eKtab
EN ع
نوافذ على شرفة الروح
اقرأ عينة مجانية

نوافذ على شرفة الروح

بقلم د. أحمد عبد الملك

صفحة 1

الإهداء

إلى كُلِ الذين يُدارونَ شمُوعَهُم

من عَصفِ الرياح.

صفحة 2

مقدمة

حاولتُ في هذه المجموعة القصصية أَن أَختـصرَ حكايا داعبت خيالي على مدى عـشر سنوات، كتبتها في مجلة (زهرة الخليج)، ووَدَدتُ تسجيلَها في هذا المتن كي تكون في متناول الجميع .

حكايا قد تحدث لكثيرين لا أعرفهم ولا يعرفونني، لكن نوافذنا المفتوحة دوماً تسمح للشمس أَنْ تدخل في كل اتجاهاتِ الكون، وتسمح للخيال أَنْ يجولَ في كوامن النفس البـشرية مُتحدياً الأسوار والحُجبَ من أجل أَنْ تتهيأَ فرصةُ المشاركة الإنسانية في الوجع.

كثيرةٌ هي أَوجاعنا في العالم العربي، لكن الوجعَ الأَوجَع هو ذاك الصمت الذي يحرمُنا من لذةِ البوح.

لقد بُحتُ لكم بما تخيلتهُ يحدث وراء تلك الأسوار؛ فلا تعتقدوا أَنني كنتُ حاضراً وراء تلك الأسوار.

د. أحمد عبدالملك

6/10/2013

صفحة 3

نافذة 1

أُطيلُ في صلاتي داعية الله سبحانه وتعالى أَنْ يغفرَ لي ذنوبي المُتكررة!. فأَنا أقوم بأَفعال لا يرضاها الله ولا عباده... رُغمَ إِيماني وذهابي إِلى الحَج... وتكفيري عن ذنوبي السابقة. ورُغمَ أَني تجاوزتُ الخمسين، وأُحبُّ زوجي وبيتي، إِلاّ أَنَّ " إِلحاحاتِ" الأُنثى بداخلي تأْسُرني وتُلزمني بأَنْ أقومَ بتلك الأَعمال الشائنة!. ولا يظهرُ لي الشيطان إِلاّ عند سفر زوجي خارج البلاد!؟. حيث أَبقى في الغرفة وحيدة... أَشعرُ بأُنوثتي تحرقُني، وأَتحسَسُ جسدي الذي غابت – مع الأَيام – عنه رغبةُ زوجي ولمساتهُ الحانية. فلقد عانى زوجي من ارتفاعِ ضغط الدم، وخضع لعمليةِ فتح قلب، ولم يَعُد يستطيعُ الوفاءَ بالتزاماته تجاهي، خصوصاً وأَنا امرأَة قوية ومثيرة وقابلة لـ "الاحتراق" كلَّ لحظة.

كانت أَقربَ وأَسهلَ وأَضمنَ وسيلة لإِشباع رغبتي الجامحة وإِطفاءِ حرائقي هو السائق!. نعم السائق الآسيوي!. الذي لا يشّكُ فيه أَحد ٌ... ولا يُمكن أَنْ يُعاتبَه أَحدٌ، حتى لو شُوهدَ وهو يخرج من غرفتي... لأَنه أَحياناً يدخل الغرفة كي يُغيّر (لمباتٍ) الإِضاءة أَو تصليحَ دَرجاتِ المُكيِّف... وغيرها من الأعمال المنزلية. استدرجِتهُ بذكاء... حتى وقع في يدي! بل لربما أَنا التي وقعتُ في يده... ومن لا يريدُ هذه اللقمة السائغة المجانية؟!.

أُدركُ كمْ غبية أنا وساذجة!. وأَنكم سوف تحتقرونَني على هذا التصرُف... وتقولون: ما لقيتي إِلاّ السائق الآسيوي!؟. نعم أُدركُ ذلك، ولكن لماذا المخاطرة والخروج من المنزل أَو التورط في علاقة مع رجل مُواطن قد يَعرفُ زوجي أَو أَحداً من أَهلي وهكذا أَكون "علكة" في أَفواه الناس؟!. لكن الحالَّ مع السائق آمنة!. فهو كتوم وفقير ولا يمكن أَنْ يبوحَ بسرهِ معي لأَي كائن!. كما أَنني أُعطيه المالَ الذي يفوق راتبه الذي يأخذه من زوجي.

