صفحة 1
تقديم الدكتور عبد الرؤوف خريوش
أستاذ اللغة العربية وآدابها في جامعة القدس المفتوحة
بين يدي القارئ قطوفٌ أدبيةٌ تحلقُ كاتبتُها بالقارئ عالياً لتلاقح بناتُ أفكارها أهمَّ كتَّابِ الأدبِ العالمي، وقد مزجتْ بأسلوبها المميزِ بين المقالةِ والدراسةِ والبحث، وتركتْ لقلمِها الإبحارَ في ثقافةِ الآخرين، ليسجلَ ثقافتَها المتقدمةَ، ورؤيتَها للأدب بعيونِ العاشق له، ولا عجب في ذلك، فهي أديبةٌ وباحثةٌ وناقدةٌ ومتلقيةٌ من الطراز الرفيع، تدخلُ بين ثنايا سطورِ ألوان الأدبِ المختلفةِ لتنقلَ لنا تجاربَ أدبية مختلفة، لأدباء مختلفين. ورغم صعوبة التوفيقِ بين هؤلاء، إلّا أنَّها استطاعتْ أن تجدَ، البؤرةَ الإنسانيةَ المشتركةَ لهؤلاء الكتابِ جميعا، فأنت تراها تتحاورُ مع غوته، وتتوحدُ مع فدوى، وتحلم بعذوبة شعر جبران، وتتأمل معاني المتنبي، وتعجب بفلسفة توفيق الحكيم، وتتعمقُ في أفكارِ أرسطو، وتحلم في رقةِ ميّ وعذوبةِ كلماتِها، وليس هذا فحسب، بل نجدُ لها رأياً فيما تكتب، ولا عجب في ذلك، فهي ناقلةٌ وناقدةٌ ودارسة، تعلم حدودَ ما يجب أن يقولَه الأديبُ، وما عليه أن يفكرَ به المتلقي.
مؤلفة هذا الكتاب القيم، الموسوم بـ "نزهةٌ في رياض الأدب والأدباء"، الأستاذة الدكتورة أفنان دروزة ليست وليدةَ العهدِ بالأدب، فتبلورت قريحتُها مع دراستها الجامعية على يد أستاذتها الدكتورة عصمة عبد الله غوشة، أستاذة الأدب العربي في الجامعة الأردنية ـ كما يستشف من كلمتها التي جاءت في هذا الكتاب ـ وتميزت بحسٍ مليء بالرهافةِ والإحساسِ في اختيارها لما تقرأ، وذوقٍ رفيعٍ في نقدها لما تقرأ؛ لذلك نجد عمالقةَ الأدبِ موجودين بين ثنايا هذا العمل الأدبي الرفيع. وأديبتنا تتابعُ باهتمام صنوفَ الأدبِ وما يصدرُ عن أهم كُتّابه. ولكي تبقى صاحبةَ امتيازٍ في التلقي، عملتْ صالوناً أدبياً في بيتها، وحَرصَت على أن يكونَ هذا الصالون المميزَ في فلسطين، فعرَّفت القارئ من خلاله بأدباء متميزين، ألقوا ما في جعبتهم من فكر وأدب ورأي؛ وبعدَ زمنٍ من تلقيها للأدب أصبحت ذات رأيٍ سديدٍ في كبارِ فن القولِ من شعراء وكتّاب رواية وقصة ومقالة. من هنا، فقارئُ هذا الكتاب يجدُ فيه أدباً ونقداً لكبار الأدباء من بينهم: فدوى طوقان، وغوته، ومي زيادة، وفيحاء عبد الهادي، وإبراهيم طوقان، والمتنبي، وجبران، وشكسبير، وأرسطو، وتوفيق الحكيم، وجليلة رضا.
