الخارجية والسياسة والتاريخ، وهو ما سنسعى، على أية حال، إلى كشفه في ثنايا دراستنا·
بقي، برأيي، أن الذي قال به إدوارد سعيد بصناعة الخطاب الاستشراقي للغرب ليس بجديد في حقيقته، بل هو واقع يتحقق، بدرجة أو بأخرى، في نظرة كل إنسان تقريباً، للآخر، وكل شعب للآخر، وكل أمة لأخرى·· إلخ· لكنّ سعيد صاغه بشكل رؤية وربما نظرية نجح في تطبيقها وإثباتها من خلال تحليله وتفكيكه للخطاب الاستشراقي، ولهذا ليس غريباً أن ينطبق هذا على رؤية العرب، ومنهم الروائيون، للغرب، كما سنسعى إلى بيانه·
ومن جهة ثانية أن رؤية إدورد سعيد قد تكون جزئية من طروحات نظرية ما بعد الاستعمار، التي يُعد، في كل الأحوال، أحد روادها، التي سنتمثل تطبيقياً بعضها، كما قلنا في المقدمة، في عملنا التحليلي والتنظيري، وعليه يكون مهماً التوقف باختصار عندها· والأصل هو أن سعيد قد تناول، في كتاب الاستشراق، الخطاب الاستعماري، المتمثل تطبيقياً لديه، في خطاب الاستشراق· ولكنه في الوقت ذاته شهد بداية مفهوم ما بعد الاستعمار، الذي إذا كان مفهومه الحالي دخل إلى الخطاب النقدي في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات على أيدي: إدوارد سعيد وهومي بابا، وجياتري سبيفاك، فإن نظرية مقاومة الاستعمار تعود إلى بداية حركة الاستعمار ذاتها· أما أهم ما قالت به ليكون طروحاتها الرئيسة فهي:
1) فهم ثنائية الشرق والغرب، ··· وذلك برصد العلاقات التفاعلية التي توجد بينهما سواء أكانت تلك العلاقات إيجابية مبنية على التسامح والتفاهم والتعايش أم مبنية على العدوانوالصراع الجدلي والصدام الحضاري···؛
2) مواجهة التغريب، ··· محاربة سياسة التغريب والتدجين والاستعلاء التي كان ينهجها الغرب في التعامل مع الشرق··· ؛
3) الدفاع عن الهوية الوطنية والقومية، فرفض كتّاب ومثقفو النظرية الاستعمارية الاندماج في الحضارة الغربية، وانتقدوا سياسة الإقصاء والتهميش والهيمنة المركزية، ورفضواكذلك الاستلاب والتدجين···؛
4) علاقة الأنا بالآخر، ترتكز نظرية ما بعد الاستعمار على مناقشة علاقة الأنا والغير··· من أجل فهم العلاقة التفاعلية بين الأنا والغير، هل هي علاقة جدلية سلبية قائمة علىالعدوان والصراع أم هي علاقة إيجابية قائمة على الأُخوّة والصداقة والتعايش والتسامح؟···
5) غربة المنفى، يعيش أغلب المثقفين الذين ينتمون إلى نظرية ما بعد الاستعمار في الغرب منفيين أو لاجئين أو محميين أو معارضين· ومن ثم، ينتقدون مرة بلدانهم الأصلية وواقعها المتخلف، ومرة أخرى، يرفضون سياسة التغريب والتهميش والتمركز الغربي· ويعني هذا أنهم يعيشون تمزقا ذاتيا وموضوعيا، وهم دائما في غربة ذاتية داخل المنفى المكاني والذاتي والعقلي والنفسي كما هو حال جوليا كريستيفا وإدوارد سعيد مثلا···؛
6) التعددية الثقافية، دافع كثير من مثقفي نظرية ما بعد الاستعمار عن التعددية الثقافية، ورفضوا التمركز الثقافي الغربي والثقافة الواحدة المهيمنة، كما رفضواسياسةالتدجين والتغريب والإقصاء· وكل ذلك مما قد نجد غالبية الروايات التي ندرسها تتمثلها كلاًّ أو بعضاً·
صفحة 8
لقاء الشرق والغرب والمواقف العربية منه
من جديلة النسيج الاجتماعي الذي يضم الأنا والآخرين تتحدد صورتنا عن أنفسنا، وتتحدد صورة الآخرين أيضاً·رجاء عيد
( 1 )
قبل الخوض في موضوعنا، من الضروري علمياً ومنهجياً توضيح أمر، لعله مُدرَك ضمنياً، ذلك هو تداخل ثلاث تسميات أو مصطلحات يرد استخدامها في مثل هذا الموضوع، وفي موضوع الاستشراق تحديداً، تلك هي (العرب، والإسلام، والشرق)· وإذا كان الاستخدام العلمي لها في الاستشراق يفرض التفريق بين كل منها والآخرَين، فإن دلالة الواحد منها، في موضوعاتنا، كثيراً ما تعني دلالة الآخرَين أيضاً· وعليه لنعترف بعدم إمكانية تجاوز مثل هذا التداخل ودلالة المصطلحات الثلاثة على شيء واحد في كثير من الأحيان، ونحن نتعامل في كتابنا مع (العرب) تحديداً، أو الذات العربية· أما (الآخر)، فمع دلالته الشاملة على كل من هو غيرنا نحن الشرقيين أو المسلمين أو العرب، فإننا نعني به (الغرب) تحديداً، وذلك لخصوصية علاقتنا به، فنحن، لا نستطيع في معرض الحديث عن الذات العربية أن نتجاهل هذا الآخر/ الغرب، سواء بوجهه