eKtab
EN ع
نور القمر
اقرأ عينة مجانية

نور القمر

بقلم أميمة العبد الله

صفحة 1
الزمن الأول
 
ولدت عندما كان الإنجليز يشنون حملاتهم الانتقامية الشرسة ردا على رجل هزمهم دون عتاد كالذي يملكونه، حملات مجنونة اكتسحت وطني كأنها موضة ابتلعت الأخيار، الأبطال والأموال، خلّفت فاجعة ومأساة . موت، جوع، ذعر وحرائق زاحمت الفضاء، انفطرت حياة الكثيرين، خسرت البيوت ربانها، ترملت النساء، تيتم الأطفال واغتصبت المدن علنا. خسرنا كثيرا في تلك الحملات وربح الوطن بداية طريق طويل لنضال ستقوده سلالة ذلك الرجل.
 
نزلت إلى الدنيا في حفرة عميقة، بطول رجل تقريبا، من امرأة فتية، قوية، ولدتني بسهولة ويسر لأن رحمها اعتاد على الانفتاح والانغلاق، أنجبت للدنيا احد عشر طفلا، لم يبق سواي، أولهم ولد في عام الوباء، مات بالتيفوئيد، هي قالت بالتيفوئيد لكن في ذلك العام لم يستطيعوا التفريق بين التيفوئيد والجدري، البقية ماتوا بالسل، حمى عنيفة مرعشة يصحبها ألم شديد في مفاصل الجسد وبروز الضلوع، جاءت هذه الحمى كما روت لي أمي بعد أعوام طويلة عندما لم يتبق من أبنائها غيري في إحدى ليالي الصيف الرائعة النسيم عندما استقر بنا المقام في جزيرة نائية وهادئة برفقة رجل قلما يوجد له شبيه.
 
قالت بعد الفضيحة الكبرى التي ارتكبها الإنجليز في مسقط رأسها:
 
- طبعا يا بنتي عليّ أن أحكي لك فضيحتهم التي لولاها لما أبيدت قبيلتي وكنت وحدي الناجية، لم يكن ذلك التاريخ بعيدا، خلّفتهم الهزيمة وحوشا تهيّجها رائحة الموت، يسعون بكل ما أوتوا من قوة للانتقام من أمير الشرق الذي ألحق الهزيمة بقواتهم، سمع أمير الشرق بنيتهم، أرسل السلاح لحماية النساء والأطفال في معسكر التاماي، معسكرنا يا بنتي، سار رجال الإنقاذ مسافة يومين متصلين تحت وطأة حر شديد وسلاح ثقيل، متخذين من التلال الرملية ساترا يسرعون مع العتمة في الخطى، متخذين أكثر الطرق خفية، وصلوا معسكر التاماي مع الفجر بوجوه عابسة، جباه تتصبب عرقا،أمعاء خاوية، أقدام حافية، إيمان صامد كالطود وعزيمة على حماية هؤلاء البائسين حتى آخر رجل فيهم، سمع الإنجليز المهزومون، قرروا الانتقام من أمير الشرق في النساء والأطفال، أخيرا وجدوا ضالة غضبهم – قالت أمي – قبل منتصف النهار بقليل هاجموا المعسكر بالمدافع والبنادق، كانوا يطلقون النار بقوة، قتلوا كل الرجال والأطفال، كنا نتراكض نحن النساء مجنونات بحماية الأطفال، انهال اللهب على الرؤوس كالمطر الحارق، كنا نحاول حماية أنفسنا بالاختباء خلف رواكيب القش التي بدأت تشتعل، التهمت النار المساكن وامتدت كلسان يلقف مسرعا، غطى الدخان فضاء المعسكر وصرنا لا نتنفس، امتدت الجثث على الجانبين، كنت خائفة، عاجزة عن الحركة.
صفحة 2
هذه الحادثة لم تكن أمي تستطيع حكايتها متصلة كما أقصها عليكم أنا الآن، حكتها لي على مراحل فقد كنت أشفق عليها فما إنْ تنتهي من سرد جزء قليل حتى يبهت لونها ويصفرّ، يشحب وجهها كأن روحا شريرة امتصت دماءه وتصعب حركة رجليها وأصابعها وتفيض عيناها بالدمع، هذه الحالة لا تصيبها إلا عندما تبدأ بحكي قصة إبادة قبيلتها، فيما عدا ذلك كانت أمي امرأة قوية وصلبة وقادرة على العمل بطاقة ثور وهذه الصفة بالذات ورثتها عنها.
 
