eKtab
EN ع
نصف الحاضر وكل المستقبل
اقرأ عينة مجانية

نصف الحاضر وكل المستقبل

بقلم جميل السلحوت

صفحة 1
تقديم
 
نراهم بقلوبنا وعقولنا فكيف يروننا؟
 
لم يخطر السؤال في بال أيّ من المشتغلين بأدب الطفل وفنونه، ربما ليظل الاجتهاد والتجريب والمقاربة سيّد الموقف، ودافع الإبداع الأدبي والتوجه إلى الطفل الذي يريد الكاتب إيصال رسالته إليه.
 
نجرّب.. نحاول.. نتذكر ونعود إلى طفولتنا، وننسى، ربما، الاختلاف الحاد القائم بين الأجيال في تسارعه الرهيب، وسرعته المنطلقة بلا قيود ولا توقعات.
 
دخلت التكنولوجيا إلى عالم طفلنا فـ (تتكنج) تفكيرًا وانتماءً ولغة وخيالاً..
 
هل حدّت التكنولوجيا من خيال طفلنا؟ أم تراها أغنته وفتحت آفاقه على دروب غير مطروقة، وأسئلة غير مطروحة؟ كيف نربي طفلنا العصري المتوجه إلى عالم غريب عمّا اعتدناه وألفناه؟ وهل ما زالت حكايات الجدة، وقصص ما قبل النّوم، وقصص كليلة ودمنة، وبعض خرافات ألف ليلة وليلة صالحة لطفل اليوم، كما كانت صالحة لجيلنا والأجيال التي سبقتنا؟
 
كيف نكتب للطفل؟
 
وماذا نكتب؟
 
وما الوسيلة الصالحة (الوسيط الفني) لإيصال ما نكتبه إليه؟
 
أسئلة تراودنا بإلحاح عنيد نحن المهتمين بأدب الطفل، ونحن نحمّله ما يحمله من قدرة على التغيير والتنوير والتربية والتعليم، لإيجاد الطفل الذي نريده وفق ثقافتنا الخاصة.
 
من هنا كان تحركنا في ندوتنا الأسبوعية المقدسية (ندوة اليوم السابع) حين قرأنا ما أنتجته قرائح الكتّاب ورؤاهم للطفل الذي خاطبوه، وكيف خاطبوه؟ وماذا أرادوا منه؟ وماذا أرادوا له؟
 
"الأطفال نصف الواقع وكل المستقبل"، و"خير استثمار هو الاستثمار في الأطفال" مقولات جميلة الدلالة، واضحة الغاية، نرددها دون التفات حقيقي مسؤول لتطبيقها، أو وقوف ذي معنى عندها.
 
فماذا أعددنا لمستقبلنا المنظور هذا؟ وكيف فهمنا تلك المقولة التي نرددها دون تأمل كاف يقود إلى قرع بوابة السكون والركون؟ سكون الإعداد المطلوب، فلا حركة، ولا جلبة تنبئ بورشات عمل حقيقية للوقوف على ما يمكن تقديمه، وعلى ما يجب تقديمه، وركون إلى مقولة "ليس بالإمكان أبدع مما كان".. فليعيشوا مثلما عشنا، وليكبروا كما كبرنا، وليواجهوا مصائرهم مثلما واجهنا مصائرنا.
صفحة 2
إنه المنطق التبريري العاجز الذي يلقي بالمسؤولية على أكتاف الظروف، والآخرين، والإمكانات التي لا تحسن إدارة الأولويات في سلّم المهمات التربوية.
 
لم يعد الطفل العصري في عالمنا المضطرب يحتمل المغامرة، ولا الإرجاء والركون إلى قواعد وأسس ومعايير وقيم متأصلة في المجتمع؛ لأن المجتمع نفسه ليس بعيدًا عن الواقع الجديد المتغير؛ لهذا كله لا بد من الانتباه الواعي الحذر إلى العالم الجديد بمعناه الثقافي.
 
إن بقاء جامعاتنا الفلسطينية بمنأى عن (أدب الطفل) يشير إلى عمق الهوة القائمة، وإلى عدم الالتفات إلى أدبه بالجدية المطلوبة الضرورية، ولعلها فرصة مناسبة لحثّ الجامعات على تدريس أدب الطفل برؤية إبداعية لغوية تربوية، تُعلّم الطفل فنّ السؤال، وتفتح أمامه آفاق المعرفة، وتدرّبه على حبّ الكلمة والمطالعة، وتعلي من تقديره لذاته المبدعة، ولذوات الآخرين بعيدًا عن أنانية التقدير.
 
