بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اتبع هداه .
أما بعد . .
فإن قضية الإيمان هي أعظم قضايا الوجود ، لأنها قضية المبدأ والمصير ، والغاية والرسالة ، ولا سبيل إلى تماسك المجتمع ، أو سعادة الفرد في الأولى والآخرة بغير الإيمان . فالإيمان ضرورة دينية ، وضرورة دنيوية . . ضرورة فردية ، وضرورة اجتماعية . وهو في الواقع جوهر الحياة وروحها وجمالها .
ولهذا كان على كل ذي فكر ، وذي قلم أو لسان ، وكل من له قدرة على التأثير والتوجيه ، أن يعمل على تثبيت معاني الإيمان ، وحقائق الإيمان ، وأخلاق الإيمان ، في أنفس الناس وحياتهم . حتى يسعدوا بالحياة ، وتسعد بهم الحياة ، ويتزودوا بخير الزاد لما بعد هذه الحياة .
وقد شغلتني قضية الإيمان باعتبارها قضية الإنسان المصيرية الأولى . فكتبت فيها وحولها ، ولا زلت أكتب ولن أزال .
كتبت عن الإيمان والحياة ، وعن قضايا الإيمان الكبرى ، مثل قضية وجود الله جل جلاله ، وقضية التوحيد أساس الإيمان ولبه في الإسلام ، وقضية الإيمان بالقدر وغيرها .
كما رأيت أن من وسائل تثبيت الإيمان عرض نماذج مؤمنة يرى الناس فيها معاني الإيمان وقيمه وفضائله مجسمة في بشر يمشون على الأرض ، يمكن أن تتخذ من حياتهم أسوة حسنة .
وهذا سر عناية سَلَفنا بكتب الطبقات والتراجم للعلماء والزهَّاد والصالحين . ليكون من سيرهم منارات إرشاد ، ومصابيح هداية .
وقد بدأت بعرض هذه النماذج الرائعة لعدد قليل من النساء المؤمنات وعسى أن يمدنا الله بالعون والتوفيق لنضيف إليها غيرها ، من نساء الأمة الصالحات القانتات الفاضلات . ومن رجال الأمة كذلك .
ولعل من الخير الذي قدَّره الله أن بدأنا بنماذج النساء المؤمنات قبل الرجال المؤمنين .
ذلك لأن الميدان النسائي قد غزاه شياطين الإنس فأفسدوا على المرأة المسلمة تفكيرها ووجدانها وسلوكها . فأصبحت في حاجة ماسة إلى أن ترد رشدها ، وتعود إلى أصالتها . . وتعتز بشخصيتها الإسلامية ، وترفض التقليد الأعمى ، والتبعية الذليلة للغرب أو للشرق ، راضية بالله وحده رباًّ ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد * نبياًّ ورسولاً .
هذا مع أنى لاحظت من خلال تجاربي في الدعوة والتدريس والإفتاء أن المرأة أشد اهتماماً بالدين وتأثراً به من الرجل . لأن قلبها في الغالب أشد حساسية وشفافية من قلب الرجل .
لهذا كان على الدعاة والمصلحين أن يوجهوا اهتمامهم إلى هذا الميدان الخطير ـ ميدان المرأة ـ مستعينين بكل الوسائل والأساليب الكفيلة بمواجهة وسائل الهدَّامين وأساليبهم .
فإلى كل امرأة مسلمة ، فتاة أو زوجة أو أماًّ أو عضواً في المجتمع ، أقدِّم هذه النماذج المؤمنة ، لعلها بها تقتدي فتهتدي .
وبالله التوفيق ، ومنه العون ، وعليه التوكل والاعتماد .
5 ربيع الأول سنة 1399 هـ
2 فبراير سنة 1979 م
دكتور
يوسف القرضاوي
خديجة بنت خويلد
عن عائشة قالت : كان رسول الله * إذا ذبح الشاة يقول : أرسلوا إلى أصدقاء خديجة . . قالت : فذكرت له يوما فقال : إنى لأحب حبيبها.
خديجة فـي الجاهلية
هي خديجة بنت خويلد بن عبد العزى بن أسد القرشية الأسدية الصدِّيقة الكبرى ، والأم الأولى للمؤمنين ، والزوج الأولى للرسول الكريم ، وأم أولاده جميعاً إلا إبراهيم .
كانت في الجاهلية تحت أبي هالة بن زرارة التميمي ، وقد مات عنها ، بعد أن ولدت له هنداً الذي آمن بالرسول وصحبه وشهد معه بدراً ، كما ولدت له هالة بن أبي هالة وكان له صحبة أيضاً .
وبعد موت أبي هالة تزوجها عتيق بن عابد المخزومي فولدت له بنتاً اسمها هند ، لها إسلام وصحبة ، ثم خلف عليها بعد عتيق سيد الأزواج محمد بن عبدالله .
