eKtab
EN ع
نشوز المرأة اليهودية
اقرأ عينة مجانية

نشوز المرأة اليهودية

بقلم هـدير الصافورى

صفحة 1

المقــــدمة

هذا الكتاب عدة موضوعات، يربط بينها فكرة واحدة، نشوز المرأة، العِجلة مدقوقة العنق، اختيار الملك، نشوز المحاربين، وهى جميعها تشريعات استنها المشرع اليهودى فى تراثه الشفهى (المشنا)([1])، الذى يُنسب إلى موسى عليه السلام رغم تدوينه بعد وفاته. واستند فى ذلك على نصوص وردت فى العهد القديم (الكتاب المقدس)، ليصف بذلك حالة التردى الاجتماعى والدينى والسياسى فى فترة تمتد ما بين القرن الثانى قبل الميلاد وحتى القرن الثانى الميلادى تقريباً، وهى الفترة التى شهدت أسباب انهيار الديانة اليهودية من الداخل على يد معتنقيها. وكذلك الحاجة إلى ظهور ديانة جديدة تصلح بعض ما أفسده البشر، من مغالاة فى تطبيق التشريعات، وقسوة وغلظة فى تنفيذ الأحكام، وظلم لا يُرد. ويتضح هذا كله فى تلك التشريعات ذات الطابع الاجتماعى متمثلة فى نشوز المرأة، والتى تعد نموذجاً صارخاً على الظلم، والشدة، وانتهاك حرمة الإنسان - وهى فى هذه

الحالة المرأة الناشز- معنوياً وجسدياً، لأسباب دينية محضة ادعاءً لطهارة مفقودة. والغريب أن يتم هذا الظلم والانتهاك على يد "الكاهن" ممثل إرادة الرب على الأرض، كما يعتقد اليهود، وأيضاً الزوج الذى منحته "المشنا" حقوقاً على زوجته تفوق حقوق الأب على ابنته([2]):

- فمن حق الزوج ما تعثر عليه الزوجة من لقية.

- وما تكسبه من كدها.

- ومن حق الزوج أن يأكل من عائد أموال الزوجة فى حياتها.

ومن حق الزوج أيضاً أن يجاهر زوجته بالغيرة، بمعنى أنه دب الشك فى قلبه سواء كان متيقناً من خيانة زوجته أم لا، ولا يوجد شهود، فعليه أن يجاهر بغيرته أمام شاهدين فى صيغة "لا تتحدثى مع الشخص الفلانى". ومن إحساس الزوج بالغيرة والمجاهرة بها تبدأ إجراءات تشريعية يجب تطبيقها، وإلا حمل الزوج جُرم زوجته- غير الأكيد- واحتمل ذنبها، فمن أجل إبراء ذمة الزوج من هذا الإثم، يلتزم بتطبيق تشريع المرأة الناشز، الذى من أولى خطواته اقتياد المرأة إلى الكاهن لتطبيق التشريع، ليمارس جميع أنواع التعذيب البدنى والنفسى، فى سبيل إظهار الحقيقة. إذ تتعرض المرأة إلى ابتلاء قاس، إذا هى نجت منه عُدت طاهرة، فإن لم يحالفها الحظ لاقت أسوأ مصير، على مرأى ومسمع من الجميع، إذ تشرب سُماً فإن كانت صاحبة مناعة قوية اعتقد الكاهن فى طهارتها، وإن لم يكن فالموت.

صفحة 2

ولم يقتصر نشوز المرأة على اليهود فقط، إذ شغل نشوز المرأة مشرعى الشرق الأدنى القديم، حيث أفردوا لها عدداً من التشريعات. فجاء فى تشريع حمورابى أنه "إذا كان زوج قد اتهم سيدة متزوجة ولم تُضبط مضطجعة مع رجل آخر، فتُقسم بحياة أحد الآلهة وتعود إلى بيتها"، وكذلك "إذا كانت إصبع قد رُفعت نحو سيدة متزوجة بالنسبة إلى رجل آخر ولم تُضبط مضطجعة مع الرجل الآخر، فسوف تُلقِى بنفسها فى النهر المقدس من أجل زوجها"، وجاء فى تشريع أورنمو أنه "إذا اتَّهم رجلٌ زوجةَ رجلٍ آخر بالزنى ولكن النهر الحَكَم أثْبَت براءتها فعلى من اتهمها، أن يدفع (كغرامة) ثلث المنا من الفضة" وورد فى القانون الآشورى "إذا قال رجل لآخر إن زوجتك زانية، فإذا لم يوجد شهود، يؤخذ المتهم إلى اختبار النهر".

فقد رأى مشرعو الشرق الأدنى القديم فى نشوز الزوجة، خطراً يهدد استقرار الجماعة ومن ثم لزم التحقق من اتهام المرأة المتزوجة بارتكاب الزنى. وقد عُلّل هذا بالحرص على صحة النسب إذ اعتبرت شعوب الشرق الأدنى القديم أن الإنجاب هو الهدف الأساسى من الزواج.

ولم يقتصر النشوز على الجانب الاجتماعى فقط، وإنما على الجانب الكهنوتى والسياسى أيضاً، فقد اتخذ مشرعو المشنا من نشوز المرأة نموذجاً قاسوا عليه جنوح رجال الكهنوت - وهم الوسطاء بين جماعة بنى إسرائيل ويهوه - الذين أقرّوا أجريباس ملكاً عليهم، الأمر الذى يُعد مخالفة للنهى الوارد فى نص المقرا "لا يحل لك أن تجعل عليك ملكاً أجنبياً". وجنوح المحاربين الذين لم يثقوا فى نصر الرب وتخلّوا عن صفات المحارب من شجاعة وإقدام، فتسرب الجُبن إلى نفوسهم، الأمر الذى أضعف العزائم وأوهن القلوب. وجنوح شيوخ بنى إسرائيل وقضاتهم الذين تقاعسوا عن تحقيق التكافل فيما بينهم، مما تسبب فى قتل إنسان دون معرفة قاتله، فدمه على قضاة بنى إسرائيل وشيوخهم، فكان الجنوح وكثرة أنماطه سبباً أدى فى نهاية الأمر إلى انهيار الديانة اليهودية، قبل دمار الهيكل.

وقد وردت جميع هذه التشريعات فى نص واحد هو "باب المرأة الجانحة" (مسخت سوطا) من كتاب النساء، من مؤلف المشنا، وقد ألحقت ترجمة هذا النص بالكتاب، ويتكون من تسعة فصول يتراوح عدد تشريعاتها ما بين خمسة وخمسة عشر. تتناول الفصول الست الأولى التشريع الخاص بنشوز المرأة، ثم الفصل السابع يضم التشريعات التى تُقرأ باللغة العبرية، والتشريعات التى لا تُقرأ باللغة العبرية، وعليه التشريع الخاص بنشوز المحاربين فى الفصل الثامن، والتشريع الخاص بالعجلة مدقوقة العنق فى الفصل التاسع.

وقد ورد فى ختام باب المرأة الجانحة، ما يُمكن اعتباره بكاءً على أطلالِ الهيكل، إذ نعى مشرعو المشنا ما آلت إليه الأمور، من اختفاء الحق، وعلو شأن الجبارين، واحتقار الأتقياء، وتحوّل مجلس العلماء إلى بيت فاحشة، وغلاء المعيشة، وارتفاع ثمن الخمر والكروم، مما تسبب فى اختفاء الخير من عالمهم.

فباب المرأة الجانحة ليس مجرد باب من أبواب المشنا، وإنما هو أحد أهم أبواب المشنا، إذ يصور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والدينية فى الفترة السابقة لدمار الهيكل. ونظراً إلى أن جنوح المرأة، قضية اهتم بها مشرعو الشرق الأدنى القديم، فقد أرّقت مشرعى المشنا؛ فأسرفوا فى وضع الحدود والتشريعات، فزادت على ما ورد فى نص المقرا.

وترجع أهمية هذه الدراسة إلى أنها تتناول نصًا، يُعنى بالفترة التى تقع بين أُفول الديانة اليهودية، وبزوغ الديانة المسيحية، وانهيار الرمز الدينى للديانة اليهودية، وهو الهيكل.

فهذه الدراسة تهدف إلى سد ثغرة فى المكتبة العربية، نظراً إلى ندرة الدراسات العربية لهذا النص رغم أهميته. كما تهدف الدراسة إلى إلقاء الضوء على الفكر التشريعى اليهودى فى فترة تتسم بخصوصية شديدة، فهى فترة انتقالية بين ديانتين سماويتين.