وندوة اليوم السابع الثقافية الأسبوعية وهي تخصص جزءًا مهمًّا من نشاطها واهتمامها لما يصدر من أدب الطفل، ويصل إليها، إنما تحاول أن تسدّ فراغًا فاضحًا يؤرّقها في هذا الجانب الذي لم يحظ بالرعاية المرجوة، فاجتهد روّادها، وعلّقوا، وناقشوا، وأبدوا آراءهم وتوصياتهم.
 
باختصار، لقد حاولنا أن نضع أنفسنا في ثوب الطفل نفسه، وأن نتقمّصه، ونعيش واقعه، وننظر بعينيه، فأبدينا إعجابنا باللغة الطفلية الجميلة التي تحترم وعي طفولتنا التي نتقمّصها. وأبدينا آراءنا بالرسومات المرافقة لأنها نصّ آخر داعم لما يكتب للطفل، وانتقدنا أغلفة الكتب أو أشدنا بالمناسب منها، وناقشنا الأفكار والرسائل التي أرسلها المؤلفون ممن وقعت رسائلهم بين أيدينا.
 
حاولنا أن نكون ذاك الطفل الذي ترنو الأبصار إليه، وتتلهف الأفئدة له.
 
لا نزعم بأننا قمنا بواجبنا كما نتمنى ونرجو ونأمل، ولكن يبقى لنا شرف المحاولة. وها نحن نؤكد على إحياء المحاولة، ونلفت الانتباه مجددًا لمن بين يديه مفاتيح الحل لكي لا يغلق البوابات.
 
فلا تغلقوا بوابات المستقبل الجميل، وإذا حدث وقررتم إغلاقها فلا ترموا المفاتيح بعيدًا، وانتظروا حساب ضمائركم حين تصحو من بريق زائف، وورم استسمنته ذات غفوة.
 
إبراهيم جوهر
 
(القدس 25 /1 /2012)
صفحة 3
الأرنب المفقود
 
ناقشت الندوة قصة الأطفال"الأرنب المفقود" للكاتبة رفيقة عثمان. صدرت القصة عن دار الهدى في كفرع قرع، وزينتها رسومات أيمن خطيب، ووقعت في 22 صفحة من الحجم الكبير.
 
نزهة أَبو غوش: مفهوم الموت عند الأَطفال
 
كلّ طفل في هذا العالم الرحب، معرَّض لفقدان شخص عزيز عليه، أَي أَنه بشكلّ أَو بآخر معرض للموت.
 
يرى الدكتور وائل أَبو هندي، مختص نفسي بالأَطفال، أن الطفل قبل المدرسة، على الرغم من تعرضه لمفهوم الموت في من حوله، لا يكون المفهوم لديه واضحًا ولا مكتملًا، ويتباين من طفل إِلى آخر أَشدَّ التباين، وبعد دراسة أُجريت على أَطفال في الأُردن، تبين للباحث أَن الأَطفال في سن السادسة والسابعة استطاعوا جميعًا إدراك الموت كما يدركه الكبار. يخمِّن الباحث أَن أَطفال فلسطين، والعراق أَكثر إدراكًا لمفهوم الموت في سن مبكرة، لأَن الموت حدثٌ يومي متكرر في كلّ بيت وكلّ حارة. ويرى آخرون، أَيضًا، بأَن تقبل الموت عند الأَطفال يختلف حسب الجنس، والتجربة، وطريقة الحياة الثقافية، والتربوية، الّتي يحياها الطفل في أُسرته ومجتمعه.
 
أَجمع المختصون النفسيون بأَن موت شخص عزيز في الأُسرة يخلق مشاعر مختلفة عند الطفل مثل: الغضب، والخوف، والشعور بالذنب، ويمكن أَن يقود الطفل للاكتئاب أَثناء سن البلوغ، وإِذا لم نعالج صدمة الموت لدى الطفل بالشكلّ الصحيح، وفي الوقت المناسب، سيكون له الأَثر السلبي على شخصيته على المدى البعيد.
 
يفضِّل المختصون النفسيون إِعداد الطفل لمواجهة قضية الموت قبل أَن يحدث فعلًا، والحديث عنه بصراحة وبلغة يفهمها الطفل، وإِبلاغه بحقيقة أن كلّ إِنسان معرض للموت، حتى الأُم والأَب والإخوة، وأَن الموت يعني الذهاب دون رجعة، وهذا لا يمنعنا من أَن نفكر بالفقيد، وأَن نشتاق إليه، ونتحدث عنه.
 
يمر الطفل بعدة مراحل بعد سماعه عن موت عزيز: الصدمة أَولًا، ثمَّ الإِنكار، ثم الذبذبة ما بين التقبل والرفض، ثم التقبُّل.
 