وكوني قارئاً للكتاب، فقد لمستُ أُلفةً بين الكاتبة والأدباء، وذكرياتها معهم، ووجت في أسلوبِها نزاهةٌ لا تحيد، وفيه وصفٌ لحياتِهم كأنّها عايشتْهُم، فانصهرت بإنسانيتها بأفكارِهم ورؤيتِهم. لقد جمعتْ بلغةٍ رصينةٍ بين المشاعرِ والفكر، حيث إنَّ ما يجمعُ غوته، وفدوى، وإبراهيم، وشكسبير، هو الإحساس بإنسانية الإنسان أينما وجد، فصَهرتْ أديبتنا هذه الهويةَ، وغدت من أصحابِ عالميةِ الأدب بإلغاءِ الجغرافية المكانية لهؤلاء الأدباء، إذ إنَّ هويةَ الأديبِ تُعرف بأدبِه وخيالِه ورهافةِ حسه، وإنسانيته، لا بهويتهِ وجنسيته وانتمائه. كما وجدتُ في هذا العمل الأدبي المتميز صدقَ التعبير عن إشكالات الأدب العربي، وما يرتبط بواقع الثقافةِ الأدبيةِ العالمية.تقديم الدكتور عبد الرؤوف خريوش
أستاذ اللغة العربية وآدابها في جامعة القدس المفتوحة
بين يدي القارئ قطوفٌ أدبيةٌ تحلقُ كاتبتُها بالقارئ عالياً لتلاقح بناتُ أفكارها أهمَّ كتَّابِ الأدبِ العالمي، وقد مزجتْ بأسلوبها المميزِ بين المقالةِ والدراسةِ والبحث، وتركتْ لقلمِها الإبحارَ في ثقافةِ الآخرين، ليسجلَ ثقافتَها المتقدمةَ، ورؤيتَها للأدب بعيونِ العاشق له، ولا عجب في ذلك، فهي أديبةٌ وباحثةٌ وناقدةٌ ومتلقيةٌ من الطراز الرفيع، تدخلُ بين ثنايا سطورِ ألوان الأدبِ المختلفةِ لتنقلَ لنا تجاربَ أدبية مختلفة، لأدباء مختلفين. ورغم صعوبة التوفيقِ بين هؤلاء، إلّا أنَّها استطاعتْ أن تجدَ، البؤرةَ الإنسانيةَ المشتركةَ لهؤلاء الكتابِ جميعا، فأنت تراها تتحاورُ مع غوته، وتتوحدُ مع فدوى، وتحلم بعذوبة شعر جبران، وتتأمل معاني المتنبي، وتعجب بفلسفة توفيق الحكيم، وتتعمقُ في أفكارِ أرسطو، وتحلم في رقةِ ميّ وعذوبةِ كلماتِها، وليس هذا فحسب، بل نجدُ لها رأياً فيما تكتب، ولا عجب في ذلك، فهي ناقلةٌ وناقدةٌ ودارسة، تعلم حدودَ ما يجب أن يقولَه الأديبُ، وما عليه أن يفكرَ به المتلقي.
مؤلفة هذا الكتاب القيم، الموسوم بـ "نزهةٌ في رياض الأدب والأدباء"، الأستاذة الدكتورة أفنان دروزة ليست وليدةَ العهدِ بالأدب، فتبلورت قريحتُها مع دراستها الجامعية على يد أستاذتها الدكتورة عصمة عبد الله غوشة، أستاذة الأدب العربي في الجامعة الأردنية ـ كما يستشف من كلمتها التي جاءت في هذا الكتاب ـ وتميزت بحسٍ مليء بالرهافةِ والإحساسِ في اختيارها لما تقرأ، وذوقٍ رفيعٍ في نقدها لما تقرأ؛ لذلك نجد عمالقةَ الأدبِ موجودين بين ثنايا هذا العمل الأدبي الرفيع. وأديبتنا تتابعُ باهتمام صنوفَ الأدبِ وما يصدرُ عن أهم كُتّابه. ولكي تبقى صاحبةَ امتيازٍ في التلقي، عملتْ صالوناً أدبياً في بيتها، وحَرصَت على أن يكونَ هذا الصالون المميزَ في فلسطين، فعرَّفت القارئ من خلاله بأدباء متميزين، ألقوا ما في جعبتهم من فكر وأدب ورأي؛ وبعدَ زمنٍ من تلقيها للأدب أصبحت ذات رأيٍ سديدٍ في كبارِ فن القولِ من شعراء وكتّاب رواية وقصة ومقالة. من هنا، فقارئُ هذا الكتاب يجدُ فيه أدباً ونقداً لكبار الأدباء من بينهم: فدوى طوقان، وغوته، ومي زيادة، وفيحاء عبد الهادي، وإبراهيم طوقان، والمتنبي، وجبران، وشكسبير، وأرسطو، وتوفيق الحكيم، وجليلة رضا.