لنعد لقصتنا، موت ودماء لم يتركوا أحدا، الوحوش وحدها يا بنتي تهتاج عندما تشتم رائحة الدماء، دمروا كل شيء. أنقذتني حفرة وجدتها أمامي بمدخل ضيق مموه لا يكاد يرى، دخلتها موقنة بموتي، جاءوا يقلبون الجثث ليجهزوا على ما تبقى فيها، إحد الجثث انقلبت على مدخل الحفرة، وهكذا نجوت، مر زمن لا نهائي، مشحونة كنت بالخوف والخشوع أتضرع فزعة للمولى القدير أن يمنحني الحياة، في كل لحظة أزدادُ تكرفسا والتحاما بالأرض، بعدها دخلت في غيبوبة أفقت منها مع العتمة، ثقل عظيم في جسدي، قدماي مشلولتان، خدر سرى فيهما، خرجت من تلك الحفرة بمعجزة زاحفةً. جثث متراصة بعضها فوق بعض. الخوف والظمأ دوخاني، دماء على كل شيء، رائحتها المخثرة مرعبة، أصوات الرصاص ما زالت ترن في أذني، واصلت زحفي حتى أحد أطراف المعسكر، بعدها لم أعدْ أحتمل دخلت مرة أخرى في غيبوبة. أفقت مع الشروق على يد قوية، كان رجلا لم أتبين لحظتها ملامحه، رفعني ببطء بعد أن رش على حلقي بعض الماء كنت عطشى جدا لكنه منع عني الماء، قليل فقط يكفي الآن هكذا قال:
 
- رأيت بطنك يعلو ويهبط.
 
بي جروح طفيفة ودماء جافة تغطي معظم أجزاء جسدي، رفعني على ناقته بعد أن نظفني:
 
- الإنجليز؟ قلت له بخوف قليل.
 
- ذهبوا بعيدا لا تخافي.
 
مضيت معه بصمت، العراء كان بلا صوت، هدوء مخيف، سار بي مسافة يومنا ذاك، وصلنا أهله المحشورين في مكان خفي لا يكاد يلمح، تزوجني وبقيت معهم إلى أن اضطرنا الفقر والجوع إلى الرحيل، كنا نقتات من ورق الشجر ونباتات الخلاء، تلك المعارك يا بنتي ابتلعت الكثير في بطنها، رجالا بلا حدود أرقام.
 
بقية إخوتي، ثمرة زواج أمي من زوجها ذاك، ماتوا بالسل نتيجة سوء التغذية، كنت آخر ولاداتها عشت بأعجوبة، اجتهدت أمي أن ترضعني من ثدي ماعز عجوز مباشرة وتمسح جلدي برغوة لبنها، أيضا علقت على صدرها تعويذة – قديما كان الناس يعتقدون بهذه الأمور – أخبرتني أن أحدهم أوصاها بأن تضع حول عنقها سلسلة يتدلى منها صندوق صغير مخبوء به عقرب نافقة وذلك لضمان حياة المولود بعد الولادة، لكن ما أظنني عشت بسبب العقرب بل لأن المولى أراد لي ذلك . سمتني نور القمر عكس رغبات نساء القبيلة فقد كن يعتقدن خطأ أن الاسم القبيح قد يجعلني أعيش حياة أطول، رفضت أمي اقتراح اسم شعيليبة، مفضلة اسم نور القمر فقد جئت ليلا مع اكتمال القمر.
صفحة 3
أبي كان مسؤولاً عن قبيلته كلها، هو أيضا خرج منهكا من تلك الحروب . وعندما كانت تلك المرأة الحنون تضمني إليها في كل لحظة كان من أتي بها غائبا، ساعيا في دروب الله طلبا للرزق، كانت هي عالمي.
 
القصة بدأت عندما خرجت أسرة أبي كلها عصر أحد أيام شتاء قارس، كان ذلك حسب ما ذكرت أمي بعد خمسة أعوام من موت القائد العظيم الذي ألحق الهزيمة بالجيوش البريطانية. سرنا في مجموعات، البرد يرجّف أطرافي النحيفة، كنا حوالي عشرين امرأة، سرنا مسافات طويلة في خلاء بلا نهاية أو هكذا بدا لي، تصر تلك المرأة الحنون على حملي.
 
وأنا أحكى الآن قصتي اعتقد أن عطف أمي الزائد كان لفقدها كل إخوتي، تملك قدرا مدهشا من الحنان الذي لم ينفد طيلة بقائنا معا، لم نكن نملك الكثير من الطعام لكنها كانت تصنع طعاما من العدم حتى لا أجوع، من لحاء الشجر، الدقيق المجفف، عظام الأرانب البرية وبعض ثمار الخلاء المرة، من جلد حيوان ميت صنعت لي حذاء، كانت تتحرك كفهد وتعمل بطاقة مدت إليها مباشرة من السماء، تحملت عبء الرحلة الأعظم.
 
اتخذنا أكثر الطرق خفية حتى لا نقع في أيدي الإنجليز فيعيدوننا إلى حيث كنا، كل من قرر الالتحاق بابن ذلك القائد ترصده الإنجليز وكان نصيبه إما الأسر أو إعادته من حيث أتى.
 
