صفحة 1
شكر
أتقدم بجزيل الشكر والعرفان للزميلات والصديقات المناضلات اللواتي لم يبخلن بوقتهن ومعرفتهن وتجربتهن لجعل هذا الكتاب ممكناً. أخص بالذكر المناضلة المخضرمة سلوى أبو خضرا، والمناضلات سهام برغوثي، وربيحة دياب، وزهيرة كمال، وخولة الأزرق، وأمل خريشة، وريما ترزي، وسامية بامية، وأمل الجعبة، وحنان البكري، وليلي خالد، وسميرة صلاح، ووديعة خرطبيل، وأميرة هارون، وميسون الرمحي والمناضلة العزيزة مها نصار، وكل من ساهمت بوقتها في هذه الدراسة. كذلك أشكر الأخوة مروان البرغوثي (الذي خاطر بحريته لإنجاز المقابلة)، وحسن خريشة، وأحمد عطاونة، على وقتهم وعطائهم لهذا الكتاب. وأخيراً، أشكر معهد دراسات المرأة على كل أشكال الدعم؛ سواء المالي، أم الإداري، أم المعنوي، الذي قدمنه لي لإنجاز أطروحة الدكتوراه التي ولدت هذا الكتاب.
كما أشكر الصديقة سعاد العامري لدفء مشاعرها ودعمها وتشجيعها المستمر. وأوجّه شكري وعرفاني للأصدقاء والصديقات والأساتذة على تلك الساعات من النقاش الطويلة والمفيدة، وأخص بالذكر جوزيف مسعد، ودنيز كانديوتي، وماكسين مولينو، وسليم تماري، وشيللا روبوثام. كما أشكر آن ماري جوتز لدعمها وإصرارها على ضرورة نشر هذا الكتاب. كما وأشكر أفراد عائلتي عبد الجواد صالح، ونزيهة عبد الجواد، وناصر عبد الجواد، وبشار عبد الجواد، وكلاً من زالينا بيساييف، وراجية أبو صوي، على كل الدعم النفسي والرعاية التي قدماها لي ولأولادي أثناء فترة عملي على هذا البحث. أخيراً مزيد من الشكر والعرفان لزوجي صالح عبد الجواد الذي لفت نظري مبكراً لأهمية الإطار التاريخي لأي ظاهرة تدرس، وكذلك لصبره واحتماله أشهراً طويلة من الغياب لإنجاز هذه الدراسة، حبي وشكري وعرفاني أيضاً لبناتي سيرين وياسمين وابني ماهر، فلولا تشجيعهم ودعمهم ومكالماتهم الهاتفية الطويلة التي قدمت لي غذاء مهماً للروح في فترات عصيبة، لما أنجزت هذه الدراسة. في النهاية، كل نقص ورد في التحليل والاستخلاص في هذا العمل أتحمل مسؤوليته وحدي.
أتقدم بجزيل الشكر والعرفان للزميلات والصديقات المناضلات اللواتي لم يبخلن بوقتهن ومعرفتهن وتجربتهن لجعل هذا الكتاب ممكناً. أخص بالذكر المناضلة المخضرمة سلوى أبو خضرا، والمناضلات سهام برغوثي، وربيحة دياب، وزهيرة كمال، وخولة الأزرق، وأمل خريشة، وريما ترزي، وسامية بامية، وأمل الجعبة، وحنان البكري، وليلي خالد، وسميرة صلاح، ووديعة خرطبيل، وأميرة هارون، وميسون الرمحي والمناضلة العزيزة مها نصار، وكل من ساهمت بوقتها في هذه الدراسة. كذلك أشكر الأخوة مروان البرغوثي (الذي خاطر بحريته لإنجاز المقابلة)، وحسن خريشة، وأحمد عطاونة، على وقتهم وعطائهم لهذا الكتاب. وأخيراً، أشكر معهد دراسات المرأة على كل أشكال الدعم؛ سواء المالي، أم الإداري، أم المعنوي، الذي قدمنه لي لإنجاز أطروحة الدكتوراه التي ولدت هذا الكتاب.
كما أشكر الصديقة سعاد العامري لدفء مشاعرها ودعمها وتشجيعها المستمر. وأوجّه شكري وعرفاني للأصدقاء والصديقات والأساتذة على تلك الساعات من النقاش الطويلة والمفيدة، وأخص بالذكر جوزيف مسعد، ودنيز كانديوتي، وماكسين مولينو، وسليم تماري، وشيللا روبوثام. كما أشكر آن ماري جوتز لدعمها وإصرارها على ضرورة نشر هذا الكتاب. كما وأشكر أفراد عائلتي عبد الجواد صالح، ونزيهة عبد الجواد، وناصر عبد الجواد، وبشار عبد الجواد، وكلاً من زالينا بيساييف، وراجية أبو صوي، على كل الدعم النفسي والرعاية التي قدماها لي ولأولادي أثناء فترة عملي على هذا البحث. أخيراً مزيد من الشكر والعرفان لزوجي صالح عبد الجواد الذي لفت نظري مبكراً لأهمية الإطار التاريخي لأي ظاهرة تدرس، وكذلك لصبره واحتماله أشهراً طويلة من الغياب لإنجاز هذه الدراسة، حبي وشكري وعرفاني أيضاً لبناتي سيرين وياسمين وابني ماهر، فلولا تشجيعهم ودعمهم ومكالماتهم الهاتفية الطويلة التي قدمت لي غذاء مهماً للروح في فترات عصيبة، لما أنجزت هذه الدراسة. في النهاية، كل نقص ورد في التحليل والاستخلاص في هذا العمل أتحمل مسؤوليته وحدي.
صفحة 2
مقدمة
هذا الكتاب صيغة ملخصة ومنقحة لفصلين من أطروحة الدكتوراه التي قدمتُها إلى كلية العلوم الشرقية والإفريقية في جامعة لندن بعنوان «نساء على تقاطع طرق: الحركات النسوية الفلسطينية بين الوطنية والعلمانية والهوية الإسلامية».(1) ومن دواعي سروري أنّ أولَ ما يُنشرُ من أطروحتي باللغة العربية يتم عن طريق مواطن؛ المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، موجهاً إلى جمهور يتألف في آن واحد من زملائي وأصدقائي ورفاقي على درب النضال، ومن مجتمع قريب مني وشعبٍ له آمالٌ وتطلعات عظيمة بالحرية والاستقلال.
كان الموضوعُ الأصلي لبحثي استكشافَ ما ينطوي عليه إنشاءُ السلطة الفلسطينية من أثر على الحركات النسائية/النسوية الفلسطينية من منظور «النوع الاجتماعي»، وتقصي ما يطرأ على تكوين هذه الحركات من تغيرات لملاءمة عهد جديد محوره «بناء الدولة». وقد نظرت إلى موضوع بحثي كتحدٍ جديد من حيث أنه سيعمل على كشف التناقض القائم في دولة ولِدت بعد سنوات طويلة من الاستعمار، ولكنها لا يمكن أن تُعطى مُسمى «دولة ما بعد الاستعمار»، حيث أن الاستعمارَ لايزال ماثلاً بشكل مفضوح في جميع نواحي الحياة الفلسطينية. ولقد استثارتني خصوصاً الوسائل التي ستتولاها شبه الدولة هذه في التعامل مع القضايا المتعلقة بالسيطرة على مواردها وتخطيطها للتنمية، وكيف ستؤثر هذه العوامل جميعها على علاقات الرجال والنساء وعلى الحركات النسائية/النسوية. كان لديّ كذلك فضول لتقصي العلاقات الصعبة بين حركة تحرير وطني هُُيِِّئََت لتعبئة مكوناتها على درب نضال طويل وبيروقراطية جديدة لدولة تحتاج أنواعاً جديدة من البُنيات والمكونات والخطابات. ولم تكن دراسة الحركات النسائية الفلسطينية أقل استثارة للتحدي. إنها حركات نسائية تواجه مهمتين رئيستين في آن: الاستمرار في الكفاح الوطني، والمساهمة في بناء الدولة، في حين تسعى في الوقت ذاته للضغط من أجل حقوق المرأة. وكما الحركات النسائية على الصعيد العالمي، جوبهت الحركات النسائية الفلسطينية ببرنامج عمل «قديم» مداره التعبئة والتحرير، إضافة إلى برامج عمل جديدة معنية بتمكين النساء وتحقيق المساواة لهن. يصعب في الأحوال الطبيعية الجمع بين هذين البرنامجين، ولكن الصعوبة تزداد في وضع استثنائي يشكل فيه الاحتلال الإسرائيلي تهديداً للدولة وللمجتمع، ينصبُّ على وجودهما المادي بالأساس.
في آذار/ مارس من العام 2002، تبدت الخطورة القصوى لهذا الوضع بشكل يصدم المرء، وذلك عندما تحرت القائدات النسائيات إمكانية الاحتشاد في الشوارع لإيقاف الدبابات الإسرائيلية المتقدمة لاحتلال مدننا. كان الجواب بسيطاً، ولكنه دالٌ جداً: لقد تبين «أننا لسن منظمات لمواجهة اجتياح كهذا». كان من الواضح أن عهدَ البناء المفترض للدولة قد انتقص من إمكانية تعبئة النساء، وكذلك العديد من الحركات الاجتماعية الأخرى. لكنّ العهدَ تحول من البناء إلى فترة تلاشي «الدولة» والانتقاص من إمكانيات المجتمع. كانت البنى الناشئة «للدولة» تفتقر إلى الاستعداد الجيد للمساعدة في تنظيم مقاومة الشعب والحركات النسائية. وقد اتضح لي أنني ربما كنت أتابع في لحظة عابرة، مشروعاً يتلاشى إذ يتجاوزه التاريخ. كانت كلُّ النزاعات المختلفة التي أتتبعها بين مجموعات نسائية متنوعة تحاول إحرازَ مركز لنفسها، وتوضيح الاهتمامات والخطابات النسائية الجديدة، تعتمد على وجود جهاز للدولة يمكن توجيه مطالبها أو احتجاجاتها أو معارضتها إليه.
إن التدميرَ الماديَ لمعظم الأبنية الرسمية، بما في ذلك مقر رئيس الدولة، إضافة إلى المؤسسات والموارد، أرغمني على تحويل تركيزي إلى المجالات والفرص المتاحة للنساء في المجتمع المدني من أجل الاستمرار في مقاومة الاحتلال، بينما يسعين إلى تحقيق نظام أكثر عدالة بين الجنسين.
إن مجتمعاً مدنياً فلسطينياً جديداً برز كمجال غير مسيَّس. وفي حين أنه يوفر منبراً لبحث إرساء الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة، فإنه، فعلياً، خسر قدرته السابقة على تنظيم وتجنيد مختلف المجموعات، وخصوصاً مجموعات النساء الهادفة إلى مقاومة الاحتلال. وأنا أصف العملية الموازية المتمثلة في نمو قوة الإسلاميين الذين أخذوا على عاتقهم الآن مسؤولية النضال الوطني على الرغم من النظر إليهم على أنهم غير ديمقراطيين، وأنهم أصوليون ولا يشكلون جزءاً من المجتمع المدني «الحقيقي».
إن التحولَ في دور قطاع المنظمات غير الحكومية في عهد السلطة الوطنية خلّف آثاراً عميقة على الأشكال المختلفة للنشاط النسائي. وأنشأ التغير ضغطاً على الحركات النسائية لنقل برامج عملها من الجمع بين الكفاح الوطني وتحرير المرأة إلى استهداف الدولة للمطالبة بحقوق المرأة. وتم تحويل العديد من المنظمات النسائية الجماهيرية الناجحة إلى منظمات غير حكومية، أو أنها غدت تحت النفوذ المتزايد لممارسات المنظمات غير الحكومية.
هذا الكتاب صيغة ملخصة ومنقحة لفصلين من أطروحة الدكتوراه التي قدمتُها إلى كلية العلوم الشرقية والإفريقية في جامعة لندن بعنوان «نساء على تقاطع طرق: الحركات النسوية الفلسطينية بين الوطنية والعلمانية والهوية الإسلامية».(1) ومن دواعي سروري أنّ أولَ ما يُنشرُ من أطروحتي باللغة العربية يتم عن طريق مواطن؛ المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، موجهاً إلى جمهور يتألف في آن واحد من زملائي وأصدقائي ورفاقي على درب النضال، ومن مجتمع قريب مني وشعبٍ له آمالٌ وتطلعات عظيمة بالحرية والاستقلال.
كان الموضوعُ الأصلي لبحثي استكشافَ ما ينطوي عليه إنشاءُ السلطة الفلسطينية من أثر على الحركات النسائية/النسوية الفلسطينية من منظور «النوع الاجتماعي»، وتقصي ما يطرأ على تكوين هذه الحركات من تغيرات لملاءمة عهد جديد محوره «بناء الدولة». وقد نظرت إلى موضوع بحثي كتحدٍ جديد من حيث أنه سيعمل على كشف التناقض القائم في دولة ولِدت بعد سنوات طويلة من الاستعمار، ولكنها لا يمكن أن تُعطى مُسمى «دولة ما بعد الاستعمار»، حيث أن الاستعمارَ لايزال ماثلاً بشكل مفضوح في جميع نواحي الحياة الفلسطينية. ولقد استثارتني خصوصاً الوسائل التي ستتولاها شبه الدولة هذه في التعامل مع القضايا المتعلقة بالسيطرة على مواردها وتخطيطها للتنمية، وكيف ستؤثر هذه العوامل جميعها على علاقات الرجال والنساء وعلى الحركات النسائية/النسوية. كان لديّ كذلك فضول لتقصي العلاقات الصعبة بين حركة تحرير وطني هُُيِِّئََت لتعبئة مكوناتها على درب نضال طويل وبيروقراطية جديدة لدولة تحتاج أنواعاً جديدة من البُنيات والمكونات والخطابات. ولم تكن دراسة الحركات النسائية الفلسطينية أقل استثارة للتحدي. إنها حركات نسائية تواجه مهمتين رئيستين في آن: الاستمرار في الكفاح الوطني، والمساهمة في بناء الدولة، في حين تسعى في الوقت ذاته للضغط من أجل حقوق المرأة. وكما الحركات النسائية على الصعيد العالمي، جوبهت الحركات النسائية الفلسطينية ببرنامج عمل «قديم» مداره التعبئة والتحرير، إضافة إلى برامج عمل جديدة معنية بتمكين النساء وتحقيق المساواة لهن. يصعب في الأحوال الطبيعية الجمع بين هذين البرنامجين، ولكن الصعوبة تزداد في وضع استثنائي يشكل فيه الاحتلال الإسرائيلي تهديداً للدولة وللمجتمع، ينصبُّ على وجودهما المادي بالأساس.
في آذار/ مارس من العام 2002، تبدت الخطورة القصوى لهذا الوضع بشكل يصدم المرء، وذلك عندما تحرت القائدات النسائيات إمكانية الاحتشاد في الشوارع لإيقاف الدبابات الإسرائيلية المتقدمة لاحتلال مدننا. كان الجواب بسيطاً، ولكنه دالٌ جداً: لقد تبين «أننا لسن منظمات لمواجهة اجتياح كهذا». كان من الواضح أن عهدَ البناء المفترض للدولة قد انتقص من إمكانية تعبئة النساء، وكذلك العديد من الحركات الاجتماعية الأخرى. لكنّ العهدَ تحول من البناء إلى فترة تلاشي «الدولة» والانتقاص من إمكانيات المجتمع. كانت البنى الناشئة «للدولة» تفتقر إلى الاستعداد الجيد للمساعدة في تنظيم مقاومة الشعب والحركات النسائية. وقد اتضح لي أنني ربما كنت أتابع في لحظة عابرة، مشروعاً يتلاشى إذ يتجاوزه التاريخ. كانت كلُّ النزاعات المختلفة التي أتتبعها بين مجموعات نسائية متنوعة تحاول إحرازَ مركز لنفسها، وتوضيح الاهتمامات والخطابات النسائية الجديدة، تعتمد على وجود جهاز للدولة يمكن توجيه مطالبها أو احتجاجاتها أو معارضتها إليه.
إن التدميرَ الماديَ لمعظم الأبنية الرسمية، بما في ذلك مقر رئيس الدولة، إضافة إلى المؤسسات والموارد، أرغمني على تحويل تركيزي إلى المجالات والفرص المتاحة للنساء في المجتمع المدني من أجل الاستمرار في مقاومة الاحتلال، بينما يسعين إلى تحقيق نظام أكثر عدالة بين الجنسين.
