صفحة 1
يا قدسُ
يا قدس إني وكل الشعر في خجلِ
ما يفعل الشعر عند اليأس والأجلِ؟
قد طأطأ الشعر عند القدس هامته
فالسيف أَولى من الأقوال في الحللِ
هل للجريح دواء في مسامعه
يغنيه عن بلسم الأسقام والعطلِ؟
إنا اكتفينا بنظم الشعر ملحمة
تمشي القوافي بنا في مذبح الأملِ
إن الأمير لنظم الشعر منتخب
من قال فيك لسان الجدّ والهزلِ
هل أنت حسناء بالأشعار نعشقها؟
حسناء ما ترتجي والحزن كالجبلِ
أين الأمير الذي بالغار نتحفه؟
لا الشعر، بل في علو الفعل والعملِ
يرمي الإمارة، أو يرمي مفاتنها
حتى يقود عظيم الجيش في عجلِ
الرأي من ثاني الاثنين يأخذه
النصر أو موته في أشرف المثلِ
لم يبق في أمر إنقاذ الحمى أحدًا
صفحة 2
من الشيوخ، ومن يشكو من العللِ
يلقى المنايا، إذا تلقاه، مبتسمًا
يمشي إليها بدون الخوف والوجلِ
يا قدس هذي جراح والصديد بها
إذ كل جرح يسوق العضو للشللِ
بيت يئن، وذي القطعان تغصبه،
والأهل ليس لهم إلا أسى الثكلِ
يأوون في خيمة، والجو خيمتهُم،
والأرضُ فرشتهم، والغاز في المقلِ
بيتٌ على الأرض، إن الأرض تسكنْهُ
بالزيتِ، والتينِ، والزيتونِ، والعسَلِ
أي الكتاب على الجدران قد رسمت؟
ختم الزمان على الجدران في الجملِ
القدسُ كالشمسِ بالأنوارِ طالعةٌ
إن بدّلوها، فإنّ القدسَ في بَدلِ
هل فيكِ من موضعٍ للطعنِ محتملِ
في الرجلِ والخصرِ والأطراف والخصلِ؟
لا.. لا أرى فيكِ إلا النّزف مكتملاً
ما بين رمحينِ، رمحٌ فيك في العضلِ
ماذا يقال وملء القدس أوبئة
تسري على مهبط الأديان والرسلِ
يا قدس إني وكل الشعر في خجل
ما يفعل الشعر عند اليأس والأجلِ
صفحة 3
القدس قلعة الأمجاد
لما أتيتُ لترب القدسِ أنجذبُ
القلبُ من شدّه الأشواق يضطربُ
قد كنتُ في منتأى والدمعُ أذرفه
لا يذرفُ الدمعَ إلاّ من به وصبُ
واليوم قد عاد هذا الدهر يجمعنا
والكف في النار والأجواء تلتهبُ
يا قلبَ قلبي حنايا الصدرِ تحفظُه
ما كنتُ جسمًا بدون القلب ينتصبُ
منذ الصبا ذكرياتٌ لي أردّدها
فالجرحُ عودٌ به الأوتار تنتحبُ
ألهمتني الشعر حتى رحت أنسجهُ
والنثر كالشعر إذ يلقاك يصطخبُ
ألهمتِ من لا يجيد النطق منطقَه
حتى تهادى عليك المدحُ والخطبُ
لو أن شعري وكلّ الناظمين أتوا
في واحدٍ من ثنايا السورِ لانسحبوا
أم الدّنا أنتِ والأيامُ شاهدةٌ
والشرقُ والغربُ والفرسانُ والعربُ
لو لمْ تكوني لهذا الكونِ ساحرةً
ما جيّشَ الروم جيشًا قادَه النخبُ
صفحة 4
يا قدسُ معذرة إن جئت محترقًا
فالعلج فوقك والأوثان والسّغبُ
يا قطعهً من رياضِ الخلد يانعةً
رغم الجحيم يسيلُ الشهد والرطبُ
يا راجيًا من ضروب الفن أمثلةً
الفنُّ في القدسِ والإبداعُ والعجبُ
مدينة من كنوز الأرض قد جُبلت
فبان في جلدها الياقوت والذهبُ
معالم لا تملّ العين مشهدَها
تعانقت فوقها الأبراج والقببُ
مرّت يد الدهر لا أضرار تُحدثها
كأنما سالمتك الريح والحقبُ
كم من غزاةٍ على تعدادهم سُحقوا
وأنت طول المدى ما زلت إذْ ذهبوا
كالسنديانة في الأفاق فارعة
والبوم يندب والغربان تنتعبُ
قد يرجع الصبح حيث الطور مطلعه
