صفحة 1
إشارات
لن نكتب مقدمة كان لمهدي عامل نفسه أن يكتبها. سنترك للورق بياضه علّه ينطق بقول صاحبه. وسنكتفي، للأمانة، بالكلام أولاً على المخطوطة التي تركها مهدي غير منجزة. ثانياً على الأمور الإجرائية التي كان لا بدَّ منها لطبع هذه المخطوطة وإعطائها شكل الكتاب.
أولاً: المخطوطة
في وصف المخطوطة: تتكوّن المخطوطة من 62 صفحة من الحجم الكبير، 61 صفحة منها كاملة. أما الصفحة رقم 62، والتي غدت، بعد اغتيال مهدي، الصفحة الأخيرة، فإن ما يعادل نصفها ما زال بياضاً.
يضاف إلى المخطوطة 18 صفحة ونصف الصفحة من الهوامش الخاصة بالمخطوطة نفسها.
ثم ورقة مسوّدة تبيَّن لنا، بعد قراءتها، أنها تكملة للصفحة 62 من المخطوطة لم يكن مهدي قد نقلها بعد إليها. فرأينا إضافتها إلى المخطوطة وتقديم صورة عنها إلى القارىء.
تملأ الكتابة صفحة مهدي، وكما هو مألوف عنده، من أول زاوية بياض فيها على اليمين، إلى آخر زاوية بياض فيها على اليسار. لا هامش من البياض يعلو الصفحة أو يذيّلها، ولا هامش من البياض يسوِّر يمينها أو يسارها، بل كتابة تبدو، بخطِّ مهدي المرصوف، كأنها لتمحو البياض، تغطّي حضوره وتقاوم، بالتمام، فراغَه.
كتب مهدي المخطوطة، كعادته في كل ما يكتب، مما كنا نطّلع عليه، أو مما كان هو نفسه يطلعنا عليه، بخطّ واضح، وبقلم يشدّ على الورق دون أن يجرحه. خطّ يُنبىء بالثقة، مقروء، منتظم ونظيف.. فلا خربشَة على الصفحة، ولا شطب ولا محو، بل كتابة نقيّة متقنة، تهتم بالنّفط وبالفواصل بين الكلمات والجُمل، وبوضع علامات التشديد والترقيم وحركات التحريك حيث يمكن لقراءة الكلمة أن تلتبس.
في سيرة المخطوطة: ترك مهدي عامل مخطوطة كتابه «نقد الفكر اليومي» مكتوبة بالحبر الأزرق، ولكنه ترك معها أوراقاً تخصّها، ومن حجم مختلف، مكتوبة بالحبر الأحمر. وكان مهدي حكى أمام أصدقائه عن أمر هذه الأوراق. كما أننا وجدنا علامات على هذه الأوراق توضح مواضع إضافتها إلى متن المخطوطة وإلى هوامشها. يمكننا إذن أن نوضح أمر هذه الأوراق، بالاستناد إلى ما عرفناه عنها من مهدي مباشرة، وبالاستناد إلى الأوراق نفسها، على النحو التالي:
كان مهدي عامل قد بدأ كتابه «نقد الفكر اليومي» في العام 1980. وكانت صفحات الدوريات اليومية قد راحت تنشر مواقف وآراء ونقاشات فكرية وثقافية مختلفة ولكتّاب مختلفين، رأى مهدي أنها تمثل، مما تقوله، فكراً يومياً، له طابع الاستحداث، وأنه من الضروري نقد هذا الفكر وكشف موقعه. هكذا أخذ يجمع العديد من هذه المقالات المنشورة على صفحات الدوريات اليومية، يوثّقها، ويجعل منها، بما تقول، موضوعاً للنقض.
بدأ مهدي عمله هذا مقتصراً على هذه القصاصات يتجاوزها أحياناً إلى ما يُلفت انتباهه من فكر يومي يُنشر أحياناً في بعض المجلات (وقد أشار هو نفسه إلى ذلك في متن نصّ مخطوطته). وهو في ذلك كان يعني كتابةً عناها العنوان تماماً: نقد فكر يومي . فالعنوان هو موضوع الكتاب. وكان ينوي إنهاء الكتاب خلال مدة، إن لم يحدّدها بتاريخ، فإنه على الأقل لم يكن يقدِّر أنها ستطول حتى العام 1987. لذا كان يبدو مهموماً بإنجاز الكتاب، وكان يؤكد أمامنا، وكمن يلحّ على نفسه، على ضرورة الإسراع في إنهائه.
ظروف شتى أعاقت استمرار مهدي في كتابة هذا الكتاب. نذكر منها الواضح:
ـ حصار بيروت صيف 1982، علماً بأن أشهر الصيف في لبنان كانت بالنسبة لمهدي فترة إنتاج مخصب، إذ يعزل نفسه ويتوحَّد مستغرقاً في العمل بشكل كثيف.
ـ إنشغال مهدي بكتابة كتاب آخر هو «في الدولة الطائفية».
وقد يسأل القارىء ما الذي دفع مهدي لإعطاء الأولية لكتابه «في الدولة الطائفية»، فترك «نقد الفكر اليومي» وأنجز «في الدولة الطائفية»؟. نحن لا نملك، طبعاً، جواباً واضحاً على هذا السؤال. وربما كان مهدي نفسه لا يملك جواباً تماماً واضحاً على سؤال كهذا. لكن ما نعلمه هو أن مهدي كان متحمساً لكتابة «في الدولة الطائفية». ربما لضرورته التي برزت ملحّة بعد استفحال الاقتتال وتعمّق الطابع الأهلي والشكل الطائفي للحرب في لبنان (في السنوات 1983 ـ 1986) بعد خروج جيش الاحتلال الاسرائيلي من بيروت وفشل جيش السلطة في اقتحامه الضاحية وبيروت الوطنية.
وما نعلمه أيضاً هو أن مهدي لم يترك تماماً صلته ـ خلال هذه السنوات، سنوات انشغاله في كتابه «في الدولة الطائفية» ـ بموضوع كتابه «نقد الفكر اليومي»، بل كان يعود إليه كتابةً، وبشكل خاص، توثيقاً. وكان من جراء ذلك أمران:
الأول هو أن مهدي ارتأى على نفسه، في ضوء إعادة قراءته لما كتب في نقد الفكر اليومي، توسيع بعض الأفكار وتدعيمها. هكذا كتب هذه الأوراق الاضافية باللون الأحمر تمييزاً لها، وبهدف إدراج بعضها في متن نص المخطوطة/ الكتاب، وإدراج بعضها الآخر في هوامش هذا المتن، بعد أن أوضح ذلك بعلامات وضعها في الأماكن المناسبة. وقد كان علينا أن ندقِّق في هذه العلامات لنُدرج هذه الإضافات، وفق إشارات مهدي ودون خطأ. ولئن كان هذا الأمر قد كلّفنا جهداً إضافياً في إعداد المخطوطة للطبع، فإنه جهد ضروري اقتضته الأمانة لصاحب المخطوطة والدقة في عمل كهذا.
الثاني يتعلّق بمنحى الكتاب الذي كان ينمو باتجاه تجاوزه نقد ما كُتِب على صفحات الدوريات اليومية، أو المجلات، إلى الكتب. والنمو في هذا الاتجاه لم يكن مسألة شكلية، أي مسألة تجاوز الجريدة أو المجلة إلى الكتاب، بل كان نمواً يقتضيه بحث مهدي نفسه. فالفصل الأخير من الكتاب ينتهي، كما يمكن للقارىء أن يلاحظ، بالتوقف عند مناقشة مسألة وجود نمط إنتاج إسلامي. وهي مسألة استدعت عند مهدي النظر في ما كتبه القائلون بذلك في كتب لهم. فراح يتابع بحثه قراءة وتوثيقاً وتسجيل أفكار.
هكذا ترك مهدي ـ إضافة إلى مخطوطة الكتاب والأوراق التي أضافها (والتي ميّزها بكتابتها باللون الأحمر) وحدّد مواضع إدراجها في المخطوطة (وقمنا كما ذكرنا بإدراجها) ـ مجموعة من الملاحظات التوثيقية ومن الأفكار التي توضح قراءتها أن قسماً كبيراً منها يخصّ ما تبقى على مهدي كتابته في كتابه «نقد الفكر اليومي»، كما تؤكد هذه القراءة المنحى الذي أشرنا إليه والذي كان الكتاب ينمو باتجاهه فظهرت معالمه واضحة في الصفحات الأخيرة التي توقف عندها كتاب نقد الفكر اليومي.
وقد أرتأينا عدم نشر هذه الملاحظات بهدف استكمال جمعها، وأخْذ الوقت الكافي للعمل عليها فرزاً وتدقيقاً وترتيباً يعطيها الشكل المناسب ويُظهر الأهمية التي لها، فيفسح في المجال أمام القارىء لتلمّس ما كان يمكن أن يكون عليه كتاب مهدي عامل غير المنجَز والأخير (1).
لن نكتب مقدمة كان لمهدي عامل نفسه أن يكتبها. سنترك للورق بياضه علّه ينطق بقول صاحبه. وسنكتفي، للأمانة، بالكلام أولاً على المخطوطة التي تركها مهدي غير منجزة. ثانياً على الأمور الإجرائية التي كان لا بدَّ منها لطبع هذه المخطوطة وإعطائها شكل الكتاب.
أولاً: المخطوطة
في وصف المخطوطة: تتكوّن المخطوطة من 62 صفحة من الحجم الكبير، 61 صفحة منها كاملة. أما الصفحة رقم 62، والتي غدت، بعد اغتيال مهدي، الصفحة الأخيرة، فإن ما يعادل نصفها ما زال بياضاً.
يضاف إلى المخطوطة 18 صفحة ونصف الصفحة من الهوامش الخاصة بالمخطوطة نفسها.
ثم ورقة مسوّدة تبيَّن لنا، بعد قراءتها، أنها تكملة للصفحة 62 من المخطوطة لم يكن مهدي قد نقلها بعد إليها. فرأينا إضافتها إلى المخطوطة وتقديم صورة عنها إلى القارىء.
تملأ الكتابة صفحة مهدي، وكما هو مألوف عنده، من أول زاوية بياض فيها على اليمين، إلى آخر زاوية بياض فيها على اليسار. لا هامش من البياض يعلو الصفحة أو يذيّلها، ولا هامش من البياض يسوِّر يمينها أو يسارها، بل كتابة تبدو، بخطِّ مهدي المرصوف، كأنها لتمحو البياض، تغطّي حضوره وتقاوم، بالتمام، فراغَه.
كتب مهدي المخطوطة، كعادته في كل ما يكتب، مما كنا نطّلع عليه، أو مما كان هو نفسه يطلعنا عليه، بخطّ واضح، وبقلم يشدّ على الورق دون أن يجرحه. خطّ يُنبىء بالثقة، مقروء، منتظم ونظيف.. فلا خربشَة على الصفحة، ولا شطب ولا محو، بل كتابة نقيّة متقنة، تهتم بالنّفط وبالفواصل بين الكلمات والجُمل، وبوضع علامات التشديد والترقيم وحركات التحريك حيث يمكن لقراءة الكلمة أن تلتبس.
في سيرة المخطوطة: ترك مهدي عامل مخطوطة كتابه «نقد الفكر اليومي» مكتوبة بالحبر الأزرق، ولكنه ترك معها أوراقاً تخصّها، ومن حجم مختلف، مكتوبة بالحبر الأحمر. وكان مهدي حكى أمام أصدقائه عن أمر هذه الأوراق. كما أننا وجدنا علامات على هذه الأوراق توضح مواضع إضافتها إلى متن المخطوطة وإلى هوامشها. يمكننا إذن أن نوضح أمر هذه الأوراق، بالاستناد إلى ما عرفناه عنها من مهدي مباشرة، وبالاستناد إلى الأوراق نفسها، على النحو التالي:
كان مهدي عامل قد بدأ كتابه «نقد الفكر اليومي» في العام 1980. وكانت صفحات الدوريات اليومية قد راحت تنشر مواقف وآراء ونقاشات فكرية وثقافية مختلفة ولكتّاب مختلفين، رأى مهدي أنها تمثل، مما تقوله، فكراً يومياً، له طابع الاستحداث، وأنه من الضروري نقد هذا الفكر وكشف موقعه. هكذا أخذ يجمع العديد من هذه المقالات المنشورة على صفحات الدوريات اليومية، يوثّقها، ويجعل منها، بما تقول، موضوعاً للنقض.
بدأ مهدي عمله هذا مقتصراً على هذه القصاصات يتجاوزها أحياناً إلى ما يُلفت انتباهه من فكر يومي يُنشر أحياناً في بعض المجلات (وقد أشار هو نفسه إلى ذلك في متن نصّ مخطوطته). وهو في ذلك كان يعني كتابةً عناها العنوان تماماً: نقد فكر يومي . فالعنوان هو موضوع الكتاب. وكان ينوي إنهاء الكتاب خلال مدة، إن لم يحدّدها بتاريخ، فإنه على الأقل لم يكن يقدِّر أنها ستطول حتى العام 1987. لذا كان يبدو مهموماً بإنجاز الكتاب، وكان يؤكد أمامنا، وكمن يلحّ على نفسه، على ضرورة الإسراع في إنهائه.
ظروف شتى أعاقت استمرار مهدي في كتابة هذا الكتاب. نذكر منها الواضح:
ـ حصار بيروت صيف 1982، علماً بأن أشهر الصيف في لبنان كانت بالنسبة لمهدي فترة إنتاج مخصب، إذ يعزل نفسه ويتوحَّد مستغرقاً في العمل بشكل كثيف.
ـ إنشغال مهدي بكتابة كتاب آخر هو «في الدولة الطائفية».
وقد يسأل القارىء ما الذي دفع مهدي لإعطاء الأولية لكتابه «في الدولة الطائفية»، فترك «نقد الفكر اليومي» وأنجز «في الدولة الطائفية»؟. نحن لا نملك، طبعاً، جواباً واضحاً على هذا السؤال. وربما كان مهدي نفسه لا يملك جواباً تماماً واضحاً على سؤال كهذا. لكن ما نعلمه هو أن مهدي كان متحمساً لكتابة «في الدولة الطائفية». ربما لضرورته التي برزت ملحّة بعد استفحال الاقتتال وتعمّق الطابع الأهلي والشكل الطائفي للحرب في لبنان (في السنوات 1983 ـ 1986) بعد خروج جيش الاحتلال الاسرائيلي من بيروت وفشل جيش السلطة في اقتحامه الضاحية وبيروت الوطنية.
وما نعلمه أيضاً هو أن مهدي لم يترك تماماً صلته ـ خلال هذه السنوات، سنوات انشغاله في كتابه «في الدولة الطائفية» ـ بموضوع كتابه «نقد الفكر اليومي»، بل كان يعود إليه كتابةً، وبشكل خاص، توثيقاً. وكان من جراء ذلك أمران:
الأول هو أن مهدي ارتأى على نفسه، في ضوء إعادة قراءته لما كتب في نقد الفكر اليومي، توسيع بعض الأفكار وتدعيمها. هكذا كتب هذه الأوراق الاضافية باللون الأحمر تمييزاً لها، وبهدف إدراج بعضها في متن نص المخطوطة/ الكتاب، وإدراج بعضها الآخر في هوامش هذا المتن، بعد أن أوضح ذلك بعلامات وضعها في الأماكن المناسبة. وقد كان علينا أن ندقِّق في هذه العلامات لنُدرج هذه الإضافات، وفق إشارات مهدي ودون خطأ. ولئن كان هذا الأمر قد كلّفنا جهداً إضافياً في إعداد المخطوطة للطبع، فإنه جهد ضروري اقتضته الأمانة لصاحب المخطوطة والدقة في عمل كهذا.
