صفحة 1
توطئة
ما العبقرية إلا القوة لبذل جهود متواصلة· والخط الفاصل بين النجاح والفشل هو خط دقيق جداً حيث إننا نادراً ما نعرف متى تجاوزناه، فهو على درجة من الدقة إذ غالباً ما نكون سائرين عليه دون أن نعرف ذلك· كم هناك من أحدٍ وقد نفض يديه في حين أن شيئاً من مزيد الجهد، شيئاً من مزيد من الصبر، كان سيحقق نجاحاً· وإذا يتعرض شاطىء البحر للمد أحياناً وسيعقبه جزرٌ أيضاً· ففي مجال الأعمال أحياناً قد تبدو الفرص قاتمة تماماً، في حين أنها في واقع الحال على وشك التغيّر إلى الأحسن· وبقليل من الإصرار والصبر، بقليل من الجهد المتواصل، فإذا الذي يبدو فشلاً محتماً قد ينقلب إلى نجاح مظفر· ليس هناك من فشل إلا من الداخل، وليس هناك حقاً من عائق لا يمكن تخطيه سوى ضعف الغرض الدفين فينا·
ألبرت هبارد Elbert Hubbard
كاتب وناشر أمريكي
1856-1915
منذ أن اطلعت للمرة الأولى على هذا الكلام في أوائل السبعينيات من القرن العشرين وهو يؤثر بي تأثيراً عميقاً· وإذ أنظر مجدداً إلى حياتي فإني أرى دائماً أنني كنت قاب قوسين أو أدنى من كارثة شخصية· إني أفكر كيف أن عالمي الخاص قد اهتز بسبب الانقلاب العراقي الوحشي في عام 1958، وبسبب زجي في أحد سجون حزب البعث؛ وكيف أنني قد عبرت المحيط الأطلسي مرتين من دون أن أحمل معي نقود قليلة لبدء الحياة من جديد؛ وكيف أنني قد عركت حرارة صيف سعودي قائض وذلك للحصول على الدعم اللازم من أجل تأسيس مشروع استثماري جديد في الخليج؛ وهذا مع كافة التحديات والمصاعب لإدارة مؤسسة انفستكورب منذ أن بدأت بالعمل·
مع هذا، وإذ أنظر إلى الخلف، فإني أجدني أشعر بالاستغراب أيضاً تجاه الأمور وكيف تطورت دائماً· إنني بطبيعة الحال لم أربح كل المعارك التي كان عليّ أن أخوض غمارها· ذلك أن شأني كشأن الجميع إذ عانيت بنصيبي من الصعوبات والخذلان· لكنني لم أفقد قط بصيرتي وأملي وتصميمي على النجاح· هذا وحتى حين لم أكن أستطيع رؤية طريقة للتغلب على العوائق فإنه كان من الممكن دائماً - بمحض حسن الطالع أو المبادرة أو مجرد الإصرار- أن أعثر على طريقةٍ ما لتحاشي العوائق والمضي قدماً·
ثمة ثلاث كلمات قد دعمتني على الدوام، المبدأ والعاطفة والتصميم· إن أهمية هذه الكلمات الثلاث كلها قد انغرست بي طوال حياتي، كما أن هذه الصفات كانت في الصميم من رسالتي شخصياً ومهنياً·
فلماذا إذن أكتب هذه الفصول الآن؟
إن الدافع يكمن في رغبتي بأن أعرف المزيد عن آبائي وأجدادي· إن لديّ بالطبع ذكرياتي الخاصة وما قيل لي من الآخرين، ولكني لا أملك شيئاً مكتوباً يكشف عن منظورهم عن كفاح الحياة وانتصاراتها· إن عدم ترك سجل عن ذلك هو بنظري خطأ لا أرغب بتكراره· إني أعرف حقاً أن أمي وأبي وأجدادي كانوا جميعاً من ذوي المبدأ الصلب، (وهذا ما تشربته منذ البداية)، ولكنني أرغب بمعرفة المزيد·
إنني بهذه الروحية قد سعيت إلى تسجيل خبراتي الخاصة حتى يكون لدى أجيال قادمة، إن أرادت، سجلاً شخصياً· إني أرغب بأن يعرفوا كم كنت محظوظاً بأن تتوافر لديّ فرصٌ مثيرة في الحياة· كما أنني أريدهم أن يعرفوا أن قيمي ودوافعي وما الذي أبقاني قوياًَ في أوقات الشدائد· إني أريدهم أن يعرفوا بشكل خاص بأن التمسك بالمبدأ، حتى في أشد الظروف وأقساها، قد فاز في الخـتام·
إني بالطبع لم أمض في طريقي وحيداً· فحياتي كانت وستكون مختلفة -وأكثر جدية- من دون زملائي المخلصين في انفستكورب، ومن دون علاقتي الوثيقة بأشقائي الأربعة، والأهم هو التشجيع والمحبة من زوجتي ندى ومن ابنتيّ رنا وسرّاء، فلهم جميعاً شكري العميق·
صفحة 2
1
أسرتي
لقد ولدت في اليوم الثامن والعشرين من شهر تشرين الأول 1936 في مدينة كركوك بالعراق، وذلك في البيت الكبير ذاته الذي عاش فيه جدّاي، جدي لأبي وجدي لأمي، والذي ولد فيه كل من أبي وأمي وعاشا فيه في بواكير حياتهما·