بناءً على ما ذكر أَعلاه، أجمع المختصون النفسيون على ضرورة مساعدة الطفل في مواجهة الموت، من خلال إِعطائه الفرصة للتعبير عن إحساسه وعواطفه، وأَن نشبع حبَّ الاستطلاع لديه، والإجابة عما لديه من أَسئلة، نحو: "ماذا يشعر بعد الموت؟ ماذا يشعر داخل القبر؟ هل سيعود يومًا ما؟ ما هو الموت؟ هل يفقد الميِّت جميع حواسه؟" (أبو هندي، 2011). علينا أَن نُفهم الطفل على أَن الأَمر خارج عن إِرادة أَيِّ إنسان، وعن إرادة الميت نفسه.
 
مشاركة الطفل في المراسيم برفقة شخص بالغ يثق به، ويشعر معه بالأَمان، وله علاقة بالفقيد له أَهمية، كما أَن الوداع له أَثر كبير على الطفل في تجاوز المحن، ولمسة اليد للمتوفى تعطي إحساسًا بالرضا. الارتباط بشخص بديل للمتوفى يساعد الطفل على التكيُّف؛ ليعيش حياة أَفضل.
 
إِن استخدام الوسائل المختلفة للتعبير عن الذات، وتفريغ المشاعر، مثل: الكتب، والقصص، والرسومات، والأَلعاب الخيالية غير المباشرة، عن الفقدان، تساعد الطفل للتعبير عن نفسه، وتقوي تكيفه عن الموت.
 
كلّنا يعرف أَن الكتاب هو مرجعية مهمة لمساعدة الأَطفال لحل مشاكلّهم المختلفة، ولأَسفنا الشديد فإِن أَدبنا العربي يفتقد للقضايا المهمة الّتي تشغل بال أَطفالنا، مثل: قضية الموت، والمرض، والفقر، والعنف، والاغتصاب، وانفصال الوالدين.
 
بناءً على ما ذكر في الدراسة المبسَّطة سابقًا، رأَيت أَن أَربط ما بين هذه الدراسة وكتاب الأَطفال "الأَرنب المفقود"، الذي صدر حديثًا للكاتبة رفيقة عثمان، باعتباره قصة للأَطفال تعالج قضية الموت، وتقبُّله عند الأَطفال.
صفحة 4
فقد الطفل وليد أَرنبه المحبوب، الذي عاش معه ومع أَفراد الأسرة مدة طويلة. لم يتقبل وليد خبر غياب صديقه الأَرنب، فصار يلوم نفسه: "ليتني رافقته في جولته كي أَحميه، وأحافظ عليه" (ص10). بعد أَن عرف وليد بوفاة صديقه الأَرنب، أُصيب بصدمة، ولم يستوعب الخبر. وهذا ينطبق تمامًا مع المرحلة الأُولى الّتي يمر بها الطفل بعد سماع خبر الوفاة الّتي تحدثت عنها الدراسة، في الصفحة التاسعة للكتاب نرى مرحلة الإِنكار الّتي تحدثنا عنها، أَيضًا، في الدراسة. "لا أُصدِّق أَن الأَرنب أَرنوب قد مات، لعله يصحو من جديد" (ص14).
 
لقد عالجت الكاتبة رفيقة عثمان تقبُّل الموت عند الأَطفال، والتكيف معه، من خلال عدة أُمور كما وضحت لدينا في الدراسة أَعلاه، فكانت كالتالي:
 
 معالجة مشاعر الطفل من خلال التعبير عن مشاعره، وأَحاسيسه، بصدق، وعفوية، من خلال البكاء والحزن على صديقه الأَرنب، بمعية أُسرته وأُسرة الأَرنب نفسه.
 
 مرحلة الوداع "تحسسه، ووداعه... لن أَنساك يا صديقي العزيز أَبدًا" (ص16).
 
 وقوف الأَب وأَفراد الأسرة ومواساة وليد، ثم المشاركة بالمراسيم، ووضع الأَزهار البرية على الضريح.
 
 تذكر الأَرنب المفقود من خلال الصور التذكارية الّتي التقطها وليد لصديقه الأَرنب قبل وفاته، وتصفح صفحات (الألبوم) بمعية أُسرة الفقيد الأَرنب، وأُسرة وليد.
 
 القيام بزيارة الضريح بعد الدفن، أَمَّا البديل الذي ساعد وليد على التقبل، فهو اللعب مع أَبناء الأَرنب الصغار، وأُمهم، الذين أَصبحوا أَصدقاءَ له. نلاحظ في نهاية القصة وصول الطفل وليد إلى المرحلة الأَخيرة بعد رفضه، وإِنكاره، من خلال مصاحبة الأَرانب الصغار، ومرافقتهم إِلى ضريح والدهم، الذي يظهر في الرسومات وهو يروي الأَزهار فوقه.
 