الإيجابي أو السلبي·وتعلّقاً بالذات، نعي جميعاً العاطفية التي كثيراً ما تدفع العربي، كما يمكن أن تدفع أي إنسان يتصف بها تقريباً، إلى تصور الآخر، غربياً أم غير غربي، بهذا الشكل أو ذاك، وإلى تبني المواقف منه، أو إلى الفعل معه· وإذ نعي وجود هذه العاطفية فإننا لا يمكننا تجاوزها تجاوزاً تاماً، ولكننا ننتظر من نخبة المفكرين والمثقفين، والأدباء منهم بالطبع، إخضاعها بدرجة ما للعقل والمنطق في علاقتها بالموقف من الآخر وفي ملاحقتها للأمور المختلفة المتعلقة بذلك من أحداث ووقائع وشعوب وتعاملات وصراعات وحوارات· بتعبير آخر نحن ننتظر لا إلغاءَ لها، كما يدعو البعض، بل إلى إلحاقها بالعقل، وما بين هذا وذاك فرق جوهري· فالإلغاء يتناقض مع الواقع، إذ يعني إلغاء خاصية مهمة من خصائص الشخصية العربية، هي ليست بالضرورة سلبية كما يروّج البعض، وبما يعني مسخاً بدرجة أو بأخرى لجزء مكوّن من هذه الشخصية· وأعتقد أن غير قليل من المفكرين والكتاب والسياسيين والناس العاديين، ونحن منهم، لا يستطيعون تنفيذ هذا الإلغاء أو تجاوز هذه الخاصية، إنْ لم نقل يرفضونه· والواقع ونحن نخوض موضوعَ رؤيةِ العربي للآخر وعلاقته به، ليست هذه العاطفية هي تحديداً التي تشكّل الرؤية العربية للآخر الغربي، بل بظننا أن ثلاثة عوامل رئيسة- قد تتفرع بدورها إلى عوامل ثانوية- كانت مدةً طويلة وراء التصور المطلق أو شبه المطلق في سلبيته لهذا الآخر كما شاع في أذهان الغالبية الكبيرة من العرب، ووراء هيجان عاطفيتنا إيجاباً وسلباً· لكن العاطفية في كل ذلك تحضر، بدرجة أو بأخرى· هذه العوامل هي:
العامل الأول: هو حقيقة الغربي ذاته، في طبيعته ورؤيته وفعله وما يصدر عنه تجاهنا من أعمال ومواقف عدائية أو غير ودية (not friendly)، على حد التعبير الإنكليزي، على الأقل من خلال من احتك العرب بهم من الغربيين الذين هم غالباً رجال حرب واحتلال·
العامل الثاني: هو محدودية احتكاك العربي عموماً بالغرب، في أوقات بعينها يتعرض فيها الفرد أو الجماعة، التي تكوّن التصوّر عنه، لتأثيرات، سياسية غالباً، موضوعية وغير موضوعية·
العامل الثالث: هو ما قد يكون ناتجاً عن العاملين السابقين، وهو ما قد نعبر عنه بالشعور بالنقص، وربما الدونية، عند الكثير من العرب، تجاه الغرب، والذي قادهم إلى تصور هذا الغرب، ثم تصويره في الخطاب الثقافي العربي، كما أراد أو يريد وعيهم ولا وعيهم أن يكون، وبشكل مشابه لذلك الذي كشف عنه أو تبناه إدوارد سعيد في توصيف الغرب في الخطاب الاستشراقي للشرق·
ولنتوقف في ما سيأتي عند كلِّ من هذه العوامل لنرى كيف عملت وتعمل·
صفحة 9
( 2 )
العامل الأول: معروف أن التصور الغربي عن العرب والإسلام والشرق، بل عن الآخر بشكل عام، هو نتاج تاريخ طويل خاص بالغرب ذاته من جهة أولى، وبما عُرف بالمركزية الأوروبية، وربما أحياناً الأورو- أمريكية، وفي تعامل الغرب (المركز) مع الآخرين (الأطراف) بتعالٍ وتهميش من جهة ثانية، وبالعلاقة بين الغرب والشرق من جهة ثالثة، وبالمعتقدات والخلفيات والمرجعيات الفكرية والدينية من جهة رابعة· وهذا تصور أو رؤية سماها عبد الوهاب المسيري الرؤية المعرفية الإمبريالية وانطوى على شيء منها كتاب إدوارد سعيد الاستشراق وأهم ما يؤخذ على هذا التصور، بمعزل عن تقييمنا له من حيث الصحة والخطأ، أنه نتاج منظور أحادي المعرفة، ونعني بالأحادي هنا، ما عناه الدكتور علي القريشي بها من أنها اعتماد المعرفة على مصدر واحد يتمثل بكل ما هو محسوس أو تجريبي، وبما يرتبط بالحس والتجربة من تفكير عقلاني··· لقد تشكل هذا المنظور عبر ظروف تاريخية واجتماعية شاعت خلالها المدرسة (العقلية) التي تعتبر العقل أساس المعرفة، والمصدر الوحيد الذي يقود إلى فهم الطبيعة والإنسان والمجتمع، ويساعد على اكتشاف قوانينها، بعيداً عن أي منظور غيبي أو رؤية ميتافيزيقية··· ومن كل ذلك تبلور النموذج المعرفي الغربي، الذي قُيّد بالأبعاد المادية والطبيعية والآفاق المحدودة للعقل البشري، دون الاعتراف بما هو ميتافيزيقي أو بما يخرج عن نطاق الحقيقة المادية· فمع عقلانية هذا المنظور، إلا أن تطبيقه قاد أصحابه إلى التعالي على كل ما قد يكون من خصائص الآخرين، الأمر الذي قاد الغرب- ضمن ما قادهم إليه- إلى عدم فهم الآخرين، ومنهم العرب، أو فهمهم كما هم· ويواصل الدكتور علي القريشي: ومن هذا المنطق، وفي سياقاته، ساد المفهوم العلماني لدى أغلب مدارس العلم الغربي، وأُسقطت في غضونه كل الحقائق التي لا تُشتقّ من المدركات المادية، حتى أنه لم يعد للقوانين الإلهية والأخلاقية موضع في التشكيل المعرفي أو في بناء العلوم· فالواقع وحده عندهم مصدر التنظير، وأضحت سلطة المعرفة تتعامل مع العالم كمادة استعمالية· ولكن أي واقع هذا؟ ليس الواقع كما نراه نحن، بل الواقع كما يرونه هم· أي هو ليس الواقع الحقيقي من وجهة النظر العربية الغالبة· وهو الأمر الذي يحيلنا مباشرةً إلى خطاب الاستشراق كما شرّحه إدوارد سعيد في كتابه السالف الذكر· ولعل هذا هو ما ينطبق عليه كلام الدكتور رشيد العناني، وتحديداً حين يكوّن الغرب فكرته أو تصوّره، وضمن ذلك حكمه، عن الآخر الشرقي أو المسلم أو العربي، حين يقول:كان ذلك عيّنة نموذجية للتصورات الغربية عن الشرق كما طرحها إدوارد سعيد للمناقشة· فدراسته قد حاولت أن ترينا أن هذه التصورات لم تكن نتاج مراقبات وتأملات موضوعية للواقع الإمبريالي- مستعملين تعبير كيسنجر- ولا المنهج الفكري للعقلانية- مستعملين تعبير جيب- بل نتاج صراع سياسي وثقافي طويل يعود بعيداً في التاريخ إلى العصور الوسطى، بالغاً ذروته في استعمار القرنين التاسع عشر والعشرين·
وربما لا يبتعد عن هذا ما يراه البعض حول الاستشراق، من أن المستشرق يرفض أن يحلَّل هو بدوره، وأن يرى تقييماً لنواياه ودوافعه- الواعية منها وغير الواعية- إنه ينصِّب نفسه قاضياً· وهو إذ يفعل ذلك، فشرعه، ومرجعه حضارة الغرب، التي تجعل من نفسها حضارة الإنسان!!! والحقيقة أن هذه الحضارة حين حققت هذه الإنجازات الباهرة، وأنتجت تلك القوة الجبارة المستبدة، جعلت الحضارات الأخرى تتساءل: لماذا تقدم الغرب وتأخرنا؟ ولماذا هم أقوياء؟ إلى آخر ما هنالك من صيغ مختلفة لسؤال جوهري واحد··· والغرب- نفسه- رأى في الشرق ما أراد هو أن يراه··· في الحالين كان الغرب هو الذي يحكم، هو شاهد العصر، يقدم نفسه، ويقدم رؤيته عن الآخرين· فهو العين التي تنظر وتحاكم كما ذكر ذلك ج· كونراد في كتابه: (تحت أعين الغرب)، والعنوان واضح الدلالة· وما يعزز التصور المسبق والقائم على المعرفة التي نسمح لأنفسنا بوصفها المنحازة وغير الصحيحة، تأتي النزعة المركزية الأوربية التي ترى أن الغرب هو العقل والآخرون هم الخرافة، والغرب هو التحضر والآخرون هم التخلف، والغرب هو المركز والآخرون هم الأطراف، وهذا ما ظل مستقراً في وجدان الغربيين وعقولهم سواء السياسية أو النخبة العلمية أو حتى الإنسان العادي· ولهذا فإن المحاججة الرائجة حتى اليوم تقول بأنه لا توجد لدى الثقافات المهمّشة ما يخولها إبداع عقلانية من رحم ثقافتها بالطريقة التي تتناسب مع استيعاب ثقافة المركز الغربي، وبالتالي فإنه ليس أمام أصحاب هذه الثقافات إلا الذوبان بتلك الثقافة· وهذا كان لا بد أن يقود الغرب إلى النظر إلى الآخرين، الذين هم نحن العرب، والشرق عموماً بشكل خاص، والحكم عليهم وعلى كل ما يصدر عنهم، في ضوء مقاييسه هو، نعني الغرب، المحكومة بثقافته وحضارته ومرجعياته، وهي المقاييس التي تقوده إلى اعتبار أن الجنس الأوربي وما يرتبط به من أنماط معرفية وتجارب اجتماعية هو النموذج الذي يُقاس عليه، وبالتالي لا تُقوّم الثقافات والتجارب الأخرى إلا على أساسه· ولعل ما يرتبط بدور هذا العنصر في تكوين منظور الغربي تجاه الآخر هو النزعة العرقية العنصرية، وإن كان مرجع هذا أوربا القديمة، لحضارتيها اليونانية والرومانية، حيث تقسيم الناس إلى طبقات، خصوصاً بيض وملونين، وما إلى ذلك مما يدخل ضمن ما يسمى (مبدأ اللامساواة) الذي طبق في القرنين الأخيرين بشكل خاص على غير الأوربي، وهو مبدأ كثيراً ما تضخم عند دول غربية تجاه بلدان شرقية بعينها، وفي فترات لها خصوصيتها تعلقاً بعلاقة الشرق والغرب· وكل ذلك في ضوء امتلاك الغرب للمعرفة، وتحولها عنده إلى سلطة وقوة يمارسها تجاه الآخرين ممارسة عنصرية متعالية قمعية طاغية· ولنستحضر هنا نموذجاً متأخراً تاريخياً يجسد، على قصر نصّه، الكثير من هذا· يكتب السيناتور الأمريكي إلبرت بيفردج عام 1898 قائلاً لشعبه:
لا تنزعجوا من تحمل مسؤولية هؤلاء الذين وقعت أقدارهم في أيديكم، وسوف تجدون أنهم مخلوقات متعبة: نصف شياطين ونصف أطفال، افهموا أن أمريكا لم يعد في مقدورها أن تهرب من رجولتها· تعالوا كي تمارسوا هذه الرجولة الآن حتى وإن كانت النتيجة جحود فضلكم متذرعين بالشجاعة وبالحكمة، وتعلموا من تجربة من سبقوكم·
وواضح أن الكلمة تعكس تماماً تلك الرؤية والفكر والمصلحة التي كانت وراء تراجيديا حملة الرجل الأوروبي الأبيض على الهنود الحمر، سكان أمريكا الأصليين، وعلى غيرهم في ما بعد·
والواقع أن صورة الشرق عموماً والعرب خصوصاً، من منظور الغرب، قد تطرفت في سلبيتها إلى الحد الذي أعمى الكثيرين، بمن فيهم مفكرون ومستشرقون وسياسيون، عن الرؤية الحقيقية الموضوعية· فهم لم يعودوا يرون من شيء إيجابي يمتلكه العرب والشرقيون على المستوى العقلي والفكري والإبداعي، أو ربما كان بعضهم يتغافل عنه بوعي، بل يحاول أن يجد تفسيراً لما كان يمتلكه تراثاً غير أن يكون وراءه عقل وفكر، كأن لا يكون هذا الذي للعرب، من ثراث وإنجازات حضارية، هو منهم فعلاً· فوفقاً للرحالة ألكسندر كينغليك، مثلاً، أن (ألف ليلة وليلة) من الحيوية والابتكار بحيث يستحيل أن يكون قد أبدعَها (مجرد شرقي هو، من حيث الإبداع، شيء ميت وجاف- مومياء عقلية)· ورغم أن كينغليك يعترف بابتهاج بأنه لا يعرف أي لغة شرقية، فإن جهله لا يقيده عن أن يصدر تعميمات كاسحة عن الشرق، وثقافته، وعقليته، ومجتمعه··· وهو، مثل كثير من الرحالة الآخرين، أكثر اهتماماً بإعادة صنع نفسه وصنع الشرق (ميت وجاف- مومياء عقلية) منه برؤية ما هو في متناول البصر· وهو هنا يتجاوز، وبلا خجل وبلا علمية غريبة، كل ذلك التراث الضخم والطويل للعرب والمسلمين، وهذا بالطبع على افتراض أنه يعرفه· ونحن إذا أردنا مدلول الشرق الأعم، فإن هذا الرحالة وأمثاله يتجاوزون حضارات الشرقيين عموماً، بما في ذلك القديمة المعروفة، العراقية والمصرية والهندية والصينية·
ولا بد أن نتوقف هنا عند مفردة مهمة قد يكون وجودها ضمن هذا العامل غير منفصلة عن بقية مفرداته، وقد يكون حضورها وحدها وكأنها هي ذاتها عامل· تلك هي الإسلام· والكلام في الإسلام والغرب كثير، سواء ما كان على المستوى التاريخي الواقعي، أم على مستوى ما مثله الخطاب الاستشراقي الذي نظن أن صامويل هنتننغتون قد وضحه، في آرائه ومواقفه ومغالطاته العنصرية، بما فيه الكفاية حين قال:
إن مشكلة الغرب ليست في الأصولية الإسلامية، بل هو الإسلام في حد ذاته، لأنه حضارة يعتقد أصحابها بتفوق ثقافتهم، وإن مشكلة الإسلام ليست في مركز الاستخبارات الأمريكية ولا في وزارة الدفاع الأمريكية، بل هي الغرب، لأنه حضارة مختلفة يعتقد أصحابها بعلوهم وتفوق ثقافتهم·
إن أحد أهم من كشف هذا العامل، ونظّر له، وأفرز ما وراءه، وشخّصه، وثبّته بوصفه واقعاً متحققاً، حتى وإن لم ينص عليه، هو إدوارد سعيد، في طروحة دراسته لخطاب الاستشراق وتبعاً لذلك للاستشراق نفسه، كما رأينا· إن الشرق، كما رسم كل تفاصيله خطاب غالبية المستشرقين، سلبي ومخيف وعدو ومهدد للغرب، خصوصاً حين يرتبط- وهو عادة ما يرتبط- بالإسلام· وهكذا فإن إدوارد سعيد يلخص لنا طبيعة نظرة الغرب للعرب، صراحة وضمناً في الكثير من كتبه وكتاباته، لاسيما الاستشراق، من خلال مثال بسيط جداً، فيقول:
إذا قاوم العرب الفلسطينيون الاستيطان الإسرائيلي واحتلال إسرائيل لأراضيهم، فإن ذلك لا يمثل إلا (عودة الإسلام) أو، كما حددها مستشرق معاصر ذائع الصيت، مقاوَمة إسلامية لشعوب لا إسلامية· ويستعير إدوارد سعيد، إضافة إلى هذا، بعض أهم مقولات المستشرقين والغربيين عموماً، مسؤولين وسياسيين ومثقفين وأدباء وفنانين، التي تصب في هذا التصور· فهذا رينان مثلاً يقول:
الأمم الساميّة- مثل أولئك الأفراد الذين لا يمتلكون إلا درجة من الإبداع المخصب··· عرفت ازدهارها وتفتحها الكامل في عمرها الأول، ولم تستطع بعدها على الإطلاق أن تصل درجة البلوغ الحق·
صفحة 10