وكوني قارئاً للكتاب، فقد لمستُ أُلفةً بين الكاتبة والأدباء، وذكرياتها معهم، ووجت في أسلوبِها نزاهةٌ لا تحيد، وفيه وصفٌ لحياتِهم كأنّها عايشتْهُم، فانصهرت بإنسانيتها بأفكارِهم ورؤيتِهم. لقد جمعتْ بلغةٍ رصينةٍ بين المشاعرِ والفكر، حيث إنَّ ما يجمعُ غوته، وفدوى، وإبراهيم، وشكسبير، هو الإحساس بإنسانية الإنسان أينما وجد، فصَهرتْ أديبتنا هذه الهويةَ، وغدت من أصحابِ عالميةِ الأدب بإلغاءِ الجغرافية المكانية لهؤلاء الأدباء، إذ إنَّ هويةَ الأديبِ تُعرف بأدبِه وخيالِه ورهافةِ حسه، وإنسانيته، لا بهويتهِ وجنسيته وانتمائه. كما وجدتُ في هذا العمل الأدبي المتميز صدقَ التعبير عن إشكالات الأدب العربي، وما يرتبط بواقع الثقافةِ الأدبيةِ العالمية.
صفحة 2
ويلحظُ القارئُ أيضاً، العمقَ الفكري لكاتبةٍ تجشمت عناء النقرِ والبحثِ في البعدِ الأدبيِ للكتّاب الذين عرضت لهم، ولولا أنّها مسلحةٌ مسبقاً بمعرفةٍ أدبيةٍ شاملة، وعلى درايةٍ بألوانِ الأدب العالمي، لما استطاعتْ أنْ تجمعَ هذا الشتات الأدبي من لغاتٍ وثقافاتٍ مختلفة. فقد أتحفتنا في تحليلها المعمق والهادف للأدب، وشخّصت الواقعَ الأدبيَّ والنقدي العربيين تشخيصا دون مزايدةٍ، أو تطاول، وإنّما بالحجة والدليل، مما يجعل القارئَ يقفُ على منهجيةٍ علمية بحتة، بعيدة عن إسفافِ القولِ ومرذوله.
والكتابُ بجملته يقع في ثلاثة وعشرين مقالا بسطت في مقدمته رأيَها في الشعرِ وعبقريةِ الشعراء، وما يجبُ أنْ يتوفرَ في الشاعرِ من إحساسٍ، وإنسانيةٍ، وقريحة، وبعدِ نظر؛ كما تناولت ثلاثَ أديباتٍ من فلسطين: فدوى طوقان، وفيحاء عبد الهادي، ومي زيادة ؛ ثم حاورت الشاعر الكبير غوته، ولا غرابةَ في اختيارها له كأحدِ كبارِ شعراءِ الغرب وأدبائِهم، الذي عُرف عنه عشقُه للشرق وأدبِه، ونقلت لنا بحوارها معه خصوصيةَ غوتة، كأنّها معايشة له.