وكانت خديجة تُدعى في الجاهلية : الطاهرة لشدة عفافها وصيانتها ، ويصفونها بسيدة نساء قريش .
خديجة التاجرة
كانت خديجة امرأة تاجرة ذات شرف ومال تستأجر الرجال في مالها ، وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم ، وكانت قريش قوماً تجاراً .
وفي جلسة بين أبي طالب ومحمد ابن أخيه قال له : ياابن أخي ، أنا رجل لا مال لي وقد اشتد الزمان علينا ، وألحت علينا سنون منكرة ، وليس لنا مادة ولا تجارة ، وهذه عير قومك ، قد حضر خروجها إلى الشام ، وخديجة تبعث رجالاً من قومك يتجرون في مالها ويصيبون منافع ، فلو جئتَها لفضَّلتكَ على غيرك لما يبلغها عنك من طهارتك .
فقال محمد عليه السلام : لعلها ترسل إلىِّ في ذلك .
فقال أبو طالب : إني أخاف أن تولي غيرك .
وبلغ هذا الحوار بين محمد وعمه إلى خديجة ، فما كان منها إلا أن أرسلت إليه لما عرفت عنه من الصدق والأمانـة، وحسن السمعة ، وعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجراً ، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار ، مع غلام لها يقال له ميسرة فقبل رسول الله منها ، وخرج في مالها ذلك ، ومعه غلامها ميسرة إلى الشام .
شريكة التجارة تصبح شريكة الحياة
عاد محمد من الشام بربح وفير لم تحصل عليه خديجة من قبل ، وعاد إليها غلامها بحديث أوفر من الربح عن هذا الرفيق الكريم وما رأى ولمس فيه من سمو الأخلاق وعجيب الآيات .
وهفا قلب خديجة إلى محمد أن يشركها في الحياة كما شركها في التجارة فإنه رجل نادر المثال حقاًّ ! !
شاب ، وليس فيه عبث الشباب ، تاجر ، وليس فيه جشع التجار ، فقير ، وليس فيه ضعة الفقراء ، قرشي ، وليس فيه زهو قريش .
إن الرجال اعتادوا أن يخطبوا النساء ، فكيف تخطب المرأة الرجل ؟
هذه هي المشكلة ، ولكن خديجة تحلها عن طريق صديقتها نفيسة أُخت يعلى بن منبه .
أرسلـتـهـا خـديـجـة دسـيـسـاً إلى محمد ، فقالت له : ما يمنعك أن تتزوج ؟
قال : ما في يدي شيء .
قالت : فإن كُفيتَ ودُعيتَ إلى المال والجمال والكفاءة ؟
قال : ومن ؟ قالت : خديجة ، قال : وكيف لي بذلك ؟ قالت : عليَّ ذلك .
فسارع الرسول إلى إعلان قبوله ، وذهبت نفيسة إلى خديجة فبشرتها بنتيجة هذا الحديث ، ولم تلبث خديجة أن حددت الموعد الذي يلتقي فيه محمد وأعمامه بأهل خديجة ، فذهب الرسول ومعه عمَّاه أبو طالب وحمزة وخطبوا خديجة من عمها عمرو بن أسد ، وكان صداقها عشرين بكرة ، وكانت سنها أربعين سنة وكان هو في الخامسة والعشرين على أشهر الأقوال .
زواج مثالي
لقد كان من الميسور لمحمد بن عبدالله أن يتزوج فتاة من أبكار قريش ، بدل هذه الثيب التي تزوجت مرتين ، وبلغت الأربعين أو جاوزتها ، وأوشك وجهها أن يتجعد ، وشعرها أن يشيب .
لو كان من عشَّاق الجسد وطلاَّب الشهوة لكان له في الأبكار الصغار متسع ، وهو الفحل لا يُقدع أنفه ، والقرشي الهاشمي لا تُرد خطبته ، وله من قوة شخصيته ، وحسن سمعته ووسامة طلعته ، وشهرة أُسرته ، ما يزيل العقبات ، ويمهد السبيل .
ولكنه كان ينشد العقل الرشيد ، والقلب الكبير ، فوجدهما في خديجة .
وكان أمام خديجة ـ وهي يومئذ أوسط نساء قريش نسباً ، وأعظمهن شرفاً ، وأكثرهن مالاً ـ من عظماء قريش وأثريائها مَنْ يتمنى زواجها ، ومَنْ أرسل إليها يخطبها ، ولكنها رغبت عنهم جميعا ، شعرت بأنهم يخطبون مالـها لا شخصها ، يخطبون خديجة الغنية لا خديجة الإنسان .