أظن أنني كنت في الثانية من عمري، أمضي معهم ناقمة ساخطة، لكن لولا هذه الرحلة بالذات لما صرت كما أنا الآن بذلك الزخم الكثيف من الأحداث والذكريات. للحياة مناحي كثيرة وطرق بعضها يكون حاسما في حياة الشعوب والأفراد. قرار الهجرة للحاق بابن ذلك القائد صاحب أصدق دعوة لتحرير شعبه – كما سأحكي لاحقا – كان منعطفا هاما في حياتي.
 
وصلنا جزيرة الفيل، كانوا أكثر بؤسا وفقرا منا، لكنهم فرحوا بنا، وكان من قطعنا الخلاء لأجل اللحاق به طفلا في الثالثة عشرة من عمره . لكن مهلا يبدو أن شكله الضئيل ذاك مخادع، لم أحتجْ للكثير من الوقت لاكتشف أن الطفل ذاك هو سيد قومه بما يحمل من علم وورع وتقى وأدب جم،كأنه ولد به، سكنا قربه وزرعنا مع قومه، الكل ملتحمين بالأرض يكدحون، لا أحد يجلس ساكنا، كنت أنظف مع أمي الحقل من الحشائش عديمة الفائدة التي تتطفل على زرعنا، أمي مع بقية النساء يدفنَّ البذور ويعتنين بها، يحفرن الجداول لضمان وصول الماء، صرنا نزداد في كل يوم حبا للعمل، ارتبطنا بالأرض كفلاحين نعمل طيلة النهار إلى أن تبدأ الشمس في الاختفاء .
 
كان السيد الصغير – سألقبه بهذا الاسم إلى أن يزداد طولا – قلت كان السيد الصغير يختفي أياما، علمت بعدها أنه كان يذهب لتلقي دروسٍ في الفقه وعلوم الدين في مكان بعيد . من المؤسف أنني علمت بذلك متأخرة لأنَّ تعلمي المبكر للكتابة والقراءة كان سيوفر عليّ ما أبذله الآن من جهد لتذكر التفاصيل البعيدة لأنّني حتماً ودون شكّ كنت سأدون حتى التافه من الأمور لأنني أحببت الكتابة فور تعلمي لها.
صفحة 4
عشنا أعواما في جزيرة الفيل مع السيد الصغير المسؤول عن كل شيء في الجزيرة، يعمل أكثر من الجميع، يحوم حوالينا كطائر الرحمة، يطمئن إلى أكلنا، يبذل جهدا خرافيا ليوفر للجميع كرانك صغيرة تقينا برد الشتاء وحر الصيف، كنا نعيش متحدين بالمودة.
 
خلال الأعوام التي عشتها في جزيرة الفيل تعلمت الكثير من الأشياء وتخلصت نهائيا من السخط الذي رافقني فترة غير قصيرة، أحببت العمل في مجموعات وأيضا أحببت السيد الصغير.
 
جاءنا سيدي الصغير في أحد الأيام بخبر أننا قد نهاجر إلى مكان آخر، قال أنه استطاع إقناع الحكومة بمنحنا له، لكن الحكومة الإنجليزية لم تمنحه تلك الأرض إلا بعد أن تبيّنت عدم صلاحيتها للزراعة. عندما رأيت المكان علمت أنَّ الحكومة لم تكن محقة تماما فيما ذهبت إليه أو أنها أخذت عينة تربة من أرض أخرى وصدقت فيما ذهبت إليه. سيدي الصغير قال لأمي: هذا المكان بالذات له ركن خاص في قلبي لقد ارتبط أجدادي به .
 
انطلقنا فجرا سرنا بمحاذاة النيل الأبيض في رهط طويل يتقدمنا السيد الصغير وبعض شيوخ وأمه، هذه المرأة كانت دعما قوياً لسيدي ومكانَ مشورة قد أحكي عن كل هؤلاء في كتاب آخر، لكن هذه السيرة لا تحتمل، لنعد لرحلتنا، سرنا بخطوات سلحفاة حاملين القليل من المتاع والذي لا بدَّ منه للبقاء، حرصت في تلك الرحلة على السير خلف السيد الصغير، محاولة تقليد خطواته، لفتاته، كلامه، أردّد ما يقول بقلبي اليقظ لالتقاط كل ما يصدر منه، عيناي نادرا ما تفارقه، يشدّني إليهما بريق غريب عرفت فيما بعد أنه بريق ورع وحكمة، كان يقول بين حين وآخر:
 
- يجب ألا نسرع الخطى، قد لا يحتمل الأطفال عناء خطواتنا المسرعة، ليسير الأطفال في ظلّنا يجب ألا يكونوا في المقدمة ولا المؤخرة لا نريد أن يهلك أحد منهم.
 
