eKtab
EN ع
نساء على المفارق
اقرأ عينة مجانية

نساء على المفارق

بقلم ليلى الأطرش

صفحة 1
مقدمة
 
على مفارقِ الطرق أشباحٌ هائمة
 
لنساءٍ من ريح
 
تتراقَصُ ظلالٌ في الأمكنة
 
تحْتَلُّ روحٌ دروبا لم تكن لها
 
تصيران واحداً
 
مثلَ حواءَ والجنّةْ
 
روحٌ صالحة أو متمردة
 
صاخبةٌ أو هادئة
 
هي امرأةٌ للأمس
 
ولحاضرٍ وغدٍ لم يأت
 
إذ تروي شهرزاد
 
قصصا وحكايات
 
عن عالمٍ صارَ امرأة
 
وروحٍ غريبةٍ هائمة
 
وقّعت صكَّ احتلالِ المكان والذاكرة
 
مَلَكَتْ زمانَه والطريق
 
ونبضَ الذكرى
صفحة 2
شكر
 
تحتفظ بما تعرف، وتعتقد أن تجاربك لك وحدك، وأنها لن تهم سواك، حتى يطالبك بها غيرك·
 
صوت يؤمن أن في ذاكرتك ما قد يختلف، يفجّر فيك رغبة الاستعادة والبوح، ويقنعك أن ما في عمرك قد يعني آخرين·
 
يهتف بك صوت من لم تلتق، يحرضك أن تنبش ذاتك، ويلح أن توقظ لحظات التصادم مع بشر وأمكنة، حين فردت لك الحياة شراع الترحال والتماسّ، فتصير شاعر ربابة على درب·
 
إلى
 
كل من اعتقد أن في تجربتي ما يستحق الوقوف
 
إلى كل من طالبني أن أروي- فاقتنعت
 
وإلى كل هذه الأسماء الحقيقية في تطواف الذاكرة
 
لهم شكري الجزيل
صفحة 3
الماسة السوداء
 
التقيت مريم عبد الدايم في مدينة الجسور، بتسبرغ الأمريكية خريف 2008· مدينة يقطع سكانها ألفا وسبعمائة جسر إذا خرجوا منها و720 إذا تجولوا فيها·
 
عينا مريم حجرا زفير إفريقي حملتهما موجتان إلى شاطئ غريب، وجلدها تبر يلتمع في تربة خصبة بكر إذ تلفحها أشعة الشمس·
 
شعرها قلائد من مئات الجدائل الرفيعة ضفرتها أمها على شرفة تطل على المحيط الأطلسي·· تحت خاصرة ذلك الجزء الغربي من القارة السمراء تطل على الأطلسي، وقبل أن تضيق وتنكمش في خليج يبدأ عنده نصفها الجنوبي··· تحدِّد مئات من الجدائل الرفيعة وجه شابة إفريقية، امتزجت فيها دقة ملامح أهل الشرق من القارة السمراء، الصومال وإثيوبيا، مع اللون الداكن للقبائل الزنجية في وسطها··
 
تجمع مريم تاج ضفائرها في دبوسين من مرجان بلون ثغرها الواسع، قوامها رمح لم تستطع أرض إفريقيا أن تحجز انطلاقه، فمضى سادرا خارج الحدود يبحث عن ذات يحققها·
 
كانت نصائح الوالدة تنعقد مع نهاية كل ضفيرة·· تربطها بخشية الأم من مجتمع غريب، لا تشبه قيمه ما تربت عليه مريم·· وتعرف أن فضاء المياه اللامتناهي سيحمل صغيرة كبرت، من حضنها ورعايتها إلى عالم بعيد مشوب بالخوف وخشية القادم باختلافه ديانة وفكرا وحرية شخصية··
 
ساحل الكاميرون بلاد ممتدة، اختلطت فيه الأجناس والمذاهب، وخبرت فيه مريم طفلة امتزاج العرق واللون وتعدد الديانات، كبرت بين عمال وتجار وأصدقاء جمعتهم أملاك جدها من الغابات الكثيفة· فالجد نقيب تجار الخشب في الكاميرون، وأكبرهم سنا وثروة، فشبَّت مريم تركيبة فريدة من الاعتدال وقبول الآخر·· ربّتها خادمة مسلمة بيضاء، وتعلمت في مدارس تبشيرية مسيحية مختلطة، وصادقت طفلة أترابا بيضا وسودا يسكنون في بيوت العمال، وزاملت طلابا مسلمين ومسيحيين ويهودا ومن ملل أخرى دون أن تعي الفروق·· وعلى مائدة جدها عُقدت صفقات الأخشاب بلغات غريبة ورجال من أصقاع بعيدة، وكبرت وتعلمت بينما أشجار الأبنوس والتيك في تلك المزارع تتحدى قطعها بنمو لا يتوقف·
 
صحبتني مريم وثلاث من زميلاتها في جولة إلى المدينة بعد انتهاء المؤتمر، وكان لا بد من تجربة الإنكلين (Duquence Incline)، حيث جادة غراند فيو أفنيو أو المنظر الأوسع·· ونستقل قطارا صغيرا يتسلق جبل واشنطن الشاهق·
 
يشهق زائر بتسبرغ حين يتوقف القطار عند القمة، ويدرك لماذا خرَّ السكان الأصليون سجودا لقدرة الخلق يوم تكحلت عيونهم بما رأوه أول مرة، تمثلوا الروح العظيمة تختار المكان الأجمل في طبيعتهم البكر لتسكنه، فغنوا للأرض أشعارهم، ومن قوتها استمدوا وصاياهم العشرة، عن الروح والإنسان والخير، وعن ماء وسماء وخضرة لا متناهية تحيط أنهارا ثلاثة·· مونونغاهيلا Monongahela وألليغهاني Alleghany وأوهايو Ohio اختارت أن تلتقي وتتحد في نقطة واحدة·
 
دنَّس المستوطنون طبيعة عذراء فقاومتهم، وردت عدوانهم بأن فتكت بهم، وحين خففوا بأسهم عليها بدأت تستعيد أَلَقَها، وتُجدّد شبابها في غزارة الأمطار وخصب ترابها·· خضرة تقاوم اقتحام البناء والجسور فتُهْزَم· وتظل تحنو وتحتضن ضفتي الماء بخضرة كثيفة·
 