ويعد هذا الكتاب مختصراً لرسالة ماجستير تمت مناقشتها فى قسم اللغة العبرية، كلية الآداب جامعة عين شمس بتاريخ 3/12/2008 تحت إشراف:

أ.د/ ليلى إبراهيم أبو المجد، ود/ عبد الله رمزى.

وبمناقشة كل من: أ.د/ عرفة حسين مصطفى، أ.د/ نازك إبراهيم عبد الفتاح وختاماً أرجو أن تكون هذه الدراسة إضافة إلى المكتبة العربية، وعلماً ينتفع به، وإلى الله قصد السبيل.

صفحة 3

نشـوز المـرأة

المجتمعات البشرية عبر مراحل تطورها، وسائل متنوعة تستهدف التوصل إلى الحقيقة فى شأن فعل ضار أو جريمة، وذلك عندما يتعذر التوصل إلى مرتكبها، بالبحث عن وسائل من شأنها نسبة الفعل إلى شخص معين بالذات، كشهادة الشهود أو القَسَم، وهو ما جرت العادة بتسميته بالابتلاء أو المحنة Ordeal.

وحيثما وجد مفهوم الابتلاء ساد اعتقاد بأن نتيجته لا تتوقف على المصادفة المحضة، وإنما تخضع لتوجيه من قِبل قوى غيبية([3])، فالآلهة وحدها قادرة على إظهار الحقيقة وتمييز المذنب من البرىء([4])، فإذا كان الابتلاء - فى ذاته - ينطوى على أذى المبتلى فإن القوى الغيبية هى التى تكشف براءته بالحيلولة دون الإضرار به.

كان الابتلاء لدى الجماعات البدائية عقوبة جماعية، حيث كان يُعتقد أن إصابة قرية أو جماعة أو دولة بكارثة من كوارث الطبيعة (بركان – زلزال - فيضان...) عقابٌ من الإله، وتعبيرٌ عن مقته وغضبه. ثم ظهرت فكرة المسؤولية الفردية، وعليها اعتبر الابتلاء عقوبة فردية تقع على مَن ارتكب الجُرم سواء كان (سحرًا أو زنى أو سرقة أو قتلاً)، وذلك فى حالة عدم وجود شهود، وعدم اعتراف المتهم بالجرم المنسوب إليه([5]).

والغرض من الابتلاء، هو توقيع العقوبة - وفى قضايا الزنى هو عِقاب اجتماعى- على يد القوى الغيبية، مما يوحى بوجود علاقة بين مفهوم الابتلاء والتابو Taboo (المحرمات) وهو نهى اجتماعى، وخرق هذا النهى يعد خطيئة يعاقب عليها بيد قوى خارقة للطبيعة. فمن تسوّل له نفسه مخالفة التابو وانتهاك الحرمات، تُنْزل به هذه القوى جزاءً قد يصل إلى حد الموت. إذ متى يسيطر الإيحاء النفسى على مقترف الإثم، تأرق منامه وعزفت نفسه عن الطعام وارتعش جسمه من حُمّى الهذيان حتى يمرض ويموت([6]).

وقد تعددت صور الابتلاء([7])، غير أن أكثرها شيوعاً كان الابتلاء بالنار والماء، وكذلك الابتلاء بالسم، ومقتضاه أن يُلْزَم المُبتلَى بابتلاع عقار سام، فإن كان مذنباً قتله السم، وإذا نجا كان بريئاً، كذلك لجأ الأثوريون (الآشوريون) أحياناً إلى طريقة التحكيم الإلهى، فكان المتهم يُلقى فى النهر وهو مقيد القدمين فى بعض الأحيان ويُترك الحكم عليه لمشيئة الآلهة.

وقد لجأ البابليون إلى التحكيم الإلهى (الابتلاء) إلى جانب الإجراءات القضائية المحكمة، فكانت محاكمة المتهمين توكل إلى الآلهة، فإذا اُتهم رجل بممارسة السحر، أو اُتهمت امرأة بالزنى طولبا بالقفز فى نهر الفرات، وكانت الآلهة - على الدوام - بجانب أبرع المتهمين فى السباحة، فإذا نجت المرأة من الغرق كانت نجاتها برهاناً على براءتها، وإذا غرق الساحر آلت أملاكه إلى من اتهمه، أما إذا نجا من الغرق فإنه يستولى على أملاك من اتهمه. وكان القضاة فى أول الأمر من الكهنة، وظلت المعابد مقر معظم المحاكم إلى آخر تاريخ البابليين، وعادة ما يشرف الكهنة أو أحد السحرة على إجراء الابتلاء، وبخاصة الابتلاء بالسم([8]).

ولقد ارتبط الابتلاء أو التحكيم الإلهى منذ القدم بالزنى، وخاصة زنى الزوجة، وقد ربط ول ديورانت بين اعتبار الزنى جريمة يستحق مرتكبها العقاب وتطور مفهوم المِلْكية فى حياة الإنسان، فمع الاستقرار توفرت المِلكية، وبوجود المِلكية وُجد التعدى على المِلكيات، وبعد تحول الكثير من المجتمعات القبلية إلى النظام الأبوى، عُدّت الزوجة من أملاك الزوج ومن يتعدى عليها فقد قام بالتعدى على ممتلكات الزوج، وهو أمر يستوجب العقاب([9]).

وقد أقرت معظم شرائع الشرق الأدنى القديم، عقوبة القتل التى تقع على الزوجة إن ضُبطت فى حالة ارتكابها فاحشة الزنى، كما عاقبت الزانى أيضاً بالقتل. إذ رأت معظم شرائع الشرق الأدنى القديم فى زنى الزوجة إثماً كبيراً يستوجب الموت.

وأقر القانون المصرى القديم عقوبة القتل على الزوجة الزانية، وقد ورد فى البرديات المصرية فى حالة اتهام الزوج زوجته بالزنى أمام أفراد أسرتها - دون اللجوء إلى السلطة القانونية بالبلاد - أنه إن ثبت عليها الجُرم كانوا يلقون بها فى النهر ليفترسها التمساح جزاءً لما اقترفت، فقد ورد "حينئذ هو قال لها سيؤمر بجمع أقاربك من الأسرة، وهم سوف يستدعون التمساح ليفترسك"([10]).

صفحة 4

كما وقع قانون حمورابى عقوبة القتل على الزوجة الزانية والزانى أيضاً، وإن أشفق الزوج على زوجته، فيستبدل هذه العقوبة بإخراجها إلى الطريق عارية إلا من قليل لا يكاد يستر شيئاً من جسدها. وقد ورد فى العهد القديم ما ينص على قتل الزوجة الزانية والزانى أيضاً فى حالة ضبطهما (التثنية 22/22) "إذا وُجد رجل مضطجعاً مع امرأة زوجة بعل يُقتل الاثنان: الرجل المضطجع مع المرأة والمرأة. فتنزع الشر من إسرائيل".

ومثلما اهتمت شرائع الشرق الأدنى القديم بعقاب الزوجة إذا ضُبطت متلبسة بالزنى، كذلك اهتمت تلك الشرائع بالتحقق من اتهام الزوجة بالزنى، وذلك بإجراء ابتلاء أو امتحان يكون بمثابة برهان على براءة الزوجة أو إدانتها.

فيتضمن تقنين لبت عشتر فى المادة (17) حكماً بمقتضاه كل من اتهم آخر بارتكابه جريمة دون أن يتمكن من تقديم الدليل عليها، يتعرض للعقوبة ذاتها التى كان سيتعرض لها هذا الشخص لو كان اتهامه صحيحاً، ولقد أخذ حمورابى بالمبدأ نفسه.

وتعد شريعة المرأة الناشز فى العهد القديم من أوضح نماذج التحكيم الإلهى بالابتلاء وقد تصدرت أولى تشريعات باب المرأة الناشز فى المشنا. وتقع فى الفصول الستة الأولى من الباب الذى حوى تسعة فصول، فهى على هذا أكبر تشريعات هذا الباب، وقد أفرد لها المشرع حيّزاً كبيراً لتوضيح ما تشمله من أحكام وإجراءات، لاتصح الشريعة إلا بتطبيقها. ويتوقف تطبيق شريعة المرأة الناشز على مجاهرة الزوج بالغيرة على زوجته، والغيرة هنا بمعنى تحذير الزوج زوجته من التحدث مع شخص يسميه الزوج، حتى وإن كان هذا الشخص هو الأب أو الأخ أو أى رجل بالغ غيرهما. وإن اتهمت الزوجة بالاختلاء بالرجل الذى حذرها الزوج من التحدث معه، ورفضت الزوجة الاعتراف بذنبها، بل أصرت على طهارتها مما يُنسب إليها، ينبغى عندئذ تطبيق شريعة المرأة الناشز، التى سأتناولها بالتحليل فيما يلى.