إن أصول العائلة تنتسب إلى آل قاردار، وهي عائلة عشائرية تركمانية متنفذة كانت تقطن في الجنوب الغربي من تركمانستان على حدود إيران الحالية· وفي عام 1604 انتقل فرع من العائلة برئاسة قاردار زاده عمر خان إلى كركوك للانتفاع من مناخها المعتدل وأرضها الخصيبة ووفرة المياه فيها· إن هذه المدينة أصبحت موطن العائلة منذ ذلك الحين·
وكركوك نفسها تقع في موقع العاصمة الآشورية القديمة المسماة عَرَفَه Arrapha، وكان قد جرى احتلالها في أزمان مختلفة من قبل البابليين والميديين وكذلك من قبل الآشوريين· أما في العصور الحديثة فإنها قد لفتت أنظار العالم حين اكتشف فيها النفط في عام 1927· وقد بدأ استخراجه وتصديره في عام 1934 فغدت المدينة تعرف بأنها عاصمة النفط للبلاد - أي أشبه بتكساس العراق·
وبالنظر إلى الموجات المتعاقبة من المهاجرين طوال تاريخها كانت كركوك تتميز بتنوع سكانها؛ إن من فيها من اليهود والمسيحيين والشيعة والسنة والتركمان والأكراد والعرب يمثل موزاييك من الشعوب والثقافات الممتزجة ببعضها أكثر مما هو الأمر في أية مدينة أخرى من مدن العراق·
إن أسرة آل قيردار هي إحدى الأسر المعروفة والمتعددة في المدينة· وهذه الأسر لم تكن بالضرورة أثرى العائلات· فقد كان لدى بعض التجار من الأموال أكثر مما لدى بعض الفروع القديمة الأصلية، ولكن هذه الأسر ذاتها كانت تعتبر بمثابة النبلاء· إن أفرادها كانوا هم من البارزين المحليين ويتمتعون بنفوذ قوي في شؤون المدينة·
إن كلمة أشراف العربية تعني النبلاء، ولكنها لا تفيد مفهوم الارستقراطية الأوروبية· فليس هناك مثلاً ألقاباً رسمية· إلا أنه كان من المعروف مع ذلك أن مكاناً مثل كركوك سيكون فيه ثلاث أو أربع أسر بارزة، وهي معروفة بأسمائها لدى السكان· فإذا جرى مثلاً تعيين حاكم (أي محافظ) جديد فيها من قبل الحكومة المركزية فإن أول ما يقوم به عند وصوله كركوك زيارة هذه الأسر البارزة وتقديم الاحترام لها وطلب مشورتها ودعمها·
صفحة 3
جدي الأكبر مصطفى:
إن الأجيال الأولى من آل قيردار في كركوك كانت تزاول الزراعة والتجارة وملكية الأراضي، وقد بدأ بروز الأسرة السياسي من قبل جدي الأعلى الحاج مصطفى قيردار في القرن التاسع عشر· وقد عمل مصطفى رئيساً لبلدية كركوك -وكانت أعلى الوظائف في المدينة- وذلك لدورتين متعاقبتين· كان ذلك في الثمانينيات من القرن التاسع عشر حين كانت كركوك لم تزل جزءاً من الإمبراطورية العثمانية· لقد كانت إدارياً جزءاً من ولاية الموصل، وهي إحدى الولايات العثمانية الثلاث التي غدت في ما بعد العراق، والولايتان الأخريان هما ولاية بغداد وولاية البصرة· كانت هذه الولايات الثلاث كلها تحكم من اسطنبول، العاصمة العثمانية·
ويعود الفضل إلى مصطفى بتأسيس أول مدرسة رسمية للبنين في كركوك، كما أنه أشاد من ماله الخاص جامعاً على أن يتلقى عدد من الشباب الموهوبين في كل عام دورساً في مدرسة الجامع الفقهية· كان هؤلاء يدربون على كسب الرزق من قراءة القرآن في حفلات الزواج وفي المآتم· كانت هذه هي طريقة مصطفى في تزويدهم بمهنة منتجة· إني شخصياً فخور بأن تلك المدرسة لم تزل قائمة بعد مائة وثلاثون عاماً من تأسيسها·
إن مصطفى قد أسس كذلك وقفاً لملكية عقار، على أن يستخدم ريعها لإدامة الجامع والمدرسة الفقهية· وقد قال إن أي فائض متبقٍ يمكن تقسيمه بين أبنائه بعد اقتطاع جزء كاف للاحتياطي·
لقد ظل مصطفى قيِّماً على الجامع طوال حياته وكان مهتماً على الخصوص بالذي يجدر أن يخلفه في ذلك· والإجراء الطبيعي المتبع كان يقضي بأن يخلفه أكبر أبنائه، ولكن مصطفى ارتأى أن من يخلفه لا يكون بالضرورة أكبر أبنائه بل أرشد أولاده· لذا فمنذ ذلك الحين فإن القيم أو المتولي على جامع قيردار في كركوك يجري انتخابه من قبل أفراد الأسرة· وكان المنتظر أن يظل المتولي مدى الحياة وإن كانت الأسرة تحتفظ بحق عزله إذا فشل في أداء واجباته· إن المسؤولية قد انتقلت بعد مصطفى إلى أبنائه أولاً محمد علي، ثم محمد جميل· ثم انتقلت بعد ذلك إلى والدي ومنه انتقلت مؤخراً إلى شقيقي الأكبر نذير·