كنا نسير صامتين ندّخر كل طاقة لدينا لبذلها في أرجلنا فقط، نتتبّع خطوات بعضنا بعضا، غذاؤنا الذرة والسمك الذي كان سيدي الصغير يصطاد لنا الكثير منه.
 
كانت الجزيرة موحشة لا يسكنها إلا بعض صائدي الأسماك، مكانا منعزلا عن الكل يصلح صومعة راهب،مكان وحدة وعبادة، قصد القائد قاهر الإنجليز هذا المكان لأنه كان مولعاً بالوحدة ومناجاة ربّه والقراءة.
 
المكان مليء بالحشائش والأشجار المسكونة بأنواع الطير المختلفة. مكان غريب بالنسبة لنا بغزارة أشجاره ومياهه الجارية المحيطة به والأصوات الغريبة التي تغزو أذنك ليلا. مكان بهي بالنسبة لنا نحن الكادحين المغبرين بتراب الطريق.
صفحة 5
في البدء خفت كثيرا لظني أن هذا المكان سيبتلعنا مع ذهاب الضوء، أزدادُ التصاقا بأمي ليلا مستلقية على بطني بنوم متقطع وأنفاس غير منتظمة، رغم أننا كنا ننام في مجموعات قريبة من بعضها، في الصباح قال سيدي:
 
- هذه الأراضي ليست ملكا لأحد من يعمر يأخذ ويمتلك.
 
بمرور الأيام تقلص خوفي بفضل عناية أمي والبقية، قالت لي أمي ونحن جلوسٌ تحت جهدها الذي أثمر:
 
- يا بنتي المصائب توحد الكل ونحن اتحدنا جميعا وواجهنا الصعاب.
 
عمل الجميع بجهود عظيمة لاستصلاح الأراضي وقطع الأشجار، والتخلص من الطفيلي منها، واستحداث أحواض لاختبار نمو بذور جديدة وإنشاء مجاري للمياه العذبة، هكذا بدأ التعمير.
 
جمع سيدي الصغير الكل وتحدث طويلا عن أهمية العمل في جماعات، أندهش كيف يأتيه الكلام تباعا، وبذات القوة والحماسة استمر تشجيعه لنا قال:
 
- تأسيس جزيرة كهذه يحتاج لنا جميعا.
 
عمل الرجال على قلتهم بجهد خرافي مستمدين طاقتهم من حبهم لوالد سيدي الصغير، بعضهم خاض مع ذلك القائد المعارك والبقية من أصلاب الراحلين شهداء، كان سيدي الصغير ينظر إلى الأرض بودّ حدّ أنني كنت ألمح بعض اللمعان بعينيه، هيئته تلك ظلت راسخة في أعماقي زمننا طويلا دون أن أنتبه لها إلا عندما بدأت أفكر في كتابة سيرتي هذه.
 
به شيء من وقار السلاطين ورصانة الحكماء، تميز بحسن الكلام وإتقان الصمت.
 
أقمنا مساكنَ صغيرة بلا سور من الطين والقش مستعينين بخيوط طويلة لتقسيم المساكن وتخطيطها وتحديد الشوارع حتى تكون واضحة المعالم ولا تفضي إلى متاهات، بنوا جامعا صغيرا للصلاة والشورى، كانت شئون الجزيرة تدار من ذاك الجامع، الكثير من العمل كان بانتظار الجميع، الاستقرار بمكان ما يتطلب الكثير خاصة لجديدي عهد به مثلنا.
 
تحمل سيدي الصغير العبء الأعظم من تخطيط بيوت إلى تعليم الأيدي التي لم تكن تعرف غير السيوف وكيفية استعمال المالطة لقطع الأشجار والنبرو لإعدام الحشائش، الآخرون كانوا يعملون في بناء مساكن، المالطات تعمل طيلة النهار والجزء الأكبر من الليل، السيد الصغير كان يقول لا تقطع الأشجار إلا لضرورة كهذه.
صفحة 6
أمي تعمل مع البقية، يجمعن الأشجار المقطوعة بعد تنظيفها وربطها في حزم لتخزينها، رائحتها تعبق الجو وتحفز الجميع للعمل، إحساس الاستقرار أسعد الكل.
 
بدأت أمي في ممارسة هوايتها التي انقطعت عنها زمنا طويلا، أحضر لها سيدي بعض الأقمشة الرخيصة الثمن – لأننا لم نكن نملك مالاً يكفي – خاطت ملابس لكل أطفال الجزيرة ومن جلود الماعز المذبوحة صنعت أحذية.
 