إن مجتمعاً مدنياً فلسطينياً جديداً برز كمجال غير مسيَّس. وفي حين أنه يوفر منبراً لبحث إرساء الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة، فإنه، فعلياً، خسر قدرته السابقة على تنظيم وتجنيد مختلف المجموعات، وخصوصاً مجموعات النساء الهادفة إلى مقاومة الاحتلال. وأنا أصف العملية الموازية المتمثلة في نمو قوة الإسلاميين الذين أخذوا على عاتقهم الآن مسؤولية النضال الوطني على الرغم من النظر إليهم على أنهم غير ديمقراطيين، وأنهم أصوليون ولا يشكلون جزءاً من المجتمع المدني «الحقيقي».
إن التحولَ في دور قطاع المنظمات غير الحكومية في عهد السلطة الوطنية خلّف آثاراً عميقة على الأشكال المختلفة للنشاط النسائي. وأنشأ التغير ضغطاً على الحركات النسائية لنقل برامج عملها من الجمع بين الكفاح الوطني وتحرير المرأة إلى استهداف الدولة للمطالبة بحقوق المرأة. وتم تحويل العديد من المنظمات النسائية الجماهيرية الناجحة إلى منظمات غير حكومية، أو أنها غدت تحت النفوذ المتزايد لممارسات المنظمات غير الحكومية.
صفحة 3
أحد طروحاتي الرئيسة في هذا الكتاب هو أن التحولَ من منظمات ذات قواعدَ جماهيرية إلى منظمات غير حكومية، أدى في نهاية المطاف إلى الانتقاص من قدرتها بحيث أنه أضعف إمكانية التجنيد لدى المنظمات النسائية العلمانية، وأفرغ نشاطها من الطابع السياسي. وأنوي هنا تقديم منظور نقدي إلى التوجه المتنامي في الشرق الأوسط لتصوير المنظمات النسائية العلمانية غير الحكومية على أنها «دعاة المجتمع المدني»، الديمقراطيون «العصريون» (مقدم 1997: 25 (Moghadam ؛ (قنديـل Kandil ،1995)، وذلك من خـلال إضفاء إشكالية على الاستخدام غير الدقيق الذي يخلط بين مصطلحي «منظمة غير حكومية» و«حركة اجتماعيـة» في الوضع الفلسطيني خصوصاً، وفـي الشرق الأوسط عمومـاً (قنديل، 1995؛ مقدم، 1997؛ بشارة، 1996؛ بيضون، 2002)؛ (بـرغوثي (Bargouthi ،1994؛ (شطي ورابو 1997، chato and Rabo) شلبي، 2001. وينظر كثير من الباحثين إلى تكاثر المنظمات غير الحكومية في الشرق الأوسط كدليل على وجود مجتمع مدني نابض بالحركة، ومن قبيل المفارقة مضاد لسيطرة الخطاب الإسلامي (نورتون Norton 1993و 1995)؛ إبراهيم، 1993، و1995؛ السيد (Al-Sayyid ،1993؛ مقدم، 1997. غير أنه لا ينجز إلا القليل للتحقق من مدى فاعلية تكاثر المنظمات غير الحكومية وتقييم أثرها على تمكين الحركات الاجتماعية المختلفة التي تدعي المنظمات غير الحكومية تمثيلها، وعلى قدرتها لتوفير بديل عن الحركات الإسلامية قابل للحياة. كما لم تقم محاولات للتحقق من مدى نجاح تلك المنظمات في تنظيم مجموعات مختلفة وتجنيدها للمطالبة بحقوقها. قليلة هي الدراسات حول الشرق الأوسط التي تركز على: كيف تؤثر المنظمات غير الحكومية وتتفاعل مع أشكال أخرى من التنظيمات الاجتماعية؛ سواء أكانت نقابات، أم أحزاباً سياسية، أم حركات اجتماعية تشمل الطلاب أو النساء أو العمال؟ (حنفي وطبر (Hanafi and Tabar ،2002.
كذلك أنوي أن أوازي بين صورة العلمانيات «العصريات» الداعيات للمجتمع المدني وصورة المرأة الإسلامية التي تنظر إليها الكثيرات من الناشطات العاملات في الحقل النسائي على أنها «خيمة متحركة» «تقليدية» «متخلفة» معادية لحقوق المرأة وحرياتها.(2) بينما تُصوَّر هذه الموازاة في الخطاب الإسلامي كتنازع بين المرأة الإسلامية «المعطاءة» لشعبها الواقع تحت الاحتلال، والناشطة النسائية العلمانية «المتطلبة» التي تتقدم بطلبات لشعبها بينما تتجاهل محنته. وأنا أقول إن هذه التصورات الرمزية من كلا الطرفين، تمنع وتعيق التعرف على إمكانيات اللقاء على أرضية مشتركة محتملة بين المجموعات النسائية المختلفة أو الوصول إليها. إذ لا تساعد هذه التصورات على فهم القوة النامية للناشطات الإسلاميات في المجتمع المدني، أو التعرف على كيفية للتعامل معها، في الشرق الأوسط عموماً، وفي فلسطين خصوصاً.
من خلال أول دراسة تتم للناشطات الإسلاميات في حزب الخلاص الوطني الإسلامي (وهو كان لفترة من مكونات حركة «حماس» السياسية)، وبخاصة أيديولوجيته الاجتماعية المتعلقة بالعلاقة بين الرجل والمرأة، والممارسات اليومية للحزب وللنشاط النسائي، سأتحرى الإشكالات بين الإسلام والعلمانية والنشاط النسائي (يُنظر إلى الإسلام على أنه معادٍ للعلمانية في جوهره، وبالتالي معادٍ للمعاصرة) (بل وسبرنغبورغ 1990، (Bill and Springborg )؛ لويس (Lewis) ،1964و 1988؛ (خضوري (Kedouri ،1992؛ (كرون ،1980 (Crone. وقد صور باحثون كثيرون الإسلام على أنه تهديد للعلمانية التي تُفهم على أنها انفصام كلي لمجال السياسة عن مجال الدين (العظمة (Al-Azmeh ،1996؛ (روي 1999، Roy)؛ (طيبي (Tibi ،1987. وإنني أتفق مع نظرة أسد في عدم فصل المجالين، والقيام بالأحرى بتفحص الظروف التاريخية التي يسود فيها المشروع السياسي العلماني أو النظرة الإسلامية للأمور (أسد 2003: 189 (Asad ،.
تركـزت النقاشات حـول الإسلام والنشاط النسائي على مـدى توافق الإسلام مـع حقوق المرأة. وقـد اقترح بعضهم أن الحـركات الإسلامية قـد تؤدي إلى تمكين المرأة في أحـوال محـددة (وايت (White ،2002؛ (هيري (Haeri ،1993؛ (مير-حسيني 1996، 2003 Mir-Husseini )؛ مقدم، 1988؛ (نجمبادي (Najmabadi ،1998؛ (هودفار 1995، (Hoodfar؛ (أفشار (Afshar ،1994؛ (أفخمي (Afkhami ،1994؛ (غوشك وبلاغي 1994، Gocek and Balaghi). كانت الشريعة الإسلامية أرضية للنزاع بين الناشطات الإسلاميات والعلمانيات، ليس في فلسطين فحسب، بل في الشرق الأوسط عموماً. وتسعى الإسلاميات إلى المحافظة على الشريعة الإسلامية كخطوة نحو تحقيق ما يرغبنه من إرساء القوانين كلها على أساس هذه الشريعة ضمن مسعاهن لإقامة دولة إسلامية في المستقبل، في حين تريد الناشطات العلمانيات استبدال قوانين علمانية بها مستندة إلى الحقوق الفردية، ويكون نبراسها مبدأ المساواة الكلية. وتبدو الأعمال الأخيرة للناشطات في الحقل النسائي (كرمKaram ،1998)؛ مير-حسيني، 1996 ،2003 ،1999؛ بدران، 1994، 1995 أكثرَ حرصاً على التسوية مع الإسلاميين وطرح مقولة التوافق بين النشاط النسائي والإسلام من خلال مرونة النص الديني والاجتهاد (التحري الفكري المستقل للنصوص الدينية). هذا الموقف، الذي يستند إلى مرونة تأويل النص، يتناقض مع الموقف الذي يركز على دراسة التجربة المعيشية الفعلية للنساء تحت الحكم الإسلامي، أو تحت العلمانية الوطنية (هيل (Hale ،1994؛ (وايت (White ،2002؛ (كنديوتي (Kandiyoti ،1991،1996).
أقول، استناداً إلى ما توصلتُ إليه من استنتاجات من الدراسة الإمبريقية على بعض نساء «حماس»، إن أدوار وعلاقات «النوع الاجتماعي» وحقوق المرأة، ليست أموراً جامدة في الحركات الإسلامية، ولكنها واقعياً في مرحلة تطور ضمن مضمون فعالية الحركة النسائية وهويتها المتغيرة. إن تفصيل حقوق المرأة، في تلك الحركات، يعتمد على الكثير من العوامل الداخلية والخارجية. وتشمل العوامل الداخلية: ديناميكيات الحركة الإسلامية نفسها، موقع النساء ضمن تراتبية الحركة وقدرتهن على إنشاء برنامج عمل مستقل. أما العوامل الخارجية، فتتعلق أساساً بالإطار العلماني الذي يعملن فيه، والذي يشمل خطابات الحركات النسائية العلمانية وفعاليتها التي أرى أنها تمارس نفوذاً قوياً على النقاش في الحركة الإسلامية حول حقوق المرأة. وأقول إن شكلَ «النسوية ووضعها» الذي يطوره الإسلاميون يتصل بمدى الاشتباك الفكري والتفاعل مع الإطار العلماني العام الذي يعملن من خلاله. كان من الصعوبة بمكان، بما توافرَ من حقائق وإحصاءات، تصنيفُ أي شكل من «نسوية إسلامية» للعمل الإسلامي إلا بعد القيام أولاً بفحص ما تقدمه من ردود على المبادئ العلمانية الساعية نحو المعاصرة. وعلى هذا، فإن فكرة وجود منطق داخلي ثابت لا يتغير للحركات الإسلامية (أو الإسلام)، لا تثبت أمام البحث، ولكن يمكنُ تصورُها بشكل أفضل كموقف «رد فعل» يقوم على درجة من التأثر والتجاذب والحوار مع عقائد وأطر فكرية أخرى منافسة.
غير أن ما يحفز محاولتي لإيجاد مشكلات في تصور بعض التجمعات النسائية حول المعتقدات والممارسات الثابتة و«الجامدة» لـ«حماس»، وبخاصة لدى قطاع المنظمات غير الحكومية المهتمة بالشؤون النسائية، هو النقاش حول الإصلاحات المقترحة للشريعة الإسلامية. إني أبحث هنا عن أرضية مشتركة لفهم أفضل وقبول وتشجيع لروحية «الحوار- التشابكي» (بينين وستورك 1997: 22 (Beinin and Stork بين مختلف الحركات والفعاليات النسائية. ويمكن للتوجه نحو «الحوار- التشابكي» أن يساعدَ النساء على مزيد من العناية بالحيثيات التاريخية المحددة، إضافة إلى لفت الانتباه لدقائق الفروق والتماثلات بين الحركات الإسلامية المعاصرة وضمنها. كذلك، فإنه قد يساعد على طرح تطلعات للتغيير الاجتماعي بطرق أكثر قابلية للتطبيق، تأخذ في الاعتبار عوامل متصلة بالتاريخ والمجتمع والسياسة والحضارة والاقتصاد؛ سواء من قبل مجموعات إسلامية أم علمانية.
كذلك أنوي أن أوازي بين صورة العلمانيات «العصريات» الداعيات للمجتمع المدني وصورة المرأة الإسلامية التي تنظر إليها الكثيرات من الناشطات العاملات في الحقل النسائي على أنها «خيمة متحركة» «تقليدية» «متخلفة» معادية لحقوق المرأة وحرياتها.(2) بينما تُصوَّر هذه الموازاة في الخطاب الإسلامي كتنازع بين المرأة الإسلامية «المعطاءة» لشعبها الواقع تحت الاحتلال، والناشطة النسائية العلمانية «المتطلبة» التي تتقدم بطلبات لشعبها بينما تتجاهل محنته. وأنا أقول إن هذه التصورات الرمزية من كلا الطرفين، تمنع وتعيق التعرف على إمكانيات اللقاء على أرضية مشتركة محتملة بين المجموعات النسائية المختلفة أو الوصول إليها. إذ لا تساعد هذه التصورات على فهم القوة النامية للناشطات الإسلاميات في المجتمع المدني، أو التعرف على كيفية للتعامل معها، في الشرق الأوسط عموماً، وفي فلسطين خصوصاً.
من خلال أول دراسة تتم للناشطات الإسلاميات في حزب الخلاص الوطني الإسلامي (وهو كان لفترة من مكونات حركة «حماس» السياسية)، وبخاصة أيديولوجيته الاجتماعية المتعلقة بالعلاقة بين الرجل والمرأة، والممارسات اليومية للحزب وللنشاط النسائي، سأتحرى الإشكالات بين الإسلام والعلمانية والنشاط النسائي (يُنظر إلى الإسلام على أنه معادٍ للعلمانية في جوهره، وبالتالي معادٍ للمعاصرة) (بل وسبرنغبورغ 1990، (Bill and Springborg )؛ لويس (Lewis) ،1964و 1988؛ (خضوري (Kedouri ،1992؛ (كرون ،1980 (Crone. وقد صور باحثون كثيرون الإسلام على أنه تهديد للعلمانية التي تُفهم على أنها انفصام كلي لمجال السياسة عن مجال الدين (العظمة (Al-Azmeh ،1996؛ (روي 1999، Roy)؛ (طيبي (Tibi ،1987. وإنني أتفق مع نظرة أسد في عدم فصل المجالين، والقيام بالأحرى بتفحص الظروف التاريخية التي يسود فيها المشروع السياسي العلماني أو النظرة الإسلامية للأمور (أسد 2003: 189 (Asad ،.
تركـزت النقاشات حـول الإسلام والنشاط النسائي على مـدى توافق الإسلام مـع حقوق المرأة. وقـد اقترح بعضهم أن الحـركات الإسلامية قـد تؤدي إلى تمكين المرأة في أحـوال محـددة (وايت (White ،2002؛ (هيري (Haeri ،1993؛ (مير-حسيني 1996، 2003 Mir-Husseini )؛ مقدم، 1988؛ (نجمبادي (Najmabadi ،1998؛ (هودفار 1995، (Hoodfar؛ (أفشار (Afshar ،1994؛ (أفخمي (Afkhami ،1994؛ (غوشك وبلاغي 1994، Gocek and Balaghi). كانت الشريعة الإسلامية أرضية للنزاع بين الناشطات الإسلاميات والعلمانيات، ليس في فلسطين فحسب، بل في الشرق الأوسط عموماً. وتسعى الإسلاميات إلى المحافظة على الشريعة الإسلامية كخطوة نحو تحقيق ما يرغبنه من إرساء القوانين كلها على أساس هذه الشريعة ضمن مسعاهن لإقامة دولة إسلامية في المستقبل، في حين تريد الناشطات العلمانيات استبدال قوانين علمانية بها مستندة إلى الحقوق الفردية، ويكون نبراسها مبدأ المساواة الكلية. وتبدو الأعمال الأخيرة للناشطات في الحقل النسائي (كرمKaram ،1998)؛ مير-حسيني، 1996 ،2003 ،1999؛ بدران، 1994، 1995 أكثرَ حرصاً على التسوية مع الإسلاميين وطرح مقولة التوافق بين النشاط النسائي والإسلام من خلال مرونة النص الديني والاجتهاد (التحري الفكري المستقل للنصوص الدينية). هذا الموقف، الذي يستند إلى مرونة تأويل النص، يتناقض مع الموقف الذي يركز على دراسة التجربة المعيشية الفعلية للنساء تحت الحكم الإسلامي، أو تحت العلمانية الوطنية (هيل (Hale ،1994؛ (وايت (White ،2002؛ (كنديوتي (Kandiyoti ،1991،1996).