وحده جبل واشنطن ظل شامخا متحديا، وشاهدا على روعة الخلق·· وقف انحداره الشديد مانعا ضد اقتحامه·· فقط سمح لخط القطار الضيق أن يخترق ثناياه، ليشهد كل من يستقله على ما كان يوما مدى آسرا، فريدا لا يشبه مكانا آخر·
 
ما زالت تلك الإطلالة ساحرة، منظر سجدت له قبائل السكان الأولين، أذهلهم ما رأوه فتوصلت فطرتهم إلى آلهة تستطيع خلق هذا الجمال، تمثلوها في الطبيعة وقوتها، الأرض والماء والريح العاتية· صلّوا لها حين تجمح أو تهدأ، ثم جاء الفرنسيون على قوارب تحمل طمعهم وتحارب على حصتها من عالم جديد· هو الجمال البكر الذي عهَّره القادمون حين أنهكوا أرضها ولوثوها برغبة الاشتهاء والثروة والاغتصاب ونهم لا يرتوي، رأوا في حمرة تراب قدَّسه الأولون حديدا، وفي لمعان ظنه الهنود الحمر انبثاق النور من طبيعة متقلبة مجرد فولاذ وصناعة وثروة، تصادم المقدس والدنيوي·· هزمت واندحرت قصائد تقدس حمرة الأرض وتتغنى بلمعان شعرها·
 
امتهن الباحثون عن الثروة هدوء المكان وجلال الصمت، بنوا مدينة بتسبرغ ثم جعلوها فاسقة بشهواتهم، قذرة بإفرازاتهم، فشاخت وتلوثت·
صفحة 4
ويوم زرتها كانت تغتسل من خطاياها، تتطهر من دنسها بتوبة صدوقة·
 
لم تعد بتسبرغ مدينة التلوث والسواد، بل تائبة تكافح لتستعيد ألقها وبهاءها بعد حملة وطنية أمريكية بدأت عام 1972، أخرجوا مصانعها، وحموا أنهارها وكافحوا تلوثها·
 
وبتسبرغ مدينة التناقضات، وإن ظل شعارها التميز والتفرد في كل ما تقدم أو تقبل أو تفعل، خلابة، شهية وراقصة تتفجر بالحياة، تماما كما هي مدينة العلم والمعرفة، فيها 29 جامعة وكلية، وسَجَّل متنزه كينيود بارك الرقم القياسي في تنوعه واتساعه، وعلى أرضها أقيمت أكبر حديقة للطيور جمعوا فيها أغرب الأنواع وأندرها، ونالت جائزة المدينة الأكثر حيوية في أمريكا مرات عديدة، ومنحتها الطبيعة هدية لا مثيل لها، التقت أنهارها الثلاثة عند نقطة واحدة، فأقاموا عليها نافورة كبيرة يندفع ماؤها بلونه الوردي متراقصا لعشرات الأمتار، فلا تخطئها عين من كل الاتجاهات، وعن مسافات بعيدة·
 
بجرافات وحفارات وآلات تنقيب، وبشهوة الامتلاك والثروة بدأت مأساة بتسبرغ، استباح المستوطنون القادمون إلى العالم الجديد هدوء الطبيعة· داسوا جمالا وهدوءا لم يسمع منذ وُجِد سوى غناء العصافير، ينام ويصحو على انسياب الجداول والأنهار وصلوات السكان الأصليين·· ضجت المنطقة بهدير آلاتهم·· واقتلعوا خضرة الجبال وغيروا تضاريسها، ونبشوا ترابها بحثا عن ثروة لا تنضب، فهجرت الطيور أوكار الأزل أسرابا، جزعة، وارتحلت قطعان الجاموس البري رمز القوة عند السكن الأصليين، وانقرضت حيوانات نادرة استوطنت غاباتها قبل البشر، وما تبقّى أسروه في حدائق·
 
رحلة موازية مشاها السكان الأصليون كحيوانات أرضهم طريق الدموع درب القهر والظلم سيق فيه من تبقى من قبائلهم إلى محميات خاصة، كانوا يبكون وطنا سُلب، وحياة قُيّدت باتفاق، وأرضا انْتُزعت منهم وملكوها قبل أن يدري بها أحد، يجرّون آلامهم في طريق الذل والقهر:
 
أنْظرُ خلفي إلى الطريق الطويلْ
 
وقلبي مُثْقلٌ بأحزان شعبي
 
أبكي دموعَ حزني
 
على كلِّ ما فقدْنا
 
إذ نُجَرّ من أرضٍ وُلدْنا فيها
 
إلى طريقِ الدموع
 
**
 
أرْقُبُ ضعْفَنا وسقوطنا
 
على دربٍ مثلَ الأوَّلين
 
الدموع ُفي عينيَّ··
 
وأحتضِنُ امرأتي
 
تلْفظُ روحَها في ذراعيّ
 
على طريق الدموع
 
**
 
أميالٌ تتابَعتْ وأيامٌ تجري
 
يتناقَصُ شعبي مع بزوغِ كلِّ شمس
 
أمراضٌ فتاكةٌ وجوعْ
 
ورغم المعاناةِ نسيرْ
 
على طريقِ الدموع·
صفحة 5
تذكرني القصيدة الأشهر في حياة الهنود الحمر طريق الدموع بذاك الطريق هناك في مدينة القدس القديمة، حيث حمل الناصري ثِقَل صليبه بلا إثم، يجرُّه بحزنه ودمائه إلى جبل الجلجثة ليصلب· وُيسْحب المواطنون الأصليون مقيدين مثله بغير ذنب، إلا أنهم ولدوا على أرض لم يطأها أحد قبلهم، ولم يعرف بوجودها غيرهم، وربٌ خلقها·
 
صرخ عيسى بن مريم إلى ربه إيلي إيلي لماذا شبقتني، إلهي إلهي لماذا تركتني، واقتنع الهنود الحمر أن الروح العظيمة لم تسمع صراخ استغاثتهم ونداءهم، قرعوا لها طبولهم حول النار المقدسة، ولكن حارسة قبائلهم وأرضهم تخلت عنهم وتركتهم يساقون بذل وقهر وموت في محنة طريق الدموع·
 