رعينا الماشية وبنينا أقفاص دجاج لتأمين الغذاء للجميع وكنا نطحن الذرة بانتظام، بذل الجميع جهودا عظيمة لتأسيس الجزيرة، أنا أيضا كنت أعمل بلا كلل، لم أفقد المقدرة يوما على اختراع مشاريع صغيرة يأخذ تنفيذها عدة أيام، كنظافة الممرات التي تفصل الكرانك عن بعضها أو زراعة أحواض إضافية من البرسيم كنت أسعد كثيرا لخدمة الآخرين، كنت أرى في الابتسامة التي أحظى بها عقب كل معروف أقدمه لأحد سعادة تزيدني طولا ذلك كان يسعد أمي المتواطئة سراً مع التقليد القائل أن المرأة وجدت لتعمل.
 
وضع سيدي نظاما تكافليا تعاونيا، جعل جميع سكان الجزيرة يعيشون كأسرة واحدة، ألّف بين قلوبهم، كان يقول:
 
- أنا لم أفعل الكثير فقط نظمت العلاقات بيننا والأرض.
 
لم يشعرنا يوما أننا نعمل تبعا لما يأمر. نستيقظ وحدنا مع الفجر، بعد أداء الصلاة ومع ظهور أول خيط ضوء يذهب كل إلى عمله، كنت أسقي الدجاج مع أمي ثم ننظف أحواض الخضار، تكون بعد ذلك جلبة إعداد الطعام قد بدأت، أجلس في الظل أراقب مهارة الأيدي في نظافة الذرة والعيش الأبيض وطحنهما ومن ثم عجن العيش الأبيض بعد تخميره على النار حتى يصير عجينة متماسكة تسمى عصيدة وهى الوجبة المفضلة لدى الجميع لسهولة الحصول على مقوماتها، كذلك سهولة صناعتها؛ مع ذلك لم تكن الغذاء الوحيد، كان الطعام يصنع مرة واحدة في اليوم حتى لا نستهلك الحطب، لكن سيدي كان يعطف علينا نحن الأطفال ويقول يجب أن نطعم حالما نجوع . عصرا كنت أذهب مع أمي لمساعدتها في الخياطة وقد علمتني بصبر حمار كيف أمسك الإبرة وأخيط بها.
 
- تعلُّم صنعة لن يضر البتّة.
 
علمتني كيف أنظف حبات البن والذرة وأطحن العيش وأراقب الفرن وأطعم الدجاج وأميز المريضة منها ومن ثم أعزلها، من كل شيء قليل مما أهّلني لتحقيق طموح كان سيقتلني إن لم أوظفه بدقة ودراية،ما تعلمته منها جعلني ماهرة في الخياطة وصناعة الطعام وبالتالي صرت ذواقة للأكل، كأنها كانت تعلم، دربتني على حياة كانت تنتظرني في مكان ما. وما كتبت هذه المذكرات إلا لسردها.
صفحة 7
الجزيرة كلها كانت على مستوي اقتصادي واحد، إذ لا أهمية للركض خلف جمع المال كما الآن، فلا لهفة مال ولا خوف فقر، الكل سعداء بالكفاف ولا برهان على ذلك إلا حياة المودة التي أذكرها بوضوح.
 
كان نظاما طبقيا مدهشا، رغم نشأتي بمجتمع ذي طموح خجول إلا أنني لم أكن كذلك، وحدي الثائرة الباحثة في الخفايا لي أحلام يقظة ورغبة في خوض مياه النيل لبلوغ الضفة الأخرى لأذهب حيث سفر سيدي، لكن ذلك بالطبع لم يكن يعني أنني لا أحمل صفات المرأة المحتشمة، دربتني أمي على السلوك القويم بصرامة، كما علمتني الاحتشام في ملابسي وكلامي، إلى الآن أنا كذلك، عموما مهما بلغ بي حد التمرد فإنَّ معظمه كان حلماً في قلبي لأنَّ الاعتدال في السلوك كان أساسيا في جزيرتنا، اجتهدت أن تعلمني كيف أكون أمّاً صالحة – أظن أن عينيها ستضيقان غضبا إن علمت أن جهدها لم يثمر عن أحفاد، لكني كنت مدبرة منزل ماهرة بشهادة سيدي والجميع.
 
** ** **
 
حطّ الظلام على قلبي كرداء ساتر لدموعي وأنا أكتب هذه المذكرات، الحنين لا يتركني هادئة أبدا، يضغط على ذاكرتي، ينوح داخلي كما الإعصار، يبكي أناسا كانوا سنادا ومعينا لمسيرتي، كل أحببته على طريقته، أخاف بداية تدوين حياتي وأنا مثقلة هكذا بالحزن،أغرق في مستنقعه دون أمل. مشاوير طويلة قطعتها مع سيدي ذلك الرجل الذي اعتبره الكل استثنائيا، ولولاه لما كنت كما أنا الآن، بزخم أحداث ثريّة، وبقدر جيد من التعليم ودراية بعلم طب الأعشاب، أمور كثيرة لا بدّ من الحديث عنها والحكي، لكن الحنين يمنع عني التحري والدقة، يشوش على ذاكرتي خاصة أن كل الذين عبروا حياتي وأقاموا فيها زمنا رحلوا، أمي، عم نورين، مصلح وسيدي الإمام عبد الرحيم الذي كان أكثرهم استيطاناً فيّ، وبفضل ما تركه لي من أرث مدون في وصيته صرت ثرية وأعيش كما الأمراء وأنا على خريف.
 