أقول، استناداً إلى ما توصلتُ إليه من استنتاجات من الدراسة الإمبريقية على بعض نساء «حماس»، إن أدوار وعلاقات «النوع الاجتماعي» وحقوق المرأة، ليست أموراً جامدة في الحركات الإسلامية، ولكنها واقعياً في مرحلة تطور ضمن مضمون فعالية الحركة النسائية وهويتها المتغيرة. إن تفصيل حقوق المرأة، في تلك الحركات، يعتمد على الكثير من العوامل الداخلية والخارجية. وتشمل العوامل الداخلية: ديناميكيات الحركة الإسلامية نفسها، موقع النساء ضمن تراتبية الحركة وقدرتهن على إنشاء برنامج عمل مستقل. أما العوامل الخارجية، فتتعلق أساساً بالإطار العلماني الذي يعملن فيه، والذي يشمل خطابات الحركات النسائية العلمانية وفعاليتها التي أرى أنها تمارس نفوذاً قوياً على النقاش في الحركة الإسلامية حول حقوق المرأة. وأقول إن شكلَ «النسوية ووضعها» الذي يطوره الإسلاميون يتصل بمدى الاشتباك الفكري والتفاعل مع الإطار العلماني العام الذي يعملن من خلاله. كان من الصعوبة بمكان، بما توافرَ من حقائق وإحصاءات، تصنيفُ أي شكل من «نسوية إسلامية» للعمل الإسلامي إلا بعد القيام أولاً بفحص ما تقدمه من ردود على المبادئ العلمانية الساعية نحو المعاصرة. وعلى هذا، فإن فكرة وجود منطق داخلي ثابت لا يتغير للحركات الإسلامية (أو الإسلام)، لا تثبت أمام البحث، ولكن يمكنُ تصورُها بشكل أفضل كموقف «رد فعل» يقوم على درجة من التأثر والتجاذب والحوار مع عقائد وأطر فكرية أخرى منافسة.
غير أن ما يحفز محاولتي لإيجاد مشكلات في تصور بعض التجمعات النسائية حول المعتقدات والممارسات الثابتة و«الجامدة» لـ«حماس»، وبخاصة لدى قطاع المنظمات غير الحكومية المهتمة بالشؤون النسائية، هو النقاش حول الإصلاحات المقترحة للشريعة الإسلامية. إني أبحث هنا عن أرضية مشتركة لفهم أفضل وقبول وتشجيع لروحية «الحوار- التشابكي» (بينين وستورك 1997: 22 (Beinin and Stork بين مختلف الحركات والفعاليات النسائية. ويمكن للتوجه نحو «الحوار- التشابكي» أن يساعدَ النساء على مزيد من العناية بالحيثيات التاريخية المحددة، إضافة إلى لفت الانتباه لدقائق الفروق والتماثلات بين الحركات الإسلامية المعاصرة وضمنها. كذلك، فإنه قد يساعد على طرح تطلعات للتغيير الاجتماعي بطرق أكثر قابلية للتطبيق، تأخذ في الاعتبار عوامل متصلة بالتاريخ والمجتمع والسياسة والحضارة والاقتصاد؛ سواء من قبل مجموعات إسلامية أم علمانية.
صفحة 4
الفصل الأول
شعبٌ اقتُلِعت جذورُه، وانتماءٌ قوميٌ لا دولة له
الحركة النسوية الفلسطينية
مقدمة
يهدف هذا الفصل إلى تحديد الإطار التاريخي العام للحركة النسوية الفلسطينية في مضمون التاريخ السياسي للنضال الوطني في فلسطين. كان على النساء أن يوجدن حيزاً لهن في النضال الوطني، حيث أنّ تكوّن الوطنية الفلسطينية تمركز على صورة المقاتل الذكر كمحرر للشعب، وعلى النضال والتضحية كاصطلاحين في اللغة الوطنية. وتمكنت الفاعلية النسائية من إدخال بعض التغييرات على مخيلة الوطنية الفلسطينية، ولكنها لم تصل نقطة تغيير الترتيب السائد لعلاقات (النوع الاجتماعي). وكانت الحركة النسوية الفلسطينية، ولاتزال، خاضعة لقيادة النخبة الحضرية من الطبقة الوسطى. ومن منطلق تاريخي، نتج عن خطاب «العصري» مقابل «التقليدي» المستخدم من قبل هذه النخبة، تهميشٌ للدور المهم الذي أدته النساء الريفيات، وكذلك النساء النازحات في الفترة الأقرب. ولحظة تمكنت هذه الحركة من تجاوز التقسيمات الطبقية والجهوية (الحضري مقابل الريفي، ولاحقاً النازحون)، نجحت في تجنيد النساء وتنظيمهن على نطاق واسع، وأدمجتهن في النضال الوطني. وقد استُخدم فيما بعد من قبل الإسلاميين خطاب مضاد لخطاب النخبة من أجل تقويض الدور القيادي لتلك النخبة. وهكذا أصبح لمفهوم «النوع الاجتماعي» مرونته التي تجلت في صور وأشكال رمزية مختلفة للمشاركة النسائية وللنساء أنفسهن في كل مرحلة من العمل الوطني، ولكنها مركزية فيها كلها.
وأخيراً، فإن إنشاء السلطة الفلسطينية العام 1993، أشَّر على نقطة تحول في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، كما في تاريخ الحركة النسوية الفلسطينية. إن المضايقاتِ الإسرائيلية المستمرة ومصادرة الأراضي قد حجبتا الصدقية عن السلطة الفلسطينية، وأعطت الإسلاميين قوة باعتبارهم حملة لواء التحرير الوطني «الحقيقي». وشكلت السلطة الفلسطينية دافعاً لتغييرات رئيسة في كل الحركات السياسية. ومُنِح النفوذ في الحركة النسوية الفلسطينية إلى نخب نسائية جديدة تعمل ضمن المجتمع المدني في المنظمات غير الحكومية، أو من داخل أجهزة السلطة الفلسطينية، ما أدى إلى ظهور «بيروقراطية نسائية - فيموقراط».(3) وقد غير هذا من تكوين وإستراتيجيات ما يتوجب تصنيفه الآن على أنه الحركة النسوية العلمانية، وذلك على حساب الكوادر النسائية ذات الخلفية المتصلة بالريف أو بالنازحين. إن الإسلاميين هم المتَحدُّون الرئيسيون لهذه الهيمنة.
إشكالية الانتماءات القومية
قدمت الوطنية الفلسطينية صورة متناقضة للنساء الفلسطينيات ولحركتهن إبان الانتداب. فمن ناحية، كان يُنظر للنساء على أنهن «دعاة المعاصرة» وعناصر التمدين للشعب المستقل الذي طال انتظاره، وقد مكن هذا للحركة النسوية أن تنمو وتصبح بادية للعيان. ومن ناحية أخرى، كان يُنظر للنساء على أنهن رمز «أصالة» شعبهن، ورموز الأنماط الاجتماعية التاريخية. وقد أعطيت النساءُ في هذا الدور حيزَ «الخصوصية» المحصور تحت وصاية الذكور من أقربائهن. وتبعاً لما يسميه شاطرجي «المبدأ التناقضي المتأصل» في التفكير الوطني (شاطرجي، (1993: 83 (Chatterjee، فإن «الحداثة» تزعم أنها «تُقدِم» و«تُطور» الشعبَ في الوقت ذاته الذي تحافظ فيه على تميزه وتقاليده الخاصة.
تشبه هذه الصلاتُ المضطربة بين النساء وحركاتهن الوطنية تجاربَ بلدان أخرى من العالم الثالث، حيث قامت النخب الوطنية بدور «المحدِّثين» لشعبهم ونسائهم. وكما لاحظت جاياواردينا في تحليلها لأدوار النساء في الحركات الوطنية عبر العالم الثالث كله، «إن وضعَ النساء في المجتمع كان المقياسَ الشعبي «للمدنية»» (جاياواردينا، 1996: 8، Jayawardena). لقد أصبح التعلم وحرية التنقل والاقتصار على زوجة واحدة من معالم الحداثة «المتمدنة». إن القادة البريطانيين والعرب والصهيونيين قد أولوا اهتمامهم جميعاً لعملية «تحديث» المرأة كمقياس لشرعية سلطتهم في فلسطين (كاتز، 1996: 2003، 93، (Katz؛ فلايشمان (Fleischmann)، 2003؛ شاطرجي، 1993).
أود هنا اقتراح نموذج بديل لتقصي السجلات التاريخية لنضال مختلف المجموعات الاجتماعية. كثيراً ما تعبر المشاريع الوطنية عن اهتمامات مختلفة في معرض تحقيق استقلالها السياسي عن الاستبداد السياسي والاقتصادي تحت الاستعمار؛ وتختلف المشاريع الوطنية بهذه الصفة من مجموعة إلى أخرى. وقد كان هذا هو الحال أثناء الانتداب على فلسطين، حيث كانت اهتمامات النخبة الوطنية القائدة، رجالاً ونساء، تختلف عن اهتمامات الفلاحين بطرق عديدة. وكانت الفئة الأولى تنزع إلى التسوية مع السلطة الاستعمارية، في حين كانت الفئة الأخرى ترى في وجود هذه السلطة دمارها وفناءها.
شعبٌ اقتُلِعت جذورُه، وانتماءٌ قوميٌ لا دولة له
الحركة النسوية الفلسطينية
مقدمة
يهدف هذا الفصل إلى تحديد الإطار التاريخي العام للحركة النسوية الفلسطينية في مضمون التاريخ السياسي للنضال الوطني في فلسطين. كان على النساء أن يوجدن حيزاً لهن في النضال الوطني، حيث أنّ تكوّن الوطنية الفلسطينية تمركز على صورة المقاتل الذكر كمحرر للشعب، وعلى النضال والتضحية كاصطلاحين في اللغة الوطنية. وتمكنت الفاعلية النسائية من إدخال بعض التغييرات على مخيلة الوطنية الفلسطينية، ولكنها لم تصل نقطة تغيير الترتيب السائد لعلاقات (النوع الاجتماعي). وكانت الحركة النسوية الفلسطينية، ولاتزال، خاضعة لقيادة النخبة الحضرية من الطبقة الوسطى. ومن منطلق تاريخي، نتج عن خطاب «العصري» مقابل «التقليدي» المستخدم من قبل هذه النخبة، تهميشٌ للدور المهم الذي أدته النساء الريفيات، وكذلك النساء النازحات في الفترة الأقرب. ولحظة تمكنت هذه الحركة من تجاوز التقسيمات الطبقية والجهوية (الحضري مقابل الريفي، ولاحقاً النازحون)، نجحت في تجنيد النساء وتنظيمهن على نطاق واسع، وأدمجتهن في النضال الوطني. وقد استُخدم فيما بعد من قبل الإسلاميين خطاب مضاد لخطاب النخبة من أجل تقويض الدور القيادي لتلك النخبة. وهكذا أصبح لمفهوم «النوع الاجتماعي» مرونته التي تجلت في صور وأشكال رمزية مختلفة للمشاركة النسائية وللنساء أنفسهن في كل مرحلة من العمل الوطني، ولكنها مركزية فيها كلها.
وأخيراً، فإن إنشاء السلطة الفلسطينية العام 1993، أشَّر على نقطة تحول في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، كما في تاريخ الحركة النسوية الفلسطينية. إن المضايقاتِ الإسرائيلية المستمرة ومصادرة الأراضي قد حجبتا الصدقية عن السلطة الفلسطينية، وأعطت الإسلاميين قوة باعتبارهم حملة لواء التحرير الوطني «الحقيقي». وشكلت السلطة الفلسطينية دافعاً لتغييرات رئيسة في كل الحركات السياسية. ومُنِح النفوذ في الحركة النسوية الفلسطينية إلى نخب نسائية جديدة تعمل ضمن المجتمع المدني في المنظمات غير الحكومية، أو من داخل أجهزة السلطة الفلسطينية، ما أدى إلى ظهور «بيروقراطية نسائية - فيموقراط».(3) وقد غير هذا من تكوين وإستراتيجيات ما يتوجب تصنيفه الآن على أنه الحركة النسوية العلمانية، وذلك على حساب الكوادر النسائية ذات الخلفية المتصلة بالريف أو بالنازحين. إن الإسلاميين هم المتَحدُّون الرئيسيون لهذه الهيمنة.
إشكالية الانتماءات القومية
قدمت الوطنية الفلسطينية صورة متناقضة للنساء الفلسطينيات ولحركتهن إبان الانتداب. فمن ناحية، كان يُنظر للنساء على أنهن «دعاة المعاصرة» وعناصر التمدين للشعب المستقل الذي طال انتظاره، وقد مكن هذا للحركة النسوية أن تنمو وتصبح بادية للعيان. ومن ناحية أخرى، كان يُنظر للنساء على أنهن رمز «أصالة» شعبهن، ورموز الأنماط الاجتماعية التاريخية. وقد أعطيت النساءُ في هذا الدور حيزَ «الخصوصية» المحصور تحت وصاية الذكور من أقربائهن. وتبعاً لما يسميه شاطرجي «المبدأ التناقضي المتأصل» في التفكير الوطني (شاطرجي، (1993: 83 (Chatterjee، فإن «الحداثة» تزعم أنها «تُقدِم» و«تُطور» الشعبَ في الوقت ذاته الذي تحافظ فيه على تميزه وتقاليده الخاصة.
تشبه هذه الصلاتُ المضطربة بين النساء وحركاتهن الوطنية تجاربَ بلدان أخرى من العالم الثالث، حيث قامت النخب الوطنية بدور «المحدِّثين» لشعبهم ونسائهم. وكما لاحظت جاياواردينا في تحليلها لأدوار النساء في الحركات الوطنية عبر العالم الثالث كله، «إن وضعَ النساء في المجتمع كان المقياسَ الشعبي «للمدنية»» (جاياواردينا، 1996: 8، Jayawardena). لقد أصبح التعلم وحرية التنقل والاقتصار على زوجة واحدة من معالم الحداثة «المتمدنة». إن القادة البريطانيين والعرب والصهيونيين قد أولوا اهتمامهم جميعاً لعملية «تحديث» المرأة كمقياس لشرعية سلطتهم في فلسطين (كاتز، 1996: 2003، 93، (Katz؛ فلايشمان (Fleischmann)، 2003؛ شاطرجي، 1993).
أود هنا اقتراح نموذج بديل لتقصي السجلات التاريخية لنضال مختلف المجموعات الاجتماعية. كثيراً ما تعبر المشاريع الوطنية عن اهتمامات مختلفة في معرض تحقيق استقلالها السياسي عن الاستبداد السياسي والاقتصادي تحت الاستعمار؛ وتختلف المشاريع الوطنية بهذه الصفة من مجموعة إلى أخرى. وقد كان هذا هو الحال أثناء الانتداب على فلسطين، حيث كانت اهتمامات النخبة الوطنية القائدة، رجالاً ونساء، تختلف عن اهتمامات الفلاحين بطرق عديدة. وكانت الفئة الأولى تنزع إلى التسوية مع السلطة الاستعمارية، في حين كانت الفئة الأخرى ترى في وجود هذه السلطة دمارها وفناءها.
صفحة 5
إن المقولاتِ السائدة تعرف الفلاحين عموماً على أنهم «تقليديون ومتخلفون ومحافظون»، وأن «الولاءاتِ القبلية والدينية هي ما يحركهم» (بديري، 1979: 46-47)، وأنهم «على عزلة وجهل وفقر أكبر» من أن يتمكنوا من لعب دور مهم في الحركة الوطنية (ليش، 1979: 17،(Lesch . وفي السياق ذاته، تُصوِّر النساءُ الريفياتُ كضحايا للجهل والفقر وهدف العمل الخيري لنساء الطبقة الوسطى (مُغنَّم (Mogannam ،1937؛ خرطبيل 1995؛ حسيني–شهيد (Husseini-shahid ،2000. هذه الآراء تعتبر الفلاحين، ونساءهم بالنتيجة، عاجزين عن المبادرة السياسية أو العمل الجماعي. وقد أظهر سويدنبرغ أنه في حين كان الفلاحون خاضعين لحكم الوجهاء، فإنهم كانوا يمتلكون تقاليد عريقة السجل في معارضة هذه السيطرة، كما انعكس في الثورة الكبرى 1939-1936 (سويدنبرغ، 1988: 170، (Swedenburg. وكما يلاحظ غرامشي (Gramsci)، إن سيطرة طبقة مهيمنة لا تكون مطلقاً «تامة وحصرية»؛ بالأحرى هي عملية وعلاقة هيمنة تتطلب «تجديدها باستمرار وإعادة إنشائها والدفاع عنها وتعديلها» (ويليامز، 1977: 112-113، (Williams .