أَتعذّبُ وقتَ الصلاة... ووقتَ وقوفي بين يدي الله!. أَبكي بحُرقه.. أَنتحبُ على ما أَفعله من أَفعال شائنة لا تناسبني ولا تناسب عائلتي ولا إِنسانيتي... وأَلومُ نفـسي على هذا الضَعف المُخجل كلما هاجمتني تلك "الإلحاحات".. وأَتحوّلُ إِلى مُراهقةٍ في العـشرين. تغيبُ عني كلُ المحظورات وكلُ القيم، وكلُ كلمات الوفاء لزوجي الذي يُحبني، وكلُ معالم "الـشرف الرفيع" ... وأَجدُني بين أَحضان السائق ولا أَفيقُ إلاّ بعد تَسَللهِ من غرفتي في ساعات الصباح الأُولى كي ألطمَ وجهي.. وأَضربَ رأَسي بالجدار... وأَلعنَ اللحظة التي ولدتُ فيها.

لقد مضى على هذه العلاقة ستُ سنوات.. لم يكتشفها أَحدٌ حتى الآن.. وما زلتُ على نفس الطريق... وما زالت سيرتي "العطرة" وأَخلاقي العالية عنوانَ صداقاتي مع الأُخريات ومع أَهلي. لكنني من الداخل امرأَةٌ ضائعة ومكسورة... أَلعنُ نفـسي كلما تصوّرتُ جسدي بين يدي ذاك السائق المُطيع!.

صفحة 4

نافذة 2

تعاندُني أَقماري... وترحلُ عني كلُ الزهور التي جمعتها لليوم الجميل... وتأْبى حناجرُ عصافيري الغناءَ في صومعتي الدافئة. أَعيشُ على ذكرى بعد أَنْ تبدّدت كلُ الأحلام!. وضربَ الواقعُ أوتادهُ الغليظة في صحرائي. هذا الواقع حوّلَني إِلى رقم بين أُخواتي... يُديرهُ أَبي إِلى اليمين تارةً وإِلى الشمال تارةً أُخرى مع كلِ قادمٍ لطلب يدي.. حتى ذَهبتْ أَيامُ العمر مُسرعة.. وقاربتُ الخامسةَ والثلاثين.

كان حُباً أفلاطونياً دام عشر سنوات.. لم تتحقق له نهاية.. ولكأَنهُ وُلدَ على طريق اليُتم، بعيداً عن حنان الأُم أَو رعاية الأَب. كان ذاك الرجل بسيطاً وتلقائياً ووفياً.. وكنت أَشتاقهُ عند لحظة الوداع في الهاتف. (لم تكن وقتها وَصلتْ الهواتفُ الخليوية).. وكانت الفرصُ شحيحة في ظلِ وجودِ هاتفٍ أَرضي واحد في المنزل، وآخرَ في المجلس.

لم يكن بإمكاني التسَلل نحو هاتفِ المجلس لاعتبارات كثيرة!. فكان هاتف المنزل هو المُنقذ بعد أَنْ تنام العائلة، حيث يبدأُ صحوي وانتعاشي وعُمري. انقطعتُ عن العالم في ظلِ مملكةٍ مستقلة لا تجاورُها المَمالكُ الغاضبة... أَو عصاباتُ الإغارة الليلية!. يُسمعني كلاماً رقيقاً وكثيراً... وأُسْمعهُ أَنا أَكثر. كان دقيقاً في الوصف وكريماً في التعبير.. وكنتُ أَكثرَ دقة وكرماً منه. كنا نتهامسُ لساعات، قبل أَنْ يصحو والدي لصلاة الصُبح، حيث أَتسللُ إلى غرفتي... وأَبدأُ نومي مُستَحضرة كلَ الكلمات وكلَ الصور التي تغنينا بها خلال المكالمة. وفي اليوم التالي أَكون مُستفزَّة لأَي طارئ يُبعدني عن حُلمي الجميل الذي أَعيشه.

كنتُ عنيدة وصارمة مع كل خطيبٍ يُقرّبهُ والدي أَو تُجمّلهُ والدتي لي!. رَدَدتُ أَكثرَ من أَربعةِ خُطّاب.. حتى يئِسَ مني المجتمع.. وتراجعَ الناس عن المرور على عتبة دارنا.