والذي يقرأ مقالات هذا الكتاب، يجد أن للكاتبة أراء نقدية وأدبية مميزة، جعلتها تحلقُ عالياً في سماءِ الأدب، حيث تناولتْ شعراءَ وكتّاباً وأدباء، ومسرحيين كباراً، منهم: إبراهيم طوقان، والمتنبي، وجبران، وشكسبير، وتوفيق الحكيم، وجليلة رضا، ورابعة العدوية، والمفكر اليوناني أرسطو. وضمنت كتابها دراساتٍ أدبية ونقدية، أظهرتْ فيها قدرةً فائقةً في تحديدِ ماهيةِ الأدب والأديبِ ومصادر إلهامه؛ لذلك حين نطوفُ في رياضِ هذه النزهة الأدبية الرائعة، نجد أنفسَنا في بستان أدبي يحوي من كلِّ لونٍ زهرةً، لها رونقُها وعبقُها المميز، فقد أحسنت الكاتبةُ اختيارها، وأجدني مستوحياً فكرةَ مؤلفة الكتاب، وهي تتنقلُ في عالمِ الأدباءِ، كأنّها منهم، وأجدُها توأمَ الأديبة مي في تجديدِ أدبِ الصالوناتِ الأدبية؛ فالكاتبةُ تفانت في تكريسِ جهودها في الحقل المعرفي، وآفاقهِ المتعددةِ، وفي تقاربِ الحضارات العالميةِ المختلفةِ، الممثلةِ بأدبائها، وركزت ـ وهي تعرضُ لهم ـ على أهمية تعارف الأممِ بعضها ببعض، ولم يثنها عملُها الأكاديمي، وما يتطلبه من جهدٍ في مجالِ التدريس والبحثِ العلمي الرصين، عن ولوج ميدان الأدب بأساليب مختلفة، ومن بينها تأليف هذا الكتاب القيم.
ولعل أولى حسنات هذا الرصد الأدبي والمنهجي المميزين: أنّه يجعل القارئَ يعانق واقعاً أدبياً مختلفاً بألوانه وموضوعاته، ما بين الشرقِ والغرب، وثانيتها: إثراء المكتبةِ العربية بمجالاتٍ فكريةٍ وأدبيةٍ ونقدية، وثالثتها: الإسهام في التعريفِ بمجهودِ عدد من الأدباءِ العالميين: محدثين وقدماء، بعيداً عن مواقعِ النفوذِ الأكاديمي، كما أنَّ هذا الكتاب، يطرحُ الكثيرَ من التساؤلات، أبتْ صاحبةُ الكتابِ إلّا أن تشاركَ القارئَ في طرحها، تاركة له فضاءً واسعاً في البحث عن إجابتها، وبخاصة في مجال المنهجيةِ العلميةِ في الدراساتِ الأدبية.
ويأتي هذا الكتابُ مكملاً لجهودِ الكاتبةِ للبرنامج الفكري، الذي قدمته في كتبٍ مختلفةٍ في التربية والأدب، فهي كعادتها عملت، بكلِ موضوعيةٍ، على تمحيصِ العديد من التصوراتِ الأدبيةِ، التي تطرحها في هذا الكتاب، تاركة للقارئِ حريةً أوسع من التفكيرِ السليم، فيما يجبُ عليه عمله في نشر الثقافةِ الأدبيةِ، كواقعٍ يومي، يجب تكريسه والمثابرة عليه.
وختاما، فإن غايتنا جميعا كأدباء وكتاب ومثقفين، مطالعة الإنتاج الأدبي بكلِ ألوانِه، كي نتصالحَ مع ذاتنا، علنا نجدُ لنا مكانةً مرموقةً بين الأمم، تجعلنا مؤثرين ومتأثرين، فما صنعتْه الكاتبةُ من خلال هذا الكتاب ـ وبكلِّ موضوعية ـ هو تذوق الأدب أولا، والقيام بدراسةٍ مجديةٍ لبعض الأدباء، بحيث لا أجدني أمامها إلّا أن أشكرَ لها جهدها المتميز، الذي يُبقي البابَ مفتوحاً أمام الباحثينَ والدارسين في مجالِ الأدبِ والفكرِ والثقافة .