ردت خديجة يد أشراف قريش ، ولم تجد حرجاً أن تعرض نفسها ـ بواسطة أو بغير واسطة ـ على الشاب الفقير الذي يعمل في تجارتها ، إنها وجدت في محمد ضالتها ، فاختارته بقلبها الملهم ، وإنما اختارت لنفسـها ـ في الحقيقة ـ الخلود ، ودخلت التاريخ من أوسع الأبواب .
ومن أولى بمحمد من خديجة ؟ وأولى بخديجة من محمد ؟ إن المرأة التي يلقِّبونها بالطاهرة أولى بالرجل الذي يُلقِّبونه بالأمين ( الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ۖ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ۚ أُولَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ۖ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) (النور:26).
وكان زواجاً سعيداً موفقاً لم تغم سماؤه يوماً من الأيام ، ولم يعكر صفوه افتتان المرأة الغنية بمالها ، ولا اعتداد الشاب الفتي بشبابه ، بل كان شبابه كله لها ، وكان مالها كله له ، يبذل منه ما يرى في صلة الرحم ، ووجوه البر ، وصنائع المعروف .
أصابت الناس سنة جدب فجاءت حليمة السعدية مرضعة الرسول إليه فأكرم وفادتها ، وعادت من عنده ومعها من مال خديجة بعير يحمل الماء ، وأربعون رأساً من الغنم .
وكانت خديجة أول امرأة تزوجها رسول الله ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت .
وقد ولدت له أولاده كلهم ، إلا إبراهيم : ولدت له من الذكور : القاسم وهو أكبر بنيه ، وبه كان يُكَنَّى بعد البعثة ، وعبدالله ويُلقَّب بالطيب والطاهر ، ومن الإناث : رقية ثم زينب ثم أم كلثوم ثم فاطمة أصغر بناته .
فأما القاسم وعبد الله فماتا في الجاهلية ، وأما البنات فقد أدركن الإسلام وهاجرن معه عليه السلام ، وقد كان يتوقع من خديجة أن يهلع فؤادها لموت أبنائها من رجل تحبه في عصر كانت تُوأد فيه البنات ولكنها كانت دائماً مثال العزم الراسخ والإيمان الصَبور .
خديجة المؤمنة
ثلاث نسوة بارزات في حياة الرسل الثلاثة أصحاب الديانات الأخيرة الكبرى : آسية امرأة فرعون في حياة موسى ، ومريم ابنة عمران في حياة عيسى ، وخديجة في حياة محمد عليه السلام ، كل واحدة منهن كفلت نبياًّ مرسلاً قبل بعثته ، وأحسنت الصُحبة في كفالته ، وصدَّقت به بعد رسالته ، لهذا جمع الرسول بين هؤلاء الكوامل في عقد واحد فقال : كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنته عمران ، وآسية امرأة فرعون ، وخديجة بنت خويلد.
وإذا كان بعض الحكماء يقول :=إن وراء الرجل العظيم امرأة تشد أزره . أماًّ كانت أو زوجاً فقد كانت خديجة المرأة التي وراء محمد عليه الصلاة والسلام .
أعانته في الجاهلية على حياته الطاهرة النقية البعيدة عن الأوثان والخمر والميسر واللَّغو والشهوات ، وكانت له ظهيراً في حياة التجرد والتأمل والبُعد عن صخب الناس وضوضاء الحياة .
كانت تُهيئ له الزاد كل عام ليقضي شهر رمضان في غار حراء ، ولو كان الأمر لعاطفتها المجردة ما رضيت ـ كامرأة ـ أن يغيب عنها ليلة واحدة ، فكيف باللَّيالي ذوات العدد ؟
ولكنها تحس أن زوجها غير الرجال ، وأن له شأناً أي شأن ، فلتكن عونه على مُثله الرفيعة ، وقيمه العليا ، وقد كانت تصحبه أو تزوره أحياناً في هذا الغار وتبقى معه أياماً وليالى تؤنسه وترعاه ، ومن طواعيتها له قبل البعثة ومسارعتها في هواه أنها رأت ميله إلى زيد بن حارثة ـ بعد أن صار في ملكها فوهبته له ، فكانت هي السبب فيما امتاز به زيد من السبق إلى الإسلام .
هذه خديجة في الجاهلية ، وأما بعد الرسالة ، فاستمع إلى عائشة تروي موقفها من الرسول حينما تلقى أول شحنة من وحي السماء في غار حراء ، وغطَّه جبريل حتى بلغ منه الجهد ، فعاد إلى خديجة ترجف بوادره يقول : زملوني ، زملوني ، لقد خشيتُ على نفسي . . . .
ولم تكن خديجة ممن يطير لبها فزعاً ، ولم يكن هذا الطارئ العجيب الغريب ليذهلها عن سداد الرأي ، ومنطق الحكمة ، لقد عرفت بنور بصيرتها وسلامة نظرتها سنة الله في معاملة عباده فقالت لزوجها في ثقة ويقين : كـلا والله لا يخزيك الله أبداً ، إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكَل ، وتكسب المعدوم ، وتصدق الحديث ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الدهر .