هكذا، بدلاً من أن أعزو تطوراتٍ معينة إلى «التقاليد» أو«الإسلام»، سوف أسعى إلى فهم الطرق التي كان فيها لتيارات حضارية ودينية معينة تأثيرٌ على سلوكِ مجموعاتٍ معينةٍ في ظروف تاريخية محددة، وكيف ساعدت الأوضاع الاجتماعية والسياسية التي نشأت فيها الحركات على تشكيل إستراتيجياتها، وبالتالي نتائجها كذلك. ومن الممكن، من خلال تعيين موقع الحركات التي يبحثها هذا الفصل في مضمون واسع، أن تتضح لنا بشكل أكثر رؤية العلاقات بين التغيرات ضمن المجموعات، وتلك التي تؤثر على المجتمع والاقتصاد والسلطة الحاكمة (سواء أكانت استعمارية أم وطنية).
الوطنية والفاعلية النسائية تحت الاحتلال البريطاني (1948-1918)
يركز هذا القسم على العلاقة بين التحرر الوطني وتحرير المرأة خلال الموجات المتعاقبة للنضال الوطني. وللكثير من الباحثين في شؤون العمل النسائي رأي في تقييم الحركات الوطنية الفلسطينية؛ سواء أثناء الاحتلال البريطاني أم في فترة عودة حيويتها أواسط الستينيات، مفاده أنها عجزت -حتى في أفضل أحوالها- عن تفصيل رؤية أو منصة متماسكة بالنسبة للنوع الاجتماعي «الجندر» (صايغ (Sayigh ،1988؛ (بِتيت (Peteet ،1991؛ جاد 1991؛ وأنها، في أسوأ أحوالها، كانت محافظة وتقليدية ومتعصبة (مسعد (Massad ،1995؛ (باركر (Parker ،1999؛ بديري 1995؛ (روبنبرغ (Rubenberg ،2001. وأقول في هذا الصدد إنه في حين عجزت الحركات الفلسطينية المتعاقبة عن وضع تفاصيل متماسكة عن النوع الاجتماعي «الجندر»، فإن آراءها المجزأة حصلت كرد فعل للفاعلية النسائية التي كانت بدورها -إلى حد بعيد- حصيلة الحركة الوطنية وفرقها المختلفة. وسوف أفحص في هذا الفصل، برنامجَ العمل الخاص بالنوع الاجتماعي «الجندر» لدى الحركات الوطنية العلمانية. وسأفحص في الفصل الثالث أيديولوجية الإسلاميين الفلسطينيين الذين كان موقفهم كذلك رد فعل على الفاعلية النسائية، شأنهم في هذا شأن الحركات القومية العلمانية.
تم تحليل حلقة الصلة بين الخطاب الوطني وخطاب النوع الاجتماعي «الجندر» في مضامين تاريخية وحضارية مختلفة. وعلى سبيل المثال، لكنديوتي(Kandiyoti) قول إن دمجَ النساء في المفهوم العصري عن «القومية» (nationalism) يتبع مساراً مختلفاً عن ذاك المتعلق بالرجال. حماية «الهوية الجنسية» للمرأة، مثلاً، تشكل «تمييزاً حاسماً بين الشعب والقسم «الآخر» منه» (كنديوتي 1991أ: 430). والأمر المشترك في التحليلات المختلفة هو ما يُعطى لدور المرأة من مركزية في المشاريع الوطنية-القومية. تحدد أنثياس ويوفال- ديفيس (Anthias, Yuval-Davis) خمس طرائق رئيسة توجهت المرأة من خلالها للمشاركة في الشؤون المتعلقة بالعرقية والوطنية وبممارسات الدولة؛ كمنتجاتٍ طبيعياتٍ لأفراد الجماعات العرقية من الشعب؛ كمنتجاتٍ لحدود المجموعات العرقية/القومية؛ كمساهماتٍ مركزياتٍ في إعادة التوليد الأيديولوجي للجماعية وناقلاتٍ لحضارتها؛ كرموز في الخطابات الأيديولوجية المستخدمة في الخلافات العرقية/الوطنية؛ وكمشاركاتٍ في مرافق النضال الوطنية والسياسية والاقتصادية والعسكرية (1989: 7).
من المهم أن نحتفظ في أذهاننا بحقيقة أنه ما من فئة واحدة من النساء يمكن أن يجري حولها تصور خالٍ من الإشكالات بأنها محور السياسات والخطابات المتعلقة بالعرق أو بالأمور القومية أو بالدولة. إن الحركات الوطنية والتحريرية في الشرق الأوسط نشَّطت النساء كفاعلات ورموز (بدران، 1995)؛ (أفخمي وفريدل Afkhami and Friedle ،1997). إن النساء يشكلن التصوير الرمزي الفعلي للشعب (أنثياس ويوفال-ديفيس، 1989: 10)، في حين أن الفروق بين المجموعات العرقية أو الشعوب يكونها السلوك الجنسي للنساء بشكل مركزي.(4)
هكذا، بدلاً من أن أعزو تطوراتٍ معينة إلى «التقاليد» أو«الإسلام»، سوف أسعى إلى فهم الطرق التي كان فيها لتيارات حضارية ودينية معينة تأثيرٌ على سلوكِ مجموعاتٍ معينةٍ في ظروف تاريخية محددة، وكيف ساعدت الأوضاع الاجتماعية والسياسية التي نشأت فيها الحركات على تشكيل إستراتيجياتها، وبالتالي نتائجها كذلك. ومن الممكن، من خلال تعيين موقع الحركات التي يبحثها هذا الفصل في مضمون واسع، أن تتضح لنا بشكل أكثر رؤية العلاقات بين التغيرات ضمن المجموعات، وتلك التي تؤثر على المجتمع والاقتصاد والسلطة الحاكمة (سواء أكانت استعمارية أم وطنية).
الوطنية والفاعلية النسائية تحت الاحتلال البريطاني (1948-1918)
يركز هذا القسم على العلاقة بين التحرر الوطني وتحرير المرأة خلال الموجات المتعاقبة للنضال الوطني. وللكثير من الباحثين في شؤون العمل النسائي رأي في تقييم الحركات الوطنية الفلسطينية؛ سواء أثناء الاحتلال البريطاني أم في فترة عودة حيويتها أواسط الستينيات، مفاده أنها عجزت -حتى في أفضل أحوالها- عن تفصيل رؤية أو منصة متماسكة بالنسبة للنوع الاجتماعي «الجندر» (صايغ (Sayigh ،1988؛ (بِتيت (Peteet ،1991؛ جاد 1991؛ وأنها، في أسوأ أحوالها، كانت محافظة وتقليدية ومتعصبة (مسعد (Massad ،1995؛ (باركر (Parker ،1999؛ بديري 1995؛ (روبنبرغ (Rubenberg ،2001. وأقول في هذا الصدد إنه في حين عجزت الحركات الفلسطينية المتعاقبة عن وضع تفاصيل متماسكة عن النوع الاجتماعي «الجندر»، فإن آراءها المجزأة حصلت كرد فعل للفاعلية النسائية التي كانت بدورها -إلى حد بعيد- حصيلة الحركة الوطنية وفرقها المختلفة. وسوف أفحص في هذا الفصل، برنامجَ العمل الخاص بالنوع الاجتماعي «الجندر» لدى الحركات الوطنية العلمانية. وسأفحص في الفصل الثالث أيديولوجية الإسلاميين الفلسطينيين الذين كان موقفهم كذلك رد فعل على الفاعلية النسائية، شأنهم في هذا شأن الحركات القومية العلمانية.
تم تحليل حلقة الصلة بين الخطاب الوطني وخطاب النوع الاجتماعي «الجندر» في مضامين تاريخية وحضارية مختلفة. وعلى سبيل المثال، لكنديوتي(Kandiyoti) قول إن دمجَ النساء في المفهوم العصري عن «القومية» (nationalism) يتبع مساراً مختلفاً عن ذاك المتعلق بالرجال. حماية «الهوية الجنسية» للمرأة، مثلاً، تشكل «تمييزاً حاسماً بين الشعب والقسم «الآخر» منه» (كنديوتي 1991أ: 430). والأمر المشترك في التحليلات المختلفة هو ما يُعطى لدور المرأة من مركزية في المشاريع الوطنية-القومية. تحدد أنثياس ويوفال- ديفيس (Anthias, Yuval-Davis) خمس طرائق رئيسة توجهت المرأة من خلالها للمشاركة في الشؤون المتعلقة بالعرقية والوطنية وبممارسات الدولة؛ كمنتجاتٍ طبيعياتٍ لأفراد الجماعات العرقية من الشعب؛ كمنتجاتٍ لحدود المجموعات العرقية/القومية؛ كمساهماتٍ مركزياتٍ في إعادة التوليد الأيديولوجي للجماعية وناقلاتٍ لحضارتها؛ كرموز في الخطابات الأيديولوجية المستخدمة في الخلافات العرقية/الوطنية؛ وكمشاركاتٍ في مرافق النضال الوطنية والسياسية والاقتصادية والعسكرية (1989: 7).
من المهم أن نحتفظ في أذهاننا بحقيقة أنه ما من فئة واحدة من النساء يمكن أن يجري حولها تصور خالٍ من الإشكالات بأنها محور السياسات والخطابات المتعلقة بالعرق أو بالأمور القومية أو بالدولة. إن الحركات الوطنية والتحريرية في الشرق الأوسط نشَّطت النساء كفاعلات ورموز (بدران، 1995)؛ (أفخمي وفريدل Afkhami and Friedle ،1997). إن النساء يشكلن التصوير الرمزي الفعلي للشعب (أنثياس ويوفال-ديفيس، 1989: 10)، في حين أن الفروق بين المجموعات العرقية أو الشعوب يكونها السلوك الجنسي للنساء بشكل مركزي.(4)
صفحة 6
أوكلت الحركة الوطنية الفلسطينية أثناء الانتداب دوراً جديداً إلى نساء النخبة من المدن كمرافقاتٍ للرجال لإنقاذ الشعب (مغنم، 1937؛ فلايشمان، 2003). ولكنْ جرى تحدي هذا الدور من قبل رجال الفلاحين ونسائهم، الذين سعوا لتأكيد قوتهم من خلال مشاركتهم في النضال من أجل التحرير الوطني. أرى أن هذا التحدي لم يكن يتعلق بمدي «تقليدية» الفلاحين في ذلك الوقت، ولكنه كان بالأحرى انعكاساً للعداء الطبقي الموجه ضد السيطرة الثقافية للنخب من المدن، بمن في ذلك نساؤهم؛ كان أسلوباً لتأكيد التمكن الجديد المكتسب للهوية الفلاحية عبر عملهم الجماعي في الثورة الكبرى. كانت الإستراتيجية الرئيسة للنخبة الوطنية (رجالاً ونساء) مساءلة المستعمرين وفقاً لنهج القيم الخاص بهم، ونسبة لخطابهم باعتبارهم «محدثين - متمدنين» يحملون وعداً بالحرية (شاطرجي، 1993). وقد تم إلى حد كبير تجاهل اللجوء إلى سبيل إقناع الانتداب البريطاني بشرعية الأماني الفلسطينية، في حين كان الفلاحون وقراهم يزدادون إمعاناً في الفقر. إن المقاومة العنيفة والأكثر إلحاحاً لم تكن إستراتيجية طورها أو خطط لها أفراد النخبة من المدن، حيث أنهم لم يكونوا من سيتحمل الوطأة العظمى من الاضطهاد البريطاني. إن الشكل الجماعي للمقاومة منح الفلاحين قوة أكبر كفئة متميزة عن النخبة من المدن.
كان السياق التقليدي للفاعلية النسائية أكثر مسالمة، شأنه في هذا شأن النخبة من الذكور، من أغلبية بقية الشعب الفلسطيني الذين كان جلهم من الفلاحين الثائرين ضد البريطانيين والصهيونيين. وقد بدأت نساء فلسطين هذا السياق، كما حصل في بلدان أخرى، بتأسيس منظمات خيرية في المراكز الحضرية (بدران، 1995)؛ (بارون (Baron ،1994؛ شطي ورابو 1997؛ (جوزف (Joseph ،1997. وقد خرجت القائدات النسائيات من عائلات برجوازية وغنية، وكذلك من قريبات موظفي الخدمة العامة في مدن مثل القدس ويافا وحيفا (خرطبيل، 1995: 57). وكن في الغالبية مسيحيات حققن تمكنهن بسبب ظهور التعليم التبشيري (الطيباوي (Al-Tibawi ،1956؛ حسيني -شهيد 2000؛ مغنم، 1937؛ (مصلح 1988، (Muslih وركزن على تعليم البنات ومساعدة الفقراء والمرضى (خرطبيل، 1995؛ (جمّال (Jammal ،1985. انطلاقاً من هذه الأصول الخيرية، تم تكوين الحركات النسائية الفلسطينية إلى حد بعيد نتيجة تدهور الحالة السياسية تبعاً للسياسات الاستعمارية البريطانية ووحشية الانتداب البريطاني في قمع الثورات الفلسطينية، وقيام المقاومة الفلسطينية للمشروع الصهيوني، وتعزيز الحركة الوطنية الفلسطينية في العشرينيات والثلاثينيات. هذه الأحداث دفعت النساء إلى محاولة تخطي الحدود الدينية.(5)
تسبب الاضطراب الشعبي السائد بتوسيع المنظمات النسائية لنطاق برامجها وتطوير منظماتها. وكان تأسيس الاتحاد النسائي العربي العام 1930 خطوة مهمة في تجميع الفاعليات النسائية. غير أنه فشل في إيجاد تآلف وطني أو منظمة نسائية وطنية (مغنم، 1937؛ جاد، 1990؛ بتيت، 1991؛ فلايشمان، 2003)، ولا كان بإمكان التآلف المهلهل للمنظمات النسائية الخيرية أن يعمل كقوة موحِدة على الصعيد الوطني. وكما هو وضع المنظمات النسائية والنسوية غير الحكومية في الوقت الحالي، كان لكل جمعية نسائية خيرية أهدافٌ ونظام داخلي خلاف ما لدى غيرها. وكانت هذه المنظمات غير المركزية تلتقي تجاوباً مع وضع سياسي متدهور، أو دعماً لوفود الرجال التي كانت تتفاوض مع الحكومة البريطانية (مغنم، 1937؛ خرطبيل، 1995). وكان العمل الاجتماعي المتمثل في تقديم المعونات الخيرية يتخذ طابعاً سياسياً أوقات الأزمات عندما كان الثوار أثناء الثورة الكبرى (1939-1936) يطلبون من النساء توزيعَ الطعام والأدوية على القرى المحاصَرة (خرطبيل، 1995: 76). لكن هذه الفاعلياتِ النسائية لم تؤسس الاتحاد النسائي العربي حتى العام 1944، وذلك كمحاولة وليدة، وإن كانت متأخرة، لتوحيد صفوفهن على المستوى الوطني.
كانت القدرة على قيادة أو رئاسة منظمة نسائية تتقرر بشكل كبير بحسب الخلفية الطبقية للمرأة ومدى تعرضها للثقافة الغربية (مغنم، 1937؛ خرطبيل، 1995؛ زعيتر، 1980).(6) وكانت تفصل بين الفلاحات والنخبة الوطنية من الحضريات ثغرة ثقافية واسعة،(7) نتجت بشكل رئيس بسبب الافتقار إلى التعليم العام للنساء في الوقت نفسه الذي لم يكن متاحاً للنساء استخدام الصحافة أو المواد المطبوعة (مغنم، 1937)، أو التحرك بحرية في الحيز العام. ولم تكن الفلاحات تعانين من القيود نفسها (تاكر (Tucker ،1993.