لم يهتم القادمون الأوروبيون إلى بنسلفانيا وهم يتسابقون على ثروات العالم المُكْتَشَف بتوازن الطبيعة·· وأعماهم التعطش للثروة ونهم التسابق عن جمال ظل يخشع لخالقه في سكون·· دمروا سلامه واستباحوا نقاءه وجلال سكونه الأزلي·· وألقوا بقاذوراتهم في وجه كل شيء، دنسوا الأرض والماء، ودوى صخب وهدير المحركات، لوثوا أنهارا ظلت تجري منذ كان البدء·· تحتضن أسماكها وتكاثرَها في سلام فتغطي صفحة الماء·· وتتقلب بين هدوء وعنف لتصل البحيرات الكبرى وخليج المكسيك·
 
غطت سماء بتسبرغ غيوم المصانع وسوادها، وأعلنت مدينة منكوبة بالتلوث·
 
وبتسبرغ واحدة من أكبر مدن ولاية بنسلفانيا وتتصل بنيويورك·· هي مدينة التنوع والاستعراض والجامعات والمطارات والفرق الرياضية والشواذ·
 
وتمتزج الجنسيات وتضيع الأصول والأعراق، ففيها من كل بقاع الأرض قاطن مقيم، سكانها خليط من أمريكيين وأفارقة وجاليات تَكْبُر أو تَصْغُر، من البلاد العربية وإيران وباكستان والبرازيل وبريطانيا وبلغاريا ومقدونيا والصين وفرنسا وألمانيا واليونان والهند وأيرلندا وإيطاليا واليابان واليهود وكوريا والمكسيك·
 
لا أحد يسأل عن الجذور في مدينة الاختلاف والقبول والتعايش أو يعيرها اهتماما، وكل ما بقي من الأعراق المهاجرة صور أسلاف علقها الأحفاد في لوحات وإطارات، بهتت واصفرت بالزمن·· صور لسفن الأجداد وهي ترسو على شواطئ هادئة خالية، وتهتز وتترنح بأحلام القادمين، أو كتب تروي تاريخا وذكريات عن رحلة الأسلاف ومعاناتهم في البحر والأرض، وعن صراعهم أو تحالفهم مع السكان الأصليين، وعن بطولة وصمود وانتصار على قسوة الطبيعة وهوامها ومستنقعاتها·· ولم تشر تلك الكتب القديمة إلى أنهم جاءوا إلى نقاوة الأرض بأمراض لم تعرفها قبلهم·· فتك الطاعون والبنادق بآلاف من سكان الأرض، فلم تكن أجسادهم قد ربت المناعة الطبيعية، وأرضهم نقية مثل أجسامهم لم تعرف العدوى أو توالد الجراثيم، هي أصقاع تجاوز اتساعها قدرة بشر خلقوا عليها، فلم تطأ امتدادها أقدام الإنس·· كانت القارتان أوسع وأكبر من آلاف لم يتجاوزوا العشرين من قبائلها·· فتك الداء القادم من القارات القديمة بالسكان الأصليين، ونجا حاملوه من قارات كوَّنت مناعتها باعتياده·
 
لا يحتاج المرء في بتسبرغ سببا ليجمع الناس إذا ما رغب الاستعراض، كل مستعد للحظة لهو عابرة·· يكفيه أن يبدأ بإطلاق ألعاب نارية فتسير المدينة وراءه هاتفة، أو يبدأ عزفا منفردا على آلة موسيقية أو مع فرقة، فيتحلق أهل بتسبرغ حوله راقصين، يهتفون ويغنون، ويعبّون حتى الثمالة لحظة عابرة لا تحتاج مبررا لارتشافها·
 
نتوقف مع مريم ورفيقاتها أمام بيت تيكفا ( المعبد أو السينيغوغ) اليهودي، أي بيت الأمل بالعبرية، وهو أكبر تجمع للشواذ والمثليات ومن يمارس الجنس من الجهتين· ويشترك في حفلاته الصاخبة الأعضاء وأصدقاؤهم وعائلاتهم·· لا حرج ولا رفض في مدينة لا تقتحم خصوصية أحد ما دام يحترم القانون·
 
كل شيء على المكشوف في مدينة تمددت على أكبر ميناء طبيعي حفرته طبيعة جامحة في عصور التكوين· وفيه سمحت الطبيعة لأنهارها الثلاثة أن تتحد في واحد، انسابت الأنهار من ذوبان الثلوج بعد عصر الجليد، تجري وتلتقي وتكمل مشوارها وتختفي في البحيرات العظمى، ممر مائي غيَّر التاريخ الأمريكي يوم حملت صفحته أشرعة المكتشفين، يبحثون عن عالم مجهول آخر فوجدوه في قارة جنوبية·· تقاسموا بلادا بدائية ثرواتها تفيض عن نهم كل الطامعين، وستكون أكسير حياة يدب في عروق قارات معروفة شاخت، ونضبت بطول الاستغلال·
 
أُطلُّ من قمة جبل واشنطون على المنظر الساحر، أقرِّب بالمنظار جبالا ومياها وبيوت غنى وجاه، تزحف وتختفي بين خضرة ممتدة، وتحوّل جمالا غير عادي إلى مدينة إسمنتية حديثة·
 
تطفو الأنهار الثلاثة فوق المعادن وقد استعادت صفاءها، وأرض بتسبرغ حمراء قانية بالحديد، فصارت مدينة الحديد والصلب، جسورها من معدنه، وبنايتها الرمز تجسد العرفان لمصدر الثروة ( مبنى الفولاذ الأسود) ( black steel building)·
 
لم يكن همُّ صيادي المال والمتسابقين على كنوز الأرض الاعتناء بطبيعة لم تسمع إلا صلوات سكانها، ولم يثقلها سوى سجودهم فوقها ولها، فتحوا المجاري إلى صفاء الماء بمخلفات كل شيء، البشر والمصانع·· وغطت السماء سحب السواد حدادا على موات أشجارها، وحين طغى البشر أكثر، نفد صبر الأرض، وردت الأنهار المقدسة عدوانهم، فتكت بأسماكها، وانتشرت بكتيريا لا ترحم أجبرت الناس على البقاء في بيوتهم مع مغيب كل شمس· وأُعلِنَت بتسبرغ مدينة التلوث·
 