وفي رواية قالت له : أبشر واثبت ياابن عم ، فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة .
ولم تكتف بالقول ، بل صحبته إلـى ابـن عمهـا ورقـة ابن نوفل ـ وقد كان امرءاً تنصَّر في الجاهلية ، وعرف العبرانية ، وكتب بها من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب ـ فقالت له خديجة : أى ابن عم ، اسمع من ابن أخيك . فـقال له ورقة : ياابن أخى ما ترى ؟ فأخبره رسول الله خبر ما رأى .
فقال له ورقة : هذا الناموس الذي أنزله الله على موسى .
وهكذا كانت خديجة ملاك الرحمة ، والمرفأ الأمين ، والملاذ المكين لمحمد عليه السلام .
كانت أنسه إذا استوحش ، وكنزه إذا احتاج ، وأمله إذا استيأس ، وطمأنينته إذا اضطربت من حوله الحياة .
قال ابن إسحق : كانت خديجة أول من آمن بالله ورسوله ، وصدَّق بما جاء به ، فخـفـف الله بـذلـك عـن نبيه ، فكان لا يسمع شيئاً يكرهه ، من الرد عليه ، والتكذيب له ، فيحزنه ذلك ، إلا فرَّج الله عنه بها إذا رجع إليها ، تُثبِّته وتخفِّف عنه ، وتهوِّن عليه أمر الناس .
شاطرته متاعب الدعوة ، وآلام الرسالة راضية مغتبطة ، دخل الشعب فدخلت معه ، وذاقت مرارة الحرمان وعضة الجوع ، وهي ذات المال الوفير وربيبة الرفاهية والنعيم ، فلا عجب أن يحمل إليها أمين الوحي السلام من فوق سبع سموات !
روى البخاري عن أبي هريرة قال : أتى جبريل إلى رسول الله * فقال : يا رسول الله ، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه طعام ، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها . . ومني ، وبشـرهـا بـبـيـت فـي الجنـة مـن قصـب ، لا صخب فيه ولا نصب(1).
قال السهيلي : إنما كان البيت بهذا الوصف ، لأنها لم ترفع صوتها على النبي * ولم تتعبه يوماً من الدهر ، ولم تصخب عليه مرة ولا آذته أبداً .
وفاة . . ووفاء
في السنة العاشرة من البعثة ، وقبل الهجرة بثلاث سنين شاء القدر الذي يبتلي الناس قدر دينهم أن يختطف من الرسول زوجه الحبيبة خديجة التي كانت له ـ كما قال ابن هشام ـ وزير صدق على الإسلام .
وقبلها بقليل مات ساعده الأيمن عمه أبو طالب ، تلك كانت ملاذه في الداخل ، وهذا كان عضده وناصره في الخارج ، فكان هذا المصاب بعد ذاك جديراً أن يترك في نفس النبي أثراً عميقاً جعله يسمي هذا العام عام الحزن .
ماتت خديجة ولكن ذكراها لم تمت في نفس رسول الله ، لقد ظل وفياًّ لها طوال حياته : يحن لذكراها ويهش لأهلها ، ويكرم صديقاتها ، حتى إن عائشة أحب أزواجه إليه بعدها لتغار منها في قبرها ، قالت : كان رسول الله لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيُحسن الثناء عليها ، فذكرها يوماً من الأيام فأخذتني الغيرة فقلت : هل كانت إلا عجوزاً قد أبدلك الله خيراً منها ؟
فغضب حتى اهتز مقدم شعره من الغضب ، ثم قال : لا والله ما أبدلني الله خيراً منها ، آمنت بي إذ كفر الناس ، وصدقتني إذ كذَّبني الناس ، وواستني بمالها إذ حرمني الناس ، وزرقني الله منها الولد دون غيرها من النساء ! ! قالت عائشة : فقلت في نفسي : لا أذكرها بعدها بسيئة أبداً .
رحمها الله ، ورضِيَ عنها ، وجزاها عن نبيه ودعوته خير ما يجزي الصِدِّيقات . .
فاطمة الزهراء
عن المسور بن مخرمة قال :
سمعت النبي * على المنبر يقول :
فاطـمـة بضـعـة مـنـي ، يـؤذيـنـي ما آذاها ، ويريبني ما رابها . . (رواه الشيخان)
اللَّهم هؤلاء أهلي
اسمها فاطمة ، ولقبها الزهراء ، اسم له في التاريخ رنين ، انتسبت إليه أسر فعُرفوا بين الناس بالأشراف ، واقترنت به دول فسموا أنفسهم بالفاطميين .
أبوها محمد رسول الله وكفى . . .