إن الغرب نفسه، إذن، رأى في الشرق، كما أراد هو أن يراه: شرقَ ألفِ ليلة وليلة، وهو ما تمثل بشكل واضح، من ضمن ما تمثل فيه، في رسوم الفنانين الغربيين الجوالين في الشرق على امتداد عشرات السنين وربما أكثر· وفي ظل هذا حاول الغرب أن يقدم نفسه، كما يرى هذا مصيباً محمد راتب الحلاق، قوةً، وحضارةً، وحداثة· والمفارقة أن الآخرين رأوا فيه ما أراد هو أن يروه فيه، في مرحلة أولى على الأقل، نعني ما قد تسمى- ضمن علاقات العرب بالغرب- مرحلة الدهشة أو الاندهاش، أو الصدمة الحضارية، قبل أن يتم الوعي به والبحث عن الموقف الواجب اتخاذه إزاءه· وفي الحالين كان الغرب هو الذي يحكم، من خلال كونه شاهد العصر الذي يقدم نفسه، كما يقدم رؤيته للآخرين· فهو العين التي تنظر وتحاكم، كما ذكر ذلك جوزيف كونراد في كتابه تحت أعين الغرب بل إن هذا الغرب، قد نجح في أن يجعل من نفسه المسطرة، والإطار المرجعي الذي يقاس به التقدم والتخلف، الصحيح والفاسد··· فما هو هذا الغرب الذي احتكم إليه مفكرو العرب؟ وهل كان دائماً هو هو، عند هذا المفكر أو ذاك، أو بالأحرى عند هذا التيار أو ذاك؟ أم أنه هو الآخر كيان ميتافيزيقي ننشئه إنشاءً يتناسب مع موقف مسبق منه، أو مع موقف مسبق من ذاتنا؟، فننشئ الغرب مناقضاً لها، أو مكملاً لها: فيه من القبح بقدر ما فينا من الروعة، وفيه من القوة بقدر ما فينا من الضعف، وفيه من الحرية بقدر ما فينا وعندنا من الكبت والاستبداد، وفيه من الخسة بقدر ما فينا من النقاء···؟ · ووفقاً لما كشف عنه سعيد، ووضحه محمد راتب الحلاق، لم يعد مستغرباً حين نسترجع كيف كان الغربيون، وربما الأمريكان بشكل خاص، ينظرون إلى غيرهم، ومَن غيرهم إلا العرب والمسلمون أو الشرقيون عموماً؟، كما يتمثل بعض هذا في نصيحة إلبرت بيفردج السابقة لبني قومه·
والمحصلة الرئيسة لموقف الغرب والغربيين، لاسيما من المستشرقين والسياسيين ورجال الدولة، هي أنهم كثيراً ما تمثلوا الشرق سلبياً بوصفه عدواً أو مهدداً حضارياً، وعبروا عن ذلك، ضمن ما عبروا به، من خلال تصوير الإسلام تحديداً بعبعاً ومهدّداً حضارياً خطيراً للغرب والحضارة الغربية، أوروبيةً وأمريكيةً· ولعل أخطر ما كان في هذا التصور الذي يتبناه البعض حقيقةً بينما يتخذه آخرون وسيلة للمعاداة ولتهييج الغربيين ضد العرب والشرق والإسلام، هو أنهم لم يقولوا هذا، في ذلك الذي يرونه أصولية وتطرفاً فقط، بل في العنصر العربي، وأكثر من ذلك في الإسلام ذاته بوصفه ديناً وحضارةً وفكراً، الأمر الذي ينسحب معه بالطبع على العرب والشرقيين بدرجة أو بأخرى، كما تمثل ذلك في قول صامويل هنتننغتون السابق·
والواقع أن هذا ليس جديداً، فقد ربط الغرب اهتمامه بالعربية، في الماضي، ربطاً وثيقاً بما عُرف عندهم باسم (المشكلة الإسلامية)· فالخطر الإسلامي كان أكبر ما يؤرق أوروبا· ولهذا يمكن أن نقول إن الصورة المشوّهة، أو المضطربة، أو على الأقل غير الدقيقة التي كونها الغرب عن الشرق والعرب والإسلام والمسلمين هي، إذن، ليست جديدة تماماً· يقول نقولا زيادة حتى في القرن الخامس عشر، كانت الصورة التي استطاع الغرب أن يكوّنها عن الشرق البعيد مزيجاً من الواقع والحقيقة والنظرية والأسطورة والقصة· إن تلك البلاد، التي تقع ما وراء البحر المتوسط، كانت نائية عنه بعيدة إلى درجة لا يتصوّرها· ولم يكن الوصول إليها سهلاً- فالطريق صعبة محفوفة بالمخاطر المتنوّعة· ولم يكن الغرب- حتى أهل الفكر منه- قد تعرّف بعد إلى النواحي الفكرية في تلك البلاد- الفلسفة والأديان المختلفة والأدب العميق- هذه أمور تعرَّف إليها في القرن السادس عشر وما بعده· لكن المشكلة، عندنا، التي تتعدى ارتباطها بالزمن الذي تكلم نقولا زيادة عن الغرب والعرب فيه، إلى ما بعده لتبقى الصورة التي يكونها الغرب عن العرب، ولاسيما في الاستشراق، مشوهة بدرجة أو بأخرى، وهو ما أسهم في التأثير في رؤية الآخر- الذي هو هنا العرب- للغرب، وفي المواقف التي اتخذوها منه·
هكذا تكوّن الكثير من صور الآخر ومنها صورة العرب، أو على الأقل معظم أجزائها، في منظور أو رؤية الغربي، في ضوء هذا العامل وتفرّعاته، وهي صور تميل كثيراً إلى أن تكون سلبية، وهي إذا لم تكن كذلك أحياناً، فإنها على الأقل تكون ضبابية أو غامضة، وفي كل الأحوال ليست إيجابية· المهم ما كان لهذه الصورة أو الصور إلا أن تقود الغربي إلى أن يتعامل معنا، ضمن تعامله مع الآخر عموماً، بأشكال خاطئة أو غير سوية، على الأقل في تقييمنا نحن العرب لها· وتعلقاً باهتمام دراستنا، هذا سيكون بالضرورة عاملاً مؤثراً بشكل كبير في رسم العرب لصورة الآخر الغربي لتكون سلبية، خصوصاً حين يكون هذا الرسم مصحوباً بالعامل الثاني الذي سنأتي إليه، بتفرعاته·