إن جامع قيردارلر هومدفن ثلاثة أجيال من آل قيردار مصطفى، وجدّاي، وأبي· والظاهر أن الجامع الآن هو في حالة متدهورة، وإني أطمح شخصياً أن أعود إلى كركوك وتكليف أحد المعماريين لإعادة بنائه وتجديده·
وعليّ أن أذكر عرضاً الآن أن ابن عم مصطفى، وهو محمد سعيد قيردار، وكان هذا تاجراً يعمل بتصدير الصوف إلى مانشستر في المملكة المتحدة· وحين توسعت تجارته هذه بحيث لا يمكن إدارتها من كركوك انتقل إلى بغداد فحظي فيها بلقب جلبي اعترافاً بدوره البارز في أوساط الأعمال في المدينة· كان يسافر كثيراً إلى اسطنبول وبيروت وحيفا، وكان أول تاجر عراقي يزور لندن· ولدينا صورة له التقطت في عام 1910 وهي لم تزل بحوزة الأسرة· ومن المحزن أن أعماله قد أصيبت بصدمة ماحقة حين غرقت باخرة الشحن التي تحمل بضاعته في البحر الأبيض المتوسط·
صفحة 4
جدّاي، محمد علي ومحمدجميل:
إن مصطفى قد أنجب عدداً من الأبناء، وإثنان منهم هما جدّاي: محمد علي الذي ولد في عام 1781 ومحمد جميل الذي ولد بعده بعام واحد·
وقد خلف محمد علي والده كرئيس لبلدية كركوك وهو بسن الثلاثين وقد خدم بهذا المنصب ثلاث دورات متعاقبة· ومن إنجازاته العديدة إقامة مشروع لإضاءة الشوارع، وآخر لجمع النفايات، وإصدار أول جريدة أسبوعية في كركوك· كانت الجريدة تنشر من قبل البلدية التي أنشئ مركزها خلال عمله رئيساً لكركوك· ولعل أكبر إنجازاته كرئيس لبلدية المدينة هو تأسيس أول مدرسة للبنات في كركوك·
في عام 1908 أنشأ العثمانيون برلماناً منتخباً للإمبراطورية بأسرها· وبذلك جرى البدء بإدخال شكل من أشكال الحكومة يكون أكثر ديموقراطية تحت السلطان في اسطنبول· وقد جرى انتخاب جدّي محمد علي عضواً في ذلك البرلمان ممثلاً لكركوك، وهو مركز له سمعته العالية· هذا وفي تلك الأيام كانت الرحلة إلى اسطنبول لحضور جلسات البرلمان رحلة طويلة، لذلك فإن جدي قد قرر الإقامة هناك·
وبعد ثمانية سنوات غيّر جدي محمد علي اسم العائلة من آل قاردار إلى قيردار· وفي تلك السنة ذاتها، أي عام 1916، جرى أول اتصال بين فرع كركوك وبين آل قاردار التركمانيون وذلك حين جاءت مجموعة منهم وأقامت في كركوك ضيوفاً لدى آل قيردار·
وحين انتهت الحرب العالمية الأولى سقطت الحكومة العثمانية إذ كانت متحالفة مع الألمان ضد الحلفاء، وغدا العراق دولة جديدة تحت الانتداب البريطاني· وقد عيِّن فيصل الأول ملكاً للعراق في عام 1921، كما جرى إنشاء برلمان جديد في بغداد في عام 1926· إن جدي محمد علي الذي كان نائباً عن كركوك في اسطنبول قد عاد إلى العراق بدعوة من الملك فيصل وذلك لتمثيل كركوك في المجلس النيابي الجديد· هذا وبالنظر إلى إخلاصه إلى كركوك فقد فضل العيش فيها مع أخيه جميل بدلاً من العيش في العاصمة· ومن المنصف القول إنه بصفته من أعضاء مجلس النواب القدامى في بغداد ساهم في تأسيس العراق الحديث·
وقد استمر هذا التقليد جارياً، فبعد وفاة محمد علي في عام 1934 أصبح جميل نائباً عن كركوك· ثم أعقبه والدي في النيابة في عام 1947 وبعد أحد عشر عاماً من ذلك، أي في عام 1958 أصبح شقيقي الأكبر نائباً عن كركوك في المجلس النيابي فخدم بهذه الصفة فترة وجيزة قدرها شهران فقط حين حدث الانقلاب العنيف في عام 1958·
صفحة 5