الثاني يتعلّق بمنحى الكتاب الذي كان ينمو باتجاه تجاوزه نقد ما كُتِب على صفحات الدوريات اليومية، أو المجلات، إلى الكتب. والنمو في هذا الاتجاه لم يكن مسألة شكلية، أي مسألة تجاوز الجريدة أو المجلة إلى الكتاب، بل كان نمواً يقتضيه بحث مهدي نفسه. فالفصل الأخير من الكتاب ينتهي، كما يمكن للقارىء أن يلاحظ، بالتوقف عند مناقشة مسألة وجود نمط إنتاج إسلامي. وهي مسألة استدعت عند مهدي النظر في ما كتبه القائلون بذلك في كتب لهم. فراح يتابع بحثه قراءة وتوثيقاً وتسجيل أفكار.
هكذا ترك مهدي ـ إضافة إلى مخطوطة الكتاب والأوراق التي أضافها (والتي ميّزها بكتابتها باللون الأحمر) وحدّد مواضع إدراجها في المخطوطة (وقمنا كما ذكرنا بإدراجها) ـ مجموعة من الملاحظات التوثيقية ومن الأفكار التي توضح قراءتها أن قسماً كبيراً منها يخصّ ما تبقى على مهدي كتابته في كتابه «نقد الفكر اليومي»، كما تؤكد هذه القراءة المنحى الذي أشرنا إليه والذي كان الكتاب ينمو باتجاهه فظهرت معالمه واضحة في الصفحات الأخيرة التي توقف عندها كتاب نقد الفكر اليومي.
وقد أرتأينا عدم نشر هذه الملاحظات بهدف استكمال جمعها، وأخْذ الوقت الكافي للعمل عليها فرزاً وتدقيقاً وترتيباً يعطيها الشكل المناسب ويُظهر الأهمية التي لها، فيفسح في المجال أمام القارىء لتلمّس ما كان يمكن أن يكون عليه كتاب مهدي عامل غير المنجَز والأخير (1).
صفحة 2
ثانياً: الأمور الاجرائية
ما الشغل الذي قمنا به إذن في إخراج مخطوطة مهدي عامل في كتاب؟ أو ما هو الشغل الذي اقتضاه طبع مخطوطة كتاب مهدي، في نقد الفكر اليومي، غير المنجز طالما أننا أرجأنا العمل على هذه الملاحظات خاصة ما يتعلق منها بالقسم الذي لم يكتبه مهدي؟
لقد اقتصر عملنا حتى الآن على ما يلي:
ـ إدراج الإضافات، كما ذكرنا، في متن النص وفي هوامشه، وفق إرشادات مهدي.
ـ تقسيم المخطوطة إلى فصول ، وتقسيم الفصول إلى مقاطع . ذلك أن من عادة مهدي أن يكتب خارج إطار الفصول. يكتب كتابه نصاً واحداً بلا بياض بين مقاطعه، وبلا عناوين، ثم، وبعد الطبع، وخلال تصحيح البروفات، يعطيه شكل الفصول والمقاطع، ويضع عنواناً لكل منها. وهذا تماماً ما فعلناه ـ خلال تصحيحنا برو؟ات المخطوطة.
ـ وضْع عناوين لكل فصل ولكل مقطع. وقد حاولنا جهدنا أن نكون في صياغة هذه العناوين أمينين لصيغ مهدي. لذا كنا نبحث عن عبارة في المتن نفسه تصلح عنواناً، أو، كنّا، حين لا يسعفنا النص بمثل هذه العبارة، نصوغ عنواناً ونتوخّى أن تكون كلماته، أو بعض كلماته، من المتن نفسه، أي من لغة مهدي وكلماته. ونحن في هذا التوخّي لم نكن نغفل ضرورة أن يكون العنوان دالاً على ما ورد في المقطع، أو على ما يعالجه الفصل، كما على مغزى القول النقدي الذي يقدّمه مهدي.
ـ أما عنوان الكتاب فهو لمهدي. وقد أبقينا عليه بحرفيته، وإن راح الكتاب في صفحاته الأخيرة يومئ، كما أشرنا، باتخاذ منحى يتجاوز نقد الفكر اليومي ، وهو أمر يفسر السؤال الذي كان مهدي يطرحه، أحياناً، أمام بعض أصدقائه، ودون إلحاح، حول مسألة العنوان هذا، وعما إذا كان من الأفضل تغييره.
في سؤاله كان مهدي يبدو محبّاً لهذا العنوان: نقد الفكر اليومي ، ربما لأنه عايشه طويلاً.. لكنه كان يعي أن الكتاب يتخذ عنده منحىً أبعد من الفكر اليومي، وأن نقده يتجاوز نقد هذا الفكر... ربما كان يترك أمر النظر في هذا العنوان والبتّ فيه حتى ينجز الكتاب. ربما تركه لنا... فرأينا أن نتركه للقارىء، كما هو. كما أحبّه مهدي. وقد أوضحنا فأشركنا القارىء في حميميةٍ وددنا أن تكون بمثابة حضورٍ لمن فقدناه شهيداً، لـ مهدي.
«من لجنة نشر تراث مهدي عامل»د. يمنى العيدبيروت في 9/3/1988
القسم الأول
ملاحظات أولى
ما الشغل الذي قمنا به إذن في إخراج مخطوطة مهدي عامل في كتاب؟ أو ما هو الشغل الذي اقتضاه طبع مخطوطة كتاب مهدي، في نقد الفكر اليومي، غير المنجز طالما أننا أرجأنا العمل على هذه الملاحظات خاصة ما يتعلق منها بالقسم الذي لم يكتبه مهدي؟
لقد اقتصر عملنا حتى الآن على ما يلي:
ـ إدراج الإضافات، كما ذكرنا، في متن النص وفي هوامشه، وفق إرشادات مهدي.
ـ تقسيم المخطوطة إلى فصول ، وتقسيم الفصول إلى مقاطع . ذلك أن من عادة مهدي أن يكتب خارج إطار الفصول. يكتب كتابه نصاً واحداً بلا بياض بين مقاطعه، وبلا عناوين، ثم، وبعد الطبع، وخلال تصحيح البروفات، يعطيه شكل الفصول والمقاطع، ويضع عنواناً لكل منها. وهذا تماماً ما فعلناه ـ خلال تصحيحنا برو؟ات المخطوطة.
ـ وضْع عناوين لكل فصل ولكل مقطع. وقد حاولنا جهدنا أن نكون في صياغة هذه العناوين أمينين لصيغ مهدي. لذا كنا نبحث عن عبارة في المتن نفسه تصلح عنواناً، أو، كنّا، حين لا يسعفنا النص بمثل هذه العبارة، نصوغ عنواناً ونتوخّى أن تكون كلماته، أو بعض كلماته، من المتن نفسه، أي من لغة مهدي وكلماته. ونحن في هذا التوخّي لم نكن نغفل ضرورة أن يكون العنوان دالاً على ما ورد في المقطع، أو على ما يعالجه الفصل، كما على مغزى القول النقدي الذي يقدّمه مهدي.
ـ أما عنوان الكتاب فهو لمهدي. وقد أبقينا عليه بحرفيته، وإن راح الكتاب في صفحاته الأخيرة يومئ، كما أشرنا، باتخاذ منحى يتجاوز نقد الفكر اليومي ، وهو أمر يفسر السؤال الذي كان مهدي يطرحه، أحياناً، أمام بعض أصدقائه، ودون إلحاح، حول مسألة العنوان هذا، وعما إذا كان من الأفضل تغييره.
في سؤاله كان مهدي يبدو محبّاً لهذا العنوان: نقد الفكر اليومي ، ربما لأنه عايشه طويلاً.. لكنه كان يعي أن الكتاب يتخذ عنده منحىً أبعد من الفكر اليومي، وأن نقده يتجاوز نقد هذا الفكر... ربما كان يترك أمر النظر في هذا العنوان والبتّ فيه حتى ينجز الكتاب. ربما تركه لنا... فرأينا أن نتركه للقارىء، كما هو. كما أحبّه مهدي. وقد أوضحنا فأشركنا القارىء في حميميةٍ وددنا أن تكون بمثابة حضورٍ لمن فقدناه شهيداً، لـ مهدي.
«من لجنة نشر تراث مهدي عامل»د. يمنى العيدبيروت في 9/3/1988
القسم الأول
ملاحظات أولى
صفحة 3
ضد ظلامية العصرعافية العقل
في قهقهة التاريخ المتقدم عبر الامكانات المتضاربة، يحتضر عالم بكامله، ويتهيّأ للولادة آخر. تتفكك نُظُم من الفكر والاقتصاد والسياسة يصعب عليها الموت بغير عنف، تتصدّى لجديدٍ ينهض في حشرجة الحاضر وتقاوم في أشكال تتجدد بتجدد ضرورة انقراضها؛ تنعقد بين عناصرها المتنافرة تحالفات هي فيها مع الموت على موعد يتأجّل. إذن، فليدخل الفكر المناضل في صراع يستحثّ الخطى في طريق الضرورة الضاحكة. فهو اليانع أبداً، وهو اليقظ الدائم، في الحركة الثورية ينغرس ويتجذّر. يستبق التجربة بعين النظرية، ولا يتخاذل حين يُفاجأ: يتوثب على المعرفة ويعيد النظر في ترتيب عناصره ليؤمّن للنظرية قدرتها على التشامل، ورحابة أفق يتّسع لكل جديد. هكذا يكتسب كل نشاط نظري طابعاً نضالياً، ويتوق كل نشاط ثوري إلى أن يتعقلن في النظرية، فتتأكد، بالتحام النشاطين في الملموس التاريخي، ضرورة الفكر العلمي في أن يكون ثورياً، وضرورة الحركة الثورية في أن تكون علمية.
ضدّيّاً يتكوّن هذا الفكر المناضل، ويتكامل أيضاً ضدياً. في وجه الكهل من الفكر يؤكد صحته، ويؤكد، ضد ظلاميّته العصرية عافية العقل، ويفرح في فوضى التكوين. هو العصر، وهذي حداثته: أن تعمّ فيه انهيارات الكهانة والقداسة والسيادة، حتى لا يبقى لقديم فيه أملٌ في أن يتجدّد أو يتأبّد؛ تنغلق عليه منافذ زمنه. لا فضاء لغارب سوى القبر، فإن أصرّ، فوهمٌ من فضاء هو للفكر اليائس خريطة عدم تتساوى فيها الأضداد جميعاً في رماد أو سديم. لا حياة لفاقد الحياة، فإن ألحَّ، استحالت عنده الحياة توقاً إلى ما مات، أو ما يشبه الذات في لغة تُؤسطر الماضي وترفعه إلى المطلق، وتطمح، في شهوتها الفارغة كتجويف صدى، إلى أن يقتصر عليها الوجود في خريطة العدم، فلا يبقى في التاريخ من التاريخ المتوقف عند الآن الذاهب في الموت سوى لغة منها تبدأ كل الأشياء (2)، وفيها تسقط كل الأشياء، فتنتهي إلى «تمارين في الانشاء» (3) يمارسها، في أصفى حالات استمنائه، فكرٌعاجز عن إدراك العقل التاريخي، يستبدل دياليكتيكية عصر الثورات بصفر كلّي يغمر سطح الأشياء، فتحتجب الأعماق، وتحتجب الحركة. يبقى للفكر لغته الحمقاء، وصفرٌ يحسبه، من موقع ذاك الزمن الذاهب في الموت، «اكتشافاً بسيطاً ناصعاً بأن الأشياء لم تعد ممكنة» (4)، فيضطربويتعثّر، و «يسقط في الصفر حتى القاع» (5).
أي الأشياء هي الممكنة؟ وأي الأشياء لم تعد كذلك؟.
في الصفر الكلي يتوقف الزمن عن دورانه: لا الماضي يمضي، ولا الآتي يأتي. والزمن لا يراوح مكانه. يتصدّع وينهار، ولا يتضح غير المستحيل، من جهتين معاً: ما كان يتكرر لم يعد يتكرر، والأفق بلون غامض (6)، إنه زمن مكسور من جهة الماضي، مبتورٌ من جهة المستقبل،والحاضرفيه يتفتّت. فليتهافتْ كل العقل: صرخة يطلقها فكر ظلامي يلبس وجه الفكر العدميّ، ويرفع، ضد العقل، راية ما يسميه «المُعاش» (7)، ويهزأ بالمعرفة العلمية التي لا يرى فيها إلَّا توضيباً أو تعليباً (8) يسحق الحياة ويُفقدها نكهتها. وما هذا «المعاش» الذي راح يستحضره محبّرو الصفحات الثقافية في الآونة الأخيرة، بعد غيبة طالت في أرشيف اللغة الفلسفية الوجودية، سوى حاضر يحنّ إلى ماضٍ يستذكره فكر يخجل من إعلان حنينه. إنه الممكن الأوحد، هذا الذي، في الصفر، بات المستحيل.
صحيح، إذن، «أن الأشياء لم تعد ممكنة». لكنها الأشياء من جهة الماضي، أي من جهة الزمن المكسور المبتور المتوقف في الحاضر، في تعطّل حركة التكرار فيه. قِفْ في الصفر، وحدّق في الصفر بعين الصفر، تر الغامض في الآتي، والواضح في الذاهب في الموت. فالمرئي بهذي العين، ومن موقع ذاك الفكر، هو الماضي في وضوح هو «الوضوح الفاشي» (9).
عاجزٌ هذا الفكر، وعاجزةٌ عينه عن رؤية ما لا يُرى، في الوضوح النقيض، إلَّا بعين النقيض، ومن موقع الزمن المتقدم في الحاضر ضد الحاضر، في خلخلة كونية لا يفقه منطقها إلا فكرٌ كلي هو فكر علمي يلتحم بالحركة الثورية التحاماً عضوياً يستحيل فيه قاعدة لهذه الحركة التي هي حقل اختباره. سِرْ في الزمن الثوري وحدِّق فيه بعين الفكر العلمي، ترَ الواضح في الآتي، يستقدمه الحاضر بمنطق تناقضاته. فهو العصر، وهذي حكمته: أن ينتقل التاريخ من زمن يمضي إلى زمن يأتي، في تداخل الاثنين وتصادمهما. هكذا يتولّد الجديد دوماً: إنه الممكن ضد القائم، لا يتحقق إلا بانهياره.
من موقع أيّ الضدين يُفهم التاريخ؟ من موقع أيّ الضدين يُصنع؟ من أي موقع تمكن الكتابة؟
في قهقهة التاريخ المتقدم عبر الامكانات المتضاربة، يحتضر عالم بكامله، ويتهيّأ للولادة آخر. تتفكك نُظُم من الفكر والاقتصاد والسياسة يصعب عليها الموت بغير عنف، تتصدّى لجديدٍ ينهض في حشرجة الحاضر وتقاوم في أشكال تتجدد بتجدد ضرورة انقراضها؛ تنعقد بين عناصرها المتنافرة تحالفات هي فيها مع الموت على موعد يتأجّل. إذن، فليدخل الفكر المناضل في صراع يستحثّ الخطى في طريق الضرورة الضاحكة. فهو اليانع أبداً، وهو اليقظ الدائم، في الحركة الثورية ينغرس ويتجذّر. يستبق التجربة بعين النظرية، ولا يتخاذل حين يُفاجأ: يتوثب على المعرفة ويعيد النظر في ترتيب عناصره ليؤمّن للنظرية قدرتها على التشامل، ورحابة أفق يتّسع لكل جديد. هكذا يكتسب كل نشاط نظري طابعاً نضالياً، ويتوق كل نشاط ثوري إلى أن يتعقلن في النظرية، فتتأكد، بالتحام النشاطين في الملموس التاريخي، ضرورة الفكر العلمي في أن يكون ثورياً، وضرورة الحركة الثورية في أن تكون علمية.