في إحدى المرات أخبرني:
 
- لن أتركك يا نور القمر وسأعمل جاهدا لتنفيذ وصية أمك وأكفلك إلى آخر يوم في حياتي.
 
لكنه كفلني ميتا أيضا.
 
أنا موقنة أن روحه الفاضلة تحلق فوقي لتحميني من شرّ قد يتربص شيخوختي، روحه دوما قربي حية لأعيش ما تبقى من عمر بسلام.
صفحة 8
لم يكن سيدي رجلاً، كان شعبا ووطنا للجميع بما تحمله نفسه وروحه، زرع في قلوب سكان الجزيرة الود والمحبة واستأصل بقعة الشر من قلوبهم واحداً تلو الآخر، كنا في كنفه نبني حياة استثنائية عندما وقعت حادثة عظيمة من الصعب إغفالها، دخل الإنجليز الذين يحكموننا ويتربصون سيدي خامدين أي شعلة لإحياء ذكرى والده القائد أو حتى الخوض في حديث عن دعوته تلك التي هزت عرشهم.
 
دخلوا في حرب شملت كل الدنيا ضد ألمانيا وحلفائها - ذلك هو بالضبط ما أخبرنا به سيدي وقتها – قال الحاكم العام أعلن ضرورة سندنا لهم مع دولة أخرى قريبة أظن أنها مصر، هذه الحرب غيرت كثيرا من تعامل الإنجليز مع سيدي وأتباعه وطبعا لا بد من الإشارة لسبب هذا التغير فهو حتما لم يأت من فراغ ولا بد أن يحتملني القارئ هنا لأنَّ ما سأسرده يعود لتاريخ بعيد.
 
دخلت تركيا الحرب العظيمة تلك إلى جانب ألمانيا، ما شكل خطرا سياسيا كبيرا لدولة حكومتنا، دخول تركيا وهي دولة مسلمة يعني الدعوة الواضحة لكل الدول المسلمة للانضمام أيضا يعني ضرورة استجابة الخليفة العثماني للجهاد المقدس، لكن الدولة العثمانية في ذلك الوقت كانت تنوء من وزر الدسائس وحياة المجون التي يعيشها بعض أولي الأمر منها، ما دعا الحاكم العام لبلدي إلى حتمية الطواف على أقاليم البلاد المختلفة داعيا لتأييد سياسة بلاده وموضحا أن تركيا لم تدخل الحرب دفاعا عن الإسلام والمسلمين وإنما تبعية لألمانيا، ذلك هو ما جعل الحاكم العام يتسامح قليلا مع سيدي، شيء آخر لعبت الصدفة فيه دورا غريبا – هذه الأمور لم يكن سيدي يشغلنا بها لكنه كان يتدارسها مع المقربين من شئون السياسة، وكنت أنا كالعادة أحرص على خدمته لأكون قربه، أجلس ساعات دون حراك.
 
في تلك الأيام وقبل وقوع الحرب قالوا أن الحكومة الإنجليزية أمسكت بأحد أتباع رجل ثريّ كان يناصب سيدي العداء الواضح يحمل خطابا يناصر فيه ألمانيا وتركيا ويحث الآخرين على مناصرتهما.
 