وأَخيرًا أَود أَن أَنصح مربيي ومربيات الأطفال، والآباء، قراءتها لأَطفالهم، واستخدامها كأُسلوب علاج لهم، من أَجل حياة أفضل، كما أَرجو من كلّ أُدبائنا العرب الذين يعنون بأَدب الأَطفال بأَن ينهجوا نهج الكاتبة رفيقة عثمان في جُرأَتها، بتناول قضية مهمة مثل قضية الموت، وذلك بعد دراسة عميقة مسبقة، وبالتعاون مع مختصين نفسيين، وتربويين، واجتماعيين، من أَجل الوصول إلى عمل متقن لا يلمس أَحاسيس الأَطفال بشكلّ سلبي.
 
رفعت زيتون:
 
اللغة
 
تميّزت اللغة بالبساطة، وتناسب عمر الأطفال، ومقدرتهم اللغويَّة، مع وجود بعض المفردات الّتي كانت أعلى من مستوى الأطفال مثل: (يربِّت، نفق، ضريح، الخ...)، وهذا الأمر يخدم فكرة التطوُّر، والانفتاح على اللغة، ويتيح فرصة التساؤلات الّتي هي أساس المعرفة. اعتمدت الكاتبة على المحسنات البديعيَّة، والجرس الموسيقي المُحبَّب لدى الأطفال، وذلك مما يشدُّ الطفل، ويشوِّقه للالتصاق أكثر بالقصَّة، وكمثال على ذلك: (أذنان طويلتان، عينان جميلتان)، (أزمنة، وأمكنة)، (أُمَّه، وأباه، أُخته، وأخاه)، حتى في الأسماء المُستخدمة ركزت الكاتبة على استخدام الجرس الموسيقي، فكانت الأسماء (أسيل، هديل، نبيل)، وهذا يعيدنا إلى قصص أجدادنا عندما كانوا يبدؤون بسرد القصَّة باستخدام السجع في قولهم مثلا: (كان يا ما كان في قديم الزمان).
صفحة 5
الأُسلوب والأفكار
 
1. كان الأسلوب بسيطًا، أو مُبسَّطًا لدرجة كافية، ليفهمها الأطفال، وهذا أعتبره نجاحًا في الوصول إلى الهدف بأقصر الطرق، وأسهلها.
 
2. الناحية الفنيَّة: استخدمت الكاتبة صفحة يتخللها السرد، ومقابلها عُرضت الصور، حيث إنَّ الصور كانت دليلًا شارحًا لما بين السطور، فحتى الأطفال حديثي القراءة، يمكنهم فهم القصَّة من خلال قليل من القراءة مع تلك الصور.
 
3. لا تخلو القصَّة من التشويق، وهذا من ضرورات بناء القصة.
 
4. الشخوص: الشخوص الرئيسة في القصَّة: كان الأطفال والأرانب وهذا أقرب إلى ما يحبُّه الأطفال، فقصص الحيوانات هي أكثر القصص الّتي يهتمون بها، وكذلك قصص تحتوي على شخصيَّات أطفال آخرين.
 
5. كان هناك جرأة لدى الكاتبة في تناول موضوع الموت، ولكنها استطاعت أن تُعالجه بحكمة، وبصراحة، بحيث وضعت الأطفال أمام حقيقة لا بد من معرفتها دونما تزييف.
 
6. كانت النهاية سعيدة على الرغم من أنها كانت تتحدث عن الموت، وهذا ذكاء من الكاتبة، وتلبِّي حاجة الشعور حتَّى لدى الأطفال.
 
7. عودة إلى الصور، والألوان، فقد كانت مُعبِّرة، وقريبة إلى الواقع، إلا في صورة واحدة حيث ظهر الأرنب بحجم الطفل وليد.
 
8. لبَّت القصَّة قيمًا تربويَّة، والحاجات النفسيَّة للطفل، وذلك من خلال الأهداف الّتي سأذكرها فيما يأتي، حيث وجدت في القصَّة أهدافًا، وأفكارًا، تؤدي بمجملها إلى تعلُّم، واكتساب الكثير من القيم التربويَّة، والاجتماعيَّة ومنها:
 
1. مواساة الآخرين، ومعايشة معاناتهم، وهذا من باب العلاج الاجتماعي.
 
2. استمرار الود حتى بعد الرحيل، والوفاء لمن عرفناه خلال حياتنا.
 
3. حميمة العلاقة الأسريَّة في جميع الأمور، حيث أكَّدت الكاتبة اجتماع العائلة، كبيرها وصغيرها، في الأمور كلّها، هذا الهدف، والهدف السابق يعتبران هدفين مُعالجين تربويًّا.
 