إن جدّاي كانا مختلفين تماماً· فجدي لأمي محمد علي كان إنساناً منفتحاً على العالم، كما أنه كان معروفاً في الوسطين الاجتماعي والدولي· إنه بصفته عضواً في مجلس المبعوثان العثماني قد ترك كركوك واستقر في اسطنبول، المدينة الأوروبية الطراز، كما أنه حظي بخبرة دولية· وقد سافر إلى انكلترا بزيارة رسمية بصفته عضواً في وفدٍ من أعضاء البرلمان العثماني· ولديّ صورة تمثله مع بقية المجموعة وهم يقفون أمام دار البرلمان البريطاني ومعهم وزير الخارجية البريطاني اللورد بلفورد· وقد قام بزيارة ألمانيا وسويسرة مع الوفد نفسه·
توفي محمد علي قبل سنتين من ميلادي؛ ولكنني أعرف عنه، كما أعرف عن سمعته كزعيم شعبي·
أما شقيقه محمد جميل، وهو جدي لأبي، فقد كان شخصية انطوائية إلى حدٍ ما - فهو يفكر بالأمور المالية ويحسب حساباً للكلفة فهو أقرب إلى كونه من رجال الأعمال· ففي حين أن شقيقه سافر إلى اسطنبول وإلى بغداد، إلا أنه هو ظل مقيماً في كركوك؛ وكانت عبقريته تتركز على شراء الأراضي· لقد أدرك أن كركوك بعد أن تتنامى حجماً فهي ستحتاج إلى أراضٍ، لذا كان هدفه شراء الأراضي في جميع أطراف المدينة· كان يشتري الكثير من القطع في الصحراء التي لم يكن فيها طرق أو بنية تحتية فظن الناس أنه مجنون وهو يقوم بالاستثمار على هذا النحو· أما رأيه هو فهو أن كركوك ستأخذ بالنمو وذلك بسبب النفط وأن استثماراته ستأتي بالفائدة· لقد امتلك أراضٍ وبنايات في مركز المدينة نفسه·
وكان من المعروف أنه حين يشتري محمد جميل أية ممتلكات عقارية فإنه يسجل نصفها باسم شقيقه· كان هناك تعاوناً وثيقاً بين الشقيقين: الرجل العام ورجل الأعمال الذكي· كان هناك أخوة آخرون ولكن هذين الشقيقين كانا على صلة وثيقة بشكل خاص·
إن بعض قطع الأراضي التي اشتراها سابقاً جميل قد استولت عليها بعد ذلك الحكومة· ولكن بعضها في كركوك ذاتها لا تزال عائدة إلينا، ولعلها ستكون ذات فائدة للأسرة حين يسود السلام والأمن في العراق·
هذا وفي الوقت الذي كان معظم الناس في كركوك، وحتى في بغداد، كانوا يستخدمون العربات التي تجرها الخيول لغرض النقل، فإن محمد جميل ينظر دائماً بعيداً، لذا فقد امتلك سيارة يقودها سائق· لقد اشترى سيارة شفروليت في عام 1937 وظل يحتفظ بها حتى عام 1946 حين اشترى بدلاً عنها سيارة فورد حديثة الطراز وجديدة·
صفحة 6
الفرع التركي للأسرة:
حين سقطت الإمبراطورية العثمانية غدت تركيا دولة مستقلة يحكمها زعيم جديد هو مصطفى كمال أتاتورك· وعندها طلب الملك فيصل الأول من محمد علي قيردار بالانتقال والعودة إلى العراق المستقل حديثاً وذلك للاستمرار في تمثيل كركوك في المجلس النيابي ببغداد·
لذا جرى بحث مستفيض بين أفراد الأسرة في اسطنبول بشأن من يريد العودة مع محمد علي ومن يريد البقاء في تركيا· وقد اختار بعضهم البقاء· فالجيل الثاني، ولا سيما الذي تعلم في تركيا وأصبح أفراده مواطنين أتراك، وكان أكثرهم يمارسون مهناً فلم يكن لديهم دافع للعودة إلى العراق·
لذلك فحتى هذا اليوم هناك فرع للعائلة في تركيا وآخر في العراق· إنك إذا ذهبت إلى اسطنبول وتناولت دليلاً للهاتف فسترى قائمة طويلة فيه تحت اسم قيردار· ومع أن معظم أفراد العائلة اليوم قد ولدوا في اسطنبول فإن بوسعهم مع ذلك بأن يعودوا بأصولهم إلى كركوك قبل جيلين أو ثلاثة أجيال·
إن أحد الأعضاء البارزين في الفرع التركي هو الدكتور لطفي قيردار، وهو ابن عم جدي لأبي مصطفى· كان هذا الذي كنا نسميه عمو لطفي طبيباً درس في فيينا وتخصص بطب العيون· إنه، وبتشجيع من مصطفى كمال، قد انتقل في ما بعد إلى الخدمة العامة، فعمل محافظاً لأزمير وغيرها، ثم رقيّ إلى المركز الأعلى صيتاً حاكماً لاسطنبول· إن هذه المدينة كانت قبل تأسيس جمهورية تركيا الحديثة هي عاصمة الإمبراطورية العثمانية لمدة نحو خمسمائة عام، وقد ظلت واحدة من أهم المدن في الشرق الأوسط· إن لطفي قيردار في وظيفته كحاكم لاسطنبول من عام 1939 حتى أوائل الخمسينيات قد بنى فيها طرقاً ومتنزهات وميادين ومراكز ثقافية ورياضية فنقل اسطنبول إلى مدينة حديثة أوروبية الطراز· فحتى خلال الحرب العالمية الثانية حين كانت أموال الحكومة عزيزة المنال فإنه تمكن من جمع الأموال بطرق أخرى فطوّر المدينة كثيراً· وبعد أن قام بكل هذه الإنجازات جرى تعيينه وزيراً للصحة في تركيا فانتقل إلى الإقامة في العاصمة أنقرة·