أولاً: إجراءات إثبات الجنوح :

( أ ) المجاهرة بالغيرة :

اشترط مشرع المشنا أن يجاهر الزوج بالغيرة أمام شاهدين([11])، بينما لم يشر العهد القديم إلى هذا، وإنما اكتفى نص العهد القديم بقوله: "فاعترته روح الغيرة وغار على امرأته" (العدد 5/14) إذ تحولت الغيرة فى العهد القديم من إحساس وشعور يراود الزوج، إلى إجراء مادى يستوجب وجود شاهدين على مجاهرة الزوج بالغيرة. ولم ينص العهد القديم على وجود شهود على ارتكاب فاحشة الزنى، وكذلك لم يشترط وجود شهود على مجاهرتها بالغيرة. وتعد المجاهرةُ وإعلان الشك فى زنى الزوجة إجراءً رئيسيًا فى التحكيم بالابتلاء لدى معظم شعوب الشرق الأدنى القديم، ولدى اليونان أيضاً.

(ب) الخلوة :

عرّف مشرع المشنا الخلوة بأنها المدة التى تُعد بمثابة خلوة([12])، وهى الفترة التى تكفى لارتكاب فاحشة الزنى بينما استعمل مشرع العهد القديم الفعل "واستترت"، دون توقيت. كذلك وصف مشرع المشنا المكان الذى يمكن أن تحدث فيه الخلوة بـ(مكاناً خفياً)، وهو ما لم يشر إليه نص العهد القديم.

(جـ) شهود الخلوة :

اشترط مشرع المشنا وجود شهود على الخلوة، وإن اختلفت آراء العلماء فى عدد الشهود، هل يكتفى بشاهد أم شاهدين.

( د ) الشهود على ارتكاب الزنى :

أشار مشرع المشنا إلى ضرورة وجود شهود على الزنى، ولو شاهد واحد، حتى وإن كان هذا الشاهد، حماتها أو ربيبتها أو ضرتها أو سلفتها أو ابنة زوجها، ممن يحرم الأخذ بشهادتهن([13]).

(ھ) مكان التقاضى :

لم يحدد نص العهد القديم مكاناً بعينه لتطبيق الشريعة، بينما حدد نص المشنا بأن يذهب الزوج إلى دار القضاء الموجودة فى بلدته([14])، وفيها يقوم الزوج بإثبات المجاهرة بالغيرة والخلوة. ثم يرافقه اثنان من دارسى الشريعة للذهاب إلى دار القضاء العالية بالقدس (سنهدرين)، لتطبيق عقوبة الجنوح على الزوجة.

ويوضح مشرع المشنا الغرض من مرافقة اثنين من دارسى الشريعة للزوج "كى لا يباشرها فى الطريق"، وذلك حتى لا يضيع الإثم بين الزوج وزوجته، ويفقد الابتلاء بماء اللعنة المر تأثيره على الزوجة، وقد ورد فى العهد القديم ما يدل على أن القصد من تطبيق هذه الشريعة هو تبرئة الزوج من إثم زوجته أمام الرب (يهوه)([15]).

ثانياً: إجراءات تطبيق عقوبة الجنوح :

(1) إجراءات تسبق الابتلاء بماء اللعنة المر :

يقوم الكهنة، فى دار القضاء العالية بالقدس بتوجيه خطاب إلى الزوجة، يتضمن الترغيب والترهيب، ولم يذكر نص العهد القديم أى خطاب إلى المرأة الناشز قبل البدء فى تطبيق الشريعة، بينما نصت المشنا على قيام الكاهن بترغيب المرأة الناشز أولاً للاعتراف بإثمها، عن طريق التماس الأعذار لها، مما يجعل من الاعتراف أمرًا يسيرًا فيقولون لها [يا] ابنتى الإفراط فى [شرب] الخمر يؤدى [إلى ذلك]، كثرة المزاح تؤدى [إلى ذلك]، الإفراط فى [الأمور] الصبيانية يؤدى [إلى ذلك]، الإكثار من [مخالطة] جيران السوء يؤدى [إلى ذلك] (الفصل الأول/ د).

فيرى مشرع المشنا فى هذه الأمور أى:

- السُكْر، والإفراط فى شرب الخمر.

- المبالغة فى المزاح.

- الصبيانية، بمعنى الاستهتار وعدم التصرف بمسؤولية.

- مخالطة جيران السوء.

سلوكيات تؤدى بمن يعتادها إلى الجنوح، وتضمين هذه الأمور فى التشريع قد يشير إلى رغبة مشرع المشنا فى التنبيه والتحذير من السلوكيات التى قد تدفع المرأة إلى الجنوح.

ثم يخاطب الكهنة الحس الدينى للمرأة الناشز([16])، حتى تنتبه إلى قدسية اسم يهوه الذى سيُكتب على دَرْجها إن لم تعترف بذنبها، ويُمحى فى الماء. وقد اعتقدت معظم شعوب الشرق الأدنى القديم بوجود قوة سحرية فى أسماء الآلهة التى يعبدونها، فاستعملوها فى التعاويذ والرقى([17]).

ثم يبدأ بعد ذلك بترهيب المرأة الناشز، وذلك بالضغط عليها حتى تعترف بذنبها([18])، فيضغطون عليها بنفس الطريقة التى يضغطون بها على شهود جرائم القتل([19])؛ كى لا يشهدوا زوراً فيُسفك دم دون وجه حق. وإن اختلف الأمر فى شريعة المرأة الناشز حيث أن ما يخشاه الكهنة هو الاضطرار إلى إذابة اسم الرب الذى يُكتب على درْج المرأة الناشز، إذا ما أصرت على الادعاء بطهارتها.

ويرهب الكهنة المرأة الناشز، بإلقاء كلمات قاسية، لم يذكرها المشرع فى النص، وإنما أشار إلى أنها كلمات لا يصح أن تسمعها المرأة ولا أهلها.

وبعد أن تستمع المرأة الناشز إلى كلمات الكهنة الحاثة على الاعتراف بالذنب، والمحذرة من الإصرار على ادعاء الطهارة، وبعد أن يستنفدوا كل ما لديهم من أساليب - من ترغيب وترهيب - فإن أصرت على أنها طاهرة ولم تتنجس بارتكاب فاحشة الزنى، يبدأ الكاهن إجراءات الابتلاء بماء اللعنة المر.

وقد جعل مشرع المشنا من جنوح المرأة مسألة أخلاقية ولم يكتفِ بالنظرة الدينية، فجاء بقول مأثور وهو:"كما تدين تُدان"، وجاء بنماذج لشخصيات من العهد القديم، ليؤكد على صحة هذا القول سلباً وإيجاباً، فأتى بشخصيات ارتكبت أفعالاً سيئة فنالت سوء العاقبة، وشخصيات أخرى قامت بأعمال صالحة فنالت أحسن الجزاء([20]).

الشخصيات الممثلة للجانب السلبى([21]) :

- شمشون: وهو من قضاة بنى إسرائيل، اشتهر بقوته الخارقة – على ما ذُكر فى العهد القديم([22])- اتبع شهوة النظر، وباح لدليلة الفلسطينية بسر قوته فى شعره المنذور للرب، فما كان منها إلا أن أفشت سره، ففقأ الفلسطينيون عينيه.

- أبشالوم: وهو أحد أبناء الملك داود، تباهى بجماله وقوة شعره الذى يقدمه كل عام نذراً للرب، فكان شعره سبباً فى هلاكه، حيث علق من شعره بين أفرع الشجر.

وهو أيضاً من خلب لُب([23]) أبيه، ولُب دار القضاء، ولُب بنى إسرائيل، فطُعن فى قلبه بثلاث حراب.