4. ضرورة العمل الجماعي، وظهر هذا في عمليَّة البحث، والدفن، والتذكّر.
 
5. الإخلاص حتَّى للحيوان.
 
6. حب الحيوانات، ورعايتها، وهذه سُنَّة شريفة.
 
كلّ ما ذُكر من أهداف، يسير في طريق المعالجة النفسيَّة والتربويَّة للأطفال.
 
هذا كلّ شيء، ويبقى سؤالان:
 
- بما أن القصَّة كانت عن الحيوانات، وتحديدًا الأرانب، وبما أن الكاتبة مزجت بين الإنسان والحيوان في علاقة وانسجام يلائم فكر الطفل، فلماذا لم نسمع بالحوار بين هذه المخلوقات، والمشاركة في الأحداث كما هو الحال في كثير من قصص الأطفال، وأفلام الرسوم المتحرِّكة.
صفحة 6
- لماذا كانت القصَّة مثاليَّة، بمعنى أن القصَّة تؤتي أُكلها خصوصًا مع الأطفال.
 
وأخيرًا أتقدَّم للكاتبة بالتهنئة، وأقول كلّ ما كتبته، أو أغلبه، كان بعد أن طلبت من ابنتي أن تقرأ القصَّة، وهي في الصف الثاني الابتدائي، وبعد حوار طفليّ بيننا.
 
جميل السلحوت:
 
في قصتها الجديدة للأطفال "الأرنب المفقود"، تقدم الكاتبة رفيقة عثمان شيئًا جديدًا للأطفال، وقصتها الّتي يتلخص موضوعها حول أرنب يعيش مع أسرة في بيت، ويخرج إلى الغابة مع أبناء جنسه، ويموت هناك، ما أحزن صديقه الطفل وليدًا وأفراد أسرته على فراقه، فقاموا بدفنه، وواصلوا الاعتناء بأبنائه، وببقية الأرانب.
 
وقد تساءلت عن سبب اختيار كاتبتنا الأرنب ليكون بطلًا لقصتها؟ ولماذا لم تختر كلبًا، أو قطًّا، أو طيرًا جميلًا، أو ماعزًا، أو خروفًا، لهذا الدور؟ وفي تقديري أن الكاتبة تدرك تمامًا أن الكتابة عن الحيوانات الأخرى قد استهلك، فكثيرون كتبوا عنها، كما أن هناك موقفًا دينيًّا- على سبيل المثال- من أكثر الحيوانات وفاءً وهو الكلّب، حيث يُعتبر حيوانًا نجسًا، كما أن هناك أكثر من موقف حسب الثقافة الشعبية من القطط، فاختارت كاتبتنا "الأرنب" ليكون البطل، ومعروف أن الأرنب حيوان أليف، وضعيف، وناعم، لا يؤذي أحدًا، ويتكاثر بسرعة، وتشكلّ لحومه إحدى مصادر البروتين الحيواني للإنسان.
 
وقصة "الأرنب المفقود" قصة مسلية مشوقة، وقد احتوت على قيم تربوية للأطفال منها:
 
- الرفق بالحيوان.
 
- مصادقة الحيوانات البيتية الأليفة.
 
- التذكير بالحياة والموت.
 
- استمرارية الحياة.
 
- ضرورة دفن الحيوانات النافقة.
 
وقد ذكرتني هذه القصة بأغنية شعبية كنا نرددها في طفولتنا، وهي تسخر من المبالغة في الأمور، وتهويلها، فتقول:
 
ارنبنا اسم الله عليه نايم ومسبل ذينيه
 
جابر يلله يحرق والديه حرمنا من الشيخ ارنب
 
ارنبنا في الحاكوره مقرمع كلّ البندوره
 
جابر ضربه فاشوره قضت على الشيخ ارنب
 
قل يومن روح سعيد ولاقى الارنب شهيد
 
قال لموا البواريد تا نوخذ ثار الأرنب
صفحة 7
وأجت الدوله والدرك مقسمين اربع فرق
 
جابر ملعون الطًًًََّرَق وأجرم في حق الأرنب
 
ونزل الضابط والشاويش وعملوا ع الأرنب تفتيش
 
وانت يا جابر لا تحكيش وادفع... حق الارنب
 
يا ابن عمي يا سعيد وانت قرابه مش بعيد
 
واصبر عليّ لبعد العيد تنحوش حق الارنب
 
ومن الجورة ودير ياسين جين النسوان اعزين
 
حسبنه ها الحج امين واثريته الشيخ ارنب
 
اجت صفيه وانيسه عملن للأرنب ونيسه
 
وعملن للأرنب ونيسه عملوا له رز وجريشه
 
موسى أبو دويح:
 