بالنسبة لنا نحن البسطاء البعيدين عن كل ذلك أثرت الحرب فينا عند وقوعها بطرق غير مباشرة، إذ إنَّها أدت إلى قطع المواصلات التجارية فانقطع تبعا لذلك ورود الفحم الحجري القادم من أوروبا البعيدة، لذا استنفر سيدي الجميع لقطع الأخشاب من غابات الجزيرة والتي كان لدينا الكثير منها، لأنَّ الحكومة احتاجت للوقود ولم تكن تملك إلا اللجوء لسيدي لسد حاجتها الملحة، هذه الصفقة درت على جميع العاملين ربحا عظيما، كانت المراكب تعبر النيل محملة بالخشب، ومن ثم تنقله اللواري للخرطوم، أعطى سيدي كل حقه وأخذ نصيبه الذي كان وافرا. لم يكدر صفو احتفالاتنا تلك إلا مرض أمي والذي استعصى علاجه، كانت تعاني آلاما رهيبة في بطنها، توقفت عن الأكل إلى أن هزل جسدها، غارت عيناها وأصابها إسهال بلون الفحم بعد ذلك أصبحت تخرج من بطنها دما عن طريق الفم. توفيت بعد شهرين فقط من ظهور هذه الأعراض بهدوء ومبتسمة، لكم أحببتها وسأحبها دائما، عاشت حياة مرهقة متعبة، حياة فقر، وغياب زوج معظم شهور العام وسط أبناء هم على الدوام مرضى، ودّعتهم جميعا وحدها، دفنتهم بصمت وإيمان . تحدت الفقر بصنع طعام من كل ما تقع عيناها عليه، موتها كان كارثة بالنسبة لي، بكيتها بصمت كما علمتني،الكوارث العظام أحيانا لا ينفع معها العويل، صمتي كان عميقا عمق حزني، تغلبت عليه بتحمل المزيد من الأعباء التي لم يكلفني بها أحد، كنت في الحادية عشرة تقريبا أو العاشرة لا أدري بالضبط، لكنها كانت سنة وقوع الحرب العظيمة، لذا أنا أتخذها مرجعا لتاريخ ميلادي، على العموم اخترت أن أكون في العاشرة العمر الأقل، هذه عادة نسائية.
صفحة 9
عندما يكون الشخص منّا صغيرا في عمره يستعجل الزمن أحيانا ليصير صاحب عمر وتجربة، وأنا كنت أسعى لأن أصبح امرأة ناضجة، من المضحك أن المرأة عندما تكون في عمري الآن أي في العقد الثامن فإنها تتمنى لو أنها كانت أصغر قليلا.
 
سنين طوالا أمضيناها على الجزيرة تلك، حفظت خريطة شوارعها عن ظهر قلب، أعرف معظم سكانها، أتجول عادة في الوقت الذي يسبق الغروب بقليل، أزور البيوت، ألاعب الأطفال، أمازح الشيوخ، كانوا يتقبلونني بطيبة نفس متناهية لاعتقادهم بأني قوية، تحملت فراق أمي وأنا في عمر مبكر، صلبة أحتمل المصائب بظهر من حديد، لم أنطو على ذاتي بعد موت أمي أيضا لم أبالغ في الحداد كما ظن الجميع فقد كنت لصيقة جدا بها، حقا كانت أمي قدوتي فهي امرأة صالحة زاهدة في الدنيا، حكيمة، كنت طوال اليوم أتحرك كنحلة ولا أسكن لنفسي أبدا حتى لا تهتاج دموعي، أساعد الجميع دون طلب منهم، يكفي أن أرى امرأة تطحن دقيقا حتى أهرع إليها، أجلب لها الماء نصنع معا عجينة الخبز، أجلس أمام الفرن – كان سيدي قد بنى لنا عدة أفران من الطين بارتفاع قليل عن سطح الأرض وسقف يشبه نبتة عش الغراب – ندخل فيها عجينة الخبز المقطع إلى أجزاء دائرية صغيرة لنخرجه بعد دقائق بلون ذهبي ورائحة مميزة، بعض الرجال لا يترددون في التهامه فور خروجه من الفرن وبسخونته تلك، أيضا أتقنت صناعة الخبز المعجون بالكمون ذي الرائحة النفاذة، كنت أخترع وجبات غذائية بمواد محلية غاية في البساطة كصناعة فطيرة محشوة بالبصل والطماطم وطهو الأرز بشوربة اللحم، وقد كان لدينا دوما فائض أرز، أيضا كنت أخيط مرايل للأطفال حديثي الولادة وأرقع البالي من ثياب النساء حتى أمد من عمرها قليلا، كنا لا نستغني عن البالي بسهولة، ولا أدري أكان ذاك لفقرنا أم لحساسيتنا الزائدة في الاحتفاظ بالمقتنيات القديمة، كنت أنوّع في البهار المضاف لشاي صباح سيدي أحيانا الهبهان أو القرفة أو النعناع أو الحلبة، وكان يبتسم كلما تذوق طعمه ووجده مختلفا نوعا ما، بصري دوما يترقبه أينما ذهب، سمعي يلتقط كل نداء منه، شديدة اللهفة لحفظ كل ما يقول وتعلمه، أردّد عباراته، أحفظ جمله، الفضول النهم الذي رافقني لم يتركني أبدا بسلام، لقد حقق هذا الرجل ما أراد بتروٍّ وحذر، أحسن تقدير نفوس أعوانه ووظف طاقاتنا البشرية دون هدر رغم أن الجميع كانوا على استعداد للعمل ليل نهار فقط إن أمر سيدي، لكن سيدي لم يكن يأمر البتة، سيدي كان صبورا يقول لكل شيء أوان، حكيما، شجاعا، وهذه الصفات رافقته حتى القبر، يشرف على كل كائنات الجزيرة الحية ابتداء بالمواشي والخيول مرورا بأقفاص الدجاج إلى متابعة أحواض الزراعة وحقول القطن والقمح، كل ذلك يتفحصه بدقة، انتهاء بنا، يحرص على متابعة شئوننا وقضاء حاجتنا، كان يهتم جدا بالقراءة ومتابعة أخبار العالم والحرب البعيدة وكتب القانون.
صفحة 10
- أدرس كل ذلك حتى لا أترك لأعدائي ظهري مكشوفا.
 