إن البناءَ الثقافيَّ المتطور باستمرار للهوية القومية (شليزنغر، 1987: 261، (Schlesinger يساعد في تفسير الردة السلبية ضد نساء النخبة خلال الثورة الكبرى (1939-1936). وهكذا يستطيع المرء أن يرى اللجوء إلى «التقاليدِ» الذي تمثل هنا في فرض الحجاب بشكل رئيس على النساء الحضريات،(8) ليس من قبيل «التقليدية»، ولكن بالأحرى كاختراع فلاحي «جديد» لتعزيز قوة الفلاحين، ليس أقله من حيث أنهم لم يفرضوا الأمر نفسه على نسائهم هم.(9) إبان هذه الأزمة، تخلى الزعماء الوطنيون الذكور عن نساء النخبة وطلبوا منهن ارتداء ملابس متواضعة مثل أخواتهن المجاهدات في القرى (سويدنبرغ، 1995: 181). وقد أدى هذا إلى انسحاب النخبة النسائية من الحيز العام للتركيز على جهودهن في «القضايا الاجتماعية والتنموية» بدلاً من التظاهرات والاستنكار ضد الحكومة (فلايشمان،2003: 178). ويمكن كذلك أن يُعزى هذا الانحدار في الفاعلية السياسية للنساء إلى حقيقة أن النخب الحضرية وعائلاتها هربت من الاضطراب العام خلال الثورة الكبرى (حسيني-شهيد، 2006: 68، 113، 117، 123). وتعثرت ادعاءات المعاصرة لدى النخبة الوطنية من الذكور عندما جابهها عنف المقاومة لدى الفلاحين المتمردين، فترك ذلك نساءهم في مركز متقلقل. ورداً على ادعاء الفلاحين أن نساء النخبة «أقل أصالة»، أضفى الرجال الوطنيون صفة سياسية على معنى الحياة المنزلية للسيدات فرفعوها إلى ذرىً جديدة وأسبغوا عليها صبغة الأهمية الوطنية (فلايشمان، 2003: 10؛ شاطرجي، 1990: 238-240، 248). إن معضلة النساء الفلسطينيات حول كيفية الجمع بين النضال الوطني والنضال النسوي هي أحد معالم الحركة النسائية منذ وجودها حتى الآن. ولكلام خرطبيل في مؤتمر النساء العربيات في القاهرة(10) العام 1944 (11) أهمية في توضيح الفرق بين نضال النساء اللاتي ما زلن يكافحن من أجل الاعتراف بشعبهن ووجودهن، وبين النساء الأخريات اللواتي يعشن في كنف شعب ودولة آمِنين (خرطبيل، 1995: 91). كان تدهور الوضع السياسي في فلسطين يرغم الرجال والنساء على تغيير مسارهم. وأدرك الرجال حاجتهم إلى الفاعلية والتنظيم النسائيين عموماً، ما أعادهن إلى الحيز العام هذه المرة بدعم وحمايةٍ من الحركة الوطنية التي يقودها الرجال.
كان السياق التقليدي للفاعلية النسائية أكثر مسالمة، شأنه في هذا شأن النخبة من الذكور، من أغلبية بقية الشعب الفلسطيني الذين كان جلهم من الفلاحين الثائرين ضد البريطانيين والصهيونيين. وقد بدأت نساء فلسطين هذا السياق، كما حصل في بلدان أخرى، بتأسيس منظمات خيرية في المراكز الحضرية (بدران، 1995)؛ (بارون (Baron ،1994؛ شطي ورابو 1997؛ (جوزف (Joseph ،1997. وقد خرجت القائدات النسائيات من عائلات برجوازية وغنية، وكذلك من قريبات موظفي الخدمة العامة في مدن مثل القدس ويافا وحيفا (خرطبيل، 1995: 57). وكن في الغالبية مسيحيات حققن تمكنهن بسبب ظهور التعليم التبشيري (الطيباوي (Al-Tibawi ،1956؛ حسيني -شهيد 2000؛ مغنم، 1937؛ (مصلح 1988، (Muslih وركزن على تعليم البنات ومساعدة الفقراء والمرضى (خرطبيل، 1995؛ (جمّال (Jammal ،1985. انطلاقاً من هذه الأصول الخيرية، تم تكوين الحركات النسائية الفلسطينية إلى حد بعيد نتيجة تدهور الحالة السياسية تبعاً للسياسات الاستعمارية البريطانية ووحشية الانتداب البريطاني في قمع الثورات الفلسطينية، وقيام المقاومة الفلسطينية للمشروع الصهيوني، وتعزيز الحركة الوطنية الفلسطينية في العشرينيات والثلاثينيات. هذه الأحداث دفعت النساء إلى محاولة تخطي الحدود الدينية.(5)
تسبب الاضطراب الشعبي السائد بتوسيع المنظمات النسائية لنطاق برامجها وتطوير منظماتها. وكان تأسيس الاتحاد النسائي العربي العام 1930 خطوة مهمة في تجميع الفاعليات النسائية. غير أنه فشل في إيجاد تآلف وطني أو منظمة نسائية وطنية (مغنم، 1937؛ جاد، 1990؛ بتيت، 1991؛ فلايشمان، 2003)، ولا كان بإمكان التآلف المهلهل للمنظمات النسائية الخيرية أن يعمل كقوة موحِدة على الصعيد الوطني. وكما هو وضع المنظمات النسائية والنسوية غير الحكومية في الوقت الحالي، كان لكل جمعية نسائية خيرية أهدافٌ ونظام داخلي خلاف ما لدى غيرها. وكانت هذه المنظمات غير المركزية تلتقي تجاوباً مع وضع سياسي متدهور، أو دعماً لوفود الرجال التي كانت تتفاوض مع الحكومة البريطانية (مغنم، 1937؛ خرطبيل، 1995). وكان العمل الاجتماعي المتمثل في تقديم المعونات الخيرية يتخذ طابعاً سياسياً أوقات الأزمات عندما كان الثوار أثناء الثورة الكبرى (1939-1936) يطلبون من النساء توزيعَ الطعام والأدوية على القرى المحاصَرة (خرطبيل، 1995: 76). لكن هذه الفاعلياتِ النسائية لم تؤسس الاتحاد النسائي العربي حتى العام 1944، وذلك كمحاولة وليدة، وإن كانت متأخرة، لتوحيد صفوفهن على المستوى الوطني.
كانت القدرة على قيادة أو رئاسة منظمة نسائية تتقرر بشكل كبير بحسب الخلفية الطبقية للمرأة ومدى تعرضها للثقافة الغربية (مغنم، 1937؛ خرطبيل، 1995؛ زعيتر، 1980).(6) وكانت تفصل بين الفلاحات والنخبة الوطنية من الحضريات ثغرة ثقافية واسعة،(7) نتجت بشكل رئيس بسبب الافتقار إلى التعليم العام للنساء في الوقت نفسه الذي لم يكن متاحاً للنساء استخدام الصحافة أو المواد المطبوعة (مغنم، 1937)، أو التحرك بحرية في الحيز العام. ولم تكن الفلاحات تعانين من القيود نفسها (تاكر (Tucker ،1993.
إن البناءَ الثقافيَّ المتطور باستمرار للهوية القومية (شليزنغر، 1987: 261، (Schlesinger يساعد في تفسير الردة السلبية ضد نساء النخبة خلال الثورة الكبرى (1939-1936). وهكذا يستطيع المرء أن يرى اللجوء إلى «التقاليدِ» الذي تمثل هنا في فرض الحجاب بشكل رئيس على النساء الحضريات،(8) ليس من قبيل «التقليدية»، ولكن بالأحرى كاختراع فلاحي «جديد» لتعزيز قوة الفلاحين، ليس أقله من حيث أنهم لم يفرضوا الأمر نفسه على نسائهم هم.(9) إبان هذه الأزمة، تخلى الزعماء الوطنيون الذكور عن نساء النخبة وطلبوا منهن ارتداء ملابس متواضعة مثل أخواتهن المجاهدات في القرى (سويدنبرغ، 1995: 181). وقد أدى هذا إلى انسحاب النخبة النسائية من الحيز العام للتركيز على جهودهن في «القضايا الاجتماعية والتنموية» بدلاً من التظاهرات والاستنكار ضد الحكومة (فلايشمان،2003: 178). ويمكن كذلك أن يُعزى هذا الانحدار في الفاعلية السياسية للنساء إلى حقيقة أن النخب الحضرية وعائلاتها هربت من الاضطراب العام خلال الثورة الكبرى (حسيني-شهيد، 2006: 68، 113، 117، 123). وتعثرت ادعاءات المعاصرة لدى النخبة الوطنية من الذكور عندما جابهها عنف المقاومة لدى الفلاحين المتمردين، فترك ذلك نساءهم في مركز متقلقل. ورداً على ادعاء الفلاحين أن نساء النخبة «أقل أصالة»، أضفى الرجال الوطنيون صفة سياسية على معنى الحياة المنزلية للسيدات فرفعوها إلى ذرىً جديدة وأسبغوا عليها صبغة الأهمية الوطنية (فلايشمان، 2003: 10؛ شاطرجي، 1990: 238-240، 248). إن معضلة النساء الفلسطينيات حول كيفية الجمع بين النضال الوطني والنضال النسوي هي أحد معالم الحركة النسائية منذ وجودها حتى الآن. ولكلام خرطبيل في مؤتمر النساء العربيات في القاهرة(10) العام 1944 (11) أهمية في توضيح الفرق بين نضال النساء اللاتي ما زلن يكافحن من أجل الاعتراف بشعبهن ووجودهن، وبين النساء الأخريات اللواتي يعشن في كنف شعب ودولة آمِنين (خرطبيل، 1995: 91). كان تدهور الوضع السياسي في فلسطين يرغم الرجال والنساء على تغيير مسارهم. وأدرك الرجال حاجتهم إلى الفاعلية والتنظيم النسائيين عموماً، ما أعادهن إلى الحيز العام هذه المرة بدعم وحمايةٍ من الحركة الوطنية التي يقودها الرجال.
صفحة 7
لم تولد الحركة النسائية تحت الانتداب البريطاني نتيجة رغبة نسوية في التعبير عن حقوق النساء بحد ذاتها، ولكن بالأحرى نتيجة تجربة النساء داخل الحركة الوطنية. كان كلامهن حاذقاً وغير مباشر، حيث لم تكن هنالك سلطة يمكن توجيه المطالب إليها خاصة والشعب نفسه تحت التهديد. وكان سبب توحد الطبقات الوسطى مع المقاتلين الفلاحين هو الشعور المشترك بالخطر. وقد مرت الحركة النسائية الفلسطينية بهذا الدرس المكلف خلال كل مراحلها المختلفة. بكلام آخر، كانت هنالك مراحل متعاقبة من المصالحة في أوقات الأزمات بين الشرائح الوسطى المهنية والجماهير الشعبية، وكان هنالك تباعد وانفصال لبرامج العمل في الفترات التي بدا فيها احتمال وجود عملية تماسك في الدولة. إن بالإمكان تتبعَ هذا النمط خلال مختلف المراحل التي مرت بها الحركة النسائية والنسوية الفلسطينية بعد نكبة العام 1948.
من «الانتماء الفلسطيني» إلى «العصبية الفلسطينية»
يتفق معظم المؤرخين الفلسطينيين على أن ظهور الحركة الوطنية الفلسطينية في الستينيات أشر على ظهور الشكل المعاصر للوطنية الفلسطينية (بديري، 1995 ،1998؛ صايغ، 1987؛ (خالدي Khalidi ،1997، من بين آخرين). على سبيل المثال، يقول صايغ، «إن تجربة النكبة أدت إلى انتماء فلسطيني واضح، ولكن ليس بالضرورة إلى عصبية فلسطينية» (صايغ، 1987: 666). إن ظهور منظمة التحرير الفلسطينية، والتحول التدريجي في معتقداتها، وبناءها للمؤسسات هو ما سينمي هذه العصبية الفلسطينية (صايغ، 1979)؛ (كيمرلنغ ومغدال، 1993: 220، Kimmerling and Migdal). لقد برزت إلى الوجود صورة جديدة للفلسطينيين من ثنايا صدمة الخسارة ونتيجة الخلق الفعال للهوية من قبل «فتح». وأصبح الكفاح الآن مكوناً جوهرياً أساسياً للهوية الوطنية الفلسطينية (شولتز، 1999: 37-38،(Schulz . ولم تكن «الثورة» و«الكفاح المسلح» إستراتيجيتين سياسيتين فحسب، بل أصبحتا مبدأي تعريف حاسم لهوية الانتماء للعصبية الفلسطينية وشكلا الإستراتيجيتين الرئيستين للخطاب الفلسطيني (صايغ، 1987: 26) إلى جانب تشكيل ثقافة عسكرية ثورية.
إذا كان الكفاح هو جوهر الهوية الفلسطينية الجديدة، فإنه كان متشابكاً مع فكرة أن فلسطين هي «أرض الحنين والنفي» (بِتيت، 1998). وكان هذا أمراً حاسماً في تكوين الصلات العاطفية بالأرض ورغبة العودة لدى فلسطينيي الشتات. وبالنسبة إلى الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، كان «الصمود» الفعلي في الأرض هو جوهر الهوية الفلسطينية.
مهما كان الشكل الذي اتخذته الوطنية الفلسطينية، فقد بقي التأكيد على التضحية «كعطاء» ثابتاً. وكان هذا ضد مجرى المطالبة بحقوق المرأة، إذ نُظِر إليه كمطالبة في الوقت الذي كانت فيه معاناة المنفيين في الشتات، ومن هم تحت الاحتلال في الأراضي المحتلة، تعيث الدمار في كل أوجه الحياة الفلسطينية، وبخاصة حياة الفقراء والنازحين. كذلك فإن ما جعل مطالبة النساء بحقوقهن أمراً صعباً في فترة منظمة التحرير الفلسطينية، أو عندما أنشئت السلطة الفلسطينية العام 1993، هو الافتقار إلى موقف واضح حول علاقات النوع الاجتماعي «الجندر»، وما يتعلق بذلك من أيديولوجيات في البناء المعاصر للوطنية الفلسطينية.
النوع الاجتماعي «الجندر» والوطنية في فترة «الثورة» (1982-1974)
لم تكن منظمة التحرير الفلسطينية منذ نشأتها معنية كثيراً بقضايا النوع الاجتماعي «الجندر»، أو ما يتصل بها من علاقات (بِتيت، 1991: 205). وكان هذا الافتقار إلى الرؤيا واضحاً في الكثير من النصوص التي أصدرتها منظمة التحرير الفلسطينية وأجهزتها المختلفة، مثلاً الميثاق «التقدمي» الذي تم تعديله بعد سيطرة عناصر المقاومة في منظمة التحرير الفلسطينية العام 1969. استنتجت بتيت، بعد تفحصها للاتجاهين الأيديولوجيين والسياسيين الرئيسين في منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، وهما الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الماركسية اللينينية و«فتح» ذات التوجه الوطني، أنهما «تظهران فوارق نظرية حول مسألة المرأة، يبدو معها أن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قد طورت تحليلاً أكثر تماسكاً يدرك البعد الأخلاقي للمسألة، والحاجة إلى إثارة الوعي. غير أن المنظمتين تصران على الاندماج التام للحركة النسائية في النضال الوطني. ولا تعطي أيٌّ منهما مساحة للنساء لتحديد أولوياتهن الخاصة ولتنظيمها والنضال من أجلها في منظمات مستقلة» (المصدر نفسه: 164). وتتضمن استنتاجات بِتيت أن المنظمات النسائية المستقلة ستكون أكثر «نسوية» وتحرراً من سيطرة الرجال. وإنني أتساءل حول هذا الاستنتاج حيث أنني أقول خلال هذه الأطروحة بكاملها إن المنظماتِ النسائية المستقلة ليست ضماناتٍ بشكل آلي لبرنامج عمل يتعلق بموضوع النوع الاجتماعي «الجندر»، يكون جوهره الاهتمامات والاحتياجات «الحقيقية» للنساء. وفي حين أنه لا يمكن تحدي حقيقة أن الحركة الوطنية الفلسطينية لم تملك رؤية أو أيديولوجية اجتماعية مفصلة جيداً حول التغيير الاجتماعي، فإن الأحزاب الماركسية تبنت رؤية أكثر دقة حول موضوع النوع الاجتماعي «الجندر»، وكانت أكثر انفتاحاً للفاعلية النسائية وتجاوباً مع احتياجاتها، كما سيتم تفصيله لاحقاً.