بطل القصّة الطّفل وليد، والّذي تكوّنت بينه وبين الأرنب الأب صداقة حميمة، وبقيّة شخوص القصّة؛ الأب، والأمّ، والأخ نبيل، والأختان هديل وأسيل. ونلاحظ هنا أنّ أسماء الأولاد، ذكورًا وإناثًا، جاء على وزن (فعيل)، وهو من المشتقات صفة مشبّهة، وهو اسم له جرس، وقعه على الأذن جميل. وأمّا مجموعة الأرانب، فهي الأرنب الذّكر الّذي سمّته الكاتبة (أرنوب)، وأنثاه، وأولادهما الصّغار.
 
القصّة مصوّرة، وصورها واضحة معبّرة، يستطيع الطّفل الّذي بلغ ثلاثة أعوام أن يتعرّف إليها بسهولة.
 
حاولت الكاتبة أن تعالج موضوع الموت بالنّسبة إلى الأطفال، وأستطيع أن أقول إنّها نجحت في معالجة الموضوع حيث بيّنت أنّ الجميع حزن لموت (أرنوب)، وعلى الأخص وليد الّذي حزن عليه كثيرًا، وبكى وسالت دموعه على خدّيه، ولم يصدّق ما رأته عيناه، حتّى سأل أباه، فأخبره أنّ الميت لا يعود.
 
والحزن والبكاء على الميت أمران مشروعان، ومن شأنهما أن يخفّفا من وقع المصيبة. ودليل مشروعيتهما قول الرّسول (صلّى الله عليه وسلّم) عند وفاة ولده إبراهيم: إنّ القلب ليحزنَ، وإنّ العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي ربّنا، وإنّا على فراقك يا إبراهيمُ لمحزونون.
 
وعالجت مسألة العزاء، وتخفيف المصاب، بقولها: "تجمّع الأصدقاء والأحبّاء حول وليد وأمّه وأبيه، وحول عائلة الأرانب؛ لمواساتهم بفقدان أرنوب المحبوب" (الصفحة 20). فمجيء المعزّين بعد دفن الميت إلى بيت العزاء يخفّف كثيرًا من هول المصيبة، ويقلّل من ألم الفراق. وتُطرح أثناء العزاء أمور تُنسي النّاس الموت، وتبعد آلامه وأحزانه عنهم. فكلّ شيء يبدأ صغيرًا ثمّ يكبر، إلا المصيبة فإنّها تبدأ كبيرة ثمّ تصغر، حتّى يطويها النّسيان.
صفحة 8
لغة القصّة واضحة سهلة تناسب الأطفال الصّغار حتّى دون الخامسة، ومشكول الكلمات جاء جيّدًا وخاليًا من الأخطاء إلا:
 
1. في الصفحة 2 (لينامُ في أمان)، والصّحيح (لينامَ) فعل مضارع منصوب بلام التّعليل، أو لام كي.
 
2. في الصفحة 12 (فرافق أمّه وأباه وأخته وأخاه)، والأحسن (وأختيه وأخاه)؛ لأنّ الصّورة تظهر أختين ثنتين لا أختًا واحدة.
 
وختامًا القصّة هادفة، ومعبّرة، وتعلّم الأطفال كيف يستقبلون موت الأحباب، وتعالج مسألة يتهرّب منها كثير من النّاس.
 
طارق السيد:
 
بادر فسوف تعود أدراج الفنا/
 
وستترك الجثمان فيك الروحُ
 
واشرب وعش جذلًا فلست بعالم/
 
من أين جئت وأين بعدُ تروحُ
 
(رباعية الشاعر الكبير- عمر الخيام)
 
قصص الأطفال لها عالمها، ولغتها، وحياتها الخاصة بها. هدفت الكاتبة رفيقة عثمان، في قصتها، أن ترسم لنا علاقة الطفل بحيوانه المدلل (أرنوب) وعائلته (الأرنبية)، ولطالما كان الأرنب شخصية مهمة في قصص الأطفال، فهو يمثل لديهم: الحب، والحنان، والدفء، والسرعة، وأكلّ الجزر المفيد، والمستمع الجيد لكلّام والديه.
 