إن لطفي قيردار قد خدم بلاده بامتياز وأشيد بذكره في اسطنبول وذلك بإقامة تمثال له فيها وسميّ مركز المؤتمرات فيها باسمه· كان له ابنان أولهما اسمه إردم وقد صار معمارياً، والآخر أونر الذي درس القانون في تركيا وحاز على شهادة الدكتوراه من جامعة كيمبردج وخدم في السلك الخارجي التركي وارتقى إلى أعلى المناصب في برنامج التنمية التابع للأمم المتحدة· إنه أكبر سناً قليلاً مني وكان قدوة لي في المعرفة والذهن اللامـع والنكتـة اللطيفـة· كنـا سويـاً على صلة وثيقة، وقد اعتبرته نموذجاً لي يحتذى وأحب كثيراً قضاء الوقت معه·
وبعد عودة محمد علي إلى العراق استمرت الصلات بين الفرعين التركي والعراقي في أسرة قيردار· وفي عام 1942، وقبل دخولي إلى المدرسة الثانوية، أخذتني والدتي مع أخي الأصغر فاخر إلى اسطنبول وذلك لحضور حفل زفاف شقيقها الدكتور أوميد قيردار· كان ذلك الحدث الباهر حديث المجتمع في اسطنبول، وقد دامت الاحتفالات ستة أشهر تخللتها الحفلات والسفرات· لقد أقمنا في قصر العم لطفي الرسمي في قلب المدينة، كما قمنا بزيارات متعددة لمحلات إقامته الأخرى· وأتذكر أننا كنا ننقل من قصر إلى آخر في موكب من السيارات الفخمة فكنا نجد كل مناسبة منها أروع من الأخرى· كانت تجربة ساحرة لولد يبلغ السادسة من العمر وقد ظلت ذكراها تراودني منذ ذلك الحين حتى الآن·
وقد حدث لقاء آخر بين الأسرتين التركية والعراقية في عام 1955 حين انضم كل من العراق وتركيا وإيران وباكستان إلى حلف سياسي يعرف باسم حلف بغداد· وقد حضر أثناء ذلك وفد برلماني تركي من أنقرة للتفاوض مع العراقيين بشأن الأمر· وقد ضم ذلك الوفد العم لطفي وكان آنئذٍ عضواً في البرلمان التركي· في الوقت عينه كان والدي في المجموعة البرلمانية التي تمثل العراق، وهكذا فإن أولاد العم هذين قد وجدا نفسيهما كل يجلس في الطرف المقابل من المائدة· وقد التقيا مرة أخرى بصفتهما الرسمية حين ذهبت مجموعة برلمانية من العراق إلى تركيا·
صفحة 7
الأبناء الستة لمحمد علي:
كان لدى محمد علي قيردار ثلاث أبناء وثلاثة بنات· كان الابن الأكبر نجيب قيردار يعيش في كركوك طوال حياته باستثناء سبعة عشر عاماً قضاها في اسطنبول· وقد بدأ بدراسة الطب ثم اضطر أن يترك دراسته هذه حين فقد إحدى عينيه· وعندها ركز جهوده على الإشراف على بيت الأسرة في كركوك· كان في كل يوم من أيام الجمعة يواصل تقليد العائلة باستقبال الضيوف· كان معروفاً بكرمه وحسن ضيافته وقد صار بمرور الزمن العضو الأكبر في العائلة·
والابن الثاني لمحمد علي هو سامي الذي درس في باريس وبروكسل وأصبح معمارياً موهوباً ومحترماً جداً لما يتمتع به من مواهب· كان يتقن من اللغات الانكليزية والفرنسية والتركية والعربية، كما أنه قد امتلك في عام 1930 سيارة مارسيدس كأول فرد من عائلة قيردار· وقد مثّل اسطنبول عضواً في مجلس الشيوخ، كما كان يكتب عموداً أسبوعياً في جريدة الفيغارو في باريس· كانت زوجته خريجة جامعة أوكسفورد، وهي ابنة رئيس وزراء تركيا الأسبق·
والابن الثالث هو الدكتور أوميد قيردار والذي انطبع في ذاكرتي حفل زواجه الباذخ في اسطنبول عام 1942· لقد درس أوميد في الجامعة الأمريكية في بيروت، وكان يتجول كثيراً في أوروبا وهو من ذوي الأذواق الغريبة، وقد أصبح طبيباً نسائياً مشهوراً في اسطنبول· كان يمتلك داراً في كلا الطرفين من البسفور، دار شتوي في الجانب الأوروبي وفيلاّ صيفية عبر الماء في آسيا·