الدكتور عبد الرؤوف خريوش
تخصص اللغة العربية وآدابها
جامعة القدس المفتوحة
نابلس – 2012م
صفحة 3
كلمــة الكاتبــة
منذ أن وقعت في حب الأدب في الثمانينيات من القرن الفائت، وأنا أقرأ وأطالع لكبار الأدباء والكتاب المعاصرين كهواية متجذرة في روحي ونفسي. لا أستطيع أن أحصر كل الأدباء والكتاب الذين قرأت لهم وارتويت من أدبهم وثقافتهم، فهم يتجاوزون المئات، ولكني أستطيع أن أقول أنني فتنت حتى الثمالة بأدب توفيق الحكيم ومسرحياته، واستمتعت كثيرا بأسلوب أحمد أمين ومصطفى أمين وسلاسته، وتأثرت بكتابات مي زيادة وحزنت لمحنتها، وتشبعت من أدب ميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران، وخليل السكاكيني، وأمين الريحاني في غربتهم، وأسرتني فصاحة مصطفى لطفي المنفلوطي وموسيقاه وسجعه، ونهلت من أدب الرافعي، والمازني، والعقاد، وطه حسين، وأحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، ونجيب محفوظ، وتأثرت بعقلانية مصطفى محمود، وسلامة موسى ونظرتيهما الواقعية للحياة والناس، وآنسني أنيس منصور بمواقفه على صفحات جريدة الأهرام الإلكترونية ورشاقة أسلوبه، وأعجبني أحمد بهجت بصندوقه وقوة إيمانه، وأغنت مشاعري صديقتي الشاعرة فدوى طوقان برهافة حسها، وجزالة شعرها، وعذوبة مذكراتها الشيقة الحافلة بالمواقف الإنسانية النابضة بالحياة، وطربت لشعر أخيها إبراهيم طوقان ورصانته.
وكم استمتعت أيضا وأنا أقرأ لبعض الأدباء الأجانب أمثال تولستوي، وتشيخوف، وشكسبير، وجوته، وفكتور هيجو، وغيرهما وغيرهما الكثير الكثير. لا أستطيع أن أذكر هنا كل ما قرأت من كتب، ولا أقدر أن أرصد كل الأدباء الذين قرأت لهم وتأثرت بهم، ولكني أستطيع أن أقول إنه كان لهؤلاء الأدباء وأمثالهم أثر في إثراء مشاعري، وشبوب عاطفتي، وزيادة محصولي اللغوي، وتحريك قلمي، وبعث حبي الدفين للأدب والأدباء بعامة، حتى أصبح الأدب هواية أطالعه، والكتابة فيه عادة أمتهنها، وزيارة بلاد الأدباء والشعراء سياحة محببة إلى نفسي وقلبي أحرص على انتهازها كلما أتيحت لي الفرصة بذلك. ومن حسن حظي أنه تسنى لي بحدود ما سمح به وقتي ـ كوني أستاذة جامعية لديها الكثير من العمل والتأليف والأبحاث والتدريس ـ زيارة بيت الشاعر جوته، والشاعر شيلر في فايمر في ألمانيا، وبيت الشاعر شكسبير في سترافورد أبون آفون في بريطانيا، ومتحف جبران في بشرَي في لبنان، وزيارة ابنتي خليل السكاكيني في منزلهما في مدينة رام الله، وطبعا زياراتي المتكررة للشاعرة فدوى طوقان في بيتها الرابض على هضبة من هضاب جبل جرزيم في نابلس كونها صديقتي، وكونها من بلدي. كل هذه المواقف جعلتني أحب الأدب، وأطالع في كتب الأدب، وأنتهز الفرص لزيارة الأدباء في مسقط رأسهم، أو القراءة عنهم ولهم؛ مما جعل حب التنزه في رياضهم هواية محببة إلى نفسي تسعدني وتنعشني وتطلق قلمي وتفصلني ـ ولو إلى حين ـ عن الزمن الشائه الذي نعيشه تحت الاحتلال الإسرائيلي، وما يخلفه على الإنسان الفلسطيني والوطن بعامة من سلبيات ومنغصات وإحباطات.