أَرى نظراتِ العتاب الصامت في عين والدي.. وأَسمعُ كلماتِ التآسيّ وعدم الرضا من لسان والدتي هَمساً. وأَتعجبُ من رفضهما لتقدُّم حبيبي، كونهُ ليس من عائلة معروفة!. يا جماعه: أَنا سأَتزوج الرجل لا عائلته!. وكم من العائلات، لم تكن في خصالِ وسموِ العائلات؟.!

فجأة تحطّمتْ كل آمالي. وانتحرتْ نجومي في مداراتها بعد أَنْ أتُهمَ حبيبي - ظُلماً - بجرم لم يقترفهُ.. وتم سجنهُ لعـشرين عاماً بفعل الموجات العارمة التي تجتاح البلاد العربية. أَظلمتْ الدنيا في عيني، وأَصبحتُ وحيدة في هذه الدنيا وما عُدتُ أَقوى على الحديث مع أحد، أَو الجلوس مع أَحد.

اقتربتُ من الأربعين.. واشرأَبتْ الشعيراتُ البيضاء في رأسي.. وبانَ هُزالي نظراً لفقداني شهية الأَكل وشهية الحياة.. ولم يَعد أَمامي أَيُ أَمل أَسعى لتحقيقه. كنتُ أُشاهد ملابـسي المتراقصة في الخزانة.. التي لن يرَها عليّ أحد.. وأَترقبُ لحظة الموت.

صرتُ أتحدثُ مع الجدران الصامتة في وقت ما عاد يحفلُ بالكلمات الجميلة، وضاعتْ فيه أَيةُ فرصة تُحققُ "المشهدَ الأَروع"؟.

صفحة 5

نافذة 3

تعتقد هذه المرأة – وَهْماً – بأنها على حق دوماً!. ولا تريد التفاوض أو الخروج عن هذا الوهم الذي سَيطر عليها لأكثر من عشرين عاماً. كما أنها تمارسُ عادةَ الصمت التكشير في المنزل، لإرسال رسائل للآخرين بعدم رضاها، كلما شعَرت - بداخلها - أنها لاحظت عليّ ملاحظة معينة، ولو كان ذلك وهماً! كما أنها تتأثر كثيراً بما تسمعه من صديقاتها عن هدايا يتلقينها من أزواجهن أو سفرات لهن إلى عواصم العالم المختلفة!. أو ذهاب إلى المطاعم الجديدة في البلد.

ولأنني من النوع الهادئ، غير المثير للمشاكل، وأُحبّ – بعد أن تجاوزت الخمسين – أن أكون (في حالي)، وألوذ بالصمت مُحاذراً من نقاش قد تنفجر خلاله زوجتي، وتقذف كل ما في صدرها من ملاحظات سلبية خاطئة عني، فإنني أتجنبُ إثارتها أو حتى التلميح لها ببعض الملاحظات السلبية التي تقوم بها وتكون غير مناسبة لسنِّها ومكانتها في المجتمع.

لقد تعوّدت هذه المرأة أن تفرض آراءَها بالقوة، وعبر الحوار الصاخب والانتقادات الشرسة لي!. خصوصاً عندما يمرّ شهران لا نتشاجر فيهما. بل أصبح توقيتُ "هدنة" الشهرين من الثوابت لدي!. وأكاد أجزمُ بتحديد موعد انفجارها.

ولأن الحياة الطبيعية تأتي دون قَهرٍ أو فرْضٍ أو إجبار؛ فإن كل أمر يتحقق في الحياة الزوجية لا بد وأن يأتي تلقائياً وبرضا الطرفين، ولا يجوز لأي طرف فيه غير راضٍ عنه أن يقبله. بل ولربما شارك هذا الطرف على مَضض ودون اقتناع، وهو قبولٌ ظرفي أو مؤقت سرعان ما يتغيّر. لأن الشعور بحالة الفقد أو القهر – مهما كانت دوافعها – لا بد وأن تخلق مناخاً للانفجار ولو بعد حين.