كنت سأشارك في مؤتمر أدبي في جامعة شاتام في بتسبرغ صيف 2008· وكلما ذكرت هذا أمام أمريكي ألمح شفقة على حماستي، ويشيرون بلا تفاصيل إلى تلوثها! وشددت صاحبة السكن في ايوا حيث أقيم ضمن برنامج الكاتب المقيم على ضرورة أن أتجنب الأسماك تماما، ولا أشرب إلا ماء معدنيا·
صفحة 6
تخيلت مدينة يجللها سواد الدخان، يسرق زرقة أنهارها، ويمحو خضرة غاباتها، ومبانيها كابية·
 
وحين تجولت فيها، اقتنعت أكثر بأثر الفكرة الأولى على الفكر الجمعي، فحين يطال الاتهام شخصا أو قضية، وتُنْشَر في صحافة أو وسيلة إعلامية أو تصبح قضية رأي عام، ثم تثبت براءة الشخص وخطأ الاتهام وبطلان ما قيل، تبقى التهمة راسخة، وقلما يعتني أحد بنشرها·· هي رغبة الناس في قصص وفضائح غير عادية، وقليلون اهتموا بتغيير رأي كان لهم، عن مدينة جميلة تابت وتطهرت·
 
تأسست بتسبرغ عام 1 7 5 8، وقتلوها في عصر الصناعة، وحاولوا إنقاذها في عام 2 7 9 1·
 
صحبتني مريم عبد الدايم مع صديقاتها إلى الإنكلين، يتوقف القطار على القمة، نطل على بانوراما المدينة·· جبالها وأنهارها الثلاثة وجسورها ومتنزهها والنافورة الوردية الضخمة·
 
تحدثني مريم بينما نشرب القهوة في مقاهي وسط المدينة·· ودودة صادقة مندفعة وبريئة، ممشوقة القوام كغزال إفريقي هارب في توجس مما حوله·· وكل ما حولنا يُذكِّر بمدن الأفلام الأمريكية القديمة، حين يدفع رجال الكاوبوي أبوابا بأرجلهم، ثم يطلون شاهرين مسدساتهم من بيوت وحانات تشبهها، شوارع وعمارات وأزقة تنم عن أن كل شيء هنا بدأ صغيرا كأحلام المهاجرين، وقبل أن يتوحش ويمتد·
 
تبوح مريم الجميلة، عن حيرتها في أن تبقى ذاتها في مدينة الحرية، أو تصبح كصديقاتها الجدد، أن تقبل قناعات ثقافة ومجتمع غريب فتتمرد على تعاليم تربت عليها وحملتها معها·
 
يقف الله بين مريم وانطلاق تَوَدُّه، ويمنعها خوفها منه أن تترك قلبها الشاب يخفق لأحد، فتغلقه دون نبض كثيرا ما يبدأ فتئده، وتصم أذنيها دون همسات الإعجاب، وترد بلطف أو عنف دعوات الزملاء، وتحتمي بصديقاتها، فهي تخشى من علاقة قبل الزواج تغضب الله، فهو لها بالمرصاد، شديد العقاب، ويعلم ما في الصدور·
 
يُمضي والدها ساعات يقرأ لها آيات عن عذاب القبر والنار المُعَدَّة للخطاءين وأصحاب الذنوب، ليعيد خطوة لها - ربما - تنحرف عن خط رسمه لابنة يحبها، ويخشى عليها من نار جهنم وبئس المصير·
 
شابة جميلة وحائرة بين أن تقتنع بأن حريتها أمر شخصي محض، فتقبل قناعات غربية وتتمرد على امتلاك والدها لأمرها، أو تظل كاميرونية رغم أمريكا، تنتظر أيام عودتها إلى حضن أمها وحنانها، ثم ترتبط بشاب من بلدها وتقاليدها لن يقبل بماض لها·
 
تخيف مريم فكرة الحب والزواج·· تخشى أن تعشق في بتسبرغ فيُرتَّب لها زواج في بلدها، وتقلقها فكرة الفشل في أي منهما·· تطفئ حرارة مشاعرها قبل أن تدفأ، ولم تسمح لقلبها الفتي أن يتجاوز الإعجاب· تحذره من حب وعلاقة أمريكية قد تجمح مطالبها، أو تضع فيها حدودا لا يفهمها الآخرون·· فتردُّ عيون المعجبين وتغلق قلبها دون خفقانه لئلا تتعذب·· ومريم لا تخفي انفصامها حول الحب والعلاقة العاطفية، بين تقاليد حملتها من الوسط الغربي من القارة السمراء، وبين مجتمع حر لا يقيم وزنا لكل ما يكبل انطلاقها ورغبتها في الانعتاق من خوفها·· من الله والأب والكاميرون·
 
تعني كاميرون بلاد الحجارة الكريمة·· وهي الماضي والمستقبل لصبية تبحث عن التميز، ينتظر والدها المحامي تفوقها ليزين به تاريخ النساء في عائلة الثروة، بالعلم والمنصب الحكومي الرفيع·· يمطرها باتصالاته لعل في أجوبتها ما يطمئنه· أب خائف صيَّر حياتها تقريرا يوميا، يضخ في عقلها ما يسمعه من الفضائيات الدينية، يحثها أن تتقوقع وتغلق شرنقتها على تقاليد تربت عليها، وتعاليم يستقيها من تأويل الدعاة والوعاظ، فتحتار أكثر، ومريم تحب صديقاتها الأمريكيات، ومعجبة بثقتهن بأنفسهن، ودودات ومجدات في الحياة والعلم، مخلصات ويعرفن الوفاء، ويفعلن ما يُؤْمنَّ به بلا رقابة، وتوقف دور الآباء في حياتهن عند حدود ما يُعْتبَر حرية شخصية·
 