أعادتني الكاتبة إلى دهاليز ذاكرتي، وتحديدًا إلى الكاتب (جيمس ماثيو باري) صاحب قصة الأطفال الشهيرة (بيتر بان)، الذي صنع بأسلوبه المسرحي، وخياله، شخصيات من (البلاد البعيدة الأبدية) الّتي يعيش فيها بطل القصة، ولا يموت، بل يبقى صبيًّا في نفس عمره، وبدأت الفكرة والشخصيات تنمو في عقله بعد أن كان وصيًّا على أطفال (لولين دافيز)، وكانت تعاني من مرض خطير، اضطرها للرحيل عن الدنيا فيما بعد، فطلبت من السيد (جيمس) أن يضع لأطفالها قصة؛ ليبسط معنى الموت والفراق للأطفال الصغار، وجاء (بيتر بان) مع الصغيرة (ويندي) (أرض البلاد الأبدية)، فكانت سعادته أبدية؛ لأنه سيبقى طفلًا إلى الأبد.
 
إنَّ فكرة كاتبتنا قائمة على احترام عقل الصبي، من دون أن تؤذي مشاعره بكلمات قاسية، فوجدت من الضروري أن يفهم الطفل معنى كلمة رحيل، كما ذكرت: "توقفت حركة الأرنب للأبد، وعدم نسيان الأرنب، الذي من الممكن أن ينساه الكبار، لو بدلناه بإنسان".
 
استعارت الكاتبة كلمة مفقود، أو ليس موجودًا، بدلًا من كلمة "مات".
 
القصة تناسب الأطفال لمن هم في سن الخامسة حتى العاشرة.
 
صفاء عثمان:
 
قصة "الأرنب المفقود" قصة محببة لقلوب الأطفال، فهي علاجية، بحيث إنها تتناول قضية اجتماعية نفسية مهمة جدًّا، سواء كان في مجتمعنا، أو في المجتمعات الأخرى الّتي تعيش تجربة الفقدان، والموت، في مختلف الأماكن والأزمان، وتصيب كلّ إنسان في مختلف الأعمار.
صفحة 9
تعتبر القصة وسيلة معينة لمربيي الأطفال، والأهالي، لتنشئة الأطفال تنشئة سليمة مبنية على المبادئ والأسس العلمية والتربوية، فهي تساهم في تحفيز الأهل على التعاطف مع مشاعر أبنائهم في مواقف الحزن والفقدان، بالمواساة، واللمس، والاحتضان، ومن ثم إكسابهم القدرة على التكيف مع حالات الموت بطريقة سلسة وبسيطة.
 
لقد تناولت الكاتبة الموضوع ومحتوى القصة بجرأة متناهية، بحيث لن يجرؤ، ولم يتجرأ أحد على الخوض بها، لكونه موضوعًا حساسًا جدًّا، ويحذرون الخوض في مضمونه.
 
تطرقت الكاتبة في قصتها، بأسلوب مشوق وبسيط، لإكساب الطفل معنى مفهوم كلمة الفقدان؛ حيث إنها اهتمت بمراعاة مشاعر الأطفال، وتوصيل هذا المعنى الصعب بسلاسة، بدون أن تؤذي مشاعرهم.
 
تهدف هذه القصة إلى إتاحة الفرصة للتعبير عن أحاسيس الأطفال من خلال تفريغ شحنات الألم والغضب، ولوم الذات.
 
إن هذه القصة العلاجية تساهم في تنشئة الأطفال تنشئة تربوية ونفسية صحيحة، بحيث تنعكس نتائجها بطريقة إيجابية في حياتهم المستقبلية.
 
ساهمت "قصة الأرنب" المفقود في توصيل مفهوم الموت إلى الأطفال، وطرق التكيّف معه، خصوصًا تزامن وجود حالة فقدان والد طالبة في روضتي، فكانت القصة منقذًا تربويًّا للمأزق الذي واجهني؛ فمن خلالها كانت تساؤلات كثيرة حول الموت، وما بعده، وكانت ردود فعل إيجابية من قبل الطلاب، بحيث طلبوا تكرار سماعها.
 
أتمنى أن تكثر الكاتبة من كتابة كتب جديدة تتناول مضامين لم يتناولها كتّاب آخرون حتى الآن، مثل: الموت، والانفصال، والعنف الأسري، والتمييز بين الجنسين.
 
أرى هذه القصة أنموذجًا جيدًا، وحسيًّا، ومعينًا للآباء، والأمهات، ولمربي الأطفال؛ لاستخدامهم هذه القصة كوسيلة علاجية؛ لاستقطاب مشاعر الأطفال المحزنة.
 
سعدت بلقاء ندوة اليوم السابع الذي أثرى معرفتي، وفضولي، لما فيه منفعة لتنشئة الأطفال في عملي.
 
بعد ذلك جرى نقاش مطول شارك فيه: د. تيسير عبد الله، وإبراهيم جوهر، وديمة السمان، ود. إسراء أبو عياش، ونسب حسين، وجمعة السمان، وبثينة شقيرات، وصقر السلايمة، وسامي الجندي، وآخرون.
 