العامل الثاني: هو محدودية احتكاك العرب الذين يرسمون الصورة، ولاسيما السلبية، للغرب في ظل تأثيرات موضوعية وغير موضوعية· ولعل أوضح مثال على هذا هو التصور الذي شاع كثيراً ولا يزال ملموساً لدى الكثيرين، عن المرأة الغربية، بحيث صار هناك شبه صورة نمطية لها في الخطاب الثقافي العربي كما هو في أذهان العرب عموماً· فهي، وفق هذه الصورة، تكاد تكون لعوباً عادةً، بل أحياناً عاهراً، أو على الأقل غير ملتزمة بالقيم العائلية والشرف والزواج والمجتمع· فالمعايشة والاحتكاك هما اللذان يوضّحان ويقرّبان ويجيبان عمّا يثير التساؤلات في سلوكها، ولهذا فقليلاً ما نجد هذه الصورة النمطية شبه المطلقة في سلبيتها عند أولئك الذين يعيشون في الغرب دائمياً، أو وقتياً، المعيشة التي تُكسبهم تجربة الحياة والناس والمعرفة· ولكن يجب أن نعرف هنا أنّ مثل تجربة هؤلاء إذ تَحول ما بينهم وبين التصور الخاطئ أو المشوه عن الغرب والغربيين، فإنها لا تمنع من أنْ يكون للكثير منهم مواقف رافضة لبعض ما يسوقه الغربيون أنفسهم لنا من قيم وعادات وأنماط حياة تتعلق بكل شؤون الحياة وعناصرها، ومنها ما يتعلق بالمرأة وشؤونها، وهي مواقف كثيراً ما تكون مقنعة لأنها تتجه في هذه الحالة نحو أمور لا تتلاءم معنا· وهذا يقودنا إلى التحفظ على التعميم، بالتحديد لما يذهب إليه البعض من أن العرب لم يعرفوا الغرب حقيقة، كما عبر عن ذلك، بل ذهب إلى أبعد منه، الباحث الأردني زهير توفيق مثلاً حين قال: لم يتعرف العالم العربي الحديث على ذاته إلا من خلال الغرب بفعل المفارقة والمقايسة، وليس بفعل أدواته المنهجية المستقلة، وبالتالي لم يحدد العرب في العصر الحديث صورة حقيقية للغرب عن طريق استقراء واقعي أو مقارنة منهجية، بل كانت وما زالت الصورة النمطية للغرب محصلة الذاكرة التاريخية، وترجمةً للخيال الشعبي العربي عن الغرب الآخر، وتحولت الذاكرة إلى أداة منهجية من خلال ارتدادها إلى عصور الصراع لتأكيد مصادرها الأحادية· لكن الباحث يغفل هنا ما صنفناه على أنه العامل الأول، المتعلّق بما هو عليه الغرب ذاته ومواقفه منا وتعامله معنا، كما عرضنا ذلك سابقاً· وفي كل الأحوال، وتعلّقاً بما نهتم به هنا، بلغ العربُ والغربُ الوقتَ الذي وجدا فيه نفسيهما يتعايشان مع بعضهما الآخر، الأمر الذي أدخل المعنيَّ بالحياة مع الآخر أو التعايش معه أو المتعرف عليه، في نوع أو أنواع من الحوار الصريح أو الضمني معه· وعلى أية حال يبقى الحوار والجدل بكل أشكاله، بما في ذلك غير السليم بشكل كامل، خيراً من الانقطاع وعدم الاحتكاك وعدم سماع المنافس أو الذي نختلف معه أو الخصم، أو لنقل، بشكل عام، الآخر· لهذا لم يكن غريباً أن ترتفع أصوات الشعوب والأمم المختلفة تدعو إلى ذلك·· حوار الأفكار وحوار الأديان وحوار الشعوب وحوار الحضارات، وكل ذلك في ضوء لقاء الشرق والغرب بكل أشكاله ومستوياته وميادينه وتبعاته· ولكن إذا كان وراء هذه الدعوات في الأصل عدم فهم الواحد للآخر أو الآخرين، فإنها قد جاءت في قوتها وشيوعها في أعقاب ظهور النتائج السلبية المختلفة للانقطاع وعدم فهم الواحد للآخر من سوء فهم ، ومقاومة، وإرهاب، واضطهاد، وظلم·· إلخ·
العامل الثالث: ولأننا نأتي هنا إلى طروحة إدوارد سعيد، وتطبيقها بشكل معاكس، كما بينا، سابقا، نجد من من الضروري إحالة قارئنا إليها كما لخصناها ضمن تلخيص كتاب سعيد الاستشراق، لنفهم الرؤية التي تنطلق منها هذه الطروحة، والمتمثلة في أن يرى طرف طرفاً آخر كما يتخيله الطرف الأول أو يظنه أو يرسمه أو يريده أن يكون، لا كما هو عليه فعلاً وحقيقةً· فهذه الرؤية هي التي تشكل العامل الثالث من العوامل التي نرى إنها كانت مدةً طويلةً، ولا تزال إلى حد كبير، وراء التصور السلبي لشخصية الغربي كما شاع في أذهان الغالبية الكبيرة من العرب· ذلك يعني، في دراستنا، إذن، إسقاط هذه الرؤية على رؤية الشرق أو العرب للغرب، كما تتمثل لنا في الخطاب الثقافي العربي، المتمثل في دراستنا في الرواية العربية، ولكن دون عزلها عن الواقع الذي من الطبيعة أن تكون لها علاقة به، قد تكبر وقد تصغر·