تصارع مريم تناقض الثقافتين بينما تعيش مرحلة تشكل الوعي وانتهال العلم في بتسبرغ·
 
مريم من شرق ياوندي عاصمة الكاميرون، جدها تاجر من قبيلة زنجية عريقة من مدينة دوالا أكبر مدن الكاميرون، انتقل إلى العاصمة حين مرق على عادات قبيلته، وتزوج امرأة غريبة من إثيوبيا، بهره جمالها ودقة ملامحها وطولها الفارع·· وحملها ليدخل بها بين أهله، ثم خرج في الصباح بمنديله الملوث بدم بكارتها·· قَرعَت القبيلة طبولها يوما كاملا، طهروا عذرية فتاة غريبة تهامست القريبات عن احتمال فقدانها، في ماض وعادات وظروف وبلاد بعيدة تركت فيها أسرارها·
 
وما زال العرف الكاميروني في قرع الطبول صباح ليلة الدخلة ساريا·· ولأن الرجل الكاميروني يقبل الزواج أحيانا بامرأة فقدت بكارتها، فمهرها أقل، تُقرع الطبول للعذراوات أكثر وأعلى، وكلما زادت الشكوك حول فتاة تُقرع طبولها أطول، ثم يُعرض منديل تَلَوَّن بدماء بكارتها على الملأ، وتُعْلَن براءتُها رسميا·
 
وتعرف مريم أنهم سيقرعون الطبول أياما لعذريتها، فهي شابة، مسلمة، تغربت وعاشت وحدها في أمريكا، وستحتاج إثبات براءة وطبول أعلى وأطول مدة، ولن يحميها أنها في أعلى السلم الاجتماعي، أو مكانة عائلتها المالية·
 
انتقلت ملامح جدة مريم الدقيقة إلى أولادها، وحققت غرض زوجها في تحسين نسله·· وحين تزوج أبناؤه من قريبات أمهم اختفت ملامح القبيلة الأصل، واتسم الجيل الثالث بجمال هجين·
صفحة 7
جد مريم تاجر أخشاب يملك عشرات الآلاف من الأفدنة والعاملين فيها، وهو يرفض احتجاج رجال البيئة إذ يعتدي على عمر وضخامة أشجار غاباته، يحولها خشبا يزيد ثراءه· وحجته، للحكومة والناس، أنه ينفع البلاد ويُشغّل عمالها، فهو لا يقطع شجرة قبل أن يزرع أخرى، ويكفي أنه يعيد إلى البيئة توازنها·
 
جد مريم مسلم كاميروني متعلم، وسَّع تجارة عائلته من الأخشاب إلى الذهب والقصدير، عرف أسلافه الإسلام كمعظم مواطنيه عبر تجار مسلمين، تأثروا بالتعامل الأمين والصدق والمجادلة الحسنة والأمانة في زمن لم يكن فيه كفالات وبنوك، ولا سندات أو محامون وقضاء·
 
يشكل المسلمون في الكاميرون 65% بينما المسيحيون 25% وباقي الديانات 10% فقط·
 
والد مريم محام وأمها متعلمة لم تعمل بشهادتها الثانوية، قَبل بعثة لابنته للدراسة في أمريكا رغم تخوفه من مجتمع غريب يدفع إليه ابنته·
 
التقيت مريم في جامعة شاتام حين شاركت في مؤتمر أدبي مع عشرة من كتاب أمريكا، منهم روبرت هاس الشاعر والباحث والأكاديمي المرموق، وكاتب من إسرائيل هو بيتر كول المعروف بدفاعه عن الفلسطينيين، وهو متزوج من فنانة وكاتبة فلسطينية من عرب إسرائيل·
 
بعد حلقة نقاش عن الخوف في الأدب، وهل يشكل عائقا لحرية التعبير، قدمت لي مريم نفسها بود وإقبال واندفاع·
 
فاتنة وعيناها محيط من الحيرة والتساؤل·
 
قالت إنها توافق على أننا في المجتمعات الشرقية والإسلامية نعيش خوفا مستمرا·· من الله والمستقبل والمؤسسات الدينية، ومن الرقيب والسلطة الأبوية والاجتماعية·
 
وأرصفة السفر أمكنة إغواء بالبوح لا تقاوم، ومفارق الطرق منفضة تطفئ فيها أسرارا مشتعلة، يتحدث غريبان بحميمية تومض وتموت على دروب الفراق·
 
كنت قد تحدثت عن خوفي وأنا صغيرة، عن كابوس لم يفارقني حتى توقفت عائلتي عن قضاء الصيف في كرم صغير على مشارف جبل المكبر ومستوطنة رامات راحيل قرب بيت لحم· يهاجم غرباء أشداء لا أستطيع تبين ملامحهم بيتنا ويحاولون اقتحامه، وأعجز في محاولاتي اليائسة وجزعي عن سد الباب في وجوههم فيغلبونني·· وأصحو صارخة أو مختنقة·
 
وكان ذلك ردا على سؤال حول أثر الخوف في ما نكتب·
 
كنا على المنصة، كاتبتان أمريكيتان، الشاعرة نعومي شهاب ناي الأمريكية المولد، والدها مهاجر من القدس، صحفي، وأمها أمريكية، وهي أستاذة جامعية، ويحسب لنعومي ذلك الانتماء العميق والحب الكبير لفلسطين· قولا وشعرا وموقفا· والشاعرة المعروفة كلوديا رانكين، أمريكية إفريقية وأستاذة جامعية، وأناهيتا فيروز، روائية وأستاذة جامعية من أصل إيراني، والشاعرة البرازيلية أستريد كابرال·
 
كانت حلقة النقاش عن الخوف في الأدب
 
وقد يبدو الخوف لا موضوع لمن ولد وعاش في الغرب، بلاد الحرية السياسية والجنسية والتأمين الصحي والاجتماعي وفرص التعليم والعمل، بلاد لا تعرف القبيلة والعشيرة، ولا يهيمن عليها الفكر الأبوي المستحدث·· ولكنني دهشت حين لم تشر كلوديا إلى أي خوف من التمييز مع البيض، قالت إنها لم تجرب الخوف، وإن فرص التعليم والنجاح والعمل أتيحت أمام اجتهاد فتح لها جميع الأبواب، كانت أمريكا تواجه محكا لمصداقيتها بعدم التمييز باللون والعرق، في حملة قسمت العائلة الواحدة حول مرشح الحزب الديمقراطي للرئاسة باراك أوباما·· فهل أسكت كلوديا رانكين يومها فوز أوباما ليصبح المرشح الوحيد للحزب، فغفرت ما تعلق بالذاكرة من الماضي القريب؟·· لا أعرف·
صفحة 8
أما نعومي شهاب فقالت إنها حين زارت أهلها في القدس، لم تخف، بل كانت غاضبة، وهذا هو شعور كل الفلسطينيين هناك·· مجرد الغضب لا الخوف!·
 