سمعته مرة يقول ذلك لأمه.
 
في تلك الفترة كنت أتفتح كزهرة عباد الشمس، لبشرتي لون اللبن الرائب، عيناي لهما لون العسل، أتمدد إلى الأعلى كنخلة،نحيفة، ولي جمال مستتر لا يلحظ إلا بعد حين، أعمل كثور وآكل كطفل، سيدي كان يمازحني:
 
- تشبهين النخلة لكن بصفات صقر.
 
أحيانا يقول لي:
 
- جمالك الخفي هذا سيرافقك حتى القبر.
 
- هل تظنني سأموت فتية محتفظة بصلابة عظمي؟
 
- بل ستعمرين، حدسي يقول ذلك لكن جلدك لن يكرمش لأنك لا تأكلين مثلهم وتعملين كحجر رحى.
 
كنت في غذائي أقلده، أتناول ما يكفى لأعمل، ودائما إما خضارا حيا ولبناً وقطعة لحم صغيرة أو سمكٍ، وأشرب مغلي القرفة والزنجبيل، لا آكل حتى أشبع ولا أنام حتى طلوع الشمس ولم أجهد قلبي طيلة السبعين عاما التي عشتها بزوج يتعبني بتقلباته الموسمية، اكتفيت طوال حياتي بحب ملأ عليّ جنباتي، طبعا لست في حاجة لأن أقول إنّه لا أبناء لدى رغم امتلاء بيتي بالمقيمين والذين يخافون عليّ من الشيخوخة والموت، متعفنة دون أن يلحظني أحد.
 
يا لله على هذه الذاكرة تبقّى الكثير الكثير لم أروه بعد، أحيانا أعينها على السرد بالحكي المسموع، يهرعون إليَّ خائفين من تغلب الشيخوخة بالخرف دون أن يعلموا أن سيدي تنبأ لي بالحياة السليمة والقلب القوي حتى الممات، لكن من أين لهم أن يعرفوا تنبؤات سيدي، فهم جميعا لم يروه بقلوبهم كما رأيته أنا، أنا وحدي رأيت سيدي بقلبي حتى أبنائه وزوجته، لم يعرفوه كما عرفته . هذا الرجل الذي أهدى حياته للآخرين والعمل، لم يهدأ طيلة حياته أو يركن لراحة، دفع بكل سنواته لمشقة العمل، رأيته حزينا حد الدمع محبا لشعبه حد وجع العظام، وحدي رأيته بقلبي وكنت أحس دائما أنه يخصني وحدي.
 
مدينة أخرى سكنت قلب سيدي، أمدرمان، بعد أن ربح سيدي الكثير من عمليات بيع الخشب تلك، سافر إليها ليشتري منزلا هناك . عاد منها بصحبة رجل يعود نسبه إلى أسرة السلطان ود الفضل له من سماحة النفس وطيبتها ما يغريك بصحبته، أسرة السلطان ود الفضل هي ذات السلالة التي تنحدر منها أم سيدي – والتي قد أحكي عنها لاحقا لعظمة المكانة التي شغلتها في حياة سيدي -، ذاك الرجل كان بلحية بيضاء مصبوغة بالحناء وشعر أجعد كثيف ووجه به الكثير من الندوب وعينين ضيقتين بلون الليل، صرنا رغم فارق السن الهائل صديقين على الفور، فقد كنت أخدمه، له من خبرة الحياة وتجاربها ما يكفي لأن يكون على دراية بالمداواة بالأعشاب البرية، مهرت يداه في مداواة ملدوغي العقارب والثعابين، وقد كانوا كثراً، وتجبير كسور العظام بطريقة غريبة، كان يذبح دجاجة ويشق بطنها وقبل أن تزول حرارة جسدها يدخل الموضع المصاب داخل بطنها بحذر ومن ثم تجميع شقي البطن وخياطتها، أيضا كان ماهرا في التجبير بالتلمس، علمني الكثير في مسيرتنا القصيرة تلك، أحيانا أساعده في توليد الأبقار المتعسرة . نجلس مساء للسمر في جماعات على ضوء القمر، أجلس على مقربة منه أستمع إلى قصصه الغريبة ونوادر رجال عاش معهم بأراض بعيدة، أستيقظ فجرا أذهب إلى حيث يكون ليحدثني وحدي عن الحياة.