ومن الملاحظ، وجود قواسم مشتركة للجنوح بين تلك الأمثلة وما ورد ضمن شريعة المرأة الناشز وهى، (العين، الشعر، القلب) وبالتالى العين تجحظ إذا ما سرى مفعول ماء اللعنة المر فى الجسد، والشعر الذى تزينت به المرأة قام الكاهن بحله وإفساد ترتيبه، والقلب الذى مال إلى ارتكاب الإثم ففضحه الرب (يهوه) وكشف أمره.

وكذلك فإن جميع الشخصيات التى تُمثل الجانب السلبى عاشوا على أرض فلسطين، مما قد يشير إلى أن المشرع إنما أراد بذكرهم أن يُحمِّل السلف جنوح الخلف.

صفحة 5

الشخصيات الممثلة للجانب الإيجابى([24]) :

- مريم : أخت موسى وهارون، راقبت موسى، عندما ألقت به أمه رضيعاً فى نهر النيل وانتظرت حتى تعلم أين سيستقر، ومن سيعتنى به، فانتظرها بنو إسرائيل عندما أصابها البرص واحتُجزت خارج المحلة سبعة أيام، عند خروجهم من مصر.

- يوسف : ابن يعقوب، الذى دفن أبيه، فاهتم موسى بأخذ رُفاته معه، عند الخروج من مصر([25]).

- موسى : نبى بنى إسرائيل، الذى اهتم برفات يوسف الصديق، فاهتم بدفنه الرب "ودفنه فى الوادى"([26]).

ومن القواسم المشتركة بين هذه الأمثلة وما ورد فى شريعة المرأة الناشز، إصابة مريم بالبرص، ودخول المرأة الناشز من باب نيقانور حيث يتطهرالمصابون بالبرص، ولأن يوسف وموسى من أهم الشخصيات فى تاريخ بنى إسرائيل، قد يكون مقصود المشرع من ذكرهما كمثلين على العمل الصالح، أن التقى لا يهتم به إلا التقى. وجدير بالذكر أن العهد القديم لم ينص على ضرب هذه الأمثلة أمام المرأة الناشز.

- بعد ذلك يطلب الكهنة من المرأة الصعود إلى الباب الشرقى عند مدخل باب نيقانور([27])، ويشترك من يدخلون إلى باب نيقانور فى النجاسة، الأمر الذى قد يشير إلى رغبة مشرع المشنا فى إذلال المرأة الناشز، "إذ تُسقى النساء الجوانح، ويطهرون النفساوات ويطهرون المصابين بالبرص". وقد يشير تخصيص باب من أبواب المعبد لتطهير المصابين بالبرص إلى انتشار هذا المرض بينهم.

- ويبدأ الكاهن فى ممارسة العنف الجسدى([28]) تجاه المرأة من خلال:

- تمزيق ملابس المرأة الناشز، إلى حد الاهتراء.

- إلباسها ملابس سوداء، إن كانت ترتدى ملابس بيضاء.

- نزع حليها من ذهب وقلائد، وأقراط وخواتم.

- حلّ شعرها.

- ربطها بحبل مصرى.

- فيقوم الكاهن بالقبض على ثيابها، وشد ملابسها وتمزيقها. فقد تعرت للإغراء وإثارة الغرائز؛ لذلك قام الكاهن بتعريتها بغرض الإذلال والتحقير. فمثلما ازينت لارتكاب الفاحشة تُقبّح بتمزيق ملابسها([29]). وهناك من يعارض تمزيق ثياب المرأة خشية أن يساوم دارسو الشريعة وصغار الكهنة المرأة الناشز بعد الانتهاء من تطبيق الشريعة. وقد ورد السبب فى الجمارا، "فيخشى إذا ما خرجت بريئة وطاهرة، يضايقها شباب الكهنة بعد ذلك"، وذهب راشى إلى أن الجمارا أشارت إلى شباب الكهنة إذ إنهم يشكلون غالبية الحضور فى القاعة. بينما ذهب العلماء إلى أن الغرض إنما هو إذلالها، حتى وإن كانت طاهرة استناداً إلى( حزقيال 23/48 ): "فأبطل الرذيلة من الأرض فتتأدب جميع النساء ولا يفعلن مثل رذيلتكما" كى لا تعرض النساء أنفسهن لمواطن الشبهات، وأن يتمسكن بالعفة. ولم يذكر مشرع العهد القديم أية غاية أو غرض من تطبيق (شريعة المرأة الناشز) سوى تبرئة الزوج من إثم زوجته.

أضافت المشنا، إلى جانب هذا، غرضاً آخر من تطبيق شريعة المرأة الناشز، وهو أن تكون عِبرة وعظة للنساء جميعاً، كى لا تسول لهن أنفسهن ارتكاب فاحشة الزنى.

- ثم يستبدلون ملابسها البيضاء بملابس أخرى سوداء، واستدركت الجمارا فى هذا الصدد أنه : "إن كان اللون الأسود جميل عليها، ألبسوها ملابس قبيحة"([30])

- وإن كانت تتحلى بذهب، وقلائد، وحلق، فينزعوها منها لتحقيرها. قد يكون المقصود من انتزاع الحلى التى ترتديها المرأة الناشز، هو اعتبار الحلى ذات طابع مقدس وأنها تستعملها كتمائم، فالغرض السحرى أو الدينى كان من الأغراض الأساسية للحلى([31])، وللأساور قوة سحرية، تحيط بالمعصم أو تُلبس على الذراع لتصنع دائرة سحرية([32])، تستعمل للحماية من الشرور، وقد يكون هذا هو سبب نزع حلى المرأة الناشز خشية أن يؤثر ما بها من قوة على الابتلاء بماء اللعنة المر، فتنجو وهى آثمة. وقد يكون قصد الكاهن من نزع حلى المرأة الناشز هو السبب نفسه الذى جعله يمزق ملابسها ويحلّ شعرها ويُبدل ملابسها البيضاء بملابس سوداء أى إذلالها وامتهانها وتحقيرها، بسبب جنوحها.

- ثم يقوم الكاهن بحلّ شعر المرأة الناشز، وهو الأمر الذى يمكن اعتباره نوعاً من التعدى ليس على جسدها فقط وإنما على روحها أيضاً، إذ أُعتبر الشعر مكمناً خاصاً للروح([33]). وقد اُعتبر الشعر من أهم سمات جمال المرأة على مر العصور وبخاصة فى الفترة اليونانية الرومانية، إذ اهتمت المرأة بتصفيف شعرها بطرق متنوعة وفى صور مختلفة([34]).

صفحة 6

- وبعد ذلك يقوم الكاهن بتقييد المرأة الناشز بحبل مصرى، ويربطه أعلى صدرها، ولم يذكر مشرع المشنا سبب تقييد المرأة الناشز بهذا الحبل - وقد تكون هذه الممارسة من ضمن الممارسات التى يهدف مشرع المشنا من خلالها إلى تحقير المرأة الناشز - وربما كى لا ينكشف جسدها إذا ما تمزقت ملابسها التى قام الكاهن بتمزيقها، إلا أن فى هذا الرأى تناقضاً، حيث قام الكاهن بتمزيق ملابسها لفضحها، فكيف يستعمل الحبل لسترها عن الأنظار؟ الأمر الذى يرجح أن الغرض من هذا الإجراء هو تقييدها كى لا تتمكن من ستر جسدها. فالغرض من جميع هذه الإجراءات، التى تتسم بالعنف الجسدى والتى تمثل اعتداءً معنوياً ومادياً على المرأة، لفضحها وكشف سترها وتجريدها مما تتزين به من ملابس وحلى وحل شعرها ونقضه، حتى يتسنى لـ"كل من يرغب فى مشاهدة [تطبيق الشريعة] يأتى ليشاهد، باستثناء عبيدها وإمائها لأنها تتعالى عن الاعتراف فى حضورهم. ويحل لجميع النساء أن يحضرن".

وعادة ما يتم التحكيم الإلهى بالابتلاء فى معظم شرائع الشرق الأدنى القديم على الملأ وبحضور جمهرة من الناس، فيمكن اعتبار التحكيم بالابتلاء محاكمة علنية، وقد استثنى مشرع المشنا عبيد وإماء المرأة الناشز من الحضور، إذ يبدو أنه خشى أن يكون حضورهم سبباً فى أن تتكبر المرأة الناشز عندما يمارس الكاهن جميع الأفعال التى يهدف منها إلى تحقيرها وإذلالها لحثها على الاعتراف بالذنب فلا تعترف.