بعد الخمسين قد يكون من المفيد للزوجين أن يذهبا في رحلة خارج إطارهما الجغرافي!. ولكن إذا كان الزوج يدرك أن هذه الرحلة لن تغيّر سلوك زوجته في السفر، وأن العتاب - الذي يُبديه الزوج لتصرفات الزوجة منذ عشرين عاماً - سيتكرر في الرحلة، أو أن الزوج سيكون مجردَ حامل للأكياس في شوارع لندن أو مانيلا، أو "مُدَلكاً" لرِجلِ زوجته – التي تلهبُ الشوارع منذ العاشرة صباحاً وحتى العاشرة ليلاً – عندما ترتمي على السرير متأوه من ألم رجلها وظهرها وأصابعها، بل ولربما قلبها. وعندما يتنازل الزوج عن حقه في ممارسة هواياته، أو ما يريد القيام به من زيارات إلى مطاعم مُحددة أو حتى الجلوس للاسترخاء والتأمل، فإنه أيضاً لا يجدُ (حمداً ولا شكوراً) من هذه الزوجة التي تريده دوماً أمامها تحرسهُ وتتابعُ نظرات عينيه.

أنا ضد فَرضِ سياسة الأمر الواقع، و"تطويع" الرجل دون رغبة منه أو اقتناع منه، فقط لأن "المدام" تريد ذلك!.

صفحة 6

نافذة 4

تُوفِّر الثقافةُ الجنسية للزوجين كثيراً مؤشراتِ نجاح العلاقة الزوجية واستمرارها. كما أَنَّ فهمَ الجانبين (العاطفي والنفـسي) لكلا الطرفين يزيدُ من ذلك النجاح. لقد قرأْتُ كثيراً حول هذا الموضوع... تماماً كما فهمتُ أَنَّ جمالَ ومتعةَ الجنس في الرأَس وليسَ في الجزء الأَسفل من الجسد!؟.

زوجتي من النوع البارد الذي يعتقدُ أَنَّ العلاقة الـشرعية مجردَ واجب!؟. وأَنها (العلاقة) نوعٌ من اختبار "وفاء" الزوج... والتأَكدِ من أَنهُ لا يحتفظ بعلاقاتٍ خارج الإِطار الشرعي!.

بعد شجار حاد.. وتبادلِ كلماتٍ جارحة وقاسية.. وبعد تغضُناتٍ في وجهها وغضبٍ من كامل جسدها المُرتجف الهادر... وبعد تُهمٍ وسبابٍ لا حدود لها، تأَتي لي في اليوم التالي تريدُ المُعاشرة الزوجية!؟. ولكأنها نَسيت تلك الكلماتِ النارية والإِشاراتِ الحادةَ من سَبابتها في وجهي وصراخَها الذي سَمعهُ الأَولاد في الطابق العلوي!. ولكأَنها لم تعمل شيئاً.. ولم تصرخ ولم تولول ولم تهز أَركان المنزل، على موضوع تافه يكبرُ كلَ لحظة في داخلها.

تأَتي هكذا دونما اعتبار لحالتي النفسية الهابطة والمؤلمة بحُكم تصرُفاتها الرعناء، التي لربما تندمُ عليها بينها وبين نفسها... تأَتي بوجهِ "الملاك"... تتهادى في أَبهى حُلة.. وكأَنه لم يحدث بيننا أَيُ شيء، ولم تسبّني وتلعَنني وتُسفّه آرائي. وأَتحوَلُ من "عدو" الأَمس الذي تكرَههُ وتسبُّهُ وتلعنهُ إِلى عاشقٍ محبوب و(حليو) لا يوجد له نظيرٌ على كوكب الأرض.

وإِذا ما حصل وأَنْ رفضتُ أَنا العَرض - ومن حقي أَنْ أَرفُض... لاعتباري أَنَّ هذه العلمية لا تتم إِلاّ في مُناخ طبيعي وانجذابٍ وتواؤم عاطفي - فستقومُ القيامة!. ولسوف تتهمُني بأَنني ما عدتُ أُحبُّها ولا يُعجبني جسدُها... وأَنَّ "امرأَةً" في حياتي!. وهكذا تبدأُ شِجاراً جديداً وهي تتمخطرُ بـ "عِدةِ السهرة" الملونة. والمشكلة أَنها لا تضعُ نفسَها مكاني، ولا تتخيلُ آثارَ الشِجار والسِبابِ واللعناتِ عَليّ!. بل تنـسى كلَّ ذلك، وتأَتي مبتسمةً كي آخذها في الأَحضان الدافئة... بينما أَنا "أَغلي" من الداخل على تصرُفاتها الرعناء.

نصحتُها من كل قلبي أَنْ تذهبَ إِلى طبيب نفساني، يحاول مساعدتَها في التخلص من حالاتها المتناقضة وعصبيتها المُفاجئة وأَيضاً نرفزتِها المُتفجرة... لكنها رفضت.. وعارضتني بـصراخ هستيري قائلة: أَنتَ الذي يجب أَنْ تذهبَ إلى الطبيب النفسي، لأَنك لا تًقدّر قيمة المرأة التي لديك!؟ ولكأَنَّ الذهابَ إلى الطبيب النفـسي سُبةٌ أَو قلةُ عقل.