فواضح أن الكثير من المثقفين والمفكرين العرب، وفي بعض الأعمال، قد قدموا الغرب ليس هو ذاته تماماً، بل الذي أرادوه أو كونوه في مخيّلاتهم ووعيهم· ومن هؤلاء المثقفين عدد كبير من الروائيين مثل: يوسف إدريس في السيدة فيينا ونيويورك 80، وناجي التكريتي في نورا، ورضوى عاشور في الرحلة·· أيام طالبة مصرية في أمريكا، وهالة سرحان في أمريكا خبط لزق·· مذكرات طالبة بعثة، وصنع الله إبراهيم في أمريكانلي، وغيرها· وسنأتي إلى هذه الروايات بالطبع كلٌّ في الموقع المناسب من دراستنا، لنتعرض حينها لهذه الظاهرة من خلالها·
والمحصلة الرئيسة لموقف الغرب والغربيين، لاسيما من المستشرقين والسياسيين ورجال الدولة، هي أنهم كثيراً ما تمثلوا الشرق سلبياً بوصفه عدواً أو مهدداً حضارياً، وعبروا عن ذلك، ضمن ما عبروا به، من خلال تصوير الإسلام تحديداً بعبعاً ومهدّداً حضارياً خطيراً للغرب والحضارة الغربية، أوروبيةً وأمريكيةً· ولعل أخطر ما كان في هذا التصور الذي يتبناه البعض حقيقةً بينما يتخذه آخرون وسيلة للمعاداة ولتهييج الغربيين ضد العرب والشرق والإسلام، هو أنهم لم يقولوا هذا، في ذلك الذي يرونه أصولية وتطرفاً فقط، بل في العنصر العربي، وأكثر من ذلك في الإسلام ذاته بوصفه ديناً وحضارةً وفكراً، الأمر الذي ينسحب معه بالطبع على العرب والشرقيين بدرجة أو بأخرى، كما تمثل ذلك في قول صامويل هنتننغتون السابق·
والواقع أن هذا ليس جديداً، فقد ربط الغرب اهتمامه بالعربية، في الماضي، ربطاً وثيقاً بما عُرف عندهم باسم (المشكلة الإسلامية)· فالخطر الإسلامي كان أكبر ما يؤرق أوروبا· ولهذا يمكن أن نقول إن الصورة المشوّهة، أو المضطربة، أو على الأقل غير الدقيقة التي كونها الغرب عن الشرق والعرب والإسلام والمسلمين هي، إذن، ليست جديدة تماماً· يقول نقولا زيادة حتى في القرن الخامس عشر، كانت الصورة التي استطاع الغرب أن يكوّنها عن الشرق البعيد مزيجاً من الواقع والحقيقة والنظرية والأسطورة والقصة· إن تلك البلاد، التي تقع ما وراء البحر المتوسط، كانت نائية عنه بعيدة إلى درجة لا يتصوّرها· ولم يكن الوصول إليها سهلاً- فالطريق صعبة محفوفة بالمخاطر المتنوّعة· ولم يكن الغرب- حتى أهل الفكر منه- قد تعرّف بعد إلى النواحي الفكرية في تلك البلاد- الفلسفة والأديان المختلفة والأدب العميق- هذه أمور تعرَّف إليها في القرن السادس عشر وما بعده· لكن المشكلة، عندنا، التي تتعدى ارتباطها بالزمن الذي تكلم نقولا زيادة عن الغرب والعرب فيه، إلى ما بعده لتبقى الصورة التي يكونها الغرب عن العرب، ولاسيما في الاستشراق، مشوهة بدرجة أو بأخرى، وهو ما أسهم في التأثير في رؤية الآخر- الذي هو هنا العرب- للغرب، وفي المواقف التي اتخذوها منه·
هكذا تكوّن الكثير من صور الآخر ومنها صورة العرب، أو على الأقل معظم أجزائها، في منظور أو رؤية الغربي، في ضوء هذا العامل وتفرّعاته، وهي صور تميل كثيراً إلى أن تكون سلبية، وهي إذا لم تكن كذلك أحياناً، فإنها على الأقل تكون ضبابية أو غامضة، وفي كل الأحوال ليست إيجابية· المهم ما كان لهذه الصورة أو الصور إلا أن تقود الغربي إلى أن يتعامل معنا، ضمن تعامله مع الآخر عموماً، بأشكال خاطئة أو غير سوية، على الأقل في تقييمنا نحن العرب لها· وتعلقاً باهتمام دراستنا، هذا سيكون بالضرورة عاملاً مؤثراً بشكل كبير في رسم العرب لصورة الآخر الغربي لتكون سلبية، خصوصاً حين يكون هذا الرسم مصحوباً بالعامل الثاني الذي سنأتي إليه، بتفرعاته·