ثم يذكر المشرع الغرض من جميع هذه الإجراءات التى قام بها الكاهن فى دار القضاء العالية بالقدس عند باب نيقانور، مقتبساً من العهد القديم : " فتتأدب جميع النساء ولا يفعلن مثل رذيلتكما"، أى أن الغرض الحقيقى من جميع هذه الانتهاكات غير الإنسانية ليس الاكتفاء بحض المرأة على الاعتراف وحسب، بل وإرسال رسالة تحذيرية موجهة إلى جميع النساء اللاتى يشهدن تطبيق شريعة المرأة الناشز، حتى يخشين سوء العاقبة.

(2) تقدمة المرأة الناشز :

يأخذ الكاهن تقدمة المرأة الناشز، من السلة المصرية ليضعها فى إناء الهيكل، ثم يبقيها على يد المرأة الناشز، ثم يضع يده تحت يدها لتقريب التقدمة.

وحُكم تقدمة المرأة الناشز هو أن يُحرق منها حفنة، وما تبقى من التقدمة يأكله الكهنة. ومن الغريب أن يقر مشرع المشنا أكل الكهنة لما تبقى من تقدمة المرأة الناشز التى سبق ووصفها بأنها ممّا تأكله البهائم. وقد يشير ذلك إلى تدنى الحالة الاقتصادية، أو الحرص الشديد على استفادة الكهنة من جميع التقدمات، حتى وإن كانوا يعتقدون أن هذه التقدمة مما يأكله البهائم، ومن ثم فهى من أحط القرابين التى يمكن تقديمها وذلك لأنها قربان تكفير عن لعنة. وتُسمى فى العهد القديم "تقدمة غيرة"، ويُطلق عليها أيضاً "تقدمة تذكار تُذكّر ذنباً"([35]). وعلى الرغم من أن جميع التقدمات يقوم الكاهن برفعها، فإن هذه التقدمة تقوم المرأة الناشز برفعها، لأنها تقدمة خطيئة.

ووصفت تقدمة المرأة الناشز بأنها يؤتى بها فى سلة مصرية، ونهايتها فى إناء من أوانى الهيكل ولا يُضاف إلى التقدمة زيتٌ ولا لُبانٌ، أى أنها لا تحتوى على دسم، ومن المعروف ما للدسم من أهمية عند تقديم القربان. وقد اقتصر القربان على تقديم شحم الماشية فقط عندما كان يعيش بنو إسرائيل فى الصحراء، حيث اعتبروه آنذاك أفضل ما يمكن تقديمه للرب قرباناً. وذلك على الرغم من أن كل التقدمات تحتاج إلى زيتٍ ولُبان كما يُعد اللُبان نبات من النباتات العطرية ويستعمل فى البخور([36]). وتأتى تقدمة المرأة الناشز طحيناً([37]) غيرَ منخولٍ، فمثلما كانت فعلتها فعلة بهيمة فكذلك تكون تقدمتها مما تأكله البهائم.

وقد اختلف علماء المشنا حول ترتيب السقى وتقريب التقدمة، نظراً إلى أنها وردت بترتيبين مختلفين فى العهد القديم، الأمر الذى اعتبره بعض المفسرين نتيجة لتعدد المصادر، ولكن أوّله مشرع المشنا بإباحة الترتيبين، وإن اختار مشرع المشنا تقريب التقدمة أولاً ثم ذكر السقى بعد ذلك.

وقد جاء الحكم بحرق تقدمة المرأة الناشز فى حالات معينة، لم يرد ذكرها فى العهد القديم منها:

حالات حرق التقدمة :

( أ ) إن قالت "لن أشرب"، قبل أن تُمحى الكتابة فى الماء.

(ب) أو إن اعترفت بذنبها، بعد أن مُحيت الكتابة فى الماء.

إذ تعد الحالة الأولى اعترافاً ضمنياً بارتكاب جريمة الزنى، إذ اعتبرت معظم شرائع الشرق الأدنى القديم أن سبب رفض المتهم تطبيق الابتلاء، هو خوفه من العقاب الكامن فى الابتلاء.

(ت) إن شهد شهود على تحقق نجاستها.

فالشهادة من وسائل الإثبات لدى بنى إسرائيل وشعوب الشرق الأدنى القديم، وبتوافر الشهود، أصبحت الزوجة زانية وليست جانحة.

صفحة 7

(ث) من لا يرغب زوجها فى سقيها ماء اللعنة المر.

فقد كان يحق للزوج - فى مجتمعات الشرق الأدنى القديم- العفو عن زوجته إن أراد، ويعبر المشرع البابلى (المادة129) "إن ضبطت زوجة رجل مضطجعة مع رجل آخر، فعليهم أن يربطوهما معاً ويرموهما فى الماء، فإن رغب الزوج فى الإبقاء على حياة زوجته، فالملك يُبقى على حياة خادمه".

(جـ) إن باشرها زوجها فى الطريق إلى دار القضاء العالية بالقدس (سنهدرين)، فبهذا يضيع الذنب بينهما، لأنه قد تقاسم معها الإثم، فلا يتمكن ماء اللعنة المر من ابتلاء الزوجة.

( د ) جميع النساء المتزوجات من كهنة، ومنهن ابنة الإسرائيلى، فتقدمات زوجات الكهنة تُحرق لأن هذا هو المعمول به بالنسبة إلى تقدمة الكاهن فلا تحفن كسائر التقدمات وإنما تحرق كاملة وفقاً لما ورد فى سفر اللاويين 6/23 "كل تقدمة كاهن تحرق بكمالها لا تؤكل".

(3) إعداد ماء اللعنة المر :

يحضر الكاهن إناءً جديداً من الخزف، ليضع فيه ماء اللعنة المر، لابتلاء طهارة المرأة الناشز، والذى يتكون من (ماء، وتراب، ولعنة). ويعد الماء – مثله فى ذلك مثل النار والدم – من وسائل التطهير فى الديانة اليهودية، وديانات الشرق الأدنى القديم([38]). وقد استعمل البابليون الماء لغسل الذنب ومحوه أو لابتلاع سببه وإزالته([39])، بينما يرمز التراب إلى الخطيئة.

وأول إشارة إلى مزج الماء بالتراب وردت فى سفر الخروج، عندما عبد بنو إسرائيل العجل الذهبى، فحرق موسى العجل وأضاف ترابه إلى الماء حتى يحل عقاب الرب على من قام بعبادة العجل مِن بنى إسرائيل([40]).

ثم يحضر الكاهن الماء من الحوض([41])، المخصص للتطهير، ويأتى بالتراب من أرض الهيكل، وحُدّد مقدار الماء بربع لوج([42])، وهو ما لم يرد ذكره فى العهد القديم. ويبدو أن نسبة الماء لم تكن ثابتة، بل تتغير وفقاً لمقدار ما يكتبه الكاهن من لعنات على درج المرأة الناشز كما يجب أن يظل التراب بادياً على صفحة الماء، وهو أمر لم يرد صراحة فى نص العهد القديم([43]) إلا أن مشرع المشنا قد استنبطه وجعله شرطاً من شروط إعداد ماء اللعنة المر.

وقد أقرّ مشرع المشنا شرب ماء اللعنة المر- فى حالة توافر المجاهرة بالغيرة والخلوة - على حالات معينة من النساء، وأعفى حالات أخرى من الشرب، وهو الأمر الذى لم يرد ذكره فى العهد القديم أيضاً.

النساء التى تشرب ماء اللعنة المر :

( أ ) زوجة الكاهن.

(ب) زوجة المخصى.

(ت) إن تعارضت أقوال الشهود على الزنى([44]).

(ث) إن رفضت الزوجة شرب ماء اللعنة المر بعد أن امّحى اسم الرب من الدرْج فتُسقى كرهاً.

النساء التى تُعفى من شرب ماء اللعنة المر :

( أ ) المرأة التى تُتهم بالنشوز وتكون حُبلى من زواج سابق.

(ب) المرأة التى تُتهم بالنشوز، وتقوم بإرضاع وليدها من زواج سابق.

وقد قرر مشرع المشنا عدم شرب المرأة الحُبلى من زواج سابق، والمرضع من زواج سابق لأنه لا يحق للزوج الحالى أن يجاهرها بالغيرة من البداية.

(ت) المسترجلة.

(ث) العجوز.

(جـ) العاقر([45]).

أما المسترجلة والعجوز والعاقر، فلا يستوفين الغرض من الزواج منذ البداية لأنهن لا تصلحن للإنجاب، وهو الغرض الرئيسي من الزواج فى اليهودية.