لمّا يراك من الأنوار ينقلبُ
لأنت طبّ إذا الأنفاس ضائقة
يأتيك في ذروة الإعياء مكتئبُ
بمهجتي أنت والأيام ساكنة
بالأمس والآن حتى الروح تنسلبُ
صفحة 5
بكيتُ قدسًا
بكيتُ قدسًا كما الأحباب تبكيني
هل يا ترى الدمع في الأجفان يكفيني
أم أنه من كثير الصبّ مفتقدٌ
حتى غدا الملح كالنيران يكويني
يا ليت حزني بماء العين منطفئ
الهم شوك تساقى الدمع يطويني
لو صبّ دمعي على النيران قاطبة
أضحت رمادًا وبطن الأرض كالطينِ
يا قدس، يا نبع جرح ليس يبلغه
نبع الكلام ونطق الضاد والنونِ
إني جرعت الأسى، فالكأس طافحة
أن قلت يومًا كفى، فالخطب يضنيني
يا قدس شكوايَ في الأضلاع أكبتها
إن لم أجد بعدها ردًّا يداويني
إن المنايا أراها جدّ طاعنة
ولا تريد طعانًا غير مسنونِ
إن الحراب لرأس الأمر قاصدة
أطرافه لا ترى جزءًا بتأمينِ
يا قدس، يا لحن شعر بات يوجعنا
مما به وجع يلقى بتأبينِ
صفحة 6
يا قدس، هل أمة المليار راشدة
أم أنها مثلَ مسلوبٍ بأفيونِ
مسلوبة في مباراة تراقبها
مثل الوغى شأنها فيها كبالونِ
ترضى هوانا بكأس الذل تشربه
اكدرا طين به إمرار غسلينِ
قد ذقت من قوم موسى مثلما أبدًا
تذوقوا السوء من أسياط فرعونِ
مذ هنت هانت على الأقوام أمّتنا
حتى عَلاها النذل من فوق ومن دونِ
مذ هنت قلت على الأعداء هيبتنا
حتى غدونا حقولاً مثل جرذونِ
يا قدس، يا لوعة العشاق إن بعدوا
يا شهد لفظٍ بأفواه الملايينِ
يا ليت قلبي له كالأفق متسع
حتى تكوني بعيد الحب تكويني
كأن أحجارك الأنهار جارية
يهدي لها الدهر أصباغًا بتلوينِ
تروي لنا صفحه الأقوام صادقة
من ألف عهد، ومن إرساء قانونِ
حسناء والسور مثل العقد منتظم
من فوق جيد، ومن أوصال تفتينِ
عودت قلبي طيوف الحب تنسجه
إذ لست أذكر حبًّا غير يسبيني
عودت صدري نسيمًا منك ينشقه
كالبحر يحيي، وأنت البحر يحييني
يا قدس رؤياك فرض كم يلازمني
إن غبت عنك ففي الأحلام تأتيني
أحنو على تربك الغالي أقبّله
خدًّا أسيلاً، ومنك الخد يغريني
هذا خلودي على طول المدى أبدًا
ما متّ يومًا، وهذا الترب يؤويني
صفحة 7
غزة .. إمبراطورية العرب
يا شعر هل أنت مثل القلب تتقدُ
إذ كيف لا، والأسى نهر له مددُ
في كل حرب على الأعراب دائرة
نستصرخ الشعر في الأنماط نجتهدُ
هل أنت يا شعر جيش قد نغاث به
إذ نستغيث الدّنا والغوث يفتقدُ
يا شعر ثُرْ، واصعق الأسماع قافيةً
من غزة العرب والأرواح تنحصدُ
لا تبق حبرًا على الأوراق نكتبه
بل كنْ حمامًا على الأعداء يحتشدُ
وكن لجامًا لأفواه وألسنةٍ
تؤازرُ البغي دون السيف تنتقدُ
وكن نشيدًا على تلك السهول بها
تعلو صمودًا مع الزخات تتحدُ
في غزة النارُ فوق الشعب هاطلةٌ
ما ينبت الغيث بالنيران ينجردُ
يلفها من دخان القصف أغطية
فالقصف ليل له في دورها عمدُ
رئاتها الستّ لا يسري بها نفس
ولفّها القتل والتدمير والزردُ
يا غزة الجرح، إن الجرح ملتئم
مما صبرت وهذا الجيش يضطهدُ
وفي ذراعيك طفل ليس يرحمه
ذئب، إذا خاف، والأنياب ترتعدُ
لم يشهد العيش في الأيام جافلة
أن يقصف الناسَ مَن ناموا ومَن سجدوا
زيف الحضارة هذا القصف يظهره