ضدّيّاً يتكوّن هذا الفكر المناضل، ويتكامل أيضاً ضدياً. في وجه الكهل من الفكر يؤكد صحته، ويؤكد، ضد ظلاميّته العصرية عافية العقل، ويفرح في فوضى التكوين. هو العصر، وهذي حداثته: أن تعمّ فيه انهيارات الكهانة والقداسة والسيادة، حتى لا يبقى لقديم فيه أملٌ في أن يتجدّد أو يتأبّد؛ تنغلق عليه منافذ زمنه. لا فضاء لغارب سوى القبر، فإن أصرّ، فوهمٌ من فضاء هو للفكر اليائس خريطة عدم تتساوى فيها الأضداد جميعاً في رماد أو سديم. لا حياة لفاقد الحياة، فإن ألحَّ، استحالت عنده الحياة توقاً إلى ما مات، أو ما يشبه الذات في لغة تُؤسطر الماضي وترفعه إلى المطلق، وتطمح، في شهوتها الفارغة كتجويف صدى، إلى أن يقتصر عليها الوجود في خريطة العدم، فلا يبقى في التاريخ من التاريخ المتوقف عند الآن الذاهب في الموت سوى لغة منها تبدأ كل الأشياء (2)، وفيها تسقط كل الأشياء، فتنتهي إلى «تمارين في الانشاء» (3) يمارسها، في أصفى حالات استمنائه، فكرٌعاجز عن إدراك العقل التاريخي، يستبدل دياليكتيكية عصر الثورات بصفر كلّي يغمر سطح الأشياء، فتحتجب الأعماق، وتحتجب الحركة. يبقى للفكر لغته الحمقاء، وصفرٌ يحسبه، من موقع ذاك الزمن الذاهب في الموت، «اكتشافاً بسيطاً ناصعاً بأن الأشياء لم تعد ممكنة» (4)، فيضطربويتعثّر، و «يسقط في الصفر حتى القاع» (5).
أي الأشياء هي الممكنة؟ وأي الأشياء لم تعد كذلك؟.
في الصفر الكلي يتوقف الزمن عن دورانه: لا الماضي يمضي، ولا الآتي يأتي. والزمن لا يراوح مكانه. يتصدّع وينهار، ولا يتضح غير المستحيل، من جهتين معاً: ما كان يتكرر لم يعد يتكرر، والأفق بلون غامض (6)، إنه زمن مكسور من جهة الماضي، مبتورٌ من جهة المستقبل،والحاضرفيه يتفتّت. فليتهافتْ كل العقل: صرخة يطلقها فكر ظلامي يلبس وجه الفكر العدميّ، ويرفع، ضد العقل، راية ما يسميه «المُعاش» (7)، ويهزأ بالمعرفة العلمية التي لا يرى فيها إلَّا توضيباً أو تعليباً (8) يسحق الحياة ويُفقدها نكهتها. وما هذا «المعاش» الذي راح يستحضره محبّرو الصفحات الثقافية في الآونة الأخيرة، بعد غيبة طالت في أرشيف اللغة الفلسفية الوجودية، سوى حاضر يحنّ إلى ماضٍ يستذكره فكر يخجل من إعلان حنينه. إنه الممكن الأوحد، هذا الذي، في الصفر، بات المستحيل.
صحيح، إذن، «أن الأشياء لم تعد ممكنة». لكنها الأشياء من جهة الماضي، أي من جهة الزمن المكسور المبتور المتوقف في الحاضر، في تعطّل حركة التكرار فيه. قِفْ في الصفر، وحدّق في الصفر بعين الصفر، تر الغامض في الآتي، والواضح في الذاهب في الموت. فالمرئي بهذي العين، ومن موقع ذاك الفكر، هو الماضي في وضوح هو «الوضوح الفاشي» (9).
عاجزٌ هذا الفكر، وعاجزةٌ عينه عن رؤية ما لا يُرى، في الوضوح النقيض، إلَّا بعين النقيض، ومن موقع الزمن المتقدم في الحاضر ضد الحاضر، في خلخلة كونية لا يفقه منطقها إلا فكرٌ كلي هو فكر علمي يلتحم بالحركة الثورية التحاماً عضوياً يستحيل فيه قاعدة لهذه الحركة التي هي حقل اختباره. سِرْ في الزمن الثوري وحدِّق فيه بعين الفكر العلمي، ترَ الواضح في الآتي، يستقدمه الحاضر بمنطق تناقضاته. فهو العصر، وهذي حكمته: أن ينتقل التاريخ من زمن يمضي إلى زمن يأتي، في تداخل الاثنين وتصادمهما. هكذا يتولّد الجديد دوماً: إنه الممكن ضد القائم، لا يتحقق إلا بانهياره.
من موقع أيّ الضدين يُفهم التاريخ؟ من موقع أيّ الضدين يُصنع؟ من أي موقع تمكن الكتابة؟
صفحة 4
في موقع الصفر بين الضدين لا يوجد للتاريخ مكان، فهو الحركة في السيرورة الثورية، تهدم لتمهّد للممكن أرض ضرورته. بين الضدين صراع لا يلغيه طموح الصفر إلى إلغاء الضدين ليبقى القائم ضد الممكن. هل يدرك ذاك الفكر اللابس وجه الفكر العدمي ظلاميّته؟ يحلم بالتغيير الثوري ويرفض شرط التغيير الثوري: أن يتحقق في حقل صراع الضدين، بقوة من يحمله التاريخ إلى تحقيق ضرورته ضد القائم، هذا الذي من موقعه يحلم ذاك الفكر بتغيير وهمي يُبقي القائم إذ يلغي الضد الممكن في إلغاء الضدين.
بالوهم يلغي هذا الفكر ما لا يُلغى إلا بصراع يتأكد فيه موقعه في موقع الماضي الذي هو في القائم موقع الصفر نفسه. لكن التاريخ عصيّ الفهم على من ينظر فيه من هذا الموقع، لا يُفهم إلا من موقع ما يلمع في الطرف الآخر من نفق الزمان، ولا يُصنع إلا من موقع الآتي فيه محكوماً بضرورته. ولا يكتب التاريخ إلا قادر على قراءته، من هذا الموقع الذي يتكشف منه لعين الفكر الثوري النافذ في الأحداث إلى عقل الأحداث، مهما اختلفت أشكال كتابته، شعراً كانت أم فلسفة، أم علماً يتكاثر في شتى أنواع المعرفة. وهل الكتابة، في وجودها اللغوي نفسه، غير تملّك للواقع التاريخي هو قبض أو محاولة قبض على الأساسي المحتجب فيه وراء طبقات متراكمة من الظاهري، كلما اخترقت الكتابة واحدة منها اعترضتها أخرى، في ملحمة استنباط الأدوات القادرة على ترويض الواقع، حتى يأتي، في ترويض الفكر، إلى لغة همّها أن تُري لا أن تُرَى؟ كل كتابة إراءة: فإما أن تقبل بالمخاطرة، فينتصر الفكر في محاولة المعرفة؛ وتنتصر الكتابة حتى لو فشلت المحاولة، وإما أن تنهزم إلى مرئي يتسطح فيها، أو تزداد ضحالته في ثرثرة هي في الفكر خرير اللغة الجوفاء. هذا خيار الفكر: أن يتقصّد المعرفة في أشكال من الكتابة يستحضر فيها غير المرئي من الموجود ليجعله مرئياً في لغة العلم وفي لغة الفن؛ أو أن ينغلق عليها في لغة يُلبسها، في الشعر وفي النثر، حلة آسرة تتستر فيها فراغاته، وظلامات ينزلق إليها، باسم الذات وحريتها، أو باسم الإبداع، في بؤس محاولاته تهشيم بنيان العقل وعمارات المنطق في المعرفة. بين العلم والجهل، لا يقف الفكر حائراً، ينتصر للأول، إلَّا إذا هيمن فيه الجهل، فهو، إذَّاك، ليس بالفكر، بل عدمه. هذا قدر الفكر العدمي: أن ينقلب إلى عدم فكري يتثبّت فيه الفكر الظلامي، وبه يفرح. وما هذا القدر بمأساة: إنه مهزلة الفكر المتنطّح للثورة، من موقع رفض الثورة، في إلغاء الضد الثوري بوضعه، مع نقيضه، مقابل الصفر، في خانة واحدة يطلق عليها اسم «النظام». هكذا يُستبدل التناقض الفعلي القائم في الوجود التاريخي المادي بين النقيضين: الفكر الثوري والفكر الرجعي، بتناقض وهمي يجده، أو يوجده الفكر العدمي في سماء التجريد الميتافيزيقي بين الصفر والرقم، أو بين العدم والوجود.
لا على الفكر بالمطلق يجري الكلام، ولا من خارج التاريخ يجري. نتكلم على فكر يوميّ يتكاثر في صفحات ثقافية تتكاثر في حرب أهلية لم تنته بعد فصولها، ولم تنته بعد من رفضها في أشكال من القول والفعل تختلف باختلاف موقع القول والفعل فيها. يتقدم هذا الفكر اليومي إلينا بمحاذاة الخبر عن الحدث اليومي، كأن بين الاثنين علاقة ودّ أو قرابة تتجسد في وجودهما جنباً إلى جنب في أعمدة الصفحة الواحدة، وفي عناوين متشابهة تحاول اجتذاب القارىء بأساليب من الإثارة والإغراء قد تفوق أساليب تسويق السلع الطامحة إلى استهلاك فوري. وإذ تتنقل العين، يوماً بعد يوم، بين الأخبار وبين الأفكار المبثوثة بوتيرة أحداث تتكرر، ترى ما هو بالفعل ظاهرة جديدة: لقد بات الفكر يطمح أن يكون كالخبر يومياً، أي حدثيّاً، لا ليلغي الحدث، بل ليستفسره عن منطقه، حتى يكون فاعلاً فيه. لم يعد الفكر يقنع بأن يظل حيث هو، أو حيث كان أو أراد له البعض أن يكون، في عليائه بعيداً عن حقل تلتحم فيه الأحداث بالأحداث، وفيه التاريخ يُصنع. وقارىء هذي الأحداث المحكوم بها، قسراً أو طوعاً، لم يعد يقبل للفكر إلَّا أن يكون له فيها موقع قلم، ومنها موقف يدخل به في السياسة، حتى لو كان لها رافضاً، أو شاء، بالوهم، أن يبقى «نظيفاً» في لامبالاة خادعة. لا طُهر للفكر إلا بانتفائه، فكل يدٍ ملوثةٌ بما تكتب، تنحاز حتى حين لا تنحاز، أو ترتدّ ضد الانحياز. إذّاك توهم بالطهارة، لكن من موقع رفض التاريخ، ومن خارج دائرة زمانه، أي من موقع «القدسي»، هذا الذي هو في التاريخ موقع الفكر الديني، وموقع فكر عدمي هو فكر ديني مقلوب، يلغي الله ويستبدله بالصفر الكلّي، وينظر في التاريخ بعين الله الملغى، من موقعه في المطلق. لا يتغيّر شيء باستبدال المطلق بالمطلق، فمن موقعه ينظر في التاريخ الفكر العدمي، وينظر فيه الفكر الديني، فيختلط الأسود بالأبيض، سواء بسواء، تُلغى الأضداد، ويبقى القدسيّ، العدم، المطلق، وهمٌ بالطهر، ومهزلة الفكريْن في مقاربةٍ للتاريخ تلغي التاريخ، ورفضٍ للسياسة يؤكدها.
بالوهم يلغي هذا الفكر ما لا يُلغى إلا بصراع يتأكد فيه موقعه في موقع الماضي الذي هو في القائم موقع الصفر نفسه. لكن التاريخ عصيّ الفهم على من ينظر فيه من هذا الموقع، لا يُفهم إلا من موقع ما يلمع في الطرف الآخر من نفق الزمان، ولا يُصنع إلا من موقع الآتي فيه محكوماً بضرورته. ولا يكتب التاريخ إلا قادر على قراءته، من هذا الموقع الذي يتكشف منه لعين الفكر الثوري النافذ في الأحداث إلى عقل الأحداث، مهما اختلفت أشكال كتابته، شعراً كانت أم فلسفة، أم علماً يتكاثر في شتى أنواع المعرفة. وهل الكتابة، في وجودها اللغوي نفسه، غير تملّك للواقع التاريخي هو قبض أو محاولة قبض على الأساسي المحتجب فيه وراء طبقات متراكمة من الظاهري، كلما اخترقت الكتابة واحدة منها اعترضتها أخرى، في ملحمة استنباط الأدوات القادرة على ترويض الواقع، حتى يأتي، في ترويض الفكر، إلى لغة همّها أن تُري لا أن تُرَى؟ كل كتابة إراءة: فإما أن تقبل بالمخاطرة، فينتصر الفكر في محاولة المعرفة؛ وتنتصر الكتابة حتى لو فشلت المحاولة، وإما أن تنهزم إلى مرئي يتسطح فيها، أو تزداد ضحالته في ثرثرة هي في الفكر خرير اللغة الجوفاء. هذا خيار الفكر: أن يتقصّد المعرفة في أشكال من الكتابة يستحضر فيها غير المرئي من الموجود ليجعله مرئياً في لغة العلم وفي لغة الفن؛ أو أن ينغلق عليها في لغة يُلبسها، في الشعر وفي النثر، حلة آسرة تتستر فيها فراغاته، وظلامات ينزلق إليها، باسم الذات وحريتها، أو باسم الإبداع، في بؤس محاولاته تهشيم بنيان العقل وعمارات المنطق في المعرفة. بين العلم والجهل، لا يقف الفكر حائراً، ينتصر للأول، إلَّا إذا هيمن فيه الجهل، فهو، إذَّاك، ليس بالفكر، بل عدمه. هذا قدر الفكر العدمي: أن ينقلب إلى عدم فكري يتثبّت فيه الفكر الظلامي، وبه يفرح. وما هذا القدر بمأساة: إنه مهزلة الفكر المتنطّح للثورة، من موقع رفض الثورة، في إلغاء الضد الثوري بوضعه، مع نقيضه، مقابل الصفر، في خانة واحدة يطلق عليها اسم «النظام». هكذا يُستبدل التناقض الفعلي القائم في الوجود التاريخي المادي بين النقيضين: الفكر الثوري والفكر الرجعي، بتناقض وهمي يجده، أو يوجده الفكر العدمي في سماء التجريد الميتافيزيقي بين الصفر والرقم، أو بين العدم والوجود.