المواد التى يُكتب عليها درْج المرأة الناشز :

حدد مشرع المشنا المادة التى يُكتب درْج المرأة الناشز عليها، واستنتج من نص العهد القديم صفة هذه المادة، فلا يكتب على لوح من خشب، ولا على ورق، ولا على جلد غير مدبوغ، وإنما يكتب على درْج ويُعد صالحاً من الناحية الدينية، وذلك استنادًا إلى ما ورد "فى الكتاب"، أى أنها تُكتب على ما يحل الكتابة عليه من الناحية الدينية.

كما استثنى مشرع المشنا جميع المواد التى يمكن استعمالها فى الكتابة ولا تُمحى فى الماء، إذ ينبغى أن تذوب اللعنة فى الماء لينتقل تأثير اللعنة إلى الماء ومن ثم إلى المرأة الناشز.

فيكتب الكاهن درْج المرأة الناشز، الذى يحتوى على اللعنات التى تحل على المرأة إن كانت قد أثمت. وحدد مشرع المشنا الفقرات التى يكتبها الكاهن، والفقرات التى يتغاضى عن كتابتها.

أما تأثير ماء اللعنة المر، فقد تغاضى مشرع المشنا عن ذِكر تأثير ماء اللعنة المر، إن كانت المرأة بريئة مما يُنسب إليها. بينما أوضح تأثير ماء اللعنة المر فى حالة إدانة المرأة، ويكون تأثيراً فورياً، لا تكاد تنتهى من الشرب، حتى يتجلى تأثير ماء اللعنة المر فسيولوچياً فيمتقع وجهها، وتجحظ عيناها، وتنفر عروقها، وهى العلامات التى تدل على إدانتها وإثبات ارتكابها فاحشة الزنى، وتسبق العقوبة السماوية وهى الموت، وقد يكون غرض المشرع من ذكر هذه الأعراض الإشارة إلى أن الموت سيكون بطيئاً مؤلماً، بحيث يتبدى لجميع الحاضرين مظاهره وعلاماته؛ فيعرفون أنها مُدانة، وذلك لأن أثر ماء اللعنة المر الوارد ذكره فى العهد القديم والذى أقرته المشنا أيضاً، يصعب ملاحظته تحت ملابس المرأة الناشز، إذ يمتد تأثير الماء إلى البطن والفخذين؛ لذا حدد مشرع المشنا آيات يُستدل بها على تأثير وفعالية ماء اللعنة المر فى حالة زنى الزوجة.

إلا أن بعض علماء المشنا أبدوا شكوكهم فى مدى فعالية ماء اللعنة المر، فذهب البعض إلى أن العمل الصالح إن كانت للمرأة الناشز أعمالاً صالحة يمكن أن تؤجل ظهور تأثير ماء اللعنة المر([46])؛ مما جعل بعض العلماء يقترح أن يعلم المرء ابنته الشريعة، فإذا ما تعرضت للابتلاء يمهل ذلك مفعول ماء اللعنة المر، بينما اعتبر البعض الآخر أن من يعلم ابنته الشريعة إنما يعلمها الفاحشة.

يتضح من ذلك أن مشرع المشنا، قد زاد على نص العهد القديم بإضافة تفاصيل كثيرة، بالنسبة إلى شريعة تعتمد بشكل أساسى على الحكم الإلهى، ففى معظم قوانين الشرق الأدنى القديم لا تتجاوز المادة القانونية للتشريع فقرة أو اثنتين على أقصى تقدير، فعلى سبيل المثال، ورد فى قانون حمورابى (المادة 131): "إذا اتهمت زوجة رجل من قبل زوجها، ولكنها لم تضبط وهى تضاجع رجلاً آخر، فعليها أن تؤدى القسم بحياة الإله (بخصوص براءتها) وترجع إلى بيتها".

أما مشرع المشنا فقد حرص على تحرى الدقة عند تطبيق الإجراءات مما أدى به إلى اقتراح أمور لم يرد أكثرها فى نص العهد القديم.

ومن الأمور التى لم تنص عليها العهد القديم، بينما أقرتها المشنا :

( أ ) حق دار القضاء فى المجاهرة بالغيرة على النساء المتهمات بالنشوز([47])، وهو الأمر الذى لم يشر إليه نص العهد القديم، مما يعنى أن مشرع المشنا قد جعل من نشوز الزوجة جريمة عامة، يجب أن تُقام لها الشريعة، حتى وإن لم يكن فى استطاعة الزوج أن يقيم هذه الشريعة، وربما يشير هذا إلى شيوع الزنى فى المجتمع مما استدعى تدخل دار القضاء.

(ب) عقاب الرجل الذى وطأ المرأة الناشز، وهو ما لم يرد فى العهد القديم، وعلى الرغم من ذلك استند مشرع المشنا فى هذا الرأى إلى تأويل تكرار كلمة "تنجست" فى نص العهد القديم([48])؛ لتساير المشنا فى ذلك شرائع الشرق الأدنى القديم واليونان.

(ت) لشهادة على ارتكاب فاحشة الزنى([49])، وهو ما لم يشر إليه العهد القديم، وقد استن مشرع المشنا ذلك عن طريق قاعدة الأخذ بالأوْلى، وأوجب وجود شاهدين على النجاسة، على الأقل.

(ث) طرد المرأة الناشز من بيت الزوجية، وحرمانها من مبلغ الغرامة (الكتوبا)، وهى عقوبة ربما أخذتها المشنا من شرائع الشرق الأدنى القديم، إذ ورد فى قانون حمورابى المادة (141): "إن عولت سيدة على التصرف بحمق مضيعة بيتها ومصغرة شأن زوجها فسوف يدينونها، وإن قال زوجها عندئذ إنه سيطلقها فله أن يطلقها، لا شىء سوف يُعطى لها بمثابة نقود طلاقها عند رحيلها". ولدى اليونان، كان الطلاق غالباً ما يحدث بسبب زنى الزوجة، فلكى يتخلص الزوج من زوجته التى خانته، كان له أن يطلقها.

ويبدو أن الغرض الأساسى من التحكيم الإلهى بالابتلاء عند الشك فى زنى الزوجة هو منع الزوج من قتل الزوجة بنفسه، واللجوء بدلاً من ذلك إلى دار القضاء للبت فى الأمر، إلا أن ما اتسمت به إجراءات تطبيق شريعة المرأة الناشز من قسوة وإهانة بالغة، جعل من تطبيق الشريعة عقوبة شديدة القسوة على المرأة، إذ تعد إجراءات تلك الشريعة التى تعالج نشوز الزوجة فى المجتمع، نشوزاً آخر فى استعمال العنف المادى والمعنوى. كما أنه يساهم فى نشر شهادة الزور، حيث يمكن لحماة الزوجة الناشز أن تشهد بنجاستها بارتكابها فاحشة الزنى، ويؤخذ بشهادتها، وكذلك يحلّ الأمر للربيبة وأخت الزوج.

وقد أغفل مشرع المشنا افتراض طهارة المرأة المتهمة بالنشوز، وتأثير ماء اللعنة المر فى هذه الحالة، بينما خصصت شرائع الشرق الأدنى القديم مادة من موادها لتوضح العقوبة التى ينالها من قذف امرأة متزوجة باتهام أثبت التحكيم الإلهى بالابتلاء خطأه، ومن ثم طهارة الزوجة فقد ورد فى المادة (17) من القانون الأثورى(الآشورى) "إن قال رجل لآخر إن زوجتك زانية، فإن لم يوجد شهود، يؤخذ المتهم إلى اختبار النهر"، المادة (18): "وفى حالة العجز عن الإثبات يجلد أربعين جلدة، بالعصا ويُسخّر فى خدمة الملك لمدة شهر ثم يُخصى ويدفع غرامة وزنه من الرصاص"([50]).

فمشرع المشنا أضاف الكثير من الإجراءات التى لم ينص عليها العهد القديم، فأعطى للزوج حق رمى الزوجة بالنشوز، ولم يضع عقوبة على من يتهم امرأة بالنشوز إن أثبت الابتلاء بالماء براءتها؛ مما جعل الاتهام بالنشوز عقوبة فى حد ذاته، وجعل النشوز جريمة لا تُغتفر، ولم يهتم بالمرأة الناشز التى أثبت الماء براءتها، بعد أن تعرضت للإهانة والاحتقار والإذلال أمام الجميع بما فيهم أفراد أسرتها.