وأمها خديجة بنت خويلد وحسبك . .
وزوجها عليّ بن أبي طالب ، وحفيد عبد المطلب ، ونجيب هاشم ، وفتى قريش ، وفارس الإسلام . .
وابناها الحسن والحسين ريحانتا رسول الله ، وسيدا شباب أهل الجنة .
وهي وزوجها وابناها خاصة النبي ، وأقرب الناس إليه ، وأعزهم عليه .
روى مسلم أنه حين نزلت هذه الآية : ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (آل عمران:61) . . دعا رسول الله علياًّ وفاطمة والحسن والحسين وقال :اللَّهم هؤلاء أهلي . .
وأخرج الترمذي عن أم سلمة أن النبي * جعل على الحسن والحسين وعلىّ وفاطمة كساءً وقال :=اللَّهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي ، أذهب عنهم الرجس ، وطهرهم تطهيراً. .
ميراث وتربية
الخطوط العريضة لمزاج الإنسان وتفكيره ترسمها يد القدر ، عن طريق العوامل الوراثية التي تنقل إليه من أبويه وأجداده ، ما قُدِّرَ له من خَلقه وخُلقه .
والخطوط المفصلة لخُلقه وسلوكه وشخصيته كلها تؤثر فيها إلى حد كبير ، البيئة التي يعيش فيها ، وبخاصة البيت الذي يضمه في صغره . . أي أمه وأبوه .
هذا ما قرَّرته علوم الحياة والنفس والأخلاق والاجتماع.
وهو نفس ما قرره الدين من قبل ، حين اعترف بأثر الوراثة ، فقال : تخيروا لنطفكم . ..
واعترف بأثر البيئة فحذَّر من المرأة الحسناء في المنبت السوء .
وقد تهيأ لفاطمة من المواريث الأسرية أعزَّها وأغلاها ، ومن البيئة المنزلية ، أشرفها وأنقاها .
وما ظنك بفتاة ورثت عن آبائها وأمهاتها ما شاء الله لها من مجادة قريش ، وأريحية هاشم ، وسؤدد عبد المطلب ، وطهارة عبد الله ، ومكارم محمد ، وفضائل خديجة بنت خويلد ، وآمنة بنت وهب ؟
وما ظنك بفتاة تُولد في بيت يعمره الحب ، ويظلّله الصفاء ، بين أب يُلقَّب في قومه بالأمين ، وأم تُلقَّب في أترابها بالطاهرة . هذا سيد شباب قريش ، وتلك سيدة نساء قريش ؟ !
وُلِدَت فاطمة قبيل البعثة بزمن اختلفت في تحديده الروايات : خمس سنوات أو أقل أو أكثر؟ المهم أنها وُلِدَت في تلك المرحلة التي كان القَدَر يُعِدُّ فيها أباها لتلقي أعظم رسالة في الوجود : مرحلة التأمل العميق ، والتعبد الطويل ، والخلوة في غار حراء كل عام ، وفي تمام الأربعين أوحى الله إليه ، وبعثه إلى الناس كافة ، وإلى قومه خاصة ، فشاء الله لفاطمة أن تنشأ في أحضان النبوة ، وتدرج في حجر الرسالة ، وكأنها كانت تكبر مع الدعوة ، وتنمو مع انتشارها .
شهـدت أباهـا ـ واعية أو غير واعية ـ يدعو إلى دينه سراًّ ، ثم يُنذر عشيرته الأقربين ، ثم يصدع بأمر ربه معرضاً عن المشركين ، منادياً على جبل الصفا ، ثم يحمى الوطيس بينه وبين قومه فيُسفِّه أحلامهم ، ويهزأ بأصنامهم ، ويُضلِّل آباءهم ، فيعنفون عليه في الخصومة ، ويناصبونه العداء ، ثم يدخل الشِعب ، فتدخل معه ومع أمها وأخواتها ، وتذوق مرارة الجوع ، وتحس ألم المقاطعة والحرمان ، ويتجرع كئوس الأذى في نفسه وأصحابه ، بالقول السيئ تارة ، وبالفعل القبيح طوراً .
ترى الفتاة كل هذا ، وتحسه ، وتلمسه ، ويفعل ذلك في قلبها فعل التيار الكهربائي في الأسلاك ، وتسهم في درء الأذى عن أبيها ، حيناً بيديها ، وأحياناً بدموع عينيها ! ! وماذا تملك جويرية صغيرة لأب عطوف يُؤذَى أمام سمعها وبصرها ، إلا عَبرات تذرفها ؟ !
كان عليه السلام يُصلِّى يوماً بالكعبة ـ وبعض سفهاء المشركين جالسون ـ فانبعث أشقاهم فأتى بسلا جَزور فألقاها عليه ، فلم يزل ساجداً حتى جاءت فاطمة فأزالت عنه الأذى .