لا على الفكر بالمطلق يجري الكلام، ولا من خارج التاريخ يجري. نتكلم على فكر يوميّ يتكاثر في صفحات ثقافية تتكاثر في حرب أهلية لم تنته بعد فصولها، ولم تنته بعد من رفضها في أشكال من القول والفعل تختلف باختلاف موقع القول والفعل فيها. يتقدم هذا الفكر اليومي إلينا بمحاذاة الخبر عن الحدث اليومي، كأن بين الاثنين علاقة ودّ أو قرابة تتجسد في وجودهما جنباً إلى جنب في أعمدة الصفحة الواحدة، وفي عناوين متشابهة تحاول اجتذاب القارىء بأساليب من الإثارة والإغراء قد تفوق أساليب تسويق السلع الطامحة إلى استهلاك فوري. وإذ تتنقل العين، يوماً بعد يوم، بين الأخبار وبين الأفكار المبثوثة بوتيرة أحداث تتكرر، ترى ما هو بالفعل ظاهرة جديدة: لقد بات الفكر يطمح أن يكون كالخبر يومياً، أي حدثيّاً، لا ليلغي الحدث، بل ليستفسره عن منطقه، حتى يكون فاعلاً فيه. لم يعد الفكر يقنع بأن يظل حيث هو، أو حيث كان أو أراد له البعض أن يكون، في عليائه بعيداً عن حقل تلتحم فيه الأحداث بالأحداث، وفيه التاريخ يُصنع. وقارىء هذي الأحداث المحكوم بها، قسراً أو طوعاً، لم يعد يقبل للفكر إلَّا أن يكون له فيها موقع قلم، ومنها موقف يدخل به في السياسة، حتى لو كان لها رافضاً، أو شاء، بالوهم، أن يبقى «نظيفاً» في لامبالاة خادعة. لا طُهر للفكر إلا بانتفائه، فكل يدٍ ملوثةٌ بما تكتب، تنحاز حتى حين لا تنحاز، أو ترتدّ ضد الانحياز. إذّاك توهم بالطهارة، لكن من موقع رفض التاريخ، ومن خارج دائرة زمانه، أي من موقع «القدسي»، هذا الذي هو في التاريخ موقع الفكر الديني، وموقع فكر عدمي هو فكر ديني مقلوب، يلغي الله ويستبدله بالصفر الكلّي، وينظر في التاريخ بعين الله الملغى، من موقعه في المطلق. لا يتغيّر شيء باستبدال المطلق بالمطلق، فمن موقعه ينظر في التاريخ الفكر العدمي، وينظر فيه الفكر الديني، فيختلط الأسود بالأبيض، سواء بسواء، تُلغى الأضداد، ويبقى القدسيّ، العدم، المطلق، وهمٌ بالطهر، ومهزلة الفكريْن في مقاربةٍ للتاريخ تلغي التاريخ، ورفضٍ للسياسة يؤكدها.
صفحة 5
السياسة طرف ثابت في معادلة
ما كانت السياسة يوماً حاضرة في الفكر مثلما كانت فيه إبَّان الحرب الأهلية وفي مراحلها اللاحقة، أي الراهنة. حتى بات الواحد منا يتساءل: أي الاثنين اقتحم الآخر؟ الفكر، أم ما أطلق عليه اسم السياسة؟ جولة خاطفة في ما كُتب أو ما يُكتب يومياً في سنوات الحرب الأهلية تكفي لترى سيلاً من مشكلات البحث والنقد صيغت في شكل يستوقف حتى فكراً يرهقه التفكير: مثلاً، الشعر والسياسة، النقد والسياسة، المسرح والسياسة، الأغنية والسياسة، الأدب والسياسة، الثقافة والسياسة، الحياة والسياسة، الحرب والسياسة... إلى غير هذا مما قد نجد، لو طاب لنا الاسترسال. فالسياسة، إذن، في مثل هذه الصيغة، طرف ثابت في معادلة طرفها الآخر يتغير بتغير أشكال الفكر والكتابة. بين الطرفين تعارض، أو تنابذ يصطنعه دوماً فكر يرفض، برفضه التاريخ، السياسة، باسم الشعر أو الإبداع أو الذات الفرد المطلق في حريته حيناً، وباسم الفن، الثقافة، الحياة، اللذة والالتذاذ أحياناً أخرى. ولأن للسياسة عنده وجه الموت، بما يعنيه من موت القائم، هذا الذاهب في الماضي، يعلن إذَّاك موت السياسة (10)، أو يرغب فيه، ويطمح بالوهم إليه. لكن، كيف يموت صراع تتولد فيه الحياة ضد قديمها ونقيضها؟ بمطلق الرغبة في موته. هكذا بالسحر يلغي الفكر الرافض للتاريخ،العاجز عن إدراكه، صراع الطبقات الذي هو هو السياسة، في مزمزة الكلمات يحقق رغبته، يعلن، عن حق، أن «الانشاء» هو الحل الأفضل لفكر يطمح أن يؤكد فراغه، كاللامبالاة (11) يعلنها حلاً للسياسة، أي موتاً بالوهم لها.
من نقطة الصفر في سرّة الفرد الوهمي، أي المطلق، ينظر هذا الفكر إلى العالم حوله، محكوماً برغبة الموت، وبالتذاذ هو منها الوجه الآخر، فيرى التاريخ يمضي في خط ضرورته، لا يعبأ بالسحر ولا بالانشاء، فيغتاظ القابع في هامش صفحته، يستنكر مجرى التاريخ الكوني، ويسجّل للقراء خلاصة دهشته: «أليس غريباً أن تستحوذ السياسة على العالم كله، أن تنتشر في سطح العلاقات وفي عمقها» (12)؟ وما الغرابة في هذا الأمر؟ نتساءل، ونشهد لهذا القول بشيء من حق. فالسياسة ما زالت كما كانت من قبل دوماً تحكم العلاقات الاجتماعية كلها، في ترابطها الداخلي في كلٍّ واحد يتماسك في حركتها المحورية، من حيث هي حركة الصراعات الطبقية في شتى أشكالها. إنها، في مختلف المجتمعات التاريخية، الحركة التي بها يتوحد المجتمع، في انبنائه على قاعدته المادية، وفي تطوره التاريخي في صراع الأضداد فيه. وهي أيضاً نفسها الحركة التي بها، في شكل آخر منها، يتفكك المجتمع ويفقد لحمته، فيدخل في زمن آخر منه هو الذي فيه ينتقل من بنية إلى أخرى. وليس في الأفق المنظور من التاريخ والمعرفة ما يُنبىء بإمكان تغيّر ما في هذا الوضع الذي هو للسياسة في التاريخ والمعرفة، ما دامت المجتمعات البشرية حتى اليوم مجتمعات طبقية، وما دام الصراع الطبقي فيها قانوناً كونياً، مهما اختلفت منه الأشكال، وتباينت الشروط. فالغرابة، إذن، ليست في أن يكون للسياسة مثل هذا الوضع المعروف إلى حدّ تمكّن فيه ذاك القول من أن يتبيّنه، فكان لزاماً علينا أن نشهد له بشيء من حق. الغرابة هي في أن يأتي هذا القول في شكل سؤال يرى الغرابة في ما قد تبيّن. ولا يراها فيه إلا ليرفضه. إنه ضد السياسية بالمطلق، أي ضد كل سياسة، سواء أكانت رجعية أم ثورية، وضد حركة الصراع فيها، سواء أكانت من أجل الإبقاء على القائم، أم من أجل تغييره. لا مع الثورة المضادة، ولا مع الثورة، بل ضد الاثنتين معاً، وضد حركة الصراع بينهما، لأنها السياسة، وهو ضدها بالمطلق. لا يختار موقعاً، لا يلتزم بموقف. يضع نفسه في هامش المواقع والمواقف، ويعلن مستنكراً: «نحن حيوانات سياسية نسيت أشياء الحياة الأولى» (13). ليس التناقض في السياسة. ليس فيها قائماً، باختصار، بين قوى بشرية اجتماعية هي قوى الثورة، وأخرى هي القوى المضادة للثورة. إنه، بالعكس، عند هذا الفكر، بين السياسة والحياة، أي بتعبير آخر يتضمنه الأول كبداهة، إنه بين الموت والحياة، أو، بالمجرد، في صورة منه، بين العدم والوجود.
هذا فكر لا يحب التعقيد. يعشق البساطة، فهي تريح. يختزل ويؤكد. مثلاً، على قاعدة إلغاء الواقع المادي وحركة التاريخ الفعلي فيه، ومن موقعه في هامش صفحته البيضاء، يُسقط من السياسة أطراف التناقض والصراع فيها، فتستحيل به السياسة كلمة جوفاء يظنها مصطلحاً أو مفهوماً يدخله كطرف في تناقض طرفه الآخر، كالأول، كلمة جوفاء هي «الحياة». تنزلق السياسة في الوعي اليومي الذي يتوجه إليه هذا الفكر اليومي إلى موقع الموت فيه، في ذاكرة العلاقة المتكررة بين الموت والحياة. فالسياسة كلها للموت، وهي أداة له (14)، تلغي تفاصيل الحياة، فينسى كل من فيها وهمالبشر كلهم ـ «رغباتهم التي تكونت حول امرأة أو بيت أو شارع مُضاء» (15)، كأن «تفاصيل الحياة عندهم هي الصراعات الكبرى» (16). فالحياة، إذن، ليست ممكنة إلا ضد السياسة، وتفاصيلها ليست كذلك إلا بإلغاء تفاصيل السياسة، تلك التي يُسقطها منها هذا الفكر اليومي ليستقيم له فراغ القول في إحلالها محل الموت في علاقته بالحياة.
هكذا يستعيد هذا الفكر لغة البداهة في الوعي اليومي ليترسّب فيه، ويكون له فعل ليس له إلا بمقدار ما يستسلم للفكر المسيطر ـ أي للايديولوجية البورجوازية المسيطرة ـ ويسهم، في تحالفه المرئي وغير المرئي معه، في تجديد أشكاله، بحسب ما تقتضيه شروط تجدُّد الصراع الطبقي واحتدامه بين قوى الثورة المضادة وفكرها الرجعي، وبين القوى الثورية وفكرها المناضل. لا غرابة في هذا الأمر. فالفكر المسيطر غالباً ما يلجأ إلى لغة البداهات ليقدم فيها نفسه، لا سيما حين تهتز مواقع سيطرته في الوعي الاجتماعي، بفعل اقتحام الفكر الثوري لها. وظيفة هذه اللغة، إذن، تكمن في تحصين هذه المواقع، بتدعيم أسسها الممتدة في ذاكرة الوعي اليومي، أو ما يمكن تسميته؛ بتحفظ ـ اللاوعي الاجتماعي، هذا الذي هو، بامتياز، قاعدة الايديولوجية المسيطرة. لا تعرف هذه اللغة جديداً. فإذا طرأ عليها جديد يتهددها، أحالته قديماً يتجدد، أي يتأبّد في أشكال تألفها ذاكرة الوعي اليومي، فتدخله فيها كي لا يتجدد إلا ما يسهم في تأمين تجدد فكر يستخدمها، هو بالذات الفكر المسيطر. هكذا يُلغى فيها كل جديد تستقبله، كي يبقى ما يجب أن يبقى، أي ما هو ضروري لبقاء القائم: قالب من الفكر يتكرر في فراغ يؤمّن للفكر المسيطر تجدد سيطرته. كالسياسة في الحرب الأهلية في لبنان، مثلاً، تستقبلها لغة البداهة في فراغ العلاقة بين كلمة الموت وكلمة الحياة، فتسقط السياسة، بما هي صراع مادي تاريخي بالغ التعقيد، ويبقى فراغ تلك العلاقة يتكرر في إدانة للسياسة تأخذ، في تضليل البداهة ولغتها، شكل إدانة للموت، في دعوة إلى اللامبالاة تظهر كأنها دعوة إلى الحياة، في إعلان الاضراب عن ممارسة الصراع في السياسة، بل في الحياة نفسها.
لا يرفض الفكر المسيطر ـ ولا القوى المضادة للثورة ـ مثل هذه الدعوة تأتي من فكر يطمح أن يكون مختلفاً، بل بالعكس، يستنجد بها لأنها، في حقيقتها الفعلية في حقل الصراع السياسي الذي لا إفلات لها منه إلا بالوهم، «دعوة إلى الموت» (17) ضد الحياة. «فالحياة صراع» (18) لا ينتصر فيه إلا من ينتصر لها.
ما كانت السياسة يوماً حاضرة في الفكر مثلما كانت فيه إبَّان الحرب الأهلية وفي مراحلها اللاحقة، أي الراهنة. حتى بات الواحد منا يتساءل: أي الاثنين اقتحم الآخر؟ الفكر، أم ما أطلق عليه اسم السياسة؟ جولة خاطفة في ما كُتب أو ما يُكتب يومياً في سنوات الحرب الأهلية تكفي لترى سيلاً من مشكلات البحث والنقد صيغت في شكل يستوقف حتى فكراً يرهقه التفكير: مثلاً، الشعر والسياسة، النقد والسياسة، المسرح والسياسة، الأغنية والسياسة، الأدب والسياسة، الثقافة والسياسة، الحياة والسياسة، الحرب والسياسة... إلى غير هذا مما قد نجد، لو طاب لنا الاسترسال. فالسياسة، إذن، في مثل هذه الصيغة، طرف ثابت في معادلة طرفها الآخر يتغير بتغير أشكال الفكر والكتابة. بين الطرفين تعارض، أو تنابذ يصطنعه دوماً فكر يرفض، برفضه التاريخ، السياسة، باسم الشعر أو الإبداع أو الذات الفرد المطلق في حريته حيناً، وباسم الفن، الثقافة، الحياة، اللذة والالتذاذ أحياناً أخرى. ولأن للسياسة عنده وجه الموت، بما يعنيه من موت القائم، هذا الذاهب في الماضي، يعلن إذَّاك موت السياسة (10)، أو يرغب فيه، ويطمح بالوهم إليه. لكن، كيف يموت صراع تتولد فيه الحياة ضد قديمها ونقيضها؟ بمطلق الرغبة في موته. هكذا بالسحر يلغي الفكر الرافض للتاريخ،العاجز عن إدراكه، صراع الطبقات الذي هو هو السياسة، في مزمزة الكلمات يحقق رغبته، يعلن، عن حق، أن «الانشاء» هو الحل الأفضل لفكر يطمح أن يؤكد فراغه، كاللامبالاة (11) يعلنها حلاً للسياسة، أي موتاً بالوهم لها.
من نقطة الصفر في سرّة الفرد الوهمي، أي المطلق، ينظر هذا الفكر إلى العالم حوله، محكوماً برغبة الموت، وبالتذاذ هو منها الوجه الآخر، فيرى التاريخ يمضي في خط ضرورته، لا يعبأ بالسحر ولا بالانشاء، فيغتاظ القابع في هامش صفحته، يستنكر مجرى التاريخ الكوني، ويسجّل للقراء خلاصة دهشته: «أليس غريباً أن تستحوذ السياسة على العالم كله، أن تنتشر في سطح العلاقات وفي عمقها» (12)؟ وما الغرابة في هذا الأمر؟ نتساءل، ونشهد لهذا القول بشيء من حق. فالسياسة ما زالت كما كانت من قبل دوماً تحكم العلاقات الاجتماعية كلها، في ترابطها الداخلي في كلٍّ واحد يتماسك في حركتها المحورية، من حيث هي حركة الصراعات الطبقية في شتى أشكالها. إنها، في مختلف المجتمعات التاريخية، الحركة التي بها يتوحد المجتمع، في انبنائه على قاعدته المادية، وفي تطوره التاريخي في صراع الأضداد فيه. وهي أيضاً نفسها الحركة التي بها، في شكل آخر منها، يتفكك المجتمع ويفقد لحمته، فيدخل في زمن آخر منه هو الذي فيه ينتقل من بنية إلى أخرى. وليس في الأفق المنظور من التاريخ والمعرفة ما يُنبىء بإمكان تغيّر ما في هذا الوضع الذي هو للسياسة في التاريخ والمعرفة، ما دامت المجتمعات البشرية حتى اليوم مجتمعات طبقية، وما دام الصراع الطبقي فيها قانوناً كونياً، مهما اختلفت منه الأشكال، وتباينت الشروط. فالغرابة، إذن، ليست في أن يكون للسياسة مثل هذا الوضع المعروف إلى حدّ تمكّن فيه ذاك القول من أن يتبيّنه، فكان لزاماً علينا أن نشهد له بشيء من حق. الغرابة هي في أن يأتي هذا القول في شكل سؤال يرى الغرابة في ما قد تبيّن. ولا يراها فيه إلا ليرفضه. إنه ضد السياسية بالمطلق، أي ضد كل سياسة، سواء أكانت رجعية أم ثورية، وضد حركة الصراع فيها، سواء أكانت من أجل الإبقاء على القائم، أم من أجل تغييره. لا مع الثورة المضادة، ولا مع الثورة، بل ضد الاثنتين معاً، وضد حركة الصراع بينهما، لأنها السياسة، وهو ضدها بالمطلق. لا يختار موقعاً، لا يلتزم بموقف. يضع نفسه في هامش المواقع والمواقف، ويعلن مستنكراً: «نحن حيوانات سياسية نسيت أشياء الحياة الأولى» (13). ليس التناقض في السياسة. ليس فيها قائماً، باختصار، بين قوى بشرية اجتماعية هي قوى الثورة، وأخرى هي القوى المضادة للثورة. إنه، بالعكس، عند هذا الفكر، بين السياسة والحياة، أي بتعبير آخر يتضمنه الأول كبداهة، إنه بين الموت والحياة، أو، بالمجرد، في صورة منه، بين العدم والوجود.