وبعد إسهاب المشرع فى سرد إجراءات تطبيق شريعة المرأة الناشز يرد إقرار بأن هذه الشريعة قد توقف العمل بها وذلك قبل دمار المعبد.

وسأعرض فيما يلى للاختلافات بين أسلوب العهد القديم وأسلوب المشنا عند التعبير عن شريعة المرأة الناشز، وذلك فى جداول، خصصت الخانة الأولى للألفاظ الدالة على (القربان، وماء اللعنة المر..)، والخانة الثانية للصيغة كما وردت فى العهد القديم، والخانة الثالثة للصيغة كما وردت فى المشنا، ثم الخانة الأخيرة لتوضيح الفرق بين أسلوب العهد القديم وأسلوب المشنا.

صفحة 8

القصاص لدى اليهود

القتل أقدم جريمة عرفتها البشرية، فالقتل جُرم وُجد بوجود الإنسان على الأرض؛ لذا شغلت جريمة القتل وعقوبتها الفكر الإنسانى، الأمر الذى ظهر فى تعدد التشريعات المتعلقة بالقتل، وتطور العقوبات المتعلقة بها سواء القصاص أو التعويض (الدية). وقد ميزت شعوب الشرق الأدنى القديم بين نوعين من القتل يستتبعان نوعين من العقوبة، وهما القتل العمد، ويجب فيه قتل القاتل، وإن لم يتسن لأولياء الدم ضبط القاتل نفسه، يحق لهم قتل أقرب الأقربين من القاتل أو أحد أفراد عشيرته([51])، إذ أن الغرض من الثأر هو الإحلال، بمعنى إحلال شخص آخر عوضاً عن القتيل، وإعادة التوازن بين الجماعتين، أما القتل الخطأ فكانت عقوبته أن يؤدى القاتل دية([52])، متمثلة فى الإبل والماشية، وقد كانت قيمة الدية تتحدد بحسب مكانة القتيل([53]).

وأحياناً ما اختلفت العقوبة – فى بعض شرائع الشرق الأدنى القديم – وفقاً لمكانة القتيل إذا ما كان عبدًا أو حرًا. فقانون أشنونا([54]) يحدد نوعين من العقوبة لمرتكبى جرائم القتل وذلك وفقاً للطبقة الاجتماعية التى ينتمى إليها المجنى عليه. فإن كان المجنى عليه عبداً أو أمة فإن عقوبة الجانى هى دفع الدية التى تتمثل فى صورة عبيد وإماء([55]). بينما أقر القانون الخَتِّى(الحثى) الدية فى حالتى القتل العمد والقتل الخطأ، إلا أن هذا النوع من التمييز فى العقوبة – تبعاً لمكانة القتيل – لم يقع فى معظم شرائع الشرق الأدنى القديم ومصر، فكان المبدأ المتبع فى قانون حمورابى([56]) والقانون الأثورى (الآشورى) (من قَتل يُقتل)، بل إن القانون الأثورى قد أعطى لولى الدم السلطة المطلقة للاقتصاص من الجانى دون الرجوع إلى السلطة الحاكمة([57]). وفى القانون المصرى كان الموت عقوبة كل من يقتل عمداً رجلاً، حراً كان أم عبداً. ومعنى هذا أن القانون المصرى القديم كان يعاقب على القتل العمد بقتل القاتل، بغض النظر عن كون القتيل حراً أم عبداً([58]).

وإن اختلفت القوانين المتعلقة بجريمة القتل بين شعوب الشرق الأدنى القديم، فإنها اتفقت فى الحرص على نيل الجانى أو عشيرته عقاباً يراه أقارب المجنى عليه (القتيل) مناسباً.

وبتطور الفكر الإنسانى عُرف القصاص، وقُصرت العقوبة على القاتل فقط، مما أدى إلى تقويض الرغبة فى الانتقام من أقارب القاتل. وتولت السلطة العامة العقاب بغض النظر عن قرابة القتيل([59])، وعليه أصبح القتل جريمة عامة فى المجتمعات المدنية، الأمر الذى أدى إلى وجود إجراءات يجب اتباعها عند وقوع جريمة قتل، حيث يتم اللجوء إلى السلطة العامة، ولا يحق لأقارب القتيل أن يتخذوا أى إجراء مضاد.

ولم يختلف الأمر لدى بنى إسرائيل، حيث اُعتبر القتل جريمة تستلزم عقوبة، فتثأر عشيرة المجنى عليه من عشيرة الجانى، إذ أن الدم المسفوك يصرخ طالباً الانتقام وكان الانتقام يأتى مروعاً لا تحده حدود إذ ورد (فى التكوين 4/15-24) "إن دم القتيل يصرخ فى الأرض منزلاً اللعنات على من قتله، ملتمساً الثأر منه؛ ولذا يُنتقم من القاتل بسبعة أضعاف"([60]). كما اختلفت العقوبة باختلاف نوع القتل، فإذا كان القتل عمداً مع سبق الإصرار والترصد فإن عقوبة الجانى هى القتل، إذ ورد (فى اللاويين 17/24) "من قتل إنساناً يُقتل". وكانت الجهة المنوط بها تنفيذ عقوبة القتل على الجانى تتمثل فى أولياء الدم، أما إذا كان القتل خطأ، ففى هذه الحالة تُوقع عقوبة الطرد أو النفى خارج المدينة التى وقعت فيها الجريمة([61])، ويتمثل هذا المكان فى ست مدن تُعد ملجأ يلوذ به القتلة الذين قتلوا عن غير عمد هرباً من أولياء دم القتيل([62])، وكان على القاتل أن يدفع دية لأهل القتيل قبل ذهابه إلى مدن الملجأ. وكان كبار شيوخ وقضاة بنى إسرائيل هم من يصدرون الحكم القضائى وذلك بناءً على شهادة شاهدين أو أكثر، إذ لا يؤخذ بشهادة شاهد واحد فى هذه القضايا([63]).

وهكذا نجد أن القتل قضية شغلت فكر الإنسان منذ القِدم، وقد اتفقت القوانين على اعتبار القتل جريمة يجب العقاب عليها، للحيلولة دون الإخلال بالنظام وشيوع القتل بين أفراد الجماعة أو بين القبائل، وتحقيقاً للعدالة. وقد بلغ حرص العرب قديماً على الاقتصاص للقتيل، حتى وإن لم يُعرف قاتله، إجراء ما يُعرف بالقَسَامة، حيث يُسمح لأقارب القتيل بأن يطلبوا من أقارب المشتبه فيه مشاركته فى حلف اليمين، ويحدد العرف الأقارب الذين من واجبهم مشاركة المتهم فى قسمه([64]).

صفحة 9

ولم تتناول شرائع الشرق الأدنى القديم حالة العثور على جثة قتيل، دون التعرف على القاتل، وهو الأمر الذى قد يشير إما إلى عدم تعرض شعوب الشرق الأدنى القديم لمثل هذا الموقف مما يدل على استتباب الأمن والأمان، وإما إجراء لم يُتخذ فى حالة العثور على قتيل دون معرفة قاتله، وهو أمر مستبعد، نظراً إلى اشتمال قوانين الشرق الأدنى القديم على تشريعات مدنية وجنائية، تعالج مختلف أنواع الجرائم والجُنح الممكن حدوثها.

وقد اعتبرت الديانة اليهودية أن الدم المسفوك يدنس الأرض([65])، فالرب (يهوه) يطالب بالاقتصاص من القاتل([66]). ولا يوجد تكفير للدم المسفوك إلا بإهدار دم القاتل، فإذا تعذر تحقيق هذا بسبب عدم معرفة القاتل، لزم تطبيق شريعة العِجلة مدقوقة العنق.

أولاً: إجراءات شريعة العِجلة مدقوقة العنق فى المشنا :

( أ ) يبدأ تطبيق شريعة العِجلة مدقوقة العنق، عند العثور على جثة قتيل، فيخرج قضاة دار القضاء العالية بالقدس (سنهدرين)، ليقيسوا المسافة ما بين جثة القتيل وأقرب المدن إليه، لتحديد أية مدينة تقع عليها مسؤولية إراقة الدم.