وكانت أم جميل امرأة أبى لهب تلقي الأقذار والنجاسات أمام بيته ، فيزيلها في هدوء ومعه فاطمة تحاول أن تعيد إلى المكان نظافته وطهارته .
ولقيه مرة سفيه من سفهاء قريش ، فرمى على رأسه تراباً ، فرجع إلى بيته والتراب على رأسه ، فقامت إليه فاطمة فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي ـ وأشق شىء على نفس الأب أن يرى دموع بنيه الصغار ، وأشق منها أن يرى دموع بناته الصغيرات ، وأشق من هذا وذاك أن تكون هذه الدموع من أجل الأب نفسه ـ فما رأى النبي الكريم دموع ابنته على خديها حتى ثبَّت فؤادها ، وقال لها مبشراً : لا تبكي يا بنية ، فإن الله مانع أباك .
وظلت الرحى دائرة بين النبي والمشركين ، إيذاء من جانبهم ، وإصرار من جانبه ، حتى كانت الهجرة إلى المـديـنـة ، حيـث هـاجـر ومـعه أبو بكر ، ثم بعث زيد ابن حارثة وأبا رافع إلى مكة ليأتيان بأهله ، ففعلا ، وقدما عليـه المديـنة بزوجـته سـودة بنت زمعـة ، وابنتيه فاطمة وأم كلثوم ، واستقر بهم المقام في الدار الجديدة للإسلام .
عليّ يخطب فاطمة
كان للنبي عليه السلام أربع بنات كلهن من خديجة ، أكبرهن زينب ، ثم رقية ، ثم أم كلثوم ، ثم فاطمة .
أما زينب فتزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع ، وأمه هالة بنت خويلد .
وأما رقية وأم كلثوم تزوجتا من ابنى أبى لهب : عتبة وعُتيبة ، فلما نزلت سورة ضغط أبو لهب وامرأته على ابنيهما أن يُطلِّقا ابنتي محمد فطلَّقاهما ، وتزوجهما ذو النورين عثمان بن عفَّان واحدة بعد الأخرى .
وأما فاطمة فقد كانت أصغرهن ، ولم تبلغ مبلغ النساء إلا في المدينة ، وهناك أراد عليّ بن أبي طالب أن يتقدم إلى رسول الله لخطبتها ، فذهب إليه يُقّدِّم رجلاً ، ويُؤخِّر أخرى ، وتدفعه الرغبة والحب ، ويمنعه الحياء والفقر .
وها هو يحدثنا فيقول : أردتُ أن أخطب إلى رسول الله ابنته ـ والله ما لي شىء ـ ثم ذكرتُ صلته وعائدته ، فخطيتها إليه ، فقال : وهل عندكَ شىء ؟ فقلت : لا ، قال : فأين درعك الحطمية التي أعطيتك يوم كذا وكذا ؟ قلتُ : هي عندي ، قال : فأعطها إياها ، فكانت تلك الدرع مهر بنت رسول الله .
وبهذا ضرب الرسول مثلا للآباء في تزويج بناتهم أن يكونوا مُيَسِّرين لا مُعَسِّرين .
وضرب علىٌّ مثلاً للشباب المؤمن حين يقدم على الزواج ـ وإن لم يكن معه فضة ولا ذهب ـ معتمداً على معونة ربه ، وعزيمة قلبه ، وحقٌّ على الله أن يعين كل شاب يريد العفاف .
وضربت فاطمة مثلاً للفتاة المؤمنة التي يهمها من الرجل إيمانه وخُلقه ، لا درهمه وديناره ، يهمها ما يحمل بين جنبيه من نفس ، لا ما يحمل بين يديه من نفيس .
لقد أعلن النبي لأصحابه أن خير الصَداق أيسره ، وقال لباغي الزواج : التمس ولو خاتماً من حديد ، وحينما أخبره بعض الصحابة أنه تزوج المرأة على أربع أواق قال له متعجباً مستكثراً : كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل !
تلك هي تعليماته النظرية ، وإرشاداته القولية ، وهو في زواج ابنته يضيف إلى القول الفعل ، وإلى التوجيه التنفيذ ، وما أحسن القول يزينه العمل ، وما أجمل النظرية يؤكدها التطبيق ، وما أروع التشريع يسنده التنفيذ ، وما أنفع التربية تقوم على الخُلق العملي ، والأُسوة الطيبة ! !
عرس نموذجى
عقد عليّ عَلَى فاطمة ، ولم يدخل بها إلا بعد أشهر ، وذلك بعد انتصار الإسلام في بدر ، وكأنما أراد رسول الله أن يتم الفرحة بنعمة الله عليه ، فبنى هو بعائشة ، وبنى علىّ بفاطمة .