أما بنات محمد علي الثلاث فكانت كبراهن عصمت التي تزوجت من عين عراقي ثري من أربيل· وقد غدا ابنها الدكتور إحسان الدوغره ماجي الذي اشتهر في تركيا إلى حد الأسطورة· لقد درس طب الأطفال في جامعة هارفارد، وأنشأ جامعتين في أنقرة، وتم تعيينه مشرفاً أعلى لجميع الجامعات في تركيا· لقد كرّس جهوده على مدى خمس وعشرين سنة أواخر حياته لجامعة بيلكنت الشهيرة التي أسسها شخصياً وعمل على أن يجعلها مؤسسة من طراز عالمي· توفي الدكتور إحسان في عام 2010 بعد حياة طويلة حافلة بالإنجازات·
والبنت الثانية لمحمد علي هي خيرية التي تزوجت من قريبها الدكتور لطفي قيردار الذي أشرنا إليه سابقاً والذي كانت إنجازاته كمحافظ لاسطنبول مصدر فخر للأسرة·
وأما الابنة الصغرى في العائلة فقد كانت هي والدتي، نزهت، التي ولدت في عام 1908·
صفحة 8
أبي وأمي - أمين ونزهت:
بالنظر إلى العلاقة الوثيقة بين محمد علي وشقيقه جميل لم يكن من المستغرب أن تتزوج نزهت من ابن عمها أمين، ابن جميل الأوحد الذي ولد في عام 1901· إن الزواج المرتب بين الأقرباء كان أمراً مألوفاً في الشرق الأوسط آنئذٍ· إن هذا هو أقل انتشاراً الآن ولكنه في تلك الأيام كان أمراً اعتيادياً تماماً ولا سيما بين الأسر المعروفة· إن والديّ، رغم أنهما أبناء عم، إلا أنهما قد نشآ في قطرين مختلفين، أمي في تركيا، وأبي في العراق، ولم يكن أحدهما يعرف الآخر قبل الزواج·
كان والدي أمين من الجيل الأول في العراق الذي درس بعد الثانوية في كلية من الكليات· إن هذا يعني أنه كان أكثر تعليماً من جدي الذي لم يدخل قط جامعة من الجامعات· إن مدرسة الحقوق في بغداد والتي تخرج منها كانت واحدة من الكليات الأولى التي أسست في العراق، وكان والدي أحد تلامذتها آنئذٍ· ومدرسة الحقوق هذه التي افتتحت أبوابها في العراق في أوائل القرن العشرين كانت واحدة من الكليات الرفيعة الشأن وذات مستوى عالمي ومتأثرة كثيراً بنظام التعليم الانكليزي·
إن أمين، على خلاف محمد جميل، لم يكن من رجال الأعمال ولم يكن طموحاً مادياً، مع أنه كان قد اقتنى سيارة فورد في عام 1947 ثم اقتنى سيارة بيويك في عام 1955· وبعد تخرجه من كلية الحقوق تعين أمين قيردار مديراً للناحية ثم قائمقاماً ثم رئيس التسويه ونائباً لمحافظ الموصل، بعدها ترك الوظائف الحكومية ورشح نفسه للنيابة بدلاً من والده محمد جميل قيردار وفاز عام 1947· كان معروفاً بمبادئه التي تتمسك بالعدالة والنزاهة، لذا حظي بالثقة والاحترام على نطاق واسع· كان من الذين يحكم ضدهم يشهدون بإنصافه·
وكان كذلك رجلاً كريماً جداً فطالما قدّم أموالاً للأعمال الخيرية وما شابهها· لم نكن نعرف كثيراً من هذا إلا بعد وفاته إذ جاء البعض ليخبروننا بما كان قد قام به· كان أحياناً يدسُّ أوراقاً مالية في يد أحد الطلاب المحتاجين لإسعافه في دراسته· كان رجلاً متواضعاً وليس إدعائياً، ويعامل الآخرين باحترام ولطف من دون تبجح· إننا كأطفال كنا نجلّه كثيراً·
كانت لدى أمين وجهة نظر فلسفية، كما كان يؤكد على التعليم، شأنه في ذلك شأن والدتي· كان كلاهما مؤمناً بأن التعليم الجيد يأتي بالمقدمة· كان جدي لأبي جميل يحدثنا كيف أنه قد اشترى كل هذه الأراضي وذلك لضمان مستقبلنا، ولم يكن والدي يخالفه في ذلك· أما حين يكون والدي معنا لوحده فإنه كان يقدم لنا تعريفاً مختلفاً للثروة، فيقول: الشيء المهم هو ليس الأراضي، فالثروة العظمى هي في التعليم - فإذا حصلت على التعليم الصحيح وعلى المهارات اللازمة··· إذا كنت محترماً وموثوقاً به ومرغوباً به من الغير··· فإنك ستحقق الكثير أينما تكون في العالم···
ثم يضيف قائلاً: إنك لكي تكون مرغوباً به فيجب أن تكون لديك مهنة· ولكي تكون محترماً يجب أن تبدع في تلك المهنة· ولكي يوثق بك يجب أن تحافظ دائماً على مبادئك وعلى مستوياتك