ولم يرد فى العهد القديم عدد القضاة الواجب خروجهم لقياس المسافة بين القتيل وأقرب مدينة، الأمر الذى أدّى إلى اختلاف آراء العلماء فى تحديد هذا العدد([67])، ما بين ثلاثة قضاة أو خمسة. وقد اعتمد الرِّبى يهودا على التفسير اللغوى لنص العهد القديم لترجيح رأيه (القائل بخروج خمسة قضاة) وإن اتفقت الآراء على أن يكون عدد من يقيسون فردياً وذلك لحسم الأمر. ويبدو أن مشرع المشنا قصد بتحديد العدد مجرد اقتراح الحد الأدنى لعدد قضاة دار القضاء العالية بالقدس الذين يخرجون للقياس.

(ب) ثم يبدأ دور شيوخ المدينة الأقرب إلى جثة القتيل، فهم المسؤولون عن إراقة الدم، بدق عنق العِجلة([68])، والتى يجب ألا يقل عمرها عن عام ولا يزيد عن عامين، وفقاً للشريعة "عجلة من البقر لم يحرث عليها لم تُجر بنيْر"، ولا يشترط خلوها من العيوب([69]).

(جـ) ثم يؤتى بالعِجلة إلى وادى وعر، ويُقصد بكلمة "نَحَل" فى العهد القديم: قناة أو وادى أو مجرى مائى تجرى فيه المياه إما طوال العام، أو فى مواسم الأمطار فقط، وتعبر هذه الكلمة مجازاً عن الوفرة والكثرة، ورد التركيب "نَحَل إتان" مرتين فى العهد القديم بمعنى: مجرى مائى ضفافه مرتفعة وعالية يوجد فى قاعه أحجار وصخور (التثنية21/4) "وادى دائم السيلان"، أو مجرى مائى تجرى مياهه طوال العام (عاموس 5/24) "كنهر دائم". ويبدو أن مشرع المشنا أراد أن يوضح أن المقصود وجود صخور فى قاع الوادى لذا فسّر كلمة "إتان" بمعنى (وعِر"قَاشيه").

وقد حدد مشرع المشنا الأداة المستعملة فى دق عنق العِجلة، وهى الساطور، بينما لم يرد فى العهد القديم أية إشارة إلى الأداة المستعملة عند تطبيق الشريعة.

( د ) وقد حرّم مشرع المشنا الزراعة أو القيام بأى عمل فى مكان دق عنق العِجلة([70])، بينما ورد هذا التحريم فى العهد القديم كشرط من شروط اختيار المكان الذى يُدق فيه عنق العجلة([71]). فالشريعة اليهودية تحرم الدم؛ لذلك إذا سُفك دم على هذه الأرض واختلط بترابها، ويتغذى النبات المزروع من هذا الدم، يحرم الأكل من هذا الزرع؛ لذلك جاء تحريم المشنا الزراعة فى مكان دق عنق العجلة تحريماً منطقياً.

وقد أضاف مشرع المشنا ما يحل القيام به من أعمال فى الوادى الذى تُطبق فيه شريعة العِجلة مدقوقة العنق، وهى: غزل الكتان، واقتلاع الأحجار، من الملاحظ أنها أمور يمكن القيام بها دون الاستفادة بدم العِجلة بأى شكل من الأشكال.

( ھ ) ثم يقوم شيوخ المدينة بغسل أيديهم بالماء فى مكان دق عنق العجلة، وذلك لكى يتبرؤوا من الذنب، معلنين براءتهم من دم هذا القتيل (التثنية 21/7) "أيدينا لم تسفك هذا الدم وأعيننا لم تبصر"، ويتم التبرؤ هنا من أمرين، الأول هو القتل المباشر للقتيل، أما الثانى فقد يكون المقصود من "وأعيننا لم تبصر" عدم معرفتهم القاتل وعدم التستر عليه، أو التبرؤ من التهاون فى منع هذا الجرم من الوقوع.

صفحة 10

وقد ذكر مشرع المشنا أن الشيوخ يغسلون أيديهم بالماء، بينما لم يرد ذلك صراحة فى العهد القديم([72]).

ثم يشرح مشرع المشنا المعنى المقصود من تصريح الشيوخ "أيدينا لم تسفك هذا الدم وأعيننا لم تبصر" وهو:

1- أنهم يتبرؤون من التسبب فى قتله، حتى وإن كان بطريق غير مباشر، فهو لم يلجأ إليهم وتركوه دون طعام، مما تسبب فى موته جوعاً.

2- ولم يروه يعرض نفسه للخطر بالسير فى مكان معزول يُحتمل أن ينقض عليه قطاع الطرق واللصوص وتركوه دون رفقة تحميه.

وقد يشير هذان الأمران إلى الدور المنوط بشيوخ المدينة وهو:

- تحقيق التكافل الاجتماعى بين أفراد تلك المدينة.

- حماية من يلجأ إليهم أو يستغيث بهم، وتنبيه الغافل إلى الخطر المحدق به.

( و ) ثم يتلو الكهنة دعاءً بغرض تبرئة جماعة بنى إسرائيل من الدم المسفوك، فبعد أن قام الشيوخ بتبرئة أنفسهم أمام الرب من دم هذا القتيل بغسل أيديهم وإعلانهم تبرؤهم من القتل أو المساهمة فى القتل، يحين دور بنى إسرائيل فى التبرؤ من هذا الذنب، ويكون هذا عن طريق الكهنة الذين يقولون: "اغفر لشعبك إسرائيل الذى فديت يا رب ولا تجعل دم برىء فى وسط شعبك إسرائيل".

فلقد ذكر مشرع العهد القديم أن للكهنة دورًا يقومون به فى شريعة العجلة مدقوقة العنق وذكر أنهم يقومون بالمباركة باسم الرب "ثم يتقدم الكهنة بنو لاوى لأنه إياهم اختار الرب إلهك ليخدموه ويباركوا باسم الرب وحسب قولهم تكون كل خصومة وكل ضربة"، وقد كان مشرع المشنا أكثر تحديداً لدور الكهنة عند تطبيق الشريعة، (ويقول الكهنة: اغفر لشعبك إسرائيل الذى فديت يا رب ولا تجعل دمًا بريئاً فى وسط شعبك إسرائيل)، إذ يتضح دور الكهنة كوسيط بين جماعة بنى إسرائيل والرب.

ثانياً: دور الشهود فى شريعة العجلة مدقوقة العنق :

و"يصدر شيوخ وقضاة وبنو إسرائيل الحكم فى قضايا القتل بناءً على شهادة شاهدين فأكثر، ولا يؤخذ بشهادة شاهد واحد فى مثل هذه القضايا"([73]).

( أ) فى حالة تساوى أقوال الشهود، أى هناك شاهد نفى وشاهد إثبات([74])، فإنهم فى هذه الحالة يحكمون بدق عنق العجلة، وذلك لتوفر الشك، الذى يُلقى مسؤولية سفك الدم على جماعة بنى إسرائيل، وبالتالى مسؤولية التكفير عنه. ويبدو أن مشرع المشنا قد أجاز شهادة المرأة عند الوقوع فى الشك([75])، لترجيح كفة إحدى الشهادتين.

(ب) أما إذا شهد شاهد، بأنه رأى القاتل، مقابل شهادة اثنين، يقولان إن هذا الشاهد لم ير القاتل، فلا تؤخذ بشهادة الشاهد الواحد، ويؤخذ بشهادة الاثنين.

(جـ) وإذا شهد شاهدان بأنهما قد شاهدا القاتل، بينما شهد آخر بأن هذين الشاهدين لم يريا القاتل ففى هذه الحالة، بما أن عدد شهود الإثبات (أى من شهدوا برؤية القاتل) أكثر من عدد شهود النفى (من أنكروا عليهم رؤية القاتل) لا يطبقون شريعة العجلة مدقوقة العنق، لتوفر شاهدين على القاتل، الذى يتوجب قتله.

ثالثاً: حالات عدم تطبيق شريعة العجلة مدقوقة العنق :

( أ ) حالات لا تُطبق فيها إجراءات شريعة العجلة مدقوقة العنق من البداية وهى:

حالات مرتبطة بالكيفية التى وُجد عليها القتيل :

- إن عُثر على القتيل مطموراً فى كومة من الأحجار.

- أو مصلوباً على شجرة.

- أو طافياً على صفحة الماء.

لم يرد لهذه الأحوال ذكر فى نص العهد القديم، إلا أن مشرع المشنا قد رأى ذلك استنادًا إلى التفسير الحرفى لكلمات العهد القديم([76]).