ما زلتُ أَعتقدُ بـضرورة الموائمة بين الشِق العاطفي والشِق الفيزيائي للعلاقة الـشرعية، وأَنَّ اختلالَ أَحدِهما لا يُعينُ على نجاح هذه العلاقة، ولكن من يَسمع؟!.

صفحة 7

نافذة 5

 

خَلقنا اللهُ مُختلفين في المزاج والطبيعة والهوايات والمَدارك. ولا يجوز أَنْ يكون الزوجان نسخةً من بعضهما البعض، أَو أَنْ يحاول أَحدهُما فرضَ أَفكاره أَو سلوكياته أَو قناعاته على الطرف الآخر ... ما لم يقتنعَ بها هذا الآخر. وهذه حتمية قدَرية لا يتدَخلُ فيها الأَفراد ولا يستطيعون تغيّرَها مهما حاولوا.

تُريدني هذه الزوجة أن أكونَ نسخة منها!. رغم قناعتي بأَنها صاحبة أَفكار مُتواضعة تضعها أحياناً في مواقفَ مُحرجة مع الآخرين، أَو حتى تُفقدُها بعض المكتسبات.

فأَنا لا أَحتملُ الحديث في الهاتف لعشرين دقيقة متواصلة!. كما أَنني أُحاولُ ترتيبَ حياتي داخل المنزل، بحيث لا يفاجئَني زائرٌ أو زائرة في وقت لا أَكون مُستعِداً لاستقبالهم. وأَنا صريحٌ في تعاملي مع الآخرين، ولا أُحبُّ المجاملة أَو أَنْ أَضغط على أَعصابي وأُقلقَ راحتي من أَجل الآخرين. وأَنا لا أُحبُّ التبذيرَ وأُخَططُ للمستقبل الذي لا يَعرفُ الإنسانُ ماذا يُخبئ له؟. وأَنا أَركنُ إِلى الجدّية في الحياة وأَقرأُ كثيراً وما زلت... حتى بعد تقاعدي عن العمل لإيماني بأَنَّ الثقافة مُهمة للإنسان. وأَنا لا أَتعهدُ بتقديم خِدماتٍ للأخرين قد لا أَفي بها. ولا أُحبُّ أَنْ "أَتوسطَ" للآخرين وأُكلمُ عنهم مسؤولاً أَو مديراً كي يوظفهم، ولربما كانوا غيرَ جديرين بتلك الوظيفة. وأَنا أَقرأُ المستقبل. وأُخَططُ وأَضعُ الحلولَ المتَوقعة لأُمور حياتنا... ولا أَعتمدُ على ردةِ الفعل أَو علاجِ المشكلة بعد حُدوثها. فمثلاً: لا أَضعُ (فازة) ثمينة قُرب مَمشى الأَطفال، لأنهم حتماً سوف يصطدمون بها يوماً!. كما أَنني عوّدتُ أَبنائي على الانضباط وحُسن استهلاكِ الكهرباءِ والماءِ والمال.. لقناعتي بأَنْ "الهدْرَ" غيرُ حميد في كل شيء. كما أَنني أُحسِنُ توزيعَ وقتي ولا أَعِدُ الناسَ بزيارةٍ عند الساعة الثامنة، وأَصِلهُم عند التاسعة، على أَساس المقولة: بنجيكم بعد صلاة العشاء!. والتي تَتكررُ في المواعيد العربية.

أَنا لا أَستطيعُ تغيّرَ عاداتي وقناعاتي ومفاهيمي بعد هذا العمر!. ولا يُمكنُ أَنْ تكون حياتي نسخةً من حياة زوجتي، التي تحاولُ – بعد هذا العمر – أَنْ تفرض عليّ مفاهيمَ تدور بداخلها أَو لربما "تُمليها" عليها بعضُ الصديقات... ولا يُمكنُ أَنْ أَقبلَ برهنِ عقلي في دائرة السذاجة والمجاملة السلبية... أَو أَنْ أَسعى لأَنْ أَكونَ "مقبولاً إجتماعياً"... أَو أَن أَحظى بدعاية إِيجابية أَو مديحٍ عبر التخلي عن الصفات الأساسية لشخصيتي التي بنيتها لخمسين عاماً.