إن عدم توافر التزام مفصل جيداً يضع عبئاً كبيراً على حركة النساء كي تقوم هي بتفصيل وصوغ اهتمامات النساء فيما يتعلق بقضايا النوع الاجتماعي «الجندر»، نسبة إلى مراكزهن الاجتماعية المختلفة. لقد اعتبرت سياسة «فتح» باستمرار أن أشكال الكفاح خلاف التحرير الوطني ذات طبيعة ثانوية، منكرة بهذا العلاقة الوثيقة بين النظام المدني والمجتمع (بتيت، 1991: 161). وقد رأى منير شفيق، أحد قياديي «فتح»، أن «النساء لم يفصلن أنفسهن عن قضية شعبهن خلال مختلف مراحل النضال الوطني» (شفيق (Shafiq) ذكر في الغنيمي، 1981: 201). ويستخدم شفيق تحليلاً ماركسياً طبقياً دقيقاً لينزع الشرعية عن الطليعة (النسوية) (المصدر نفسه: 215) التي تسعى إلى تحرير النساء على حساب الجماهير عبر منح الأولوية لمساواة المرأة، وهو ما يسميه موقفاً نخبوياً، غربي التكيف، صادراً عن الطبقة الوسطى من النساء اللواتي يؤخرن بهذه الأفعال تعبئة النساء من أجل الالتحاق بالجماهير في الثورة. وفي حين يرى شفيق أن دور المرأة أساسي في «حرب الشعب»، ويحتج على من يسعون إلى إعفاء النساء من عناء المشاركة في النضال (المصدر نفسه: 206)، فإنه على الرغم من ذلك يطرح أن النساء يجب أن لا يتحدّين «التقاليد» التي تنعكس في الأدوار المهيمنة لعلاقات النوع الاجتماعي «الجندر»، وبخاصة فيما يتعلق بعنايتهن بعائلاتهن وأولادهن (المصدر نفسه: 224). وقد أكد صخر حبش، وهو قيادي آخر في «فتح»، أن هنالك مصدرَ اضطهاد مشترك بين الرجال والنساء، ولكن قيم السلفية(12) (الغنيمي، 1981: 126) هي المصدر الرئيس لاضطهاد النساء، منكراً بهذا تراتبية علاقات النوع الاجتماعي «الجندر» في الحركة الوطنية.
من «الانتماء الفلسطيني» إلى «العصبية الفلسطينية»
يتفق معظم المؤرخين الفلسطينيين على أن ظهور الحركة الوطنية الفلسطينية في الستينيات أشر على ظهور الشكل المعاصر للوطنية الفلسطينية (بديري، 1995 ،1998؛ صايغ، 1987؛ (خالدي Khalidi ،1997، من بين آخرين). على سبيل المثال، يقول صايغ، «إن تجربة النكبة أدت إلى انتماء فلسطيني واضح، ولكن ليس بالضرورة إلى عصبية فلسطينية» (صايغ، 1987: 666). إن ظهور منظمة التحرير الفلسطينية، والتحول التدريجي في معتقداتها، وبناءها للمؤسسات هو ما سينمي هذه العصبية الفلسطينية (صايغ، 1979)؛ (كيمرلنغ ومغدال، 1993: 220، Kimmerling and Migdal). لقد برزت إلى الوجود صورة جديدة للفلسطينيين من ثنايا صدمة الخسارة ونتيجة الخلق الفعال للهوية من قبل «فتح». وأصبح الكفاح الآن مكوناً جوهرياً أساسياً للهوية الوطنية الفلسطينية (شولتز، 1999: 37-38،(Schulz . ولم تكن «الثورة» و«الكفاح المسلح» إستراتيجيتين سياسيتين فحسب، بل أصبحتا مبدأي تعريف حاسم لهوية الانتماء للعصبية الفلسطينية وشكلا الإستراتيجيتين الرئيستين للخطاب الفلسطيني (صايغ، 1987: 26) إلى جانب تشكيل ثقافة عسكرية ثورية.
إذا كان الكفاح هو جوهر الهوية الفلسطينية الجديدة، فإنه كان متشابكاً مع فكرة أن فلسطين هي «أرض الحنين والنفي» (بِتيت، 1998). وكان هذا أمراً حاسماً في تكوين الصلات العاطفية بالأرض ورغبة العودة لدى فلسطينيي الشتات. وبالنسبة إلى الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، كان «الصمود» الفعلي في الأرض هو جوهر الهوية الفلسطينية.
مهما كان الشكل الذي اتخذته الوطنية الفلسطينية، فقد بقي التأكيد على التضحية «كعطاء» ثابتاً. وكان هذا ضد مجرى المطالبة بحقوق المرأة، إذ نُظِر إليه كمطالبة في الوقت الذي كانت فيه معاناة المنفيين في الشتات، ومن هم تحت الاحتلال في الأراضي المحتلة، تعيث الدمار في كل أوجه الحياة الفلسطينية، وبخاصة حياة الفقراء والنازحين. كذلك فإن ما جعل مطالبة النساء بحقوقهن أمراً صعباً في فترة منظمة التحرير الفلسطينية، أو عندما أنشئت السلطة الفلسطينية العام 1993، هو الافتقار إلى موقف واضح حول علاقات النوع الاجتماعي «الجندر»، وما يتعلق بذلك من أيديولوجيات في البناء المعاصر للوطنية الفلسطينية.
النوع الاجتماعي «الجندر» والوطنية في فترة «الثورة» (1982-1974)
لم تكن منظمة التحرير الفلسطينية منذ نشأتها معنية كثيراً بقضايا النوع الاجتماعي «الجندر»، أو ما يتصل بها من علاقات (بِتيت، 1991: 205). وكان هذا الافتقار إلى الرؤيا واضحاً في الكثير من النصوص التي أصدرتها منظمة التحرير الفلسطينية وأجهزتها المختلفة، مثلاً الميثاق «التقدمي» الذي تم تعديله بعد سيطرة عناصر المقاومة في منظمة التحرير الفلسطينية العام 1969. استنتجت بتيت، بعد تفحصها للاتجاهين الأيديولوجيين والسياسيين الرئيسين في منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، وهما الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الماركسية اللينينية و«فتح» ذات التوجه الوطني، أنهما «تظهران فوارق نظرية حول مسألة المرأة، يبدو معها أن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قد طورت تحليلاً أكثر تماسكاً يدرك البعد الأخلاقي للمسألة، والحاجة إلى إثارة الوعي. غير أن المنظمتين تصران على الاندماج التام للحركة النسائية في النضال الوطني. ولا تعطي أيٌّ منهما مساحة للنساء لتحديد أولوياتهن الخاصة ولتنظيمها والنضال من أجلها في منظمات مستقلة» (المصدر نفسه: 164). وتتضمن استنتاجات بِتيت أن المنظمات النسائية المستقلة ستكون أكثر «نسوية» وتحرراً من سيطرة الرجال. وإنني أتساءل حول هذا الاستنتاج حيث أنني أقول خلال هذه الأطروحة بكاملها إن المنظماتِ النسائية المستقلة ليست ضماناتٍ بشكل آلي لبرنامج عمل يتعلق بموضوع النوع الاجتماعي «الجندر»، يكون جوهره الاهتمامات والاحتياجات «الحقيقية» للنساء. وفي حين أنه لا يمكن تحدي حقيقة أن الحركة الوطنية الفلسطينية لم تملك رؤية أو أيديولوجية اجتماعية مفصلة جيداً حول التغيير الاجتماعي، فإن الأحزاب الماركسية تبنت رؤية أكثر دقة حول موضوع النوع الاجتماعي «الجندر»، وكانت أكثر انفتاحاً للفاعلية النسائية وتجاوباً مع احتياجاتها، كما سيتم تفصيله لاحقاً.
إن عدم توافر التزام مفصل جيداً يضع عبئاً كبيراً على حركة النساء كي تقوم هي بتفصيل وصوغ اهتمامات النساء فيما يتعلق بقضايا النوع الاجتماعي «الجندر»، نسبة إلى مراكزهن الاجتماعية المختلفة. لقد اعتبرت سياسة «فتح» باستمرار أن أشكال الكفاح خلاف التحرير الوطني ذات طبيعة ثانوية، منكرة بهذا العلاقة الوثيقة بين النظام المدني والمجتمع (بتيت، 1991: 161). وقد رأى منير شفيق، أحد قياديي «فتح»، أن «النساء لم يفصلن أنفسهن عن قضية شعبهن خلال مختلف مراحل النضال الوطني» (شفيق (Shafiq) ذكر في الغنيمي، 1981: 201). ويستخدم شفيق تحليلاً ماركسياً طبقياً دقيقاً لينزع الشرعية عن الطليعة (النسوية) (المصدر نفسه: 215) التي تسعى إلى تحرير النساء على حساب الجماهير عبر منح الأولوية لمساواة المرأة، وهو ما يسميه موقفاً نخبوياً، غربي التكيف، صادراً عن الطبقة الوسطى من النساء اللواتي يؤخرن بهذه الأفعال تعبئة النساء من أجل الالتحاق بالجماهير في الثورة. وفي حين يرى شفيق أن دور المرأة أساسي في «حرب الشعب»، ويحتج على من يسعون إلى إعفاء النساء من عناء المشاركة في النضال (المصدر نفسه: 206)، فإنه على الرغم من ذلك يطرح أن النساء يجب أن لا يتحدّين «التقاليد» التي تنعكس في الأدوار المهيمنة لعلاقات النوع الاجتماعي «الجندر»، وبخاصة فيما يتعلق بعنايتهن بعائلاتهن وأولادهن (المصدر نفسه: 224). وقد أكد صخر حبش، وهو قيادي آخر في «فتح»، أن هنالك مصدرَ اضطهاد مشترك بين الرجال والنساء، ولكن قيم السلفية(12) (الغنيمي، 1981: 126) هي المصدر الرئيس لاضطهاد النساء، منكراً بهذا تراتبية علاقات النوع الاجتماعي «الجندر» في الحركة الوطنية.
صفحة 8
تحدت النساء في «صامد» و«فتح» والاتحاد العام للمرأة الفلسطينية الرؤية المذكورة أعلاه (اقتباس عن مي صايغ لدى الغنيمي: 125). إن كثيراً من القادة، نساء ورجالاً، أقروا بأن اضطهاد النساء لن يوجد له حل من خلال مشاركة أكبر في الثورة أو من خلال توفير الفرص الاقتصادية، وأكدوا بسبب ذلك على الحاجة -بالنسبة لقضايا النساء- إلى التعبئة ورفع مستوى الوعي وتشكيل كوادر في مختلف المنظمات وفي المجتمع الفلسطيني. كذلك طلبوا إدراج قضايا النساء ضمن أنظمتهم وتعليماتهم الداخلية. وقد استهدف طلبهم إحداثَ تغيير في معالم المواطنة الفلسطينية عبر استصلاح الميثاق الفلسطيني ليقرر بوضوح مبدأ المساواة ودعم النساء والأمومة بصفتهما «دوراً اجتماعياً». كذلك طلبوا تفعيل دور اتحاد المرأة حتى يمثل مصالحهن بشكل صحيح، وليضم عدداً أكبر من النساء على أساس تمثيل أكثر ديمقراطية (المصدر نفسه: 127). وقد شجع الجو العام النقدَ ولفَتَ الانتباه إلى الافتقار لتمثيل النساء في مختلف مراكز اتخاذ القرار في منظمة التحرير الفلسطينية، وفي المنظمات التي تتشكل منها (العمد، 1981: 11).
غير أنه، باشتراك الناشطات من النساء في مختلف مهام المقاومة، بدأت النساء بالضغط على القيادة في سبيل موقف واضح حول نظام النوع الاجتماعي «الجندر». وقد أدى هذا الضغط إلى سلسلة من الفعاليات والنقاشات التي غذتها بعض الكتب والأبحاث حول دور النساء في «الثورة» (أبو علي، 1975؛ الخليلي، 1977؛ شفيق، 1977؛ العمد، 1981). وقد أكدت معظم الكتابات على إنجاز «الثورة» بإشراك عدد أكبر من النساء بغض النظر عن عدد ما ذكر أيضاً من نواقص.
استعانت سلوى العمد في دراسة مهمة عنوانها «ملاحظات على وضع النساء في الثورة الفلسطينية» بالعديد من النقاشات وورش العمل التي تمت العام 1981 حول وضع النساء. رأت العمد أن الثورة أفسحت المجال لالتحاق آلاف النساء بالفاعلية الاجتماعية، والعمل في كل أنواع المؤسسات؛ سواء أكانت اقتصادية أم ثقافية أم إعلامية أم طبية أم عسكرية مرتبطة بالثورة (العمد، 1981: 11). وهي تقر أن «الثورة» قد أدخلت تغييراتٍ اجتماعية كثيرة على حياة النساء، وشجعت على تحقيق قسط أكبر من الاستقلال الاقتصادي والاعتماد على الذات، وبخاصة بالنسبة إلى النساء اللواتي تربطهن قرابة بشهداء أو سجناء. غير أنها رأت كذلك أن «الثورة» تعاملت مع هذه التغييرات الاجتماعية من خلال «الارتجال» و«رد الفعل».
رئيسة الاتحاد، مي صايغ، أكدت في أحد هذه النقاشات أن «المرأة لاتزال في الثورة، وحتى في ممارستها للعمل العسكري، مادة دعائية للتنظيم، وليس تطويراً لوضع النساء وإعطاءهن دورهن الحقيقي، وما زالت أيضاً رصيداً احتياطياً للتنظيمات المختلفة ومجالاً حيوياً لاستغلال الرجل» (اقتباس عن مي صايغ لدى الغنيمي، 1981: 125). ومضت رئيسة الاتحاد التي كانت متأثرة بالنساء الماركسيات في الثورة لتفصيل ثلاثة أشكال لاضطهاد النساء هي «ارتهانهن من قبل الرجال والمجتمع والاحتلال» (اقتباس عن عصام عبد الهادي لدى الغنيمي، 1981: 123).
مع ازدياد ضغط النساء، أثار اقتراح لسنّ قانون أحوال شخصية ]قانون العائلة [جديد يقوم على مبدأ المساواة، جدلاً ساخناً، ولم يتسنَّ لتوصياتهن النجاح، ثم أجلَ طلبُ قانون أحوال شخصية «علماني» بعد العام 1982 عندما غزت إسرائيل لبنان، فشتّتت منظمة التحرير الفلسطينية مع كوادرها النسائية ومؤسساتها. ولم تتم إثارة هذه الدعوة ثانية إلى أن استقرت منظمة التحرير الفلسطينية في المناطق المحتلة في أعقاب اتفاقية أوسلو العام 1993. ويطرح الفصل الثاني نقاشاً كاملاً للمضمون الجديد الذي سيتم من خلاله إعادة فتح مسألة قانون الأحوال الشخصية.
إن الأيديولوجية «التقدمية» للمنظمات الماركسية اللينينية في منظمة التحرير الفلسطينية (وخصوصاً الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، والشيوعيين)(13) جعلتها أكثر تقبلاً لضغط النساء، ولكنها لم تغير موقفها الماركسي الكلاسيكي من قضية المرأة: النساء مضطهدات، ولكن يجب أولاً تحقيق التحرر الوطني من سطوة الاستعمار، والتحرر الطبقي من سطوة الاستغلال الرأسمالي. كلهم شجعوا النساء على لعب دور ناشط مساوٍ لأدوار الرجال في الكفاح الوطني. لقد تفادى الجميع الاصطدام بنظام النوع الاجتماعي «الجندر» المهيمن، وعملوا على تغييره بشكل غير مباشر من خلال التدخلات الفردية للعديد من القياديين، من ذكور وإناث، لإيجاد حلول للأمور التي تتعلق بالعلاقات بين «أزواج تقدميين» أو عائلاتهم (ليلى، مقابلة). والماركسيون، كمعظم العرب القوميين اليساريين من الذكور، كثيراً ما ميزوا بشدة بين تحرر المرأة في المجال العام، وتحررها الجسدي/الجنسي، حيث النظر إلى هذا الأخير على أنه سطحي وفردي (حصو 1997: Hasso ،114). وتؤكد العمد هذا الرأي استناداً إلى تجربتها الخاصة بين المقاتلين والكوادر الثورية بقولها إن المقاتلين الذكور يميلون إلى اختصار تحرر المرأة بحصره في التحرر الجنسي، ولكنهم يبقون على ولائهم لتقسيم المهام على أساس الجنس عند تعلق الأمر بالزواج (العمد، 1981: 13).