هذا وآمل أن يشعر القارئ وهو يقرأ صفحات هذا الكتاب أنه في نزهة ترفيهية في رياض الأدب والأدباء، تسعد نفسه، وتنعش روحه، وترفع معنوياته، وتشحن عزيمته ليعمل ويقوم بواجباته بكل همة وإخلاص وهو يسير في مشوار الحياة.
ولا بد لي في هذا المجال من كلمة شكر أزجيها إلى معلماتي، معلمات اللغة العربية في مدارس مدينة نابلس، اللواتي زرعن في نفسي ـ وأنا تلميذة صغيرة ـ بذور اللغة على أساس سليم بكل كفاءة وإخلاص. وشكر خاص مشفوع بالمحبة والتقدير، والعرفان بالجميل، أرفعه لأستاذتي الدكتورة عصمة عبد الله غوشه، أستاذة الأدب العربي في الجامعة الأردنية، على اهتمامها بي وأنا كنت أدرس عندها بعض مساقات اللغة العربية كمواد حرَة؛ مما كان له الأثر الكبير في تجسيد حبي للأدب والمطالعة فيه ما استطعت إلى ذلك سبيلا. والشكر موصول إلى القائمين على مكتبة بلدية نابلس العامة، لإثرائهم المكتبة بكل ما هو جديد في جميع صنوف المعرفة بما فيها الأدب والتي لولاها لما استطعت أن أحصل على كل هذه الكتب التي قرأتها. إلى جميع هؤلاء الخيرين المعطائين من أبناء بلدي ووطني كل التقدير والاحترام، والشكر الأول والأخير لله رب العالمين على توفيقه وهداه والحمد لله رب العالمين.
د. أفنان/2012م
صفحة 4
فكرة
وقفـــة مــع الأدب المهجـــري
أ. د. أفنان نظير دروزه
ظل الأدب المهجري موضوعا أدبيا يستهويني منذ أن وقعت في حبه قبل ثلاثة عقود من الزمن عندما كنت أطالع كتب الأديب ميخائيل نعيمة، والتي دفعتني فيما بعد أن أقرأ لجبران، وأمين الريحاني، وإليا أبو ماضي وغيرهم من أدباء المهجر وشعرائه.