العامل الثاني: هو محدودية احتكاك العرب الذين يرسمون الصورة، ولاسيما السلبية، للغرب في ظل تأثيرات موضوعية وغير موضوعية· ولعل أوضح مثال على هذا هو التصور الذي شاع كثيراً ولا يزال ملموساً لدى الكثيرين، عن المرأة الغربية، بحيث صار هناك شبه صورة نمطية لها في الخطاب الثقافي العربي كما هو في أذهان العرب عموماً· فهي، وفق هذه الصورة، تكاد تكون لعوباً عادةً، بل أحياناً عاهراً، أو على الأقل غير ملتزمة بالقيم العائلية والشرف والزواج والمجتمع· فالمعايشة والاحتكاك هما اللذان يوضّحان ويقرّبان ويجيبان عمّا يثير التساؤلات في سلوكها، ولهذا فقليلاً ما نجد هذه الصورة النمطية شبه المطلقة في سلبيتها عند أولئك الذين يعيشون في الغرب دائمياً، أو وقتياً، المعيشة التي تُكسبهم تجربة الحياة والناس والمعرفة· ولكن يجب أن نعرف هنا أنّ مثل تجربة هؤلاء إذ تَحول ما بينهم وبين التصور الخاطئ أو المشوه عن الغرب والغربيين، فإنها لا تمنع من أنْ يكون للكثير منهم مواقف رافضة لبعض ما يسوقه الغربيون أنفسهم لنا من قيم وعادات وأنماط حياة تتعلق بكل شؤون الحياة وعناصرها، ومنها ما يتعلق بالمرأة وشؤونها، وهي مواقف كثيراً ما تكون مقنعة لأنها تتجه في هذه الحالة نحو أمور لا تتلاءم معنا· وهذا يقودنا إلى التحفظ على التعميم، بالتحديد لما يذهب إليه البعض من أن العرب لم يعرفوا الغرب حقيقة، كما عبر عن ذلك، بل ذهب إلى أبعد منه، الباحث الأردني زهير توفيق مثلاً حين قال: لم يتعرف العالم العربي الحديث على ذاته إلا من خلال الغرب بفعل المفارقة والمقايسة، وليس بفعل أدواته المنهجية المستقلة، وبالتالي لم يحدد العرب في العصر الحديث صورة حقيقية للغرب عن طريق استقراء واقعي أو مقارنة منهجية، بل كانت وما زالت الصورة النمطية للغرب محصلة الذاكرة التاريخية، وترجمةً للخيال الشعبي العربي عن الغرب الآخر، وتحولت الذاكرة إلى أداة منهجية من خلال ارتدادها إلى عصور الصراع لتأكيد مصادرها الأحادية· لكن الباحث يغفل هنا ما صنفناه على أنه العامل الأول، المتعلّق بما هو عليه الغرب ذاته ومواقفه منا وتعامله معنا، كما عرضنا ذلك سابقاً· وفي كل الأحوال، وتعلّقاً بما نهتم به هنا، بلغ العربُ والغربُ الوقتَ الذي وجدا فيه نفسيهما يتعايشان مع بعضهما الآخر، الأمر الذي أدخل المعنيَّ بالحياة مع الآخر أو التعايش معه أو المتعرف عليه، في نوع أو أنواع من الحوار الصريح أو الضمني معه· وعلى أية حال يبقى الحوار والجدل بكل أشكاله، بما في ذلك غير السليم بشكل كامل، خيراً من الانقطاع وعدم الاحتكاك وعدم سماع المنافس أو الذي نختلف معه أو الخصم، أو لنقل، بشكل عام، الآخر· لهذا لم يكن غريباً أن ترتفع أصوات الشعوب والأمم المختلفة تدعو إلى ذلك·· حوار الأفكار وحوار الأديان وحوار الشعوب وحوار الحضارات، وكل ذلك في ضوء لقاء الشرق والغرب بكل أشكاله ومستوياته وميادينه وتبعاته· ولكن إذا كان وراء هذه الدعوات في الأصل عدم فهم الواحد للآخر أو الآخرين، فإنها قد جاءت في قوتها وشيوعها في أعقاب ظهور النتائج السلبية المختلفة للانقطاع وعدم فهم الواحد للآخر من سوء فهم ، ومقاومة، وإرهاب، واضطهاد، وظلم·· إلخ·
العامل الثالث: ولأننا نأتي هنا إلى طروحة إدوارد سعيد، وتطبيقها بشكل معاكس، كما بينا، سابقا، نجد من من الضروري إحالة قارئنا إليها كما لخصناها ضمن تلخيص كتاب سعيد الاستشراق، لنفهم الرؤية التي تنطلق منها هذه الطروحة، والمتمثلة في أن يرى طرف طرفاً آخر كما يتخيله الطرف الأول أو يظنه أو يرسمه أو يريده أن يكون، لا كما هو عليه فعلاً وحقيقةً· فهذه الرؤية هي التي تشكل العامل الثالث من العوامل التي نرى إنها كانت مدةً طويلةً، ولا تزال إلى حد كبير، وراء التصور السلبي لشخصية الغربي كما شاع في أذهان الغالبية الكبيرة من العرب· ذلك يعني، في دراستنا، إذن، إسقاط هذه الرؤية على رؤية الشرق أو العرب للغرب، كما تتمثل لنا في الخطاب الثقافي العربي، المتمثل في دراستنا في الرواية العربية، ولكن دون عزلها عن الواقع الذي من الطبيعة أن تكون لها علاقة به، قد تكبر وقد تصغر·
فواضح أن الكثير من المثقفين والمفكرين العرب، وفي بعض الأعمال، قد قدموا الغرب ليس هو ذاته تماماً، بل الذي أرادوه أو كونوه في مخيّلاتهم ووعيهم· ومن هؤلاء المثقفين عدد كبير من الروائيين مثل: يوسف إدريس في السيدة فيينا ونيويورك 80، وناجي التكريتي في نورا، ورضوى عاشور في الرحلة·· أيام طالبة مصرية في أمريكا، وهالة سرحان في أمريكا خبط لزق·· مذكرات طالبة بعثة، وصنع الله إبراهيم في أمريكانلي، وغيرها· وسنأتي إلى هذه الروايات بالطبع كلٌّ في الموقع المناسب من دراستنا، لنتعرض حينها لهذه الظاهرة من خلالها·