هذا فكر لا يحب التعقيد. يعشق البساطة، فهي تريح. يختزل ويؤكد. مثلاً، على قاعدة إلغاء الواقع المادي وحركة التاريخ الفعلي فيه، ومن موقعه في هامش صفحته البيضاء، يُسقط من السياسة أطراف التناقض والصراع فيها، فتستحيل به السياسة كلمة جوفاء يظنها مصطلحاً أو مفهوماً يدخله كطرف في تناقض طرفه الآخر، كالأول، كلمة جوفاء هي «الحياة». تنزلق السياسة في الوعي اليومي الذي يتوجه إليه هذا الفكر اليومي إلى موقع الموت فيه، في ذاكرة العلاقة المتكررة بين الموت والحياة. فالسياسة كلها للموت، وهي أداة له (14)، تلغي تفاصيل الحياة، فينسى كل من فيها وهمالبشر كلهم ـ «رغباتهم التي تكونت حول امرأة أو بيت أو شارع مُضاء» (15)، كأن «تفاصيل الحياة عندهم هي الصراعات الكبرى» (16). فالحياة، إذن، ليست ممكنة إلا ضد السياسة، وتفاصيلها ليست كذلك إلا بإلغاء تفاصيل السياسة، تلك التي يُسقطها منها هذا الفكر اليومي ليستقيم له فراغ القول في إحلالها محل الموت في علاقته بالحياة.
هكذا يستعيد هذا الفكر لغة البداهة في الوعي اليومي ليترسّب فيه، ويكون له فعل ليس له إلا بمقدار ما يستسلم للفكر المسيطر ـ أي للايديولوجية البورجوازية المسيطرة ـ ويسهم، في تحالفه المرئي وغير المرئي معه، في تجديد أشكاله، بحسب ما تقتضيه شروط تجدُّد الصراع الطبقي واحتدامه بين قوى الثورة المضادة وفكرها الرجعي، وبين القوى الثورية وفكرها المناضل. لا غرابة في هذا الأمر. فالفكر المسيطر غالباً ما يلجأ إلى لغة البداهات ليقدم فيها نفسه، لا سيما حين تهتز مواقع سيطرته في الوعي الاجتماعي، بفعل اقتحام الفكر الثوري لها. وظيفة هذه اللغة، إذن، تكمن في تحصين هذه المواقع، بتدعيم أسسها الممتدة في ذاكرة الوعي اليومي، أو ما يمكن تسميته؛ بتحفظ ـ اللاوعي الاجتماعي، هذا الذي هو، بامتياز، قاعدة الايديولوجية المسيطرة. لا تعرف هذه اللغة جديداً. فإذا طرأ عليها جديد يتهددها، أحالته قديماً يتجدد، أي يتأبّد في أشكال تألفها ذاكرة الوعي اليومي، فتدخله فيها كي لا يتجدد إلا ما يسهم في تأمين تجدد فكر يستخدمها، هو بالذات الفكر المسيطر. هكذا يُلغى فيها كل جديد تستقبله، كي يبقى ما يجب أن يبقى، أي ما هو ضروري لبقاء القائم: قالب من الفكر يتكرر في فراغ يؤمّن للفكر المسيطر تجدد سيطرته. كالسياسة في الحرب الأهلية في لبنان، مثلاً، تستقبلها لغة البداهة في فراغ العلاقة بين كلمة الموت وكلمة الحياة، فتسقط السياسة، بما هي صراع مادي تاريخي بالغ التعقيد، ويبقى فراغ تلك العلاقة يتكرر في إدانة للسياسة تأخذ، في تضليل البداهة ولغتها، شكل إدانة للموت، في دعوة إلى اللامبالاة تظهر كأنها دعوة إلى الحياة، في إعلان الاضراب عن ممارسة الصراع في السياسة، بل في الحياة نفسها.
لا يرفض الفكر المسيطر ـ ولا القوى المضادة للثورة ـ مثل هذه الدعوة تأتي من فكر يطمح أن يكون مختلفاً، بل بالعكس، يستنجد بها لأنها، في حقيقتها الفعلية في حقل الصراع السياسي الذي لا إفلات لها منه إلا بالوهم، «دعوة إلى الموت» (17) ضد الحياة. «فالحياة صراع» (18) لا ينتصر فيه إلا من ينتصر لها.
صفحة 6
عدمية الفكر/ عدمية السياسة
هل غريب أن ينعقد بين الفكر المسيطر والفكر العدمي، أو اللابس وجه الفكر العدمي، تحالف يستدعيه الأول، والثاني يستسلم له؟
لا غرابة في هذا الأمر أيضاً. فمن عادات الفكر المسيطر، حين تهن عزيمته في إخضاع الوعي اليومي لسيطرته، أن يستعين بأشكال من الفكر متنوعة، بالية أو مستحدثة، قد تختلف عنه، لكنها تصب جميعاً، عن قصد أو غير قصد، من مواقع وجودها وتحركها في حقل الصراع الايديولوجي، في اتجاه واحد هو الذي يرتسم في هذا الحقل ضد الفكر الثوري النقيض. هكذا تنعقد في الفكر، بين تياراته المتصارعة، تحالفات تنعقد أيضاً في السياسة بين تياراتها المتصارعة. ولا تستقر هذه التحالفات، لا في الفكر ولا في السياسة، على أرض ثابتة، بل هي دوماً في حركة، على قاعدة الأرض التاريخية التي تنعقد فيها، تتغير بتغير هذه الأرض، وتتمرحل بتمرحلها. لكن الثابت فيها قطباها، في زمن تاريخي واحد هو زمن نمط الانتاج المسيطر في البنية الاجتماعية القائمة. حول هذين القطبين تنعقد التحالفات، في الفكر وفي السياسة. فالصراع الفكري، الصراع السياسي، يتمحور حول الصراع الرئيسي بين القطبين اللذين هما النقيضان، بهما تتحدد المواقع، مهما اختلفت، في حقل الصراعين، فكل منها محكوم بعلاقته بهما، ينجذب إلى أحد الاثنين، فينبذه الآخر، أو بالعكس، ولا إفلات له من هذا الوضع. فإن أفلت، فالبوهم وحده، في إلغاء سحري للنقيضين، به تلغى، سحرياً، كل المواقع، فنعود ثانية إلى عدم من الفكر يطمح أن يكون عدم السياسة. ولا عدم، في الحالتين، إلَّا بفكر يرفض أن يكون له موقع من الصراع الفكري بين النقيضين: الفكر الثوري، المادي التاريخي، أي فكر الطبقة العاملة، والفكر الرجعي المسيطر في ايديولوجية البورجوازية المسيطرة، لأنه يرفض أن يكون له موقع من الصراع السياسي بين النقيضين: الطبقة العاملة والبورجوازية المسيطرة. وللدقة يجب القول، من الشكل التاريخي الملموس الذي يجري فيه الصراع هذا في الحرب الأهلية في لبنان، في مرحلته الراهنة، كصراع بين تحالف القوى الفاشية وتحالف القوى الوطنية الثورية.
حاجتنا إلى تدقيق القول تأتي من أن هذا الفكر يحاول، واهماً، أن يجد لرفضه هذا تبريراً هو أن الصراع، في هذه الحرب الأهلية، ليس بين النقيضين. فلو كان بالفعل بينهما صافياً كما هو في صفائه النظري، لربما كان له موقع منه. لكنه ليس كذلك. فهو ملوّث بوحل الواقع المادي ومستنقعاته (19). فكيف يكون له موقع مما يرفضه باسم الطهر والنظافة؟ إما أن يجري الصراع صافياً، في واقع صافٍ، أي متحرر من ثقله المادي التاريخي، فيكون لهذا الفكر، إذَّاك، منه موقع، هو موقع الفراغ من الفراغ في الفكر وفي الواقع؛ وإما أن يجري في حركته المادية في أشكال تاريخية محددة لا ينوجد إلا فيها مميزاً، فيرفضه هذا الفكر، ويمتنع عن أن يكون له موقع منه، ويرى فيه موقع السقوط في الواقع المادي.
في هذا الواقع التاريخي يجري الصراع السياسي بين النقيضين دوماً في شكل صراع بين تحالفين طبقيين يتمحور كل منهما حول النقيض الرئيسي في نمط الانتاج المسيطر في البنية الاجتماعية القائمة، في أشكال تختلف باختلاف الشروط التاريخية للتحالف، وتتفاوت بحسب تفاوت الحركة المحورية للصراع الطبقي في هذه البنية الاجتماعية. سهل على الفكر أن يجرّد هذا الصراع من شروطه التاريخية المادية، وأن ينتزعه من أشكال فيها يتميّز ملموسياً، لينتقل به من عالم الخطيئة إلى عالم الطهر، فيراه منعكساً في مرآة نفسه: صراعاً لا وجود له إلا في عدم الفكر، أو فراغاً من صراع. سهل عليه أن يقوم بهذا الذي لا يقوم به إلا برغبة الموت تدفعه إلى إلغاء الواقع المادي بإلغاء الصراع الفعلي فيه. سهل هذا، لكن بشروط: أن يتحرر الفكر، بدئياً، من ضرورة المعرفة ومن عبء موضوعها، بإلغاء الواقع المادي الذي إذا اصطدم به استعصى عليه، أو بحصره في ظاهر الأحداث اليومية، أي في سطح منه هو بمثابة إلغاء له، فيتسنّى حينئذٍ للفكر أن يجول في فراغ تسبح فيه الكلمات، كأنها الأشياء نفسها. في مثل هذا الفراغ تحل الكلمات، إذن، محل الأشياء، لا من حيث هي المفاهيم، أي أدوات الفكر الضرورية في إنتاجه المعرفة، بل من حيث هي مجرد ألفاظ متحررة من مضمون المعرفة، بتحرر الفكر من الواقع المادي. يبقى على اللغة أن تقوم بوظيفتها الايديولوجية في ترتيب الألفاظ الجوفاء بحسب منطق الإنشاء، حتى يكتمل للفكر تحقيق هدفه في إحلال منطقه، هذا الذي هو منطق فراغ القول، محل منطق الواقع المادي. هكذا يتسق هذا الفكر باتساق لغته، والعكس بالعكس، كل منهما يقوم بدوره على أحسن وجه: في فراغ القول توهم اللغة أن ألفاظها هي الأشياء، ويوهم الفكر أن منطقه هو منطق التاريخ نفسه. لكن، لا بد لهذا الفكر ولغته من توسّط البرهان حتى ينجح الاثنان في توليد هذا الإيهام الذي يلازم بالضرورة كل ممارسة ايديولوجية للفكر واللغة. فوظيفة هذه الممارسة تكمن، بتعبير آخر، في ضرورة توليد هذا الإيهام بالذات. وهي هي وظيفة الممارسة الايديولوجية للبورجوازية المسيطرة، يقوم بها كل فكر يستسلم للفكر المسيطر، عن وعي أو لا وعي، أو ينزلق إلى واقعه في حقل الصراع الفكري، وفي حقل الصراع السياسي أيضاً، فيشترك معه في إلغاء وهمي (أو مثالي) للواقع المادي يؤبّده.
هل غريب أن ينعقد بين الفكر المسيطر والفكر العدمي، أو اللابس وجه الفكر العدمي، تحالف يستدعيه الأول، والثاني يستسلم له؟
لا غرابة في هذا الأمر أيضاً. فمن عادات الفكر المسيطر، حين تهن عزيمته في إخضاع الوعي اليومي لسيطرته، أن يستعين بأشكال من الفكر متنوعة، بالية أو مستحدثة، قد تختلف عنه، لكنها تصب جميعاً، عن قصد أو غير قصد، من مواقع وجودها وتحركها في حقل الصراع الايديولوجي، في اتجاه واحد هو الذي يرتسم في هذا الحقل ضد الفكر الثوري النقيض. هكذا تنعقد في الفكر، بين تياراته المتصارعة، تحالفات تنعقد أيضاً في السياسة بين تياراتها المتصارعة. ولا تستقر هذه التحالفات، لا في الفكر ولا في السياسة، على أرض ثابتة، بل هي دوماً في حركة، على قاعدة الأرض التاريخية التي تنعقد فيها، تتغير بتغير هذه الأرض، وتتمرحل بتمرحلها. لكن الثابت فيها قطباها، في زمن تاريخي واحد هو زمن نمط الانتاج المسيطر في البنية الاجتماعية القائمة. حول هذين القطبين تنعقد التحالفات، في الفكر وفي السياسة. فالصراع الفكري، الصراع السياسي، يتمحور حول الصراع الرئيسي بين القطبين اللذين هما النقيضان، بهما تتحدد المواقع، مهما اختلفت، في حقل الصراعين، فكل منها محكوم بعلاقته بهما، ينجذب إلى أحد الاثنين، فينبذه الآخر، أو بالعكس، ولا إفلات له من هذا الوضع. فإن أفلت، فالبوهم وحده، في إلغاء سحري للنقيضين، به تلغى، سحرياً، كل المواقع، فنعود ثانية إلى عدم من الفكر يطمح أن يكون عدم السياسة. ولا عدم، في الحالتين، إلَّا بفكر يرفض أن يكون له موقع من الصراع الفكري بين النقيضين: الفكر الثوري، المادي التاريخي، أي فكر الطبقة العاملة، والفكر الرجعي المسيطر في ايديولوجية البورجوازية المسيطرة، لأنه يرفض أن يكون له موقع من الصراع السياسي بين النقيضين: الطبقة العاملة والبورجوازية المسيطرة. وللدقة يجب القول، من الشكل التاريخي الملموس الذي يجري فيه الصراع هذا في الحرب الأهلية في لبنان، في مرحلته الراهنة، كصراع بين تحالف القوى الفاشية وتحالف القوى الوطنية الثورية.
حاجتنا إلى تدقيق القول تأتي من أن هذا الفكر يحاول، واهماً، أن يجد لرفضه هذا تبريراً هو أن الصراع، في هذه الحرب الأهلية، ليس بين النقيضين. فلو كان بالفعل بينهما صافياً كما هو في صفائه النظري، لربما كان له موقع منه. لكنه ليس كذلك. فهو ملوّث بوحل الواقع المادي ومستنقعاته (19). فكيف يكون له موقع مما يرفضه باسم الطهر والنظافة؟ إما أن يجري الصراع صافياً، في واقع صافٍ، أي متحرر من ثقله المادي التاريخي، فيكون لهذا الفكر، إذَّاك، منه موقع، هو موقع الفراغ من الفراغ في الفكر وفي الواقع؛ وإما أن يجري في حركته المادية في أشكال تاريخية محددة لا ينوجد إلا فيها مميزاً، فيرفضه هذا الفكر، ويمتنع عن أن يكون له موقع منه، ويرى فيه موقع السقوط في الواقع المادي.