كأن تيمور مع أحقاده نجدُ
يا جيش (جينوس) أنت اليوم منهزم
مهما تخوف من أرتالك الأمدُ
صفحة 8
يا ضاربي النار، إن النار عاجزة
عن قتل روح، وإن يحرق بها الجسدُ
هل أنت غزة مَن أوقدت محرقةً
ضدّ اليهود، وهذا الثأر ما وعدوا؟
أم أنت للعدل لمّا ضاع رجعتهُ
وتغضبين له ما يغضب الأسدُ
في كل عام لهذا الشعب مذبحة
من عهد (صَبرا) لنا في ذكرها كمدُ
لو رحت أحصي على آثارها رقمًا
لاستنفد السطر والأقلام ما أفدُ
(جنين) كم راح يبكي جرحها وطن
وغزة اليوم تبكي نزفها (صفدُ)
(باروخ) من أطلق النيران تدفعه
أشتاتهم كلما استوطنوا فسدوا
والقدس في لوعة الأغلال رازحة
ووجهها من سياط الغم ينجلدُ
في ساحة المسجد الأقصى فشت ظلم
لا يبصر المحدق الوالد الولدُ
يا غزة العرب أن تستنجدي عربًا
قد تبصري قمة في جيدها مسدُ
قد تبصري قمة من خلفها قمم
تصاغرت عن مدى الإبصار تبتعدُ
والقائمون بها في الحشر قد جمعوا
من قبل أن يحشر الواحد الصمدُ
ما أسعفت قمة في القاع قد سقطت
بغداد لا، بل عليها الجو يترصدُ
والبر والبحر قد ساماهما عجمٌ
لولا التخاذل لم يسقط لنا بلدُ
يشاهد الكون ما يجري فينكره
كأنما الكون في إبصاره رمدُ
لا يسأل الكون عن موؤدة وئدت
بل يشجب الكون من ماتوا ومن طردوا
الشكر للكون دون الراء نرسله
ودون كاف وهذا الكون ينعقدُ
صفحة 9
ستّون عامًا
ستونَ عامًا مثلَ ألفٍ تفعلُ
شعب يبادُ عن الديار يرحّلُ
وعلى وجوه النازحين كأنها
خطّت برسم في الجلود يفتّلُ
وهناكَ في أرض الشتات تشتتٌ
وهناك ثكلى كم تموتُ وتقتلُ
شعب تخطّفه الردى فكأنه
خبز الردى في كل أرض يؤكلُ
شعب سجين لا حقوق تَصونه
والعيشُ يسلب والحَضارة تجهلُ
ستونَ عامًا والعجوز بكفّها
مفتاح بيتٍ كالدراهم يحملُ
والشيخ يصبو للسهول موجّعًا
ويخوض في حلم الرجوع ويسألُ
ويظن أن الريحَ تحملُ حبةً
من تربها قبل السلامِ يُقبّلُ
ستونَ عامًا والحدادُ موزّع
أن قام من أرضٍ لأخرى ينقلُ
مرّت كأفعى في دَوائرِها لظى
في كل شيءٍ سمّها يتغلغلُ
وَوَسائل الأعلام في نشراتها
صور الضحايا للمشاهد تسملُ
وصحائف الأيامِ مطلعها كما
هو من دمارٍ للبهائم يشملُ
ستونَ لو أن الدموعَ تجمّعت
لَرَأيت غيمًا بالمَدامع يهطلُ
ستونَ عامًا والظلامُ مخيّم
هل يا ترى ليل الجريمة يأفلُ؟
صفحة 10
فلسطين تبكي
فلسطينُ تبكي في بكاها توجعُ
فأوصال شعبٍ في القطاع تقطَّعُ
فلسطين تبكي والمصابُ يهزُّها
ونيرانُ حربٍ في بَنيها تولَّعُ
حرابٌ وطعنٌ واغتصابُ معيشةٍ
وأظفارُ وحشٍ كالخناجرِ تزرعُ
تأن على نزف الضحايا نساؤها
وأطفالها من سمّ البنادق ترضعُ
وشعب بأسوار القلاع محاصرٌ
يذوق المنايا الدائرات ويجرعُ
يحومُ عليها البومُ دون منازعٍ
وتبقى نسور الأفق فيها تركّعُ
ففي كل يوم للمصيبة مشهدٌ
وزهر شبابٍ في الترابِ يوزّعُ
وفي المسجد الأقصى المبارك غصةٌ
فلا صوتَ إلا للمآذن يسمَعُ
فلسطينُ تبكي والمخيم نازفٌ
وأركان بيتٍ بالقذائفِ يصدعُ
فلسطينُ يا أرضًا طهورًا تقسّمتْ
ترابًا وماءً، والسماءُ تزعزعُ
فلسطين تبكي والدماء دموعها
كأمّ ترى موت البنين فتفجعُ