قلت إن الزميلات محظوظات ربما، فقد ولدن وعشن وكتبن في مجتمعات لا تعرف الرقابة، وتحترم حرية التعبير حيث لا سقف لها·
 
أما أنا فعشت في بلاد الرقابة، الدين والسياسة والمجتمع والعمل، فكيف أدعي أنني لم أجرب الخوف؟ كيف أدعي أنني لم أصارع الرقيب الداخلي وأحاول تحطيمه في كل مرة أمسك بها القلم؟ لأنني أعرف أنني حين أتجاوز كل الخطوط قد لا أجد من ينشر مقالاتي، أو يذيع برامجي التلفزيونية أو يسمح برواياتي؟
 
وكثيرة هي مواقف الخوف من عدم إيصال صوتي بالمنع في حياة الكتابة عندي، ثم في العمل الإذاعي والتلفزيوني، هواية ومهنة، امتدت منذ كنت على مقاعد الدراسة الثانوية وما زالت؟
 
كيف لا يعرف الخوف من يُمْنَع من العمل لأن له فكرا لا يعجب الرقيب أو المخبر؟
 
أو تُمْنَع عنه جائزة لأن أدبه يتحدث عن الفساد الثوري؟ أو يبقي كتابه سنتين بلا توزيع خوفا على وظيفته أثناء حرب الخليج واحتلال الكويت؟
 
كيف لم يجرب كاتب عربي الخوف من المنع من العمل والسفر وملاحقة الأولاد على جريرة فكره وموقفه في بلاد تحاسب حتى على النيات؟
 
الخوف شعور إنساني لا نخجل منه، ولكننا نقاومه لأنه يكبل الكتابة ويعيق التعبير·
 
هكذا اقتربت مني مريم·
 
ومريم خائفة·· من العودة إلى الكاميرون، ومن والدها، ومما تسمعه عن عذاب المخطئين في نار ذات لهب يُصْلَوْن فيها·
 
ووالدها خائف مثلها·· عليها·· أن يعذب الله ابنته المحبوبة لو زلّت في غربتها دون أن يعرف، ولكن ربها يومئذ لخبير·
 
ومريم دائمة الخوف من فقدان صديقة طفولتها وزميلة صباها، من أهل الفتاة لو علموا، ومن عذاب الله وحسابه لأنه وحده يعلم·
 
صديقة وزميلة مريم كاميرونية مسيحية من أصل لبناني- لم ألتق بها أو أعرف اسمها - تعيش في الطرف الغربي للعاصمة ياوندي مركز الأقليات الدينية الكاميرونية، وأكبرها المسيحية·
 
قابلت صديقتها في بتسبرغ شابا من الكاميرون فأحبته بجنون، وانتصر غرام يائس ولهفة عشق محرم على الحذر والخوف، بدأت تلتقيه في الإجازات الجامعية في الطرف الشرقي من العاصمة، وتتستر عليها صديقاتها المسلمات، لقاءات تُسرق في غفلة من عيون الأهل وفي غير منطقتهم·· هو حب مرفوض من الأهل ويائس، تخشاه عائلة الشاب، وتحذر وحيدها من هوى مدمر، فأهل الفتاة عرب مسيحيون متعصبون، وهم يهود متعصبون·
 
تنصح مريم صديقتها بترك حب محكوم بالفشل·
 
تتوهج العواطف بلوعتها حين تُقهر أو تُضطهد، وتشتد نيرانها وجذوتها فتحرق أصحابها حين يحتمون بدفئها من أنفسهم ومن حولهم، يعانقون خوفهم وتحديهم فيشتعل لظاها·· فقدت صديقة مريم عذريتها في عاطفة مشبوبة وشوق في حضن من تحب·
 
ومريم خائفة أن تخسر صديقة العمر لو افتضح سرها، فلن تبقى في الكاميرون لحظة سترا لفضيحة محتملة، وسيبعدها أهلها إلى لبنان لتستعيد ختم الطهارة بالجراحة، ثم تتزوج من قريب لا يعرف ما حدث·
 
هو تعصب الأقليات حتى في مجتمع تزداد فيه نسبة الزنا، كما أعلنت إحصاءات حكومية كاميرونية·
صفحة 9
ولا تدري مريم أن الحوادث القليلة عن ترقيع البكارة خلقت شكا وخوفا غير مبرر عند بعض الشباب العربي·· وكثيرة هي القصص المضحكة المبكية عن خوف الشباب العرب من عمليات ترقيع البكارة·· أصر أحدهم على استخراج شهادة طبيب مختص يؤكد فيه أن الختم الطبيعي رباني لا جراحي، ومثله طبيب متعلم أحضر مصباحا وحاول معرفة إن كانت بكارة عروسه أصلية أم مزيفة، فمنعته، وطلبت الطلاق فلن تبدأ حياتها بالشك والتوجس، وأصر آخر على التأكد بالعين المجردة والعروس ما زالت في ثوبها الأبيض، وحين اطمئن على أن ختم البضاعة أصلي توكل على الله وأثبت رجولته في اقتحامها، وتغاضت العروس عن شكه، فهو في رأيها معذور، بعد كل ما سمعه وشاهده على فضائيات الإثارة العربية عن عمليات ترقيع البكارة، ثم اختلاف الفتاوى الأزهرية حولها بين رافض للخديعة ومؤيد للستر·
 