في هذا الواقع التاريخي يجري الصراع السياسي بين النقيضين دوماً في شكل صراع بين تحالفين طبقيين يتمحور كل منهما حول النقيض الرئيسي في نمط الانتاج المسيطر في البنية الاجتماعية القائمة، في أشكال تختلف باختلاف الشروط التاريخية للتحالف، وتتفاوت بحسب تفاوت الحركة المحورية للصراع الطبقي في هذه البنية الاجتماعية. سهل على الفكر أن يجرّد هذا الصراع من شروطه التاريخية المادية، وأن ينتزعه من أشكال فيها يتميّز ملموسياً، لينتقل به من عالم الخطيئة إلى عالم الطهر، فيراه منعكساً في مرآة نفسه: صراعاً لا وجود له إلا في عدم الفكر، أو فراغاً من صراع. سهل عليه أن يقوم بهذا الذي لا يقوم به إلا برغبة الموت تدفعه إلى إلغاء الواقع المادي بإلغاء الصراع الفعلي فيه. سهل هذا، لكن بشروط: أن يتحرر الفكر، بدئياً، من ضرورة المعرفة ومن عبء موضوعها، بإلغاء الواقع المادي الذي إذا اصطدم به استعصى عليه، أو بحصره في ظاهر الأحداث اليومية، أي في سطح منه هو بمثابة إلغاء له، فيتسنّى حينئذٍ للفكر أن يجول في فراغ تسبح فيه الكلمات، كأنها الأشياء نفسها. في مثل هذا الفراغ تحل الكلمات، إذن، محل الأشياء، لا من حيث هي المفاهيم، أي أدوات الفكر الضرورية في إنتاجه المعرفة، بل من حيث هي مجرد ألفاظ متحررة من مضمون المعرفة، بتحرر الفكر من الواقع المادي. يبقى على اللغة أن تقوم بوظيفتها الايديولوجية في ترتيب الألفاظ الجوفاء بحسب منطق الإنشاء، حتى يكتمل للفكر تحقيق هدفه في إحلال منطقه، هذا الذي هو منطق فراغ القول، محل منطق الواقع المادي. هكذا يتسق هذا الفكر باتساق لغته، والعكس بالعكس، كل منهما يقوم بدوره على أحسن وجه: في فراغ القول توهم اللغة أن ألفاظها هي الأشياء، ويوهم الفكر أن منطقه هو منطق التاريخ نفسه. لكن، لا بد لهذا الفكر ولغته من توسّط البرهان حتى ينجح الاثنان في توليد هذا الإيهام الذي يلازم بالضرورة كل ممارسة ايديولوجية للفكر واللغة. فوظيفة هذه الممارسة تكمن، بتعبير آخر، في ضرورة توليد هذا الإيهام بالذات. وهي هي وظيفة الممارسة الايديولوجية للبورجوازية المسيطرة، يقوم بها كل فكر يستسلم للفكر المسيطر، عن وعي أو لا وعي، أو ينزلق إلى واقعه في حقل الصراع الفكري، وفي حقل الصراع السياسي أيضاً، فيشترك معه في إلغاء وهمي (أو مثالي) للواقع المادي يؤبّده.
صفحة 7
في ممارسة وظيفة الفكر المسيطر
لم نربط الفكري بالسياسي اعتباطاً، بل عن قصد. فالاستسلام السياسي للبورجوازية، أو الانزلاق إلى مواقعها في حقل الصراع السياسي، غالباً ما يقود الفكر إلى مواقع الفكر المسيطر، حتى لو كان مختلفاً عنه، أو أراد لنفسه أن يكون كذلك، أو أن يؤكد هذا الاختلاف. كما أن انزلاق هذا الفكر إلى مواقع الفكر المسيطر في حقل الصراع الفكري (الايديولوجي)، غالباً ما يقود إلى استسلام سياسي فعليّ للبورجوازية، أو إلى الانزلاق إلى مواقعها في حقل الصراع السياسي. فالتحالفات تنعقد، كما سبق القول، في الفكر والسياسة، في ترابط حركة الاثنين في الحركة المحورية للصراع الطبقي. كمثل هذا التحالف الذي يستسلم فيه للفكر المسيطر فكرٌ يلبس وجه الفكر العدمي، ويمارس في حقل الصراع السياسي بالذات وظيفة الفكر المسيطر، في تغليب منطق الإنشاء على منطق الأشياء، أو في تغييب منطق الأشياء في هذا الصراع، وإظهار منطق الإنشاء في ترتيب الألفاظ كأنه منطق الأشياء في السياسة. فهو، إذن، فكر سياسي بامتياز، يغيّب السياسي فيه، بتغييب موقعه الذي هو، في حقل الصراع السياسي والايديولوجي، موقع الفكر المسيطر نفسه، ويجتهد، كهذا الفكر في ممارسته الايديولوجية، في أن يكون مقنعاً، أي فاعلاً في الوعي اليومي، وعبره، في الواقع الاجتماعي. وفي هذا تناقض بين رفضه السياسة ورفضه أن يكون فكراً سياسياً، وبين اجتهاده هذا الذي يطمح فيه أن يكون، بالفعل، سياسياً. لكنه لا يأبه لهذا التناقض، ما دام الوقوع فيه يساعده على أن يقوم بوظيفته الايديولوجية التي لا ينجح فيها إلا بمقدار ما ينجح في تغييب السياسي فيه، بتغييب موقعه الفعلي ذاك في السياسة. ومتى كانت الممارسة الايديولوجية للفكر تأبه للوقوع في مثل هذا التناقض؟ فالغاية عندها ـ وهي سياسية، في محاولة إحكام القبضة على الوعي اليومي ولويه في اتجاه يرضى به الفكر المسيطر ـ تبرر الوسيلة، وتغفر لها ما لا يُغتفر في ممارسة أخرى للفكر هي ممارسته الثورية ـ أي العلمية ـ في نقض الايديولوجية المسيطرة ونقض آلية تغييبها السياسي في الفكر وفي الواقع.
محور الصراع بين الفكرين النقيضين هو السياسي إذن، يُغيَّب من موقع الفكر المسيطر، يُستحضر من موقع النقيض، بنقض هذا الفكر وكشف موقعه لهذا التغييب دلالة، ولهذا الاستحضار أيضاً. في تغييب السياسي إدانة، لا للسياسة بالمطلق، ـ كما يتوهم، أو بالأحرى يوهم فكر يمارس هذا التغييب ـ بل لسياسة بعينها، أو قل لممارسة سياسية هي ممارسة البورجوازية المسيطرة التي تخشى الوضوح في حركة التاريخ، لأن في هذا الوضوح وعياً بحكم الموت عليها، في ضرورة تقويض القائم وتحويله. في استحضار السياسي تكريس، في الوعي، لهذا الحكم بالموت، تنفِّذه الممارسة الثورية في صراع يشمل كل الحقول، ضد القائم بنظامه، في نظام البورجوازية المسيطرة. أما الوعي اليومي، فهو الحقل الأفضل للصراع بين الفكرين النقيضين، وهو المقصود الأول في هذا الصراع المتمحور بينهما حول السياسي، يستهدفه كل منهما، إذ يطمح أن يكون له موقع السيطرة فيه، حتى يكون فاعلاً في حركة التاريخ، إما في اتجاه القائم بنظامه في الواقع الاجتماعي، أو في اتجاه تحويله الثوري. أن يكون الفكر مسيطراً يعني، إذن، أن يحتل في الوعي اليومي موقع السيطرة، أي أن يكون المسيطر فيه. وهو، كما يعلم الماركسيون، بشكل عام، فكر الطبقة المسيطرة. أما الفكر النقيض، وهو فكر الطبقة النقيض، فخاضع لسيطرته، حتى في وعي الطبقات الكادحة، أو قل لا سيما في وعي هذه الطبقات.
لكن علاقة السيطرة، في هذا الوعي، بين الفكرين النقيضين، ليست بالضرورة علاقة ثابتة، وليس فكر الطبقة المسيطرة هو المسيطر دوماً في الوعي الاجتماعي، في كل أزمنة البنية الاجتماعية. إن مثل هذه النظرة الخاطئة لا تجوهر الفكر وحده، فتخرجه من حركة الصراع في التاريخ، وتلغي الصراع في تاريخه، بل هي، فيما تجوهر، تجوهر التاريخ أيضاً، فتلغيه، وتجوهر مواقع الفكر في حقل الصراع الاجتماعي، فتؤبِّدها في تأييدها البنية الاجتماعية القائمة وتأبيد زمنها المتكرر. في احتدام الصراع الطبقي بين الطبقتين النقيضين، في الشروط التاريخية المحددة، وفي الأشكال الملموسة التي أشرنا إليها سابقاً في هذه الحرب الأهلية المستمرة، يحتدم الصراع بين الفكرين النقيضين، فتهتز مواقع الفكر المسيطر، تتضعضع وتتصدع في هجوم تاريخي للفكر الثوري، يحدث تغييراً في علاقة السيطرة بين الفكرين، هو الذي يظهر في احتلال الفكر الثوري مواقع متقدمة في الوعي اليومي، على طريق اقتحام مواقع الفكر المسيطر في هذا الوعي. لذا نرى الفكر المسيطر يستعين بكل فكر آخر يساعده في تعزيز مواقعه الدفاعية، وفي تنظيم الوعي اليومي وتأطيره، حتى يبقى أسير هذه المواقع، لا يخترقها إلا ليعود إليها ثانية، في أشكال من الفكر عليها تأمين هذه العودة.
لم نربط الفكري بالسياسي اعتباطاً، بل عن قصد. فالاستسلام السياسي للبورجوازية، أو الانزلاق إلى مواقعها في حقل الصراع السياسي، غالباً ما يقود الفكر إلى مواقع الفكر المسيطر، حتى لو كان مختلفاً عنه، أو أراد لنفسه أن يكون كذلك، أو أن يؤكد هذا الاختلاف. كما أن انزلاق هذا الفكر إلى مواقع الفكر المسيطر في حقل الصراع الفكري (الايديولوجي)، غالباً ما يقود إلى استسلام سياسي فعليّ للبورجوازية، أو إلى الانزلاق إلى مواقعها في حقل الصراع السياسي. فالتحالفات تنعقد، كما سبق القول، في الفكر والسياسة، في ترابط حركة الاثنين في الحركة المحورية للصراع الطبقي. كمثل هذا التحالف الذي يستسلم فيه للفكر المسيطر فكرٌ يلبس وجه الفكر العدمي، ويمارس في حقل الصراع السياسي بالذات وظيفة الفكر المسيطر، في تغليب منطق الإنشاء على منطق الأشياء، أو في تغييب منطق الأشياء في هذا الصراع، وإظهار منطق الإنشاء في ترتيب الألفاظ كأنه منطق الأشياء في السياسة. فهو، إذن، فكر سياسي بامتياز، يغيّب السياسي فيه، بتغييب موقعه الذي هو، في حقل الصراع السياسي والايديولوجي، موقع الفكر المسيطر نفسه، ويجتهد، كهذا الفكر في ممارسته الايديولوجية، في أن يكون مقنعاً، أي فاعلاً في الوعي اليومي، وعبره، في الواقع الاجتماعي. وفي هذا تناقض بين رفضه السياسة ورفضه أن يكون فكراً سياسياً، وبين اجتهاده هذا الذي يطمح فيه أن يكون، بالفعل، سياسياً. لكنه لا يأبه لهذا التناقض، ما دام الوقوع فيه يساعده على أن يقوم بوظيفته الايديولوجية التي لا ينجح فيها إلا بمقدار ما ينجح في تغييب السياسي فيه، بتغييب موقعه الفعلي ذاك في السياسة. ومتى كانت الممارسة الايديولوجية للفكر تأبه للوقوع في مثل هذا التناقض؟ فالغاية عندها ـ وهي سياسية، في محاولة إحكام القبضة على الوعي اليومي ولويه في اتجاه يرضى به الفكر المسيطر ـ تبرر الوسيلة، وتغفر لها ما لا يُغتفر في ممارسة أخرى للفكر هي ممارسته الثورية ـ أي العلمية ـ في نقض الايديولوجية المسيطرة ونقض آلية تغييبها السياسي في الفكر وفي الواقع.
محور الصراع بين الفكرين النقيضين هو السياسي إذن، يُغيَّب من موقع الفكر المسيطر، يُستحضر من موقع النقيض، بنقض هذا الفكر وكشف موقعه لهذا التغييب دلالة، ولهذا الاستحضار أيضاً. في تغييب السياسي إدانة، لا للسياسة بالمطلق، ـ كما يتوهم، أو بالأحرى يوهم فكر يمارس هذا التغييب ـ بل لسياسة بعينها، أو قل لممارسة سياسية هي ممارسة البورجوازية المسيطرة التي تخشى الوضوح في حركة التاريخ، لأن في هذا الوضوح وعياً بحكم الموت عليها، في ضرورة تقويض القائم وتحويله. في استحضار السياسي تكريس، في الوعي، لهذا الحكم بالموت، تنفِّذه الممارسة الثورية في صراع يشمل كل الحقول، ضد القائم بنظامه، في نظام البورجوازية المسيطرة. أما الوعي اليومي، فهو الحقل الأفضل للصراع بين الفكرين النقيضين، وهو المقصود الأول في هذا الصراع المتمحور بينهما حول السياسي، يستهدفه كل منهما، إذ يطمح أن يكون له موقع السيطرة فيه، حتى يكون فاعلاً في حركة التاريخ، إما في اتجاه القائم بنظامه في الواقع الاجتماعي، أو في اتجاه تحويله الثوري. أن يكون الفكر مسيطراً يعني، إذن، أن يحتل في الوعي اليومي موقع السيطرة، أي أن يكون المسيطر فيه. وهو، كما يعلم الماركسيون، بشكل عام، فكر الطبقة المسيطرة. أما الفكر النقيض، وهو فكر الطبقة النقيض، فخاضع لسيطرته، حتى في وعي الطبقات الكادحة، أو قل لا سيما في وعي هذه الطبقات.
لكن علاقة السيطرة، في هذا الوعي، بين الفكرين النقيضين، ليست بالضرورة علاقة ثابتة، وليس فكر الطبقة المسيطرة هو المسيطر دوماً في الوعي الاجتماعي، في كل أزمنة البنية الاجتماعية. إن مثل هذه النظرة الخاطئة لا تجوهر الفكر وحده، فتخرجه من حركة الصراع في التاريخ، وتلغي الصراع في تاريخه، بل هي، فيما تجوهر، تجوهر التاريخ أيضاً، فتلغيه، وتجوهر مواقع الفكر في حقل الصراع الاجتماعي، فتؤبِّدها في تأييدها البنية الاجتماعية القائمة وتأبيد زمنها المتكرر. في احتدام الصراع الطبقي بين الطبقتين النقيضين، في الشروط التاريخية المحددة، وفي الأشكال الملموسة التي أشرنا إليها سابقاً في هذه الحرب الأهلية المستمرة، يحتدم الصراع بين الفكرين النقيضين، فتهتز مواقع الفكر المسيطر، تتضعضع وتتصدع في هجوم تاريخي للفكر الثوري، يحدث تغييراً في علاقة السيطرة بين الفكرين، هو الذي يظهر في احتلال الفكر الثوري مواقع متقدمة في الوعي اليومي، على طريق اقتحام مواقع الفكر المسيطر في هذا الوعي. لذا نرى الفكر المسيطر يستعين بكل فكر آخر يساعده في تعزيز مواقعه الدفاعية، وفي تنظيم الوعي اليومي وتأطيره، حتى يبقى أسير هذه المواقع، لا يخترقها إلا ليعود إليها ثانية، في أشكال من الفكر عليها تأمين هذه العودة.