كان أسلوب والدي يقضي بأن يكون لكل فرد في العائلة رأيه، بضمن ذلك الأفراد الصغار سناً، وذلك قبل اتخاذ القرارات النهائية بشأن الأمور المنزلية· مع هذا لم يكن هناك شك مطلقاً أنه هو الرئيس وأن الرأي النهائي هو رأيه بالذات· لقد كان حريصاً على أن يبث إحساساً قوياً بالقومية العراقية وبالولاء الشديد للبلاد وللعائلة الملكية· ويعود الفضل له أنني في ما بعد طورت لنفسي اهتماماً شديداً بالسياسة· إنه، حتى حينما كنت صغيراً في السن، كان يطرح عليّ آراءه بشأن قضايا سياسية ويبحثها معي بصورة مدهشة·
صفحة 9
وحين كنت في العاشرة من عمري قرر جدّي جميل ألا يرشح نفسه لمجلس النواب، فقام والدي بالاستقالة كنائب المحافظ للموصل لكي يحل محله نائباً عن كركوك· وقد ظل في هذا الموقع حتى الانتخابات الأخيرة التي جرت قبل انقلاب 1958 إذ كان شقيقي قد أقنعه للتخلي عن الترشيح للنيابة·
أما والدتي، وكانت ذكية وسريعة البديهة ومنفتحة على الناس، فكانت أكثر طموحاً من والدي· فعلى نقيض بلدة كركوك الصغيرة حيث ترعرع أمين فإنها كانت قد نشأت في اسطنبول، المدينة العصرية· إن لديّ صورة فوتوغرافية لأمي كشابة وهي تعزف على آلة الكمان، الأمر الذي يدل على التربية الراقية التي حظيت بها· ومع أنها كانت قد ولدت في كركوك إلا أن عمل والدها في مجلس المبعوثان العثماني كان يعني أن دراستها المدرسية حصلت في تركيا· لم يكن لدى الكثير من أبناء كركوك هذا النوع من الانفتاح على العالم الواسع· إن مساهمتها في الحياة العامة في ما بعد قد تضمنت العمل سنوات عديدة في اللجنة التنفيذية للاتحاد النسائي العراقي في بغداد·
إن عودة والدتي نزهت إلى العراق للزواج من والدي كان خطوة إلى الوراء من حيث أسلوب الحياة· كان العراق مكاناً بدائياً بالقياس إلى اسطنبول، فكانت الحياة شاقة على والدتي في البداية· فمثلاً، إن عدداً من الأماكن التي عاشوا فيها لم يكن فيها كهرباء· ولكنهما، والدتي ووالدي، قد خلقا لهما حياة عائلية سعيدة ومتعاضدة· كانت تربيتنا تركية من حيث أصول التعامل والتصرف والسلوك· وقد كانت دارنا نظيفة جداً على الدوام، كما كنا كأسرة حسنة الملبس والتنشئة· كان كل من والدي ووالدتي حريصين كل الحرص على المظهر، مع تأكيدهما الشديد على المبادئ والأخلاق· إن والدتي خاصة، كانت تنادي بقيمة العمل المتواصل، كما كانت تتطلب مستويات عليا في الإنجاز·
إن والديّ قد عاشا زيجة سعيدة مع كثير من الاحترام المتبادل، فوالدي كان معجباً بطموحها وتطلعاتها واستقامتها، وهي كانت تكن له الاحترام لما يتمتع به من حكمة وإنصاف ونزاهة· وكان كلاهما يهتم بما يجري في العالم بعقل مفتوح، كما كانا يحبان القراءة· أما حلقة أصدقائهما فتضم مثلاً عدداً من المسيحيين واليهود، وكان ذلك هو الوسط الذي نشأنا فيه· إن الحقيقة التي مفادها أن مؤسسة إنفسكتورب تضم اليوم أفراداً من ثمانية وثلاثين جنسية هي حقيقة تعكس نشأتي وتشير إلى رفض والديّ الحكم على الناس على أساس لونهم أو مذهبهم أو جنسيتهم أو ديانتهم·
إنني مدين للوالدين بكثير من الامتنان· إنني معجب بوالدي بسبب قوة شخصيته وما يتمتع به من إنصاف ومن مبادئ راسخة، يضاف إليها النشاط والطموح والعمل المتواصل· إنني أعتقد أنني وأشقائي قد ورثنا أحسن الصفات من الوالدين·
صفحة 10
بيوت الأسرة في كركوك:
إن كركوك، كما أشرت سابقاً، كانت تضم سكاناً متنوعين منهم العرب والأكراد والتركمان وغيرهم· لذا فإن كل أسرة في كركوك تتكلم التركية والعربية، كما يتكلم البعض الكردية والسريانية· أما التدريس في المدارس فهو باللغة العربية ولكن اللغة في البيت هي التركية، لذا فإنني وأشقائي قد نشأنا متعددي اللغات·