أتدري ماذا كان جهاز فاطمة الزهراء ؟
كان جهازها خميلة ووسادة من أدم حشوها ليف ، ورحا وسقاء وجُرَّتين ، ذلك هو جهاز سيدة النساء ، وكريمة سيد الأنبياء ! !
أتدري كيف تم العرس ؟
يقول جابر بن عبد الله : حضرنا عرس عليّ ، فـمـا رأيتُ عرساً كان أحسن منه ، حشونا البيت طيبًا ، وأتينا بتمر وزبيب فأكلنا ، وكان فراشهما ليلة عرسهما إهاب كبش ! !
بهذه البساطة والتواضع تم هذا العرس المبارك ، كما تم من قبـل الزواج والمـهـر والجهاز بلا تعقيد ولا تعويق ، ولا شطط ولا إسراف .
وقال الرسول لعليّ في ليلة الزفاف : لا تُحدث شيئاً حتى آتيكما ، فذهب إليهما فدعا فاطمة ، فقامت إليه تعثر في ثوبها من الحياء ، فقال لها : إني لم آل أن أنكحك ـ أي أزوجك ـ أحب أهلي إليّ . ودعا بماء فتوضأ منه ، ثم نضح منه عليهما ، وقال : اللَّهم بارك عليهما وبارك فيهما ، وبارك لهما في نسلهما .
وتلقفت السماء الدعاء ، فبارك الله في نسل عليّ وفاطمة ، وانقطع نسل النبي عليه السلام إلا منها . . .
تعاون على أعباء الحياة
دخل عليّ بفاطمة ، ولم يكن الطريق أمامه مفروشاً بالأزهار والرياحين ، بل كان مفروشاً بالأشواك ، مضرجاً بالدماء .
كان عليّ رجـلاً فـقـيـرًا ، لـم يـرث عن أبيه صفـراء ولا بيضاء ، ولا ثاغية ولا راغية (2)، فكان عليه ـ لأمر دنياه ـ أن يشق طريقه في الصخر بيديه ليقوت نفسه وأهله .
وكان عليه ـ لأمر دينه ـ أن يستعد لجهاد دام طويلاً لإرساء دعائم الإسلام ضد مشركين محاربين ، ويهود متربصين ، ومنافقين مذبذبين .
وكان على الزهراء أن تقاسم زوجها متاعب العيش وتكاليف الجهاد ، ووعثاء الطريق ، وقد فعلت فأحسنت ، وصبرت ، وكانت له خير عون على واجبات الدين ومطالب الدنيا .
وكان أول ما يُنتظر أن تقوم به هو عمل البيت ، ولم يكن في تلك العصور بالأمر الهين اليسير ، فالرغيف الذي يأتي اليوم من يد البائع إلى فم الآكل كان يحتاج إعداده إلى طحن بالرحا ، وعجن باليد ، وخبز بالوسائل البدائية حتى يصلح للطعام ، ولم يكن في البيت خادم ولا مساعد إلا المرأة الفاضلة فاطمة بنت أسد أم عليّ ، وكم كانت حيرته n بين أم يحرص على برِّها وراحتها ، وزوجة يرغب في تكريمها وصيانتها ، والطاقة لا تُسعفه ، والقدرة لا تُواتيه ، بيد أنه قسَّم بينهما العمل تقسيماً ودياًّ رضِيَ به كل منهما ، فقال لأمه : اكفي بنت رسول الله سقاية الماء والذهاب في الحاجة ، وتكفيكِ العمل في البيت : الطَحن ، والعَجن ، والخَبز . . .
ولم يُعرف عن فاطمة الزوجة ، وفاطمة الأم ، إلا التعاون والحب والوئام ، على غير ما تجري به العادة بين الزوجات والأحماء .
ولم يدخر أبو الحسن وسعاً في كسب لقمة العيش ، وولوج كل باب تهب منه رياح الرزق الحلال ، حتى إنه آجر نفسه مرة لامرأة من عوالي المدينة ، ومرة أخرى لرجل يهودي ، ينزع لهما بالدلو : كل دلو بتمرة ؟
هـذه كـانت حياة ابن عم رسول الله ، وزوجته بنت رسول الله ، هذا يشقى ويكدح خارج البيت ، وتلك تتعب وتجهد داخله ، فلما أفاء الله على رسوله ، وجاءته بعض الأنفال (الغنائم) قال عليّ لفاطمة : لقد سَنَوتُ (3) حتى اشتكيتُ صدري ، وقد جاء الله أباك بسبي فاذهبي فاسأليه خادماً ، فقالت : وأنا والله قد طحنتُ (بالرحا) حتى مجلت (4) يداي !