صفحة 8
القسم الثاني
تيار الفكر اللابس وجه الفكر العدمي
تماسك شكلي لفكر يلغي الواقع المادي
من هذه الأشكال ما نحن بصدد نقضه في نقض ذاك الفكر اللابس وجه الفكر العدمي، الطامح إلى تتفيه الوعي اليومي بتحريض له على الاستقالة من السياسة، هو تحريض سياسي مباشر يصب في مجرى الهجوم الايديولوجي المضاد، من قِبَل البورجوازية، من حيث هو يسهم في تحييد ذاك الوعي وتأمين استسلامه للفكر المسيطر. وتتفيه الوعي شرط لاستسلامه هذا، لكنه يستلزم تعطيل هجوم الفكر الثوري وإحباط محاولته أن يرتقي بهذا الوعي اليومي، وفيه، إلى مستوى الوعي التاريخي النافذ في عمق الأحداث إلى عقل الأحداث. فبمقدار ما يتسلح الوعي اليومي بمعرفة هذا العقل، يتحصن ضد الهجوم المضاد الذي يمارسه الفكر المسيطر، فإذا كان منها عاطلاً، سهل استسلامه له. ليس غريباً، إذن، أن يمهد الفكر الرجعي لهجومه السياسي المضاد على الفكر الثوري بهجوم مركّز على العقل العلمي في التاريخ والاقتصاد والسياسة، وفي الفكر أيضاً وأشكال الكتابة، فيشكك فيه، أو يلغيه باسم ما هبَّ ودبّ من ألفاظ تجري في الصفحات اليومية في كل اتجاه ـ كالخصوصية، مثلاً، أو تفاصيل الحياة أو المعاش أو الجزئي أو المصادفة والاحتمال، إلى غير ذلك من ألفاظ تطمح أن تكون لها كرامة المفاهيم الفلسفية ـ ويضرب على الوعي اليومي حصاراً يومياً حتى لا يتسلل إليه العقل العلمي، ولا يدخل فيه من الفكر إلا ما تسمح به مؤسسات الفكر الرجعي الممتدة، في لبنان، من المحيط إلى الخليج. ليس غريباً أيضاً أن ينزلق إلى مواقع هذا الفكر، في التاريخ وفي السياسة، فكر آخر يلغي في التاريخ العقل ـ فيلغي العلم ويلغي إمكان المعرفة ـ في محاولته إثبات أن التاريخ لا معنى له، في هذه الحرب الأهلية التي هي، عنده، «حرب بلا معنى» (20).
نضرب على هذا الفكر مثالاً نجده في مقال بعنوان «منطق الحرب» (21)، يفتتحه صاحبه بهذا السؤال:
«هل يمكن الكلام على منطق الحرب في حرب بدت خارج كل منطق؟» (22)، ويختتمه بحكم يسوقه على الوجه التالي: «بانَ إذن: أن الحرب هي حرب أهلية بالضرورة (...) وأنها لا معنى لها خارج ذاتها، وأنها، بالتالي، لا لزوم لها... فتمّ بذلك البرهان على كونية الحرب اللبنانية، وعلى أنالحرب اللبنانية (...) حرب بلا معنى» (23).
وبين الفاتحة والخاتمة من هذا المقال فضاء من عشرين صفحة تقريباً، يقوم فيه الفكر، في تماسكه الشكلي، على قاعدة إلغاء الواقع المادي. فلنتفحص بعض الشيء مفاصل هذا الفكر، والحركة التي فيها يتولد فراغه، بإلغائه هذا الواقع.
نبدأ بالسؤال الذي ينطلق منه المقال، فنرى أن الحرب فيه ليست واحدة، بل حربان: حرب هي الحرب بالمطلق، خارج كل زمان ومكان؛ وحرب هي الحرب الأهلية التي تجري الآن في لبنان، في شروط تاريخية، داخلية وعربية ودولية محددة. الأولى ليست حرباً، إنها الحرب بلا تحديد. إنها مفهوم مجرد. والثانية ليست الحرب، إنها حرب محددة، أي واقع تاريخي ملموس. موضوع الفكر في هذا المقال هو الثانية، وليس الأولى. أي أن ما يجري عليه الكلام، فعلياً، في هذا المقال هو هذه الحرب الراهنة، وليس الحرب في مفهومها المجرد. هذا ما يؤكده السؤال نفسه، وهذا ما يؤكده سياق المقال بكامله، والحكم الأخير الذي ينتهي إليه. السؤال يطرح مشكلة محددة ينطلق في طرحها من تأكيد حكمين: الحكم الأول ضمني، يتّضح لاحقاً، هو أن للحرب منطقاً، والحكم الثاني صريح، هو أن هذه الحرب، أي الحرب الأهلية في لبنان، «حرب بدت خارج كل منطق». بين الحرب التي لها منطقها، وبين هذه الحرب المحددة التي لا منطق لها، أو التي تبدو بلا منطق، تناقض هو الذي يطرح مشكلة. هل للحرب الراهنة في لبنان منطق؟ وما هو منطقها؟ هذه هي المشكلة.
تيار الفكر اللابس وجه الفكر العدمي
تماسك شكلي لفكر يلغي الواقع المادي
من هذه الأشكال ما نحن بصدد نقضه في نقض ذاك الفكر اللابس وجه الفكر العدمي، الطامح إلى تتفيه الوعي اليومي بتحريض له على الاستقالة من السياسة، هو تحريض سياسي مباشر يصب في مجرى الهجوم الايديولوجي المضاد، من قِبَل البورجوازية، من حيث هو يسهم في تحييد ذاك الوعي وتأمين استسلامه للفكر المسيطر. وتتفيه الوعي شرط لاستسلامه هذا، لكنه يستلزم تعطيل هجوم الفكر الثوري وإحباط محاولته أن يرتقي بهذا الوعي اليومي، وفيه، إلى مستوى الوعي التاريخي النافذ في عمق الأحداث إلى عقل الأحداث. فبمقدار ما يتسلح الوعي اليومي بمعرفة هذا العقل، يتحصن ضد الهجوم المضاد الذي يمارسه الفكر المسيطر، فإذا كان منها عاطلاً، سهل استسلامه له. ليس غريباً، إذن، أن يمهد الفكر الرجعي لهجومه السياسي المضاد على الفكر الثوري بهجوم مركّز على العقل العلمي في التاريخ والاقتصاد والسياسة، وفي الفكر أيضاً وأشكال الكتابة، فيشكك فيه، أو يلغيه باسم ما هبَّ ودبّ من ألفاظ تجري في الصفحات اليومية في كل اتجاه ـ كالخصوصية، مثلاً، أو تفاصيل الحياة أو المعاش أو الجزئي أو المصادفة والاحتمال، إلى غير ذلك من ألفاظ تطمح أن تكون لها كرامة المفاهيم الفلسفية ـ ويضرب على الوعي اليومي حصاراً يومياً حتى لا يتسلل إليه العقل العلمي، ولا يدخل فيه من الفكر إلا ما تسمح به مؤسسات الفكر الرجعي الممتدة، في لبنان، من المحيط إلى الخليج. ليس غريباً أيضاً أن ينزلق إلى مواقع هذا الفكر، في التاريخ وفي السياسة، فكر آخر يلغي في التاريخ العقل ـ فيلغي العلم ويلغي إمكان المعرفة ـ في محاولته إثبات أن التاريخ لا معنى له، في هذه الحرب الأهلية التي هي، عنده، «حرب بلا معنى» (20).
نضرب على هذا الفكر مثالاً نجده في مقال بعنوان «منطق الحرب» (21)، يفتتحه صاحبه بهذا السؤال:
«هل يمكن الكلام على منطق الحرب في حرب بدت خارج كل منطق؟» (22)، ويختتمه بحكم يسوقه على الوجه التالي: «بانَ إذن: أن الحرب هي حرب أهلية بالضرورة (...) وأنها لا معنى لها خارج ذاتها، وأنها، بالتالي، لا لزوم لها... فتمّ بذلك البرهان على كونية الحرب اللبنانية، وعلى أنالحرب اللبنانية (...) حرب بلا معنى» (23).
وبين الفاتحة والخاتمة من هذا المقال فضاء من عشرين صفحة تقريباً، يقوم فيه الفكر، في تماسكه الشكلي، على قاعدة إلغاء الواقع المادي. فلنتفحص بعض الشيء مفاصل هذا الفكر، والحركة التي فيها يتولد فراغه، بإلغائه هذا الواقع.
نبدأ بالسؤال الذي ينطلق منه المقال، فنرى أن الحرب فيه ليست واحدة، بل حربان: حرب هي الحرب بالمطلق، خارج كل زمان ومكان؛ وحرب هي الحرب الأهلية التي تجري الآن في لبنان، في شروط تاريخية، داخلية وعربية ودولية محددة. الأولى ليست حرباً، إنها الحرب بلا تحديد. إنها مفهوم مجرد. والثانية ليست الحرب، إنها حرب محددة، أي واقع تاريخي ملموس. موضوع الفكر في هذا المقال هو الثانية، وليس الأولى. أي أن ما يجري عليه الكلام، فعلياً، في هذا المقال هو هذه الحرب الراهنة، وليس الحرب في مفهومها المجرد. هذا ما يؤكده السؤال نفسه، وهذا ما يؤكده سياق المقال بكامله، والحكم الأخير الذي ينتهي إليه. السؤال يطرح مشكلة محددة ينطلق في طرحها من تأكيد حكمين: الحكم الأول ضمني، يتّضح لاحقاً، هو أن للحرب منطقاً، والحكم الثاني صريح، هو أن هذه الحرب، أي الحرب الأهلية في لبنان، «حرب بدت خارج كل منطق». بين الحرب التي لها منطقها، وبين هذه الحرب المحددة التي لا منطق لها، أو التي تبدو بلا منطق، تناقض هو الذي يطرح مشكلة. هل للحرب الراهنة في لبنان منطق؟ وما هو منطقها؟ هذه هي المشكلة.
صفحة 9
في فراغ القول
وهي مشكلة وجيهة وجديرة بالمعالجة. فما هو الشكل الذي عولجت فيه من قبل هذا الفكر الباحث في منطق الحرب؟
نشهد لهذا الفكر بما له: إنه فكر يتقن استخدام سلاح المنطق، ويجتهد في أن يكون مقنعاً. يؤيد القول بالبرهان حتى يكتسب القول حجة يقوى بها على واقع يرفضه. يأخذ شكل الفكر الاستخلاصي ليوهم بأن لأحكامه سطوة البداهة. هكذا ينطلق، في بداية القول، من حكم قاطع يضعه كبداهة سابقة على كل برهان، هي أن الحرب الأهلية في لبنان «حرب بدت خارج كل منطق».
تستوقفنا في هذا الحكم كلمة «بدت»، نظن أن الحرب هذه قد تكون في واقعها المادي الفعلي غير ما هي في الشكل الذي تبدو فيه للوعي المباشر. ونظن أن الفكر الذي أخذ الحرب هذه موضوعاً له، سينظر فيها على قاعدة التمييز بين ما هي في ظاهرها، بين ما هي في واقعها المادي، أي في منطقها الفعلي، لأن هذا التمييز ضروري في النظر العلمي، ففي إلغائه إبطال للعلم وتعطيل للمعرفة. نظن هذا وننتظر من الفكر الناظر في الحرب الأهلية في لبنان حركة من البحث يخترق فيها سطح الواقع ليصل إلى المنطق الداخلي الذي يحكمه، وننتظر منه أيضاً تحليلاً ملموساً للشروط التاريخية الملموسة التي فيها، وبها، تتحدد هذه الحرب كحرب أهلية في لبنان، الآن، وليس في زمان آخر أو مكان آخر، أو كحرب بالمطلق، خارج كل زمان ومكان. فمنطق النظر في منطق هذه الحرب التي هي مركز النظر والبحث، هو الذي يقضي بضرورة القيام بمثل هذا التحليل، فإذا غاب هذا، بقيت الحرب، كما تبدو للوعي المباشر، قبل التحليل، «خارج كل منطق». وهذا، بالفعل، ما انتهى إليه ذلك الفكر في خاتمة قوله. إنتهى إلى ما ابتدأ به، من أن الحرب الأهلية في لبنان «حرب بلا معنى»، فانغلق القول على القول في تكرار يتولد فيه فراغ القول بشكل يبدو استخلاصياً، وتمّ البرهان، بقدرة هذا الفكر الذي يستوي عنده ظاهر الشيء والشيء نفسه، على أن الحرب في لبنان «خارج كل منطق»، لأنها «خارج كل منطق»، أو قل الشيء نفسه، على أنها «حرب بلا معنى»، لأنها «حرب بلا معنى»، فصحّ عليه القول المأثور: «وفسّر الماء بعد الجهد بالماء».
حين يقوم الفكر بتحليل ملموس للواقع الملموس، يسير إلى ملاقاة هذا الواقع في مخاطرة هي ضرورية لانتاج المعرفة، لا يجرؤ عليها سوى فكر مادي يعرف كيف يصغي إلى الواقع ويحتكم إلى منطقه الموضوعي، فلا يُسقط عليه، من خارج، منطقاً يلغيه أو يشوّهه. أما الفكر العدمي، أو ما يبدو كذلك، فهو غير قادر على السير في مثل هذه المخاطرة. بل إن منطقه الداخلي نفسه هو الذي يدفعه إلى تجنبها، من حيث هو منطق يلغي الواقع الفعلي بتجريده من شروط وجوده المادية. إنه فكر لا يطمئن إلا إلى فراغه، به يستحيل كل واقع ملموس واقعاً مجرداً من كل ما به يتجدد كواقع ملموس، فتزول، بهذا، ضرورة تحليله. هكذا ينظر هذا الفكر في الحرب الأهلية في لبنان، فيجردها من كامل شروطها التاريخية، حتى يستقيم له النظر فيها، ـ وفي هذا إفقار للواقع ـ، ويستبدل تحليلها بما يسميه «التآمر عليها بالصمت» (24) ـ وفي هذا تعطيل للمعرفة ـ، فيقيم البرهان، بالفعل، على أنه لا يقول شيئاً في هذه الحرب، وأن فراغ القول هذا هو الذي يُسقطه عليها، فتبدو، إذاك، له حرباً «بلا معنى».
لكن، لعله يقول شيئاً في الحرب التي هي عنده الحرب بالمطلق. فماذا يقول فيها؟ وما علاقة هذا القول بذاك الفراغ من القول؟
يقول: «إن للحرب منطقاً خاصاً واحداً لدى المتحاربين جميعاً» (25). يبدو، للوهلة الأولى، أن لهذا الفكر طابعاً عقلانياً يتنافى مع منطق الفكر العدمي. فالقول بوجود منطق للحرب يجعل من الحرب موضوعاً لمعرفة ممكنة هي معرفة عقلية. كما أن القول هذا يسمح بالظن أن للحرب معنى، ما دام لها منطق، وأن معناها يكمن في منطقها هذا. فما هو هذا المنطق؟ وكيف الوصول إلى تحديده؟
أن يكون هذا المنطق «واحداً لدى المتحاربين جميعاً»، يعني:
أولاً ، أنه هو هو في كل الحروب جميعاً، لا فرق بين واحدة وأخرى، لا في الزمان ولا في المكان. فهي الحرب، سواء أكانت قبلية أم دينية أم استعمارية. وهي الحرب نفسها، سواء أكانت ثورية أم رجعية، عادلة أم غير عادلة. لا تختلف باختلاف شروطها التاريخية، لأنها ليست الحرب إلا بإلغاء هذه الشروط، أو بتجريدها منها. ولا تختلف باختلاف أسبابها، لأنها «ليست بذات أسباب تتقدمها فتسببها» (26). أما لماذا هي الحرب؟ فلأنها الحرب. هكذا بكل بساطة. لا علاقة لعقل بهذا الأمر، ولا حاجة إلى تفسير.