بالطبع مع تقدُّم العُمر تظهرُ الفوارق بين الزوجين، وتزدادُ الحساسية وحالاتُ التحفّز والتوجس، بل والتفسيرات الخاطئة نتيجة اضطرابات نفسية وعضوية... وبالطبع تزيدُ حالاتُ التشنُج والحوارات المُضطَربة، لكنها كلها في "الوقت الضائع"، ولكأَنها "انتقام" لماضٍ لم يكن مُريحاً للطرفين.

صفحة 8

نافذة 6

طويلٌ هذا الليل، ودقائقهُ تجثمُ على صدر الزمن وصدري ولكأَنها دهر!. وهذا الرجل يجلسُ بجانبي كَسيراً بعد أَنْ داهمتهُ الأمراض ومَرّضَني معه. لقد أصبحتُ (مُمرضة) لهذا الزوج الذي لم يعتن بصحته، وكان يشربُ الكحول كثيراً، ولا يسمعُ نصائحي، وكان يغلطُ عَليّ ويسبّني كلما زاد في (عيار) الشُرب.

لم أَجد الحياة التي حَلمتُ بها، ولم أُلاقي الـشريكَ الحنون المسؤول! عشرون عاماً من حياة عابثة وجامدة ومتكررة، ليس فيها أَيُ جديد!. فلا احتفال بعيد الزواج؟ ولا هدية – حتى لو كانت وردة في مناسبة – ولا خروج لعشاء رومـانسي.. ولا مفاجأة في رحلة إِلى عاصمة شرقية أَو غربية، مثلَ بقية البشر.

كانت حياتي معه روتينية مُملة، تبدأُ بتحضير الفطور، ثم طبخِ الغداء ثم تحضير العشاء بعد سهرةِ (سي السيد) وبدءِ تَعثّر خُطواته على الدرج... أَو إِغماءاته التي تُطوّحُ برأَسهِ يميناً وشمالاً.

ولأَنني من عائلة فقيرة، ولا أُحبُ ولا يُحبُ أَهلي إِثارةَ المشاكل أَو الشكوى عند عائلة زوجي، لزمتُ الصمتَ على أَمل أَنْ يتغيَّر سلوكُ هذا الرجل، ويصبحُ زوجاً عادياً لا مثالياً ولا استثنائياً كما تَحلمُ بعضُ الفتيات.

تَعوّدتُ على الحياة معه... وأَهملتُ نفـسي، كما أَهملني هو. والآن بعد أَنْ لزمَ الفراشَ احتاجني. وبدأَ يـصرخُ عَليّ كل لحظة لا يُشاهدني أَمامه. ويلتفتُ بصورة مفاجئة كي يراني قُربه. لقد أَصبحَ هستيرياً وقاسياً ولحوحاً... كما أَنني لا أُفارقه وأُطعمهُ بيدي وأُنظّفُ ملابسه... وأظلُّ طوال الليل على سرير بقُربه خوفاً من حاجته لشيء.

بالله عليكم، أَيُ حظٍ عاثر هذا؟ وأَيُ قدَرٍ مؤلم حَطَّ رحالهُ في صحرائي التي كانت تتشوقُ لقطراتِ ماء.. وقطراتِ حُب.. وقطراتِ حنان.

أَعترفُ بخسارتي في رهان الحياة، وهذا ليس عيباً!. فالحياة ربحٌ وخسارة!. لكن الشيء الذي يُحزنُني هو موقفُ أَهلي الذي كان سلبياً تجاه مستقبلي، لأَننا اكتشفنا سوءَ تـصرفاتِ هذا الزوج... وعدمَ تقديره للحياة الزوجية منذ البداية، وكان بالإمكان التراجُع وإِنقاذ مستقبلي من زواج فاشل. كما أّنَّ هذا الزوج لم يكن يُخطط لحياته أَو يسعى للنجاح في عمله، أَو يتملك هواياتٍ تُخرجنا من دائرة المَلل والحياة الروتينية المتكررة.

ثم ماذا أَفعلُ عندما يرحل هذا الرجل؟ خصوصاً وقد بلغتُ الخامسة والأربعين؟.

مَن سوف يقف بجانبي بعد أّنْ رحلَ والدايّ؟ وليس لدي سوى أَخٍ واحد تُشغلهُ حياتهُ مع أُسْرته في بلد مجاور.