غير أن حصو في سياق محاولتها لفهم نفوذ النساء في إحدى هذه المنظمات الماركسية، أظهرت أن «الأيديولوجية ذات الدفع الواعي ذاتياً نحو التمدين والتحديث لدى رجال الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ونسائها، ولّدت منفذاً لتأثير النساء في الخطاب الوطني والنسوي؛ وأن كوادر كفؤة من نساء الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الملتزمات عن أصالة بكل من الوطنية والنسوية، قمن باستغلال هذا المنفذ، وساعدن خلال فترة من الزمن على إعادة تحديد سياسات المشروعين الوطني والنسوي» (حصو، 1997: 116). لقد ضاق هذا الحيز في الخطاب وانتُقصت الإنجازات التي كان بإمكان الحركات النسوية تحقيقها بسبب تراجع أيديولوجية اليسار العلماني، وتدني نفوذ النساء وفاعليتهن في الحركة الوطنية. وكان ذلك في الفترة بعد العام 1993 عندما بدأت قوة الإسلاميين تنمو، وبدأ فيها انكفاء قوة القوى الوطنية والعلمانية.
غير أنه، باشتراك الناشطات من النساء في مختلف مهام المقاومة، بدأت النساء بالضغط على القيادة في سبيل موقف واضح حول نظام النوع الاجتماعي «الجندر». وقد أدى هذا الضغط إلى سلسلة من الفعاليات والنقاشات التي غذتها بعض الكتب والأبحاث حول دور النساء في «الثورة» (أبو علي، 1975؛ الخليلي، 1977؛ شفيق، 1977؛ العمد، 1981). وقد أكدت معظم الكتابات على إنجاز «الثورة» بإشراك عدد أكبر من النساء بغض النظر عن عدد ما ذكر أيضاً من نواقص.
استعانت سلوى العمد في دراسة مهمة عنوانها «ملاحظات على وضع النساء في الثورة الفلسطينية» بالعديد من النقاشات وورش العمل التي تمت العام 1981 حول وضع النساء. رأت العمد أن الثورة أفسحت المجال لالتحاق آلاف النساء بالفاعلية الاجتماعية، والعمل في كل أنواع المؤسسات؛ سواء أكانت اقتصادية أم ثقافية أم إعلامية أم طبية أم عسكرية مرتبطة بالثورة (العمد، 1981: 11). وهي تقر أن «الثورة» قد أدخلت تغييراتٍ اجتماعية كثيرة على حياة النساء، وشجعت على تحقيق قسط أكبر من الاستقلال الاقتصادي والاعتماد على الذات، وبخاصة بالنسبة إلى النساء اللواتي تربطهن قرابة بشهداء أو سجناء. غير أنها رأت كذلك أن «الثورة» تعاملت مع هذه التغييرات الاجتماعية من خلال «الارتجال» و«رد الفعل».
رئيسة الاتحاد، مي صايغ، أكدت في أحد هذه النقاشات أن «المرأة لاتزال في الثورة، وحتى في ممارستها للعمل العسكري، مادة دعائية للتنظيم، وليس تطويراً لوضع النساء وإعطاءهن دورهن الحقيقي، وما زالت أيضاً رصيداً احتياطياً للتنظيمات المختلفة ومجالاً حيوياً لاستغلال الرجل» (اقتباس عن مي صايغ لدى الغنيمي، 1981: 125). ومضت رئيسة الاتحاد التي كانت متأثرة بالنساء الماركسيات في الثورة لتفصيل ثلاثة أشكال لاضطهاد النساء هي «ارتهانهن من قبل الرجال والمجتمع والاحتلال» (اقتباس عن عصام عبد الهادي لدى الغنيمي، 1981: 123).
مع ازدياد ضغط النساء، أثار اقتراح لسنّ قانون أحوال شخصية ]قانون العائلة [جديد يقوم على مبدأ المساواة، جدلاً ساخناً، ولم يتسنَّ لتوصياتهن النجاح، ثم أجلَ طلبُ قانون أحوال شخصية «علماني» بعد العام 1982 عندما غزت إسرائيل لبنان، فشتّتت منظمة التحرير الفلسطينية مع كوادرها النسائية ومؤسساتها. ولم تتم إثارة هذه الدعوة ثانية إلى أن استقرت منظمة التحرير الفلسطينية في المناطق المحتلة في أعقاب اتفاقية أوسلو العام 1993. ويطرح الفصل الثاني نقاشاً كاملاً للمضمون الجديد الذي سيتم من خلاله إعادة فتح مسألة قانون الأحوال الشخصية.
إن الأيديولوجية «التقدمية» للمنظمات الماركسية اللينينية في منظمة التحرير الفلسطينية (وخصوصاً الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، والشيوعيين)(13) جعلتها أكثر تقبلاً لضغط النساء، ولكنها لم تغير موقفها الماركسي الكلاسيكي من قضية المرأة: النساء مضطهدات، ولكن يجب أولاً تحقيق التحرر الوطني من سطوة الاستعمار، والتحرر الطبقي من سطوة الاستغلال الرأسمالي. كلهم شجعوا النساء على لعب دور ناشط مساوٍ لأدوار الرجال في الكفاح الوطني. لقد تفادى الجميع الاصطدام بنظام النوع الاجتماعي «الجندر» المهيمن، وعملوا على تغييره بشكل غير مباشر من خلال التدخلات الفردية للعديد من القياديين، من ذكور وإناث، لإيجاد حلول للأمور التي تتعلق بالعلاقات بين «أزواج تقدميين» أو عائلاتهم (ليلى، مقابلة). والماركسيون، كمعظم العرب القوميين اليساريين من الذكور، كثيراً ما ميزوا بشدة بين تحرر المرأة في المجال العام، وتحررها الجسدي/الجنسي، حيث النظر إلى هذا الأخير على أنه سطحي وفردي (حصو 1997: Hasso ،114). وتؤكد العمد هذا الرأي استناداً إلى تجربتها الخاصة بين المقاتلين والكوادر الثورية بقولها إن المقاتلين الذكور يميلون إلى اختصار تحرر المرأة بحصره في التحرر الجنسي، ولكنهم يبقون على ولائهم لتقسيم المهام على أساس الجنس عند تعلق الأمر بالزواج (العمد، 1981: 13).
غير أن حصو في سياق محاولتها لفهم نفوذ النساء في إحدى هذه المنظمات الماركسية، أظهرت أن «الأيديولوجية ذات الدفع الواعي ذاتياً نحو التمدين والتحديث لدى رجال الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ونسائها، ولّدت منفذاً لتأثير النساء في الخطاب الوطني والنسوي؛ وأن كوادر كفؤة من نساء الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الملتزمات عن أصالة بكل من الوطنية والنسوية، قمن باستغلال هذا المنفذ، وساعدن خلال فترة من الزمن على إعادة تحديد سياسات المشروعين الوطني والنسوي» (حصو، 1997: 116). لقد ضاق هذا الحيز في الخطاب وانتُقصت الإنجازات التي كان بإمكان الحركات النسوية تحقيقها بسبب تراجع أيديولوجية اليسار العلماني، وتدني نفوذ النساء وفاعليتهن في الحركة الوطنية. وكان ذلك في الفترة بعد العام 1993 عندما بدأت قوة الإسلاميين تنمو، وبدأ فيها انكفاء قوة القوى الوطنية والعلمانية.
صفحة 9
الفاعلية السياسية تحت الاحتلال الإسرائيلي: 1967
على الرغم من أن الاحتلال الإسرائيلي وضع الضفة الغربية وقطاع غزة معاً تحت إدارة واحدة، فإن هنالك فروقاً شاسعة بينهما فيما يتعلق بالتاريخ وبالمجريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية (تماري، 1990: (Tamari ،27.
إسرائيل، كما الأردن، منعت أيَّ شكل من التعبئة الوطنية بين الفلسطينيين في المناطق المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة بعد هزيمة الأردن ومصر وسوريا في حرب العام 1967 (ماعوز، 1984: Maooz ،63). وقد أتى رد الفعل على سياساتهما من الهيئة الإسلامية (دقاق 1983: Dakkak ،70) في الوقت نفسه الذي تشكلت فيه في القدس قيادة سياسية قومية شبه سرية تحت اسم لجنة التوجيه الوطني.(14) وقد عملت اللجنتان بانسجام، وتكونت الأولى من شخصيات دينية وقضاة من المحكمة الشرعية، وتكونت الثانية من ناشطين في الحزب الشيوعي الأردني وحركة القوميين العرب (وكلتاهما محظورتان من قبل النظام الأردني قبل الحرب وملاحقتان من قبل الإسرائيليين بعدها) (دقاق، 1983؛ ماعوز، 1984).
تشكلت في العام 1973 ما عرف باسم الجبهة الوطنية الفلسطينية التي ضمت الحزب الشيوعي الأردني، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وفتح، ورئيسة الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية ممثلة عن الجمعيات النسائية في المناطق المحتلة. ونجحت الجبهة في تعبئة مجموعات كثيرة، وبخاصة من الشباب والنساء، وفي تطبيق نهج من الوطنية الفلسطينية في مواجهة المعارضة الإسرائيلية والأردنية. وكانت الانتخابات البلدية العام 1976 امتحاناً حاسماً لها لإظهار نفوذها، وشكلت نقطة تحول في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية في المناطق المحتلة كما في الشتات (ماعوز، 1984). وفي حين قصد الإسرائيليون أن تكون الانتخابات تهميشاً لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، فإن نتائجها أتت بالجيل الأصغر من القيادة الفلسطينية المحلية إلى الواجهة، مثبتة بذلك قدرة منظمة التحرير الفلسطينية على تمثيل الشعب الفلسطيني. غير أنه لم يكن بالإمكان تحقيق نجاح كهذا لولا توسيع دائرة الناخبين بشكل كبير، بحيث أنها، للمرة الأولى، أهّلت عشراتِ الآلاف من الشبان والنساء للتصويت لانتخاب المجالس البلدية ورؤساء البلديات في مدن الضفة الغربية (عبد الجواد، ورقة غير منشورة). بدأت ثقافة «تقدمية» جديدة ترسي جذورها بمشاركة رئيسة من الشباب والنساء.(15) وقام تمييز جديد بين القيادة «التقليدية»، «الرجعية» والقيادة «التقدمية»، «اليسارية»، «الوطنية»، ما ساعد الشاباتِ من النساء على تحديد أين وكيف يمكن لهن أن ينشطن سياسياً.
على الرغم من أن الجبهة الوطنية الفلسطينية دعمت النضال السياسي -مقابل الحل العسكري- فإن الحكومة الإسرائيلية استمرت في اعتبار هذه المنظمة تهديداً لها، فردت باعتقال أو إبعاد ناشطين منها (حصو،1997: 65). وقد عملت منظمة التحرير الفلسطينية على زعزعة مكانة القيادات العلمانية المحلية خشية منها أن تصبح هذه القيادات بديلاً لها، وبخاصة في قطاع غزة، وأدى هذا بشكل غير مباشر إلى تمكين الإسلاميين كما سيظهر فيما بعد (دقاق، 1983: 81-79). في العام 1977، تولى حزب الليكود اليميني السلطة الحكومية في إسرائيل، واتبع سياسة دمج الضفة الغربية في إسرائيل بدلاً من سياسة احتواء الفلسطينيين كما كانت عليه سياسة حزب العمل. وتبنى حزب الليكود، وبخاصة بعد أواسط الثمانينيات، إجراءاتٍ إدارية مختلفة لكبت النشاطات الوطنية لمختلف التجمعات والمؤسسات الفلسطينية، وللانتقاص من سلطة رؤساء البلديات بحصرها في الشؤون البلدية دون غيرها. وقد رافق قمعَ الفلسطينيين خطرٌ أكبر تمثل في حملة متصاعدة للاستيطان الإسرائيلي. وعلى الرغم من أن النشاطات العلنية للفلسطينيين عُرقِلت فترة طويلة، فإن العداءَ لإسرائيل أدى إلى تقوية الشعور بالتضامن الوطني، وبالتالي إلى الانتفاضة الأولى العام 1987 (ماعوز، 1984: 164، 170-176)؛ هلال، 1998: 45-44؛ (ساندلر وفريش، 1982: 66-67، (Sandler and Frisch ؛ تراكي (Taraki ،1990؛ الشعيبي، 1986.
فترة نفوذ النساء: أشكال جديدة للتعبئة: 1993-1978
إن تجاربَ الجبهة الوطنية الفلسطينية ولجنة التوجيه الوطني أظهرت أهمية الجهود العامة لتنظيم الجماهير. انتشر إثر ذلك العديد من الأطر الجماهيرية التي كانت لها علاقات بفئات مختلفة في منظمة التحرير الفلسطينية؛ فسعت كل منها لتقوية مناصريها، وتجلى ذلك في التقسيمات الفئوية لاتحادات العمال ولمنظمات العمل التطوعية وللمنظمات النسائية والنسوية. وفي حين يمكن القول إن تنظيماً واحداً كان يكفي، غير أنه كانت لهذه التقسيمات فائدة تمثلت في زيادة أعداد المجندين من الناس عبر التوجه إلى المتحزبين لكل المجموعات السياسية. كذلك كان أصعبَ بكثير تدميرُ هذه المنظمات الجديدة التي كانت لها في كل منطقة بنية أكثر انتشاراً من المنظمات الأحادية التنظيم سابقاً.
على الرغم من أن الاحتلال الإسرائيلي وضع الضفة الغربية وقطاع غزة معاً تحت إدارة واحدة، فإن هنالك فروقاً شاسعة بينهما فيما يتعلق بالتاريخ وبالمجريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية (تماري، 1990: (Tamari ،27.
إسرائيل، كما الأردن، منعت أيَّ شكل من التعبئة الوطنية بين الفلسطينيين في المناطق المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة بعد هزيمة الأردن ومصر وسوريا في حرب العام 1967 (ماعوز، 1984: Maooz ،63). وقد أتى رد الفعل على سياساتهما من الهيئة الإسلامية (دقاق 1983: Dakkak ،70) في الوقت نفسه الذي تشكلت فيه في القدس قيادة سياسية قومية شبه سرية تحت اسم لجنة التوجيه الوطني.(14) وقد عملت اللجنتان بانسجام، وتكونت الأولى من شخصيات دينية وقضاة من المحكمة الشرعية، وتكونت الثانية من ناشطين في الحزب الشيوعي الأردني وحركة القوميين العرب (وكلتاهما محظورتان من قبل النظام الأردني قبل الحرب وملاحقتان من قبل الإسرائيليين بعدها) (دقاق، 1983؛ ماعوز، 1984).
تشكلت في العام 1973 ما عرف باسم الجبهة الوطنية الفلسطينية التي ضمت الحزب الشيوعي الأردني، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وفتح، ورئيسة الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية ممثلة عن الجمعيات النسائية في المناطق المحتلة. ونجحت الجبهة في تعبئة مجموعات كثيرة، وبخاصة من الشباب والنساء، وفي تطبيق نهج من الوطنية الفلسطينية في مواجهة المعارضة الإسرائيلية والأردنية. وكانت الانتخابات البلدية العام 1976 امتحاناً حاسماً لها لإظهار نفوذها، وشكلت نقطة تحول في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية في المناطق المحتلة كما في الشتات (ماعوز، 1984). وفي حين قصد الإسرائيليون أن تكون الانتخابات تهميشاً لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، فإن نتائجها أتت بالجيل الأصغر من القيادة الفلسطينية المحلية إلى الواجهة، مثبتة بذلك قدرة منظمة التحرير الفلسطينية على تمثيل الشعب الفلسطيني. غير أنه لم يكن بالإمكان تحقيق نجاح كهذا لولا توسيع دائرة الناخبين بشكل كبير، بحيث أنها، للمرة الأولى، أهّلت عشراتِ الآلاف من الشبان والنساء للتصويت لانتخاب المجالس البلدية ورؤساء البلديات في مدن الضفة الغربية (عبد الجواد، ورقة غير منشورة). بدأت ثقافة «تقدمية» جديدة ترسي جذورها بمشاركة رئيسة من الشباب والنساء.(15) وقام تمييز جديد بين القيادة «التقليدية»، «الرجعية» والقيادة «التقدمية»، «اليسارية»، «الوطنية»، ما ساعد الشاباتِ من النساء على تحديد أين وكيف يمكن لهن أن ينشطن سياسياً.