وهي مشكلة وجيهة وجديرة بالمعالجة. فما هو الشكل الذي عولجت فيه من قبل هذا الفكر الباحث في منطق الحرب؟
نشهد لهذا الفكر بما له: إنه فكر يتقن استخدام سلاح المنطق، ويجتهد في أن يكون مقنعاً. يؤيد القول بالبرهان حتى يكتسب القول حجة يقوى بها على واقع يرفضه. يأخذ شكل الفكر الاستخلاصي ليوهم بأن لأحكامه سطوة البداهة. هكذا ينطلق، في بداية القول، من حكم قاطع يضعه كبداهة سابقة على كل برهان، هي أن الحرب الأهلية في لبنان «حرب بدت خارج كل منطق».
تستوقفنا في هذا الحكم كلمة «بدت»، نظن أن الحرب هذه قد تكون في واقعها المادي الفعلي غير ما هي في الشكل الذي تبدو فيه للوعي المباشر. ونظن أن الفكر الذي أخذ الحرب هذه موضوعاً له، سينظر فيها على قاعدة التمييز بين ما هي في ظاهرها، بين ما هي في واقعها المادي، أي في منطقها الفعلي، لأن هذا التمييز ضروري في النظر العلمي، ففي إلغائه إبطال للعلم وتعطيل للمعرفة. نظن هذا وننتظر من الفكر الناظر في الحرب الأهلية في لبنان حركة من البحث يخترق فيها سطح الواقع ليصل إلى المنطق الداخلي الذي يحكمه، وننتظر منه أيضاً تحليلاً ملموساً للشروط التاريخية الملموسة التي فيها، وبها، تتحدد هذه الحرب كحرب أهلية في لبنان، الآن، وليس في زمان آخر أو مكان آخر، أو كحرب بالمطلق، خارج كل زمان ومكان. فمنطق النظر في منطق هذه الحرب التي هي مركز النظر والبحث، هو الذي يقضي بضرورة القيام بمثل هذا التحليل، فإذا غاب هذا، بقيت الحرب، كما تبدو للوعي المباشر، قبل التحليل، «خارج كل منطق». وهذا، بالفعل، ما انتهى إليه ذلك الفكر في خاتمة قوله. إنتهى إلى ما ابتدأ به، من أن الحرب الأهلية في لبنان «حرب بلا معنى»، فانغلق القول على القول في تكرار يتولد فيه فراغ القول بشكل يبدو استخلاصياً، وتمّ البرهان، بقدرة هذا الفكر الذي يستوي عنده ظاهر الشيء والشيء نفسه، على أن الحرب في لبنان «خارج كل منطق»، لأنها «خارج كل منطق»، أو قل الشيء نفسه، على أنها «حرب بلا معنى»، لأنها «حرب بلا معنى»، فصحّ عليه القول المأثور: «وفسّر الماء بعد الجهد بالماء».
حين يقوم الفكر بتحليل ملموس للواقع الملموس، يسير إلى ملاقاة هذا الواقع في مخاطرة هي ضرورية لانتاج المعرفة، لا يجرؤ عليها سوى فكر مادي يعرف كيف يصغي إلى الواقع ويحتكم إلى منطقه الموضوعي، فلا يُسقط عليه، من خارج، منطقاً يلغيه أو يشوّهه. أما الفكر العدمي، أو ما يبدو كذلك، فهو غير قادر على السير في مثل هذه المخاطرة. بل إن منطقه الداخلي نفسه هو الذي يدفعه إلى تجنبها، من حيث هو منطق يلغي الواقع الفعلي بتجريده من شروط وجوده المادية. إنه فكر لا يطمئن إلا إلى فراغه، به يستحيل كل واقع ملموس واقعاً مجرداً من كل ما به يتجدد كواقع ملموس، فتزول، بهذا، ضرورة تحليله. هكذا ينظر هذا الفكر في الحرب الأهلية في لبنان، فيجردها من كامل شروطها التاريخية، حتى يستقيم له النظر فيها، ـ وفي هذا إفقار للواقع ـ، ويستبدل تحليلها بما يسميه «التآمر عليها بالصمت» (24) ـ وفي هذا تعطيل للمعرفة ـ، فيقيم البرهان، بالفعل، على أنه لا يقول شيئاً في هذه الحرب، وأن فراغ القول هذا هو الذي يُسقطه عليها، فتبدو، إذاك، له حرباً «بلا معنى».
لكن، لعله يقول شيئاً في الحرب التي هي عنده الحرب بالمطلق. فماذا يقول فيها؟ وما علاقة هذا القول بذاك الفراغ من القول؟
يقول: «إن للحرب منطقاً خاصاً واحداً لدى المتحاربين جميعاً» (25). يبدو، للوهلة الأولى، أن لهذا الفكر طابعاً عقلانياً يتنافى مع منطق الفكر العدمي. فالقول بوجود منطق للحرب يجعل من الحرب موضوعاً لمعرفة ممكنة هي معرفة عقلية. كما أن القول هذا يسمح بالظن أن للحرب معنى، ما دام لها منطق، وأن معناها يكمن في منطقها هذا. فما هو هذا المنطق؟ وكيف الوصول إلى تحديده؟
أن يكون هذا المنطق «واحداً لدى المتحاربين جميعاً»، يعني:
أولاً ، أنه هو هو في كل الحروب جميعاً، لا فرق بين واحدة وأخرى، لا في الزمان ولا في المكان. فهي الحرب، سواء أكانت قبلية أم دينية أم استعمارية. وهي الحرب نفسها، سواء أكانت ثورية أم رجعية، عادلة أم غير عادلة. لا تختلف باختلاف شروطها التاريخية، لأنها ليست الحرب إلا بإلغاء هذه الشروط، أو بتجريدها منها. ولا تختلف باختلاف أسبابها، لأنها «ليست بذات أسباب تتقدمها فتسببها» (26). أما لماذا هي الحرب؟ فلأنها الحرب. هكذا بكل بساطة. لا علاقة لعقل بهذا الأمر، ولا حاجة إلى تفسير.
صفحة 10
نستبق فنقول: إن هذا المنطق الذي يقول الحروب جميعها، من أول التاريخ ـ وربما من قبل أيضاً ـ، إلى آخر التاريخ، ـ وربما من بعد أيضاً ـ، لا يقول شيئاً سوى أن الحرب هي الحرب في كل الحروب. وهذا فراغ القول نفسه.
ثانياً، أن هذا المنطق الذي هو واحد في كل الحروب، هو أيضاً واحد «لدى المتحاربين جميعاً»، أي لدى أطراف الحرب الواحدة، لا يختلف عند طرف فيها عنه عند طرف آخر، مهما اختلفت الأطراف التي تجري بينها حرب. إنه، بتعبير آخر، واحد لدى القوى الاستعمارية في حرب التحرير الوطنية الجزائرية، مثلاً، ولدى الطرف النقيض، أي الشعب الجزائري. وقس على هذا ما تريد. وهو المنطق نفسه، لا اختلاف فيه بين القوى الثورية والقوى المضادة للثورة، في ثورة أوكتوبر، أو في الثورة الصينية أو الكوبية أو غيرها، وهو المنطق إياه في كل صراع طبقي يأخذ شكل الحرب الأهلية، أو شكل الثورة، يستوي فيه النقيضان على قاعدة إلغاء التناقض بينهما، في حركة من التجريد تلغي كل اختلاف ـ وبالاختلاف وحده يكون التناقض ـ، ليس بين الحروب، أو بين أطراف الصراع في كل منها وحسب، بل بين المواقف والمواقع أيضاً، وبشكل أعمّ، بين الوقائع كلها وبين النقائض فيها، فتقوم الأشياء، حينئذ، بتماثلها، كالرمل على الرمل، ويستقيم القول لفكر عدمي، أو ما يشبهه، إن هذا هو ذاك، حتى لو كان نقيضه، إذ لا اختلاف بين الضد والضد، بل تماثل يقيمه المنطق الشكلي بينهما، بتجريد الواحد من اختلاف هو به ضد للآخر. على مثل هذا التجريد يقوم التعميم، على إفقار للواقع تستحيل به المعرفة فراغاً من القول، كما في قولك، مثلاً، إن الحرب هي الحرب لأنها الحرب في كل الحروب، أو في قولك أيضاً إن الضد مثيل للضد لأنه الضد في كل الأضداد، أو في قولك، قياساً على ما سبق، «إن للحرب منطقاً واحداً لدى المتحاربين جميعاً».
يقتصد صاحب هذا القول في تفسير قوله، فيحيل القارىء إلى مقال آخر له، بعنوان «نقطة وحيدة للوفاق» (27)، يفتتحه بهذا التنبيه: «ليس ما يلي مقالاً في السياسة، بل تمرين في الدياليكتيك الهيجلي» (28). نقرأ المقال، عملاً بنصيحة صاحبه، فنتبيّن، بسرعة، أن صاحبه أخطأ في تقويمهمرتين: مرة حين نفى عنه تهمة السياسة، ومرة حين اتهمه بالانتماء إلى الدياليكتيك الهيجلي، أو قل حين اتهم هذا الدياليكتيك به. صحيح أن هذا المقال تمرين، كما يقول عنه صاحبه. لكنه تمرين في الإنشاء (29)، تتلذذ فيه الألفاظ بالألفاظ في حركة فارغة هي ابتذال للدياليكتيك الهيجلي. يجري الكلام، في هذا المقال، على الحرب الأهلية في لبنان، في مرحلة تاريخية محددة من تطورها، هي التي طُرحت فيها قضية «الوفاق». لكنه يأخذ فيه شكل الكلام المجرد على حرب مجردة، حتى يتسنّى له التحرر من قيود النظر في الشروط المادية لهذه الحرب. ففراغ القول، إذن، يلبس هذا الشكل الذي هو، في الحقيقة، الشكل المنطقي الملائم لقول محدد هو قول سياسي في هذه الحرب بالذات، ينطلق فيها من موقع سياسي محدّد، ويتخذ منها موقفاً سياسياً محدداً. وظيفة هذا الشكل تغييب السياسي حتى يوهم القول بأنه يستوي فوق السياسة، خارج كل موقع، أي في موقع المطلق الذي منه ينطق في فراغ هو الوجه الآخر للمطلق. وما هذا الوهم بجديد. إن له من العمر عمر الفلسفة في ايديولوجيات الطبقات المسيطرة. به يتسلح ذلك القول في هجومه على الوعي اليومي، يحضّه على أن يكون له من السياسة موقفه منها. وموقفه أن «السياسة وسيلة للحرب» (30)، وأن «غاية الحربالموت المتجدد» (31). في سماء هذه «الفلسفة» التي تقول السياسة مواربة ـ ومن عادة ايديولوجيات الطبقات المسيطرة جميعاً أن تقول السياسة مواربة ـ يُصاغ موقف يتكرر فيه قالب من الفكر رأيناه سابقاً يتكرر في فراغ العلاقة المجردة بين الحياة والموت، أو بين الحياة والسياسة. على قاعدة الفكر البورجوازي المسيطر يصاغ هذا الموقف الذي يدين السياسة، باسم الحياة، فيرى فيها أداة للحرب تقود إلى الموت.
ثانياً، أن هذا المنطق الذي هو واحد في كل الحروب، هو أيضاً واحد «لدى المتحاربين جميعاً»، أي لدى أطراف الحرب الواحدة، لا يختلف عند طرف فيها عنه عند طرف آخر، مهما اختلفت الأطراف التي تجري بينها حرب. إنه، بتعبير آخر، واحد لدى القوى الاستعمارية في حرب التحرير الوطنية الجزائرية، مثلاً، ولدى الطرف النقيض، أي الشعب الجزائري. وقس على هذا ما تريد. وهو المنطق نفسه، لا اختلاف فيه بين القوى الثورية والقوى المضادة للثورة، في ثورة أوكتوبر، أو في الثورة الصينية أو الكوبية أو غيرها، وهو المنطق إياه في كل صراع طبقي يأخذ شكل الحرب الأهلية، أو شكل الثورة، يستوي فيه النقيضان على قاعدة إلغاء التناقض بينهما، في حركة من التجريد تلغي كل اختلاف ـ وبالاختلاف وحده يكون التناقض ـ، ليس بين الحروب، أو بين أطراف الصراع في كل منها وحسب، بل بين المواقف والمواقع أيضاً، وبشكل أعمّ، بين الوقائع كلها وبين النقائض فيها، فتقوم الأشياء، حينئذ، بتماثلها، كالرمل على الرمل، ويستقيم القول لفكر عدمي، أو ما يشبهه، إن هذا هو ذاك، حتى لو كان نقيضه، إذ لا اختلاف بين الضد والضد، بل تماثل يقيمه المنطق الشكلي بينهما، بتجريد الواحد من اختلاف هو به ضد للآخر. على مثل هذا التجريد يقوم التعميم، على إفقار للواقع تستحيل به المعرفة فراغاً من القول، كما في قولك، مثلاً، إن الحرب هي الحرب لأنها الحرب في كل الحروب، أو في قولك أيضاً إن الضد مثيل للضد لأنه الضد في كل الأضداد، أو في قولك، قياساً على ما سبق، «إن للحرب منطقاً واحداً لدى المتحاربين جميعاً».
يقتصد صاحب هذا القول في تفسير قوله، فيحيل القارىء إلى مقال آخر له، بعنوان «نقطة وحيدة للوفاق» (27)، يفتتحه بهذا التنبيه: «ليس ما يلي مقالاً في السياسة، بل تمرين في الدياليكتيك الهيجلي» (28). نقرأ المقال، عملاً بنصيحة صاحبه، فنتبيّن، بسرعة، أن صاحبه أخطأ في تقويمهمرتين: مرة حين نفى عنه تهمة السياسة، ومرة حين اتهمه بالانتماء إلى الدياليكتيك الهيجلي، أو قل حين اتهم هذا الدياليكتيك به. صحيح أن هذا المقال تمرين، كما يقول عنه صاحبه. لكنه تمرين في الإنشاء (29)، تتلذذ فيه الألفاظ بالألفاظ في حركة فارغة هي ابتذال للدياليكتيك الهيجلي. يجري الكلام، في هذا المقال، على الحرب الأهلية في لبنان، في مرحلة تاريخية محددة من تطورها، هي التي طُرحت فيها قضية «الوفاق». لكنه يأخذ فيه شكل الكلام المجرد على حرب مجردة، حتى يتسنّى له التحرر من قيود النظر في الشروط المادية لهذه الحرب. ففراغ القول، إذن، يلبس هذا الشكل الذي هو، في الحقيقة، الشكل المنطقي الملائم لقول محدد هو قول سياسي في هذه الحرب بالذات، ينطلق فيها من موقع سياسي محدّد، ويتخذ منها موقفاً سياسياً محدداً. وظيفة هذا الشكل تغييب السياسي حتى يوهم القول بأنه يستوي فوق السياسة، خارج كل موقع، أي في موقع المطلق الذي منه ينطق في فراغ هو الوجه الآخر للمطلق. وما هذا الوهم بجديد. إن له من العمر عمر الفلسفة في ايديولوجيات الطبقات المسيطرة. به يتسلح ذلك القول في هجومه على الوعي اليومي، يحضّه على أن يكون له من السياسة موقفه منها. وموقفه أن «السياسة وسيلة للحرب» (30)، وأن «غاية الحربالموت المتجدد» (31). في سماء هذه «الفلسفة» التي تقول السياسة مواربة ـ ومن عادة ايديولوجيات الطبقات المسيطرة جميعاً أن تقول السياسة مواربة ـ يُصاغ موقف يتكرر فيه قالب من الفكر رأيناه سابقاً يتكرر في فراغ العلاقة المجردة بين الحياة والموت، أو بين الحياة والسياسة. على قاعدة الفكر البورجوازي المسيطر يصاغ هذا الموقف الذي يدين السياسة، باسم الحياة، فيرى فيها أداة للحرب تقود إلى الموت.