نجلس في المقهى فتحدثني مريم عن والد ممزق بين العلم والتقاليد، يثق بابنته، ولكنه أسير مجتمع يحاول إعادة النساء إلى الخدر، والد يسحبه إدمانه على الفضائيات الدينية إلى التعصب والانغلاق، تثير برامجها هواجسه عن حرية المرأة وانطلاق الغرب، فيهاتف ابنة يحبها يستنهض فيها امرأة مسلمة مؤمنة لتنسلخ عما حولها في مجتمع غريب،لا يهمه منه سوى العلم وتحصيله ولكم دينكم ولي دين يحاول أن يحميها من خوف لا يدريه في مجتمع لا يوافقه على حريته، وإن أعجب بتقدمه العلمي والتقني، ويريد لمريم أن تختطف شهادتها الجامعية وتعود إلى الكاميرون نقية كما خرجت منها·· ولا يطامن شكوكه أو يريح وسواسه أن تظل تؤكد له، أنه لا أحد في الغرب يجبر فتاة على ما لا تريد، وإن ظل الخطر الوحيد على النساء في كل بقعة من الأرض واحدا، مغتصب أو متحرش· ويمكن تفاديه بتأمين السكن والتنقل·
 
تتفهم صديقات مريم الأمريكيات وضعها، أيمي مرافقة لي وتقود سيارة الجامعة، فارعة الطول صاخبة الجمال، وأخرى من المورمون لم تنطق بكلمة·· ربما احتمت بصمتها خوفا من أسئلة وحديث لا توده· والمورمون فئة دينية في الولايات المتحدة أنشأها (جوزيف سميث) ادعى أن المسيح ظهر له، ودله على مكان دُفن فيه لوحان ذهبيان نقشت عليهما تعاليم ديانة مسيحية جديدة، فلم يبحث عنهما،· ثم جاءه في منام آخر يوحنا المعمدان (النبي يحيى)، وطالبه بالعثور على اللوحين وأكد له مكانهما، وحثه على استلامهما من ملاك اسمه مورمون يحرسهما ليلا نهارا ليصلا إليه، ونُقِشت عليهما تعاليم الديانة الجديدة· ويعتقد المورمون نسبة إلى الملاك الحارس أن سميث عثر على اللوحين وترجمهما، فتجاوز أتباعه في العالم ستة ملايين شخص، تركزوا في أمريكا وقليل منهم في أوروبا·· ويخالف المورمون الطوائف المسيحية الكبرى حول مفهوم الثالوث،الأب والابن والروح القدس، ولهذا لا يعترف بهم الكاثوليك والأرثوذكس والإنجيليون، بل وينكرونهم، ويعتبرونهم أقرب إلى اليهودية وتعاليم التوراة·· ربما لهذا خشيت الشابة من أسئلة قد تحرجها، أو حديث إشكالي لا ترغب فيه عن طقوس طائفتها ومعتقدهم·
 
نتناول الأيس كريم في مقهى صغير بينما ينهمر المطر الصيفي غزيرا·· مدن تروي السماء زرعها صيفا وشتاء·
 
أشرح للشابات أهمية العذرية في ثقافة المجتمعات العربية والإسلامية، فالتفريط بها قد يقود إلى جريمة شرف·· كما ظلت تعني الكثير أيضا في مجتمعات الغرب قبل الثورة الصناعية، وحرب عالمية ثانية حررت نساء أوروبا اقتصاديا واجتماعيا، وظهرت الحركات النسوية مطالبة بالمساواة في كل شيء بعد أن خرجت النساء اضطرارا إلى العمل لبناء ما دمرته الحرب، وتعويض غياب الرجال في معاركهم، وأسهم فصل الدين عن السياسة في تحقيق حرية كاملة للمرأة·· قلت إن الغرب لا الشرق هو مخترع حزام العفة· وإن التدخل الأمريكي وانحياز الغرب ضد القضايا العربية، ومطالبته بحرية المرأة المسلمة أدى إلى ربط وضعها بالهوية العربية الإسلامية ومزيد من التشدد والردة في قضاياها وحقوقها·
 
سالت أيمي إذا كان الوالدان الغربيان يتحدثان مع ابنتهما عن حياتها الجنسية قبل الزواج؟
 
ووالد أيمي يملك مزارع هائلة، وهو أحد أكبر منتجي الذرة في أمريكا·
 
فتاة جميلة آسرة بثقتها، مُبادرة تعرف ما تريد، وشخصية قيادية لها تأثير واضح على صديقاتها·
 
قالت حين يعلم الأهل أن لابنتهم بوي فرند صديقا، يصبح التخوف مسكوتا عنه حتى مع الأمهات، وهم يقدرون أن هذا الأمر قد حدث، أو ربما في طريقه إلى الحدوث، ولكن لا أحد يشير إليه، فحرية الفتاة الشخصية بعد الثامنة عشرة يكفلها القانون ومنها علاقاتها العاطفية، وقد تشتكي أهلها للسلطات وتطلب حمايتها إن حاولوا إرغامها على شيء لم يعد من حقهم·
 
وما يخيف مريم هو يقينها أن المقاومة تضعف بالتفرد وبالتمايز عن المجموع والسائد في الفكر الاجتماعي، خاصة حين يضحي الاختلاف في نظر الآخر تخلفا ونقيصة·
 
ويؤكد لها والدها كل يوم أن المرأة أساس الخطيئة، هكذا يقول دعاة الفضائيات وخطباء المساجد، فهي تجذب الرجل وتغريه بتصرفاتها ولباسها·· وعليها كفتاة صالحة أن لا تتحمل وزر رجل بإيقاعه في الخطيئة بتبرجها، تحتشم في ملابسها حتى في بلاد الأمريكان لتمنع ضعف رجل تغلبه شهوته فيقع في الحرام بسببها·
 
ومريم تحب الملابس الجميلة، وتخاف من إغواء نفسها وعذاب القبر، وتحتار·
 
ولم تكن تعرف مريم أن الدين حض الرجال على غض البصر·
 
تكتب غُضِّ البصر كما تُلْفَظ، بالإنجليزية لتجادل والدها فيها·
صفحة 10
كان جرحا عميقا طريا كَشَفتْهُ أمامنا، يكسو الغضب والرفض وجهها الجميل وهي تستعيد إهانة لم تستطع ردها، وجرحا للكرامة والأنوثة في واقعة تعرضت لها في أكبر مجمع تجاري في ياوندي·· فبدأت تتحسب العودة إلى الكاميرون خوفا من تعصب وسلفية تجتاحان مجتمعها منذ سنوات، وبعد أن ظل منفتحا قابلا لتعددية نشأت عليها·
 