فأتت النبي * ، فقال : ما جاء بك يا فاطمة ؟ قالت : جئتُ لأُسلِّم عليك ، واستحيتُ أن تسأله ورجعت ، فقال عليّ : ما فعلتِ ؟ قالت استحييتُ أن أسأله ! فقرَّر أن يأتياه جميعاً ، فذهبا ، فقال عليّ : يا رسول الله ، والله لقد سنوتُ حتى اشتكيتُ صدري ، وقالت فاطمة : لقد طحنتُ حتى مجلت يداي ، وقد جاءكَ الله بسبي وسِعة فأخدمنا (أعطنا خادماً) فماذا كان جواب الأب الرحيم ؟ كان جوابه إعلاناً للمساواة ، وتكافؤ الفرص للجميع ، قال : والله لا أعطيكما وأدع أهل الصُّفَة تتلوى بطونهم ، لا أجد ما أنفق عليهم !
ورجعت فاطمة وزوجها يجرَّان قدميهما جرًّا ، فأتاهما النبي ، وقد دخـلا في قطيفهما ـ إذا غطَّت رؤوسهما تكشفت أقدامهما ، وإذا غطَّت أقدامهما تكشفت رؤوسهما ـ فنهضا ، فقال : مكانكما ، ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟ قالا : بلى : قال : كلمات علمنيهن جبريل : تُسَبِّحان الله في دُبر كل صلاة عشراً ، وتحمدان عشراً ، وتكبرانِ عشراً ، وإذا أويتما إلى فراشكما فسَبِّحا ثلاثاً وثلاثين ، واحمدا ثلاثاً وثلاثين ، وكَبِّرا أربعاً وثلاثين . . فهذا خير لكما من خادم . .
قال عليّ : فوالله ما تركتهن منذ علمنيهن رسول الله * .
ماذا صنع لهما النبي الكريم إلا أن زاد عليهما واجباً جديداً ؟ وأضاف إلى عملهما المادي عملاً روحياًّ آخر ؟ ! لكن العارفين يعلمون أن انشغال المرء بالأهداف الروحية ينسيه المتاعب المادية والجسمية ، فيحيا في الدنيا بقلوب أهل الآخرة . ويعيش في الأرض ، وكأنه من أهل السماء ، ومن ثَمَّ كان النبي * يواصل الصيام ويقول : وأيكم مثلي؟ إني أبيت يُطعمني ربي ويُسقيني ! !
وقد كان يحدث أحياناً بين فاطمة وعليّ ما يحدث بين كـل زوجـين من ملاحاة أو مغاضبة ، فيبلغ الأمر إلى رسول الله ، فما هي إلا كلمة أو ابتسامة حتى تنطفئ شرارة الغضب ، وتفقأ عين الشيطان . لم يجعل من نفسه محامياً للابنة وممثل الاتهام للزوج ، وإنما كان بينهما قاضياً عدلاً ، بل طبيباً حكيماً . روى الشيخان أن النبي * جاء بيت فاطمة ، فلم يجد علياًّ في البيت فقال لها : أين ابن عمك ؟ قالت ، كان بيني وبينه شىء فغاضبني فخرج ولم يقم عندي . فقال رسول الله لإنسان : انظر أين هو؟ فقال : يا رسول الله . . هو بالمسجد راقد ، فجاءه رسول الله وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه وأصابه تراب ، فجعل رسول الله * يمسحه ويقول : قم أبا تراب ، قم أبا تراب !
وعاد أبو تراب إلى بيته وزوجه ، وقد تقشَّع عنه الغضب كما يتقشع سحاب الصيف ، وعاد إلى سماء الزوجية الصحو والصفاء .
وروى أبو عمر قال : كان بين عليّ وفاطمة كلام فدخل رسول الله فلم يزَل حتى أصلح بينهما ثم خرج ، فقيل له : دخلتَ وأنت على حال ، وخرجتَ ونحن نرى البِشر في وجهك ؟ فقال : وما يمنعني وقد أصلحتُ بين أحب اثنين إليّ ؟
لقد عاشت فاطمة حياتها مع عليّ مثال الزوجة المخلصة الحليمة ـ مع ما في عليّ من شدة وخشونة ـ الصابرة الراضية ـ برغم إعسار زوجها وضيق ذات يده ـ وقد عرف عليّ لها فضلها ، وقدَّر لها جهدها في الحياة الزوجية ، وظل يذكر ذلك طيلة حياته ، قال مرة لابن أعبد : يا ابن أعبد : ألا أخبرك عني وعن فاطمة ؟ كانت ابنة رسول الله وأكرم أهله عليه وكانت زوجتي ، فطحنت بالرحا حتى أثَّر الرحا بيديها ، واستقت بالقرِبة حتى أثَّرت القربة بنحرها ، وقمَّت البيت (نظفته) حتى اغبرت ثيابها ، وأوقدت تحت القِدر حتى دنَّست ثيابها ، وأصابها من ذلك ضر . . .