(القدس 26/5/2011)
صفحة 10
على باب السلطان
 
ناقشت الندوة مسرحية الأطفال"على باب السلطان" للأديب الفلسطيني محمد كمال جبر.
 
موسى أبو دويح:
 
قسّم الكاتب مسرحيّته إلى ثلاث عشرة لوحة، أعطاها أسماء متسلسلة من اللّوحة الأولى إلى اللّوحة الثّالثة عشرة.
 
والكتابة على لسان الحيوان معروفة منذ القدم، ومن أشهر ما كتب في ذلك كتاب "كلّيلة ودمنة" المنسوب لابن المقفّع (روزبة بن داذويهِ)، أو الّذي ترجمه ابن المقفّع عن الفارسيّة. وهي، أي الكتابة على لسان الحيوان، كتابة رمزيّة، فالأسد يرمز لرأس الدولة، أو الملك، أو السّلطان، أو الإمبراطور، أو رئيس الجمهوريّة، والنّمر يرمز للوزير أو الوالي أو معاون الحاكم ومساعده، والذّئب يرمز للسيئ المخادع الخائن، والثّور والفيل يرمزان للقويّ المهاب، والثّعلب يرمز للماكر الخبيث المحتال، والحمار يرمز للغبيّ الصّابر على الأذى،...، وهكذا. وبقيّة الحيوانات ترمز لعامّة الرّعية.
 
ومعلوم أنّ ما يكتب للأطفال بخاصّة يجب أن يكون صحيحًا، ومضبوطًا، ومشكولًا؛ حتّى يتعلّم منه الطّفل، ونجنّبه الخطأ، ونعلّمه الصّواب من بداية الطّريق.
 
والغريب أنّ المسرحيّة- على قصرها- جاء فيها من الأخطاء ما لا يليق بكاتب له أكثر من ثلاثين سنة يمارس الكتابة، مثل:
 
في الصّفحة7: (اذهب إذا)، والصّحيح إذًا، حيث كان يجب أن يضع تنوين الفتح على ذال إذًا.
 
وفي الصّفحة8: (يجلس الثّور على الأرض متعب)، والصّحيح متعبًا؛ حال منصوبة.
 
وفي الصّفحة13: (هل تستطيع هذه القرون أن تقتل إنسان؟)، والصّحيح إنسانًا؛ مفعول به.
 
وفي الصّفحة14: (أنا آكل عشب أيّها الملك)، وكان يجب عليه أن يضبطها بالشّكل فيقول: أنا آكلُ عشبٍ؛ اسم فاعل ومضاف إليه. أو أنا آكلُ عشبًا؛ مفعول به للفعل آكلُ. أو أنا آكلُ عشبًا؛ مفعول به لاسم الفاعل.
 
وفي الصفحة16: (أعجب الأسد ومستشاريه بالثّور)، والصّحيح ومستشاروه؛ معطوف على مرفوع.
 
وفي الصفحة18: (وسيكون لنا مصلحةً مشتركةً)، والصّحيح مصلحةٌ مشتركةٌ؛ اسم يكون مرفوع ونعته مرفوع أيضًا.
 
وفي الصفحة25: (إذا أردت الحفاظ على حياتك أبقِ خوارك عاليًا)، والصّحيح فأبقِ؛ لأنّه يجب أن يقترن جواب الشّرط بالفاء؛ لأنّه جملة طلبيّة. ويجب اقتران جواب الشّرط بالفاء إذا كان جواب الشّرط جملة طلبيّة: اسميّة طلبيّة وبجامد- وبما، ولن، وبقد، وبالتّسويف.
 
وفي الصّفحة28: (يجلس الأسد وحوله مستشاريه)، والصّحيح مستشاروه؛ مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الواو.
 
وفي الصّفحة31: (اللّوحة الحادية عشر)، وفي الصّفحة34: (اللّوحة الثّانية عشر)، وفي الصّفحة39: (اللّوحة الثّالثة عشر)، والصّحيح عشْرَة في العناوين الثّلاثة لأنّ هذا العدد ترتيبيّ فيتطابق الجزءان تذكيرًا وتأنيثًا.
 
وفي الصّفحة32: (وأخبرنا عن نيّة الثّور في قتلك)، والأحسن: وأخبرنا عن نيّة الثّور قتلَك؛ مفعول به للمصدر نيّة.
 
وفي الصفحة35: (ألديك شهود آخرين؟)، والصّحيح آخرون؛ نعت مرفوع للمبتدأ شهود. وفيها أيضًا: (إن قلت الحقيقة تعطيني)، والصواب تعطني؛ جواب الشرط مجزوم بحذف حرف العلّة.
 
وختامًا، على كتّابنا، في هذه الأيّام، أن يدقّقوا ويراجعوا ما يكتبون.