ستقولون: الله سوف يجازيك خيرَ الجزاء على موقفك النبيل تجاه زوجك!.

جميل!؟. ولكن أَنا إنسانه ضاعت أَيامُ عُمرها هباءً.. ولم تَشعُر خلالها بإنسانيتها، ولا بجمالِ هذا الكون مثل أيةِ إنسانةٍ أُخرى!.

صفحة 9

نافذة 7

لم أُفلحُ في أَنْ أَكسبَ ثقة والدي كما خَطْطَت!. ولا هو كسبَ حبي وصداقتي كما أَراد!. كبرتُ دون رأَي... وتزوجتُ دون رأَي... وعملتُ دون رأَي... وسكنت ُفي بيت دون رأَي... وأَصبحتُ أَباً دون رأَي.

لقد تخرّجتُ من الجامعة... وعملتُ في عمل أُحبه... وتزوجتُ بناءً على اقتراح الأَهل دونَ رغبةٍ مني لشعوري بأَنني ما زلتُ أُريد كسبَ خِبرة من الحياة. وفي غفلة من الزمن أَصبحتُ أَباً لثلاثة أَبناء وبنت. لا أَعرفُ كيف أَتحمّل مسؤوليةِ الأَبناء ولا إِدارةِ المنزل... بل وتَعللتُ بالسكن في بيت والدي كيلا أَتحملَّ مسؤولية المنزل، لعلمي بأَنها هامة ومُعقدة، وأَنا غيرُ مُستعدٍ لذلك قدْرَ استعدادي لرحلاتي وسفراتي وقضاءِ جزءٍ من الليل مع مباريات الدوري الإنجليزي والفرنسي والإسباني. اتخذْتُ من منزل والدي "فندقاً " أَنامُ فيه... وأَتناولُ طعامي الجاهز فيه... وتُغسل وتُكوى ملابسي فيه. وفيه أَجدُ الظلَ الظليل والـسريرَ النظيف والأكلَ الجيد؟! وليست عَليَّ أَية مسؤولية سوى التدخين ومتابعة كُرة القدم عبر الشاشة.

كبرتُ لا أَعلم نظرياتٍ كثيرة في الحياة. وسَيطرتْ عليّ النظرية "الاستهلاكية"، فأَصبحتُ لا أَحفلُ بكل ما يحتاجهُ المنزل من صيانة... أَو تبديلِ أَجهزة... أَو العنايةِ بالحديقة أَو معالجةِ تـسرُّبِ المياه أَو عطلِ فرن الطبخ، ولا حتى بموعدِ وصول فواتير حمّام السباحة!. أّي أَنني فعلياً منفصلٌ عن المنزل وساكنيه، ولا يربطني معهم إِلاّ اسمي فقط. كما أَنَّ رأيي هو الفاعلُ فيما يتعلق بحياتي الخاصة، حيث عوّدتُ الجميعَ على أَلاّ يقتربوا مني... سواء قررَتُ النوم خارج المنزل أَو السفرَ في رحلة شبابية أَو الخروجَ في رحلة بحرية أَو حتى عدمِ الذهاب إلى العمل.

أَشعرُ بأَنه لا رأَي لي فيما يدور حولي بين أَفراد العائلة من حوارات، وأَشعرُ أَيضاً بأَنَّ رأَيي غيرُ صائبٍ وغيرُ حكيم كلما ناقشَ الأُهل قضية من القضايا، لأَنَّ خبرتي وتراكُمَ ثقافتي لا يؤهلاني لذلك. بالطبع ليس في تلك القضايا ما يُهمني من أَهداف (ميـسي) ولا آخر أُغنيات (راشد الماجد) ولا حتي صورِ (التفحيط) في الشوارع الخلفية والتي لا يُهمني لو كَسرتُ جزءَ سيارتي الأَمامي أَو الخلفي في لقطةٍ استعراضية فوق الرمال.. المهم أَنْ يضحكَ (الربعُ) ويتخذون ذلك قصةً لسهرة الليل.

أَشعرُ بفجوة كبيرة بين تفكيري وتفكير أَهلي، رغم أَنَّ والدي ووالدتي من غزيري الثقافة والحضور الاجتماعي، بعكسي تماماً، حيث أَمقتُ الأماكنَ العامة والواجباتِ الاجتماعية ومقابلةَ شخصياتٍ لا أَعرفُها.