يتزايد النشّالون في أسواق ياوندي وشوارعها قبل مواسم الأعياد وإجازات الجامعات، دست مريم نقودها في حمالة صدرها وهي ترافق صديقاتها إلى السوق، فقد تمتد في زحمة الأجساد يد ونصل بخفة عجيبة تمزق الجيوب، وتقطع أصابع تتزين بالحلي، وتشطب صدرا أو عنقا لتسرق من عليه سلسلة، ثم تختفي في تدافع المشترين وسرعة عدوها·
 
دست مريم يدها وسحبت نقودها·· أشاح المحاسب بوجهه وتعوذ من الشيطان الرجيم مستغفرا ربه مرات، ثم رفض لمس نقودها ثمنا لما اشترته، وطالبها أن تدفع بنقود أخرى أو تُرْجِع ما اختارته، فلن يلمس نقودا تدنست بجسد امرأة غريبة، فهو إن فعل فكأنما يلمس المرأة ذاتها، وهذا خطيئة وحرام·
 
رفعت مريم صوتها محتجة، فثار المحاسب هائجا على امرأة تتجاوز حدودها بمهاجمته، وترفع صوتها العورة على قوامته، وأصر أنه لن يلمس نقودا سحبتها من صدر مكشوف دست فيه يدها أمام الناس·· وتحلق المشترون وتذمر طابور الدافعين·
 
تبكي مريم بالقهر والإهانة والعيون تتابعها، وتقسم إنها كانت تلبس قميصا بأكمام طويلة تصر عليه في أمريكا، وتصايحت صديقاتها، حضر مدير المحل، تناقش مع موظف الصندوق في الحرام والحلال، هدده بالطرد فترك المحاسب مقعده بلا تردد، فالجنة خير وأبقى من الدنيا الفانية، ولن يفيده العمل حين يُصلى بنار جهنم ويُخلَّد فيها·
 
احتار المدير·
 
جلس مكانه وحاسب مريم على ما اشترت، والزبائن تراقب بين مؤيد أو رافض·· ودموع قهرها تغطي وجهها·
 
سألتها : لماذا لم تلق بما انتقته في وجهه وتخرج؟
 
فاجأ تجربتها الصغيرة ما نسيته في إحراجها، وهي لم تعتد بعد ما يعنيه أن يرفض أحدهم مصافحة امرأة أكثر منه علما ومعرفة، وربما خلقا، لأنها له مجرد أنثى·
 
مريم لا تستطيع البقاء والعمل في أمريكا، سيتحطم قلب والدها، وقد يؤثر على مستقبل شقيقاتها، ولا بد لها من زواج كاميروني يثبت عذرية صمدت في الغرب وقاومت انحلاله، وستقرع الطبول طويلا بعد ليلة زواجها الأولى لتجلو ما تعلق بغربتها·
 
قفزت صورة مريم بعد أسبوع من لقائنا ونحن نشارك في ندوة أدبية في نادي الجالية السودانية في مدينة أيوا، مدينة الثقافة الأمريكية، أقيمت لتكريم الشاعر الروائي الدكتور طارق الطيب، السوداني النمساوي، والروائية المصرية أمينة زيدان، وشاعرة سودانية أمريكية وأنا·
 
قلت ردا على سؤال عن أثر الفضائيات العربية إنها عمقت الإحساس الإثني والتقاليد والموروث الثقافي بين المهاجرين· وإن الفتيات يعانين الانفصام بشكل أكثر وضوحا في مجتمعات يختارها الآباء لهجرتهم، ويتجاذبهن الاختلاف الشديد بين ثقافة بيت وأسرة تستعيد جذورها وهويتها، ومجتمع ومدرسة ينظران بريبة إلى أفكار المهاجرين حول مفهوم حرية المرأة وحدودها· والمشكلة أن يختار الآباء الهجرة إلى مجتمعات يرفضون ثقافتها، ثم يفرضون على البنات العيش في محميات، سياجها عقول وتقاليد وفكر أوطان هاجروا منها لأسباب مختلفة· ويشتد الانفصام والضغوط على بعضهن، بين تعاليم تحثها وتجبرها على التقوقع وتخيفها بالعذاب والنار، وبين سخرية الزملاء في المدارس والجامعات، والاتهام بعقل متعصب يمتهن المرأة ويتزوج أربعة ويضطهد الحريم·
 
هذا التمزق بين الآباء والأبناء أدى إلى 165 جريمة شرف في بريطانيا بين مسلمي باكستان وبنغلاديش تحديدا في عام 2006·
 
هب أحدهم محتجا بأنه جاء لسماع الشعر والأدب، وأن ما أقوله قلة أدب ويجب أن أعتذر عنه·
 
ردت الدكتورة خالدة بأن الفكر السلفي ضيَّق حياتهم في الأوطان، وهو يلاحقهم حتى في أمريكا· وقد كثر من جاؤوا إلى بلاد الكفار للمحافظة على الجالية المسلمة وبناتها، وتعزيز الإيمان وضمان عدم تأثره بالفكر الغربي، وكان هذا أحدهم كما قيل لي·
 
اعتذر الحاضرون وأسكتوا المتدخل، فهم يعرفون أن التوازن النفسي لأية ديانة أو مسلمات أو موروث ثقافي واجتماعي يتطلب الكثير من الجهد في مجتمعات الاغتراب وبين الأقليات·
 
لهذا يعيش المهاجرون في تجمعات يحتمون بها· وكل غريب للغريب نسيب· ليس المسلمون وحدهم بل من كل عرق ودين·
 
مريم الكاميرونية هي أول ما يقفز إلى الخاطر كلما تذكرت عربيا مهاجرا وأولاده· أو دار الحديث حول احتمال لقاء الشرق والغرب في نظرته إلى النساء، وأنهما قادران على تجاوز الخصوصية الثقافية والدينية بينهما·