على الرغم من أن الجبهة الوطنية الفلسطينية دعمت النضال السياسي -مقابل الحل العسكري- فإن الحكومة الإسرائيلية استمرت في اعتبار هذه المنظمة تهديداً لها، فردت باعتقال أو إبعاد ناشطين منها (حصو،1997: 65). وقد عملت منظمة التحرير الفلسطينية على زعزعة مكانة القيادات العلمانية المحلية خشية منها أن تصبح هذه القيادات بديلاً لها، وبخاصة في قطاع غزة، وأدى هذا بشكل غير مباشر إلى تمكين الإسلاميين كما سيظهر فيما بعد (دقاق، 1983: 81-79). في العام 1977، تولى حزب الليكود اليميني السلطة الحكومية في إسرائيل، واتبع سياسة دمج الضفة الغربية في إسرائيل بدلاً من سياسة احتواء الفلسطينيين كما كانت عليه سياسة حزب العمل. وتبنى حزب الليكود، وبخاصة بعد أواسط الثمانينيات، إجراءاتٍ إدارية مختلفة لكبت النشاطات الوطنية لمختلف التجمعات والمؤسسات الفلسطينية، وللانتقاص من سلطة رؤساء البلديات بحصرها في الشؤون البلدية دون غيرها. وقد رافق قمعَ الفلسطينيين خطرٌ أكبر تمثل في حملة متصاعدة للاستيطان الإسرائيلي. وعلى الرغم من أن النشاطات العلنية للفلسطينيين عُرقِلت فترة طويلة، فإن العداءَ لإسرائيل أدى إلى تقوية الشعور بالتضامن الوطني، وبالتالي إلى الانتفاضة الأولى العام 1987 (ماعوز، 1984: 164، 170-176)؛ هلال، 1998: 45-44؛ (ساندلر وفريش، 1982: 66-67، (Sandler and Frisch ؛ تراكي (Taraki ،1990؛ الشعيبي، 1986.
فترة نفوذ النساء: أشكال جديدة للتعبئة: 1993-1978
إن تجاربَ الجبهة الوطنية الفلسطينية ولجنة التوجيه الوطني أظهرت أهمية الجهود العامة لتنظيم الجماهير. انتشر إثر ذلك العديد من الأطر الجماهيرية التي كانت لها علاقات بفئات مختلفة في منظمة التحرير الفلسطينية؛ فسعت كل منها لتقوية مناصريها، وتجلى ذلك في التقسيمات الفئوية لاتحادات العمال ولمنظمات العمل التطوعية وللمنظمات النسائية والنسوية. وفي حين يمكن القول إن تنظيماً واحداً كان يكفي، غير أنه كانت لهذه التقسيمات فائدة تمثلت في زيادة أعداد المجندين من الناس عبر التوجه إلى المتحزبين لكل المجموعات السياسية. كذلك كان أصعبَ بكثير تدميرُ هذه المنظمات الجديدة التي كانت لها في كل منطقة بنية أكثر انتشاراً من المنظمات الأحادية التنظيم سابقاً.
صفحة 10
لهذه الأسباب، وعلى خلفية مقاومة وطنية مكثفة العام 1976، كان ليوم المرأة العالمي في 8 آذار/ مارس 1978 أهمية خاصة. عقدت بعض الناشطات اجتماعاً نجم عنه ولادة لجنة العمل النسائي التي تكونت بشكل غالب من ذلك الجيل من النساء اللواتي كن يعملن في المنظمات السياسية، وبخاصة الأحزاب اليسارية كالجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والحزب الشيوعي، و«فتح»، إضافة إلى بعض النساء المستقلات. وقد حاولت هؤلاء النساء دون توانٍ الانضمام إلى بنية الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية الذي كانت تترأسه في ذلك الوقت سميحة خليل، وهي من الشخصيات الوطنية العريقة، لكنها حجبت ذلك عنهن خوفاً من أن تشكل خلفيتهن المؤيدة للمقاومة العسكرية خطراً على الجمعية الخيرية القوية(16) «إنعاش الأسرة» المستخدمة واجهة للاتحاد.
خلقت ولادة اللجنة الجديدة خارج مظلة الاتحاد الذي يمثل «كلَّ» النساء الفلسطينيات صراعاً حول القيادة والرؤية والإستراتيجيات لا يزال باقياً حتى هذا اليوم في الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية. لقد ضمت لجنة العمل النسائي كادر النساء اللواتي برزن من مختلف مخيمات العمل التطوعي التي تكاثر عددها وبخاصة بعد الانتخابات البلدية العام 1976، وكانت لها تكييفات ماركسية واهتمامات نسوية في العمل السياسي. وعلى الرغم من أن لجنة العمل النسائي تكونت أصلاً من كوادر ناشطة دون اعتبار الانتماءات السياسية، فإن صراعاً حزبياً ظهر مع الوقت في صفوفها، وأنتج عدداً متتابعاً من المنظمات النسوية ذات القواعد الشعبية (جاد، 1990: 131) (انظر الملحق أ).
يصح اتخاذ وصف موجز للتنظيم الذي برز من لجنة العمل النسائي نفسها كنموذج كذلك للتنظيمات النسائية الأخرى في هذه الفترة. كان اتحاد لجان العمل(17) النسائي تنظيماً نسائياً جماهيرياً قوياً منذ أواخر السبعينيات وحتى أوائل التسعينيات. وتضمن برنامجُ هذا الاتحاد الحصولَ على حقوق للنساء مساوية لحقوق الرجال في «المجال العام» – الرواتب، وفرص العمل، والتعلم، والمشاركة السياسية (حصو، 1997: 220). وقد اعتنق الاتحاد، بصفته مجموعة ماركسية، الافتراض بأن اضطهاد النساء ينبع من الترابط الثلاثي: القومي والطبقي والجنسي. وهكذا، يمكن تحقيق مصالح النوع الاجتماعي «الجندر» الإستراتيجية (مولينو Molyneux ،1985) من خلال تنظيم النساء وتعبئتهن في الكفاح الوطني، وتكون الوسيلة العملَ بأقصى قدر لديهن لتلبية الاحتياجات العملية للنساء الأفقر ولنساء الطبقة العاملة. وقد تبيّن أن توفير الخدمات لتلبية الاحتياجات النسائية المباشرة فيما يتعلق بالعناية الصحية والتعلم والمساعدة الاجتماعية والعمل، هو ما يضمن تحررهن الاجتماعي من قيود الاعتماد على الرجال (اتحاد لجان المرأة العاملة، 1985: 7؛ اتحاد لجان العمل النسائي الفلسطيني، 1988). أما بالنسبة إلى الاضطهاد الجنسي، فإن الناشطات من النساء كنّ على وعي به، ولكنْ كان عليهن التعامل معه بحذر وبشكل غير مباشر ضمن دائرة أعضاء التنظيم وأنصار الحزب السياسي.
نجح اتحاد لجان العمل النسائي أيضاً في تجنيد الكثيرات من المثقفات والأكاديميات والنساء المهنيات. كذلك كان أحدَ أول التنظيمات النسائية التي تأثرت بتدفق التمويل الأجنبي وإدخال العناصر المهنية خلال الانتفاضة الأولى. وفي النهاية، كان الاتحاد ضحية تحول برنامج المانحين بعد اتفاقية أوسلو العام 1993 إلى «مشاريع» تدعم «المجتمع المدني» الفلسطيني والحكم الصالح و«حل النزاعات»؛ أي «المشاريع المشتركة» بين الفلسطينيين والإسرائيليين. كذلك كان الاتحاد أولَ تنظيم نسائي يتأثر بالانشقاق في قاعدة دعمه المؤسسية، الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. ومن أجل التقليل من اضمحلال هذه القاعدة، أخذ الاتحاد يتوجه نحو نساء مستقلات ومهتمات بالشؤون النسوية من خارج الانتماء السياسي الحزبي.
كان أحدُ أهم مكونات نجاح الاتحاد التزامَه بمساعدة النساء من خلال التركيز على احتياجاتهن المحددة، أو على ما أصبح يعرف باحتياجاتهن العملية (التي كثيراً ما اشتملت على وسائل لتوليد الدخل وتوفير العناية أثناء النهار وخدمات ما قبل المدرسة). ولم تستند هذه المهمة إلى «إشباع الاحتياجات الناشئة عن وضع النساء ضمن التقسيم الجنسي للعمل» (مولينو، 2001: 153) قدر استنادها إلى إشباع الاحتياجات العملية كحلقة وصل لمتابعة «الاهتمامات الإستراتيجية» الأكبر بالتحرير الوطني، وكذلك لتحويل العلاقات الاجتماعية من أجل تأمين إعادة تحديد وضع أكثر ديمومة للنساء ضمن نظام النوع الاجتماعي «الجندر»، وفي المجتمع عموماً (سهام، أمل، زهيرة، مقابلات).
انعكس الترابط بين الاهتمامات الإستراتيجية والاحتياجات العملية للنساء من خلال تكوين مشاريع مختلفة للاتحاد. وكانت مشاريعه المدرة للدخل تختلف عن مشاريع الجمعيات النسائية الخيرية، من حيث أنه كان لديها التزام مسبق بآليات اتخاذ قرار يتخذ من خلال المجموعة. إضافة إلى هذا، لم تكن أهداف مشاريع الاتحاد الربحية أو «العمل الخيري»، ولكن الوصول إلى النساء والعمل الاجتماعي والسياسي بهدف تعبئتهن وتنظيمهن. سعى التنظيم إلى توفير خدمات تريدها النساء، وقسطٍ من الاستقلال الاقتصادي من خلال العمل المأجور، وحيز اجتماعي مسيّس تشارك فيه نساء أخريات. بالإضافة إلى ذلك، فقد أراد الاتحاد زيادة الدعم الجماهيري له ولحزبه الذي أوجده، الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. وكان ما حفز على إيجاد مشاريع منتجة للدخل للنساء والفتيات، كذلك معرفة الاتحاد أن تجنيدَ نساء القرى ونساء الطبقة العاملة يتطلب توفيرَه لبنية عمل آمنة تكون مقبولة لدى العائلات والمجموعات المدنية (حصو، 1997: 223؛ سهام، مقابلة). ازداد الطلب على هذه المشاريع المنتجة للدخل خلال الانتفاضة الأولى، ومع تدهور الحالة الاقتصادية العامة أصبحت النساء أكثر انخراطاً في مشاريع الاتحاد.
خلقت ولادة اللجنة الجديدة خارج مظلة الاتحاد الذي يمثل «كلَّ» النساء الفلسطينيات صراعاً حول القيادة والرؤية والإستراتيجيات لا يزال باقياً حتى هذا اليوم في الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية. لقد ضمت لجنة العمل النسائي كادر النساء اللواتي برزن من مختلف مخيمات العمل التطوعي التي تكاثر عددها وبخاصة بعد الانتخابات البلدية العام 1976، وكانت لها تكييفات ماركسية واهتمامات نسوية في العمل السياسي. وعلى الرغم من أن لجنة العمل النسائي تكونت أصلاً من كوادر ناشطة دون اعتبار الانتماءات السياسية، فإن صراعاً حزبياً ظهر مع الوقت في صفوفها، وأنتج عدداً متتابعاً من المنظمات النسوية ذات القواعد الشعبية (جاد، 1990: 131) (انظر الملحق أ).
يصح اتخاذ وصف موجز للتنظيم الذي برز من لجنة العمل النسائي نفسها كنموذج كذلك للتنظيمات النسائية الأخرى في هذه الفترة. كان اتحاد لجان العمل(17) النسائي تنظيماً نسائياً جماهيرياً قوياً منذ أواخر السبعينيات وحتى أوائل التسعينيات. وتضمن برنامجُ هذا الاتحاد الحصولَ على حقوق للنساء مساوية لحقوق الرجال في «المجال العام» – الرواتب، وفرص العمل، والتعلم، والمشاركة السياسية (حصو، 1997: 220). وقد اعتنق الاتحاد، بصفته مجموعة ماركسية، الافتراض بأن اضطهاد النساء ينبع من الترابط الثلاثي: القومي والطبقي والجنسي. وهكذا، يمكن تحقيق مصالح النوع الاجتماعي «الجندر» الإستراتيجية (مولينو Molyneux ،1985) من خلال تنظيم النساء وتعبئتهن في الكفاح الوطني، وتكون الوسيلة العملَ بأقصى قدر لديهن لتلبية الاحتياجات العملية للنساء الأفقر ولنساء الطبقة العاملة. وقد تبيّن أن توفير الخدمات لتلبية الاحتياجات النسائية المباشرة فيما يتعلق بالعناية الصحية والتعلم والمساعدة الاجتماعية والعمل، هو ما يضمن تحررهن الاجتماعي من قيود الاعتماد على الرجال (اتحاد لجان المرأة العاملة، 1985: 7؛ اتحاد لجان العمل النسائي الفلسطيني، 1988). أما بالنسبة إلى الاضطهاد الجنسي، فإن الناشطات من النساء كنّ على وعي به، ولكنْ كان عليهن التعامل معه بحذر وبشكل غير مباشر ضمن دائرة أعضاء التنظيم وأنصار الحزب السياسي.
نجح اتحاد لجان العمل النسائي أيضاً في تجنيد الكثيرات من المثقفات والأكاديميات والنساء المهنيات. كذلك كان أحدَ أول التنظيمات النسائية التي تأثرت بتدفق التمويل الأجنبي وإدخال العناصر المهنية خلال الانتفاضة الأولى. وفي النهاية، كان الاتحاد ضحية تحول برنامج المانحين بعد اتفاقية أوسلو العام 1993 إلى «مشاريع» تدعم «المجتمع المدني» الفلسطيني والحكم الصالح و«حل النزاعات»؛ أي «المشاريع المشتركة» بين الفلسطينيين والإسرائيليين. كذلك كان الاتحاد أولَ تنظيم نسائي يتأثر بالانشقاق في قاعدة دعمه المؤسسية، الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. ومن أجل التقليل من اضمحلال هذه القاعدة، أخذ الاتحاد يتوجه نحو نساء مستقلات ومهتمات بالشؤون النسوية من خارج الانتماء السياسي الحزبي.
كان أحدُ أهم مكونات نجاح الاتحاد التزامَه بمساعدة النساء من خلال التركيز على احتياجاتهن المحددة، أو على ما أصبح يعرف باحتياجاتهن العملية (التي كثيراً ما اشتملت على وسائل لتوليد الدخل وتوفير العناية أثناء النهار وخدمات ما قبل المدرسة). ولم تستند هذه المهمة إلى «إشباع الاحتياجات الناشئة عن وضع النساء ضمن التقسيم الجنسي للعمل» (مولينو، 2001: 153) قدر استنادها إلى إشباع الاحتياجات العملية كحلقة وصل لمتابعة «الاهتمامات الإستراتيجية» الأكبر بالتحرير الوطني، وكذلك لتحويل العلاقات الاجتماعية من أجل تأمين إعادة تحديد وضع أكثر ديمومة للنساء ضمن نظام النوع الاجتماعي «الجندر»، وفي المجتمع عموماً (سهام، أمل، زهيرة، مقابلات).
انعكس الترابط بين الاهتمامات الإستراتيجية والاحتياجات العملية للنساء من خلال تكوين مشاريع مختلفة للاتحاد. وكانت مشاريعه المدرة للدخل تختلف عن مشاريع الجمعيات النسائية الخيرية، من حيث أنه كان لديها التزام مسبق بآليات اتخاذ قرار يتخذ من خلال المجموعة. إضافة إلى هذا، لم تكن أهداف مشاريع الاتحاد الربحية أو «العمل الخيري»، ولكن الوصول إلى النساء والعمل الاجتماعي والسياسي بهدف تعبئتهن وتنظيمهن. سعى التنظيم إلى توفير خدمات تريدها النساء، وقسطٍ من الاستقلال الاقتصادي من خلال العمل المأجور، وحيز اجتماعي مسيّس تشارك فيه نساء أخريات. بالإضافة إلى ذلك، فقد أراد الاتحاد زيادة الدعم الجماهيري له ولحزبه الذي أوجده، الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. وكان ما حفز على إيجاد مشاريع منتجة للدخل للنساء والفتيات، كذلك معرفة الاتحاد أن تجنيدَ نساء القرى ونساء الطبقة العاملة يتطلب توفيرَه لبنية عمل آمنة تكون مقبولة لدى العائلات والمجموعات المدنية (حصو، 1997: 223؛ سهام، مقابلة). ازداد الطلب على هذه المشاريع المنتجة للدخل خلال الانتفاضة الأولى، ومع تدهور الحالة الاقتصادية العامة أصبحت النساء أكثر انخراطاً في مشاريع الاتحاد.