أَعيشُ لوحدي في عالم افتراضي مُتوحّدٍ مع ذاته، لا أَدري إِلى أَين أَسير؟. وكيف سيكون عليه غدي؟. وكيف سيكون عليه أَولادي؟ لأنني لم أَعرف شيئاً أُسمهُ التخطيط للغد!.

صفحة 10

نافذة 8

ما عُدتُ أُطيقُ هذا المنزل بأَفكاره القديمة وأَهلهِ المُتخلفين وقوانينهِ البائسة القديمة!. يُريدني والدي أَنْ أَكون صورةً عن والدتي التي تَحَكّمَ فيها كيفما شاء!. الطعام في وقته، الكلام في وقته، الزيارات في وقتها، التلفزيون في وقته، بل ومحادثات الهاتف في وقتها.

يُريدنا هذا الوالد أَنْ نكون "روبوتاتٍ" يُحرّكُها كيفما شاءَ ومتى شاء!. ولا يحقُّ لنا أَنْ نُبدي وجهاتِ نظرنا حتى لو تعارضت "قوانينُ" الوالد مع ظروفِ عملنا أو توجُهِ أَفكارنا أَو مدى تطلعاتنا.

بدأتُ (أَقرَفُ) من هذا المنزل، وبودّي لو أَقـضي جُلَّ وقتي خارجه، حتى لا أُشاهدَ والدي ولا أَسمعَ أَياً من انتقاداته وتوبيخاته لنا. بل عَمدتُ إِلى البقاء في العمل لساعات بعد الدوام حتى ينام والدي ولا يراني أَدخلُ المنزل، فلربما "استفزهُ" مكياجي أَو دفتي "المُخَصّرة" المتلألئة.

لقد وصلتُ الثلاثين... وصار لي رأَيٌ وفِكرةٌ عن هذا العالم وسلوكيات أَهله، وصار لي الحقُّ في أَنْ أَقول كلمتي وأُحدّدَ مصيري بنفـسي دون الحاجة إِلى "فَرماناتٍ" وقوانين بائدةٍ ما عادت تُناسب العصر.

الوالد – هداهُ الله – لا يُعجبهُ العجب، ويُفسّرُ كلَ تـصرفاتي بأَنها خارجة على "شرعية" المنزل وتعاليمه... ولكأَنهُ قد وَضعَ "دستوراً" وحيداً في هذا العالم وعلينا الالتزام به.

فخروجي مع صديقاتي إِلى مطعم يَعتبرهُ عيباً!. وسفري في الأَعياد – إِلى بلد مجاور أَو غير مجاور – يعتبرهُ خروجاً على ذاك الدستور وعلى تقاليد الأُسرة وعلى قيم المجتمع... وانكفائي في غرفتي لساعاتٍ يُعتبرهُ ابتعاداً عن التواصل الأُسَري وانفصالاً عن المنزل... ووشوشاتي ونقراتي على الهاتف مُدْعاة لـ "الذنبِ" والتأثيم. إِنَّ تفكيرَهُ يعودُ إِلى عصور ما قبل الانفتاح... وقبل التعليم... وقبل العولمة واستحقاقاتها. وهو يَشعرُ بأَنَّ المرأَةَ دوماً تحتاجُ إِلى رَجُلٍ يحميها... وأَنَّ الرَجُلَ الآخرَ ما هو إلاَ "شيطانٌ" سوف يلتهمُ هذه المرأَة. وهذه نظرة تقليدية ما عادت تصلح لهذا العصر.

لا يشاهد أَبي ماذا يدور في هذا العالم!. وكيف أَنَّ الأَحوال قد تطورت... والعادات والتقاليد البالية ما عادت تصلح لهذا العـصر الذي يؤمن بالحريات والانطلاق وحقِ الجميع في الحياة كيفما يشاؤون!.

أَلمحُ الرفضَ والاستنكارَ في وجه أَبي كلما خرجتُ من غرفتي... أَو هَمَمتُ بالخروج واضعة بعضَ المكياج "الـشرس" على وجهي!. فعلاً لقد كَسرتُ القيد بصراخي ورفضي لمواقف الوالد!

لا أَدري ماذا سيفعلُ عندما أَدخلُ عليه متأَبطة ذراعَ حبيبي، وأقَولُ له: "لقد تزوجت.. بارك لي يا بابا.. وزوجي سيعيشُ معنا في هذا المنزل لأَنه فقير ولا بيت له"؟.