إن بيت الأسرة كان قد شيّده جدي الأعلى مصطفى في عام 1835، وهو البيت الذي ولدت فيه شخصياً، وكان مثالاً رائعاً للسكن التقليدي آنئذٍ إذ أن مدخله هو على شكل قوس مبني بصورة جميلة وفيه بوابة كبيرة خشبية ذات زينات حديدية وهي المدخل من طرف الشارع· كانت في ذلك الحين إحدى أكبر محلات الإقامة في المدينة وتعرف محلياً بالبيت الكبير للحاج مصطفى قيردار، وسمي بالتركية قيردالر· والظاهر أن ذلك البيت القديم الفخم كان بمثابة مؤسسة أكثر مما هو منفرد يتألف من أربع أجنحة منفصلة، ولكل جناح ساحة وبئر·
كان الجناح الرئيسي الذي يدعى بالحرم هو مقر إقامة الأسرة ويتألف من سبع شقق تحيط بالساحة الوسطية، ولكل منها ما تحتاجه من وسائل المعيشة· وكان التقليد السائد يقضي بأنه عند زواج أفراد الأسرة فإنه يقيم عندئذٍ في إحدى هذه الشقق· أما القسم الآخر فيتألف من صالة الاستقبال وشقق الضيوف ومحلات الخدم والاسطبل· ثمة قسم آخر هو ساحة المطبخ وتحتوي مساكن خاصة للخادمات، والقسم الرابع يخص جدي مصطفى قيردار· وبعد وفاته أشغله ولده الأكبر الملا توفيق·
إن هذه الدار قد غدت في النهاية قديمة جداً ولا تصلح للاستخدام بتلك الطريقة· فأبناء الأسرة أخذوا يغادرون لكي يؤسسوا بيوتهم الحديثة الخاصة بهم، وبحلول عام 1949 لم تعد تشغل من أحد· إنها وما يحيط بها من أبنية قد صودرت في ما بعد من قبل الحكومة وهدمت وذلك بهدف إزالة الإرث التركماني في كركوك·
إن أحد الذين غادروا كان هو جدي جميل إذ لم يعد يسكن في بيت الأسرة وبنى بيتاً جديداً في الطرف الآخر من المدينة في عام 1940· كان ذلك البيت حديث الطراز، فبدلاً من الساحة الوسطية هناك حديقة في الواجهة مزروعة بأشجار الزيتون، وفي القسم الآخر منها أشجار البرتقال والليمون· وفي هذا البيت كان كل من أبي وأمي يقيم فيه حين وجودهما في كركوك· وكان علينا أن نترك ذلك البيت كلما تغير مقر عمل والدي وكنا نعود إلى كركوك إلى البيت المحاط بأشجار الزيتون· كان ذلك هو المكان الذي نعتبره موطناً حيث قضيت أنا وإخوتي معظم أيام طفولتنا·
لدي ذكريات سعيدة هناك حيث كنا أنا وأخوتي وغيرهم نتسلق تلك الأشجار، وكان معنا كذلك ابن خالي الذي اسمه فكرت، فكنا نتخيل ونحن في أعالي الأشجار أننا نقود طائرات· كان فكرت الذي هو ابن خالي نجيب بنفس عمري وكان من أصدقائي المقربين· وكلما كانت أسرتنا في كركوك كنا نرى بعضنا بعضاً يومياً وكانت تنضم إلينا كذلك نرمين التي هي أخت فكرت· لقد نشأنا ثلاثتنا معاً وقد استمرت روابطنا حين انتقلنا كلنا إلى الولايات المتحدة الأمريكية للدراسة·
أما الشخص الآخر الذي اشترك معنا في السكن في بيت جدنا في كركوك فهي كوزين نفطجي، وهي بنت أخ زوجة جدي محمد جميل قيردار· كانت شابة ذكية جداً وموهوبة وتتكلم العربية بطلاقة فضلاً عن لغة العائلة التي هي التركية، وكانت كذلك مدمنة على قراءة الروايات العربية·
كنا في كل سنة، وفي اليوم الخامس من شهر رمضان، وهو اليوم الذي يحتفل به جميل قيردار بعيد ميلاده، نجتمع فتكتب كوزين خطاباً قصيراً لي لكي ألقيه إحياءً لذكراه· إن ذلك قد رفع من شأني كثيراً لدى عميد الأسرة· كنا جميعاً معجبين جداً بما تتمتع به كوزين من فطنة· كانت بالنسبة لنا بمثابة الأخت، وهي تمثل الحداثة والفكاهة والإثارة· إنها وإن لم تكن تحمل اسم قيردار إلا أنها كانت تجسد روحية الأسرة أكثر من أي أحد آخر·
ومن أصدقاء الطفولة في بغداد نجيد قيردار وكان موهوباً وحافلاً بالحياة ويستمتع كثيراً بالأوقات اللطيفة· والظاهر أنه ورث هذه الصفات عن والده فتحي صفوت قيردار الذي كان خالاً لوالديّ· إن فتحي صفوت قيردار كان شخصاً استثنائياً وفناناً شهيراً ونحاتاً معروفاً· كان يستمتع بالصحبة وهو يمتعنا على الدوام بحكاياته، وكان يجذب إليه الناس كالمغناطيس ولا شك أنه الأكثر شعبية في الأسرة·