ولعل السبب في انجذابي لهذا النوع من الأدب، وقوفي على حقيقة ما أحسَ به أدباؤه وشعراؤه وهم يعيشون في بلاد الغربة، وما اعتمل في نفوسهم من لوعة وحنين، وما عصف في عقولهم من أفكار وتأملات، وما اختلج في جوانحهم من تردد وصراع بين الحنين إلى ربوع الوطن وأهله ومسارح ذكرياته والتمسك بثقافته وأدبه، وبين جمال الحياة العصرية المتقدمة التي يعبق جوها بعبير الحرية والانطلاق والتفتح العقلي والنفسي الذي يفتق المواهب، ويفجر الطاقات، ويدفع بالإنسان إلى العمل المخلص الخلاق، والإنتاج الأصيل دون قيد أو شرط، أو مراقبة أو حدود. وكيف لا أشعر بشعورهم وقد مررت بخبرات تشبه خبراتهم عندما كنت أدرس في أمريكا التي احتضنت أحدى ولاياتها نيويورك في أحد أحيائها الأديب المهجري جبران خليل جبران، عميد الرابطة القلمية في أمريكا الشمالية، فعرفت عندها معنى الغربة كما عرفوا، واصطليت بنار الحنين للوطن كما اصطلوا، وتقلبت على نار الشوق للأهل والخلان كما تقلبوا، وتأثرت بالثقافة الغربية التي تقدس العمل وتحترم الإنسان، وتثني على الصدق وتحث على التفاني والإخلاص، وتقدر الفن وتقدس الموسيقى والجمال كما تأثروا. ولعل الطبيعة الجميلة الخلابة بغاباتها الخضراء اليانعة ومطرها الموسمي المنعش، وثلجها الرومانسي المقترن بأعياد الميلاد وزينتها وزخرفها، ولعل جوها الديمقراطي الذي يحترم حرية التعبير وحقوق الإنسان، ويفرض هيبة القانون وسيادة النظام وغيرها من عوامل الراحة النفسية، هي التي أوحت ما أوحت إلى أدباء المهجر أن يبتكروا أدبا عربيا صادقا جميلا ثوريا متجددا يعبر عن النفس البشرية ومكنوناتها، ويصور الحياة وأحداثها بكل ما فيها من فرح وترح، وألم ومعاناة، وكد وجد، مما جعله أدبا جميلا صادقا بعيدا عن التكسب أو الذم والمدح لذوي الجاه والسلطان، أدبا يجمع في معاطفه حضارة الغرب وجمال حريته وتطوره، وإشعاع الشرق ونسمات صحرائه وبساطته.
ولإن امتاز أدب المهجر في الشمال ممثلا بالرابطة القلمية وكل من أسسها وشايعها أمثال جبران، وعبد المسيح حداد، وميخائيل نعيمة، ونسيب عريضة، ورشيد أيوب، وندرة حداد، ووليم كاتسفليس، وأمين الريحاني، وإليا أبو ماضي، ونعمه أيوب، وغيرهم من أصحابها وكتابها، ولإن امتاز بالتجديد في الفكر والأسلوب، واتصف بالرومانسية والابتعاد عن التقليد كما عبر عن ذلك ميخائيل نعيمة في كلمته التي سجلها في قانون الرابطة قائلا: " إن هذه الروح الجديدة التي ترى الخروج بآدابنا عن دور الجمود والتقليد، إلى دور الابتكار والتجديد، في جميل الأساليب والمعاني، حريَة في نظرنا بكل تنشيط ومؤازرة، فهي أمل اليوم وركن الغد"، ويضيف قائلا، إن الأدب من وجهة نظر الرابطة هو الذي يستمد غذاءه من تربة الحياة ونورها وهوائها، والأديب هو الذي خص برقة الحس ودقة الفكر وبمقدرة البيان عما تحدثه الحياة في نفسه من التأثير ..." فإن أدب المهجر في الجنوب ممثلا "بالعصبة الأندلسية" في سان باولو في البرازيل، وكل من أسسها وشايعها من أمثال ميشيل معلوف، ورشيد سليم الخوري (الشاعر القروي) وشقيقه قيصر الخوري، وفوزي المعلوف، ورياض المعلوف، وجورج المعلوف، وإلياس فرحات، وحبيب مسعود، وداوود شكور، ونظير زيتون، ويوسف البعيني، وشكر الله الجر، وتوفيق ضعون، ونعمه قازان وغيرهم، فإن أدب المهجر في الجنوب امتاز بالمحافظة على اللغة العربية الفصحى، والتقيد بأحكامها، والابتعاد عن التطرف الذي اتسمت به الرابطة القلمية كما يقول البعض أمثال إلياس فرحات، هذا وقد امتاز أدب الجنوب بتمسكه بالديباجة المصقولة والعبارة الجميلة والجرس القوي والعروض التي افتقر إليها أدباء الرابطة.
صفحة 5
ومهما يكن من اختلاف بين الرابطة في الشمال والعصبة في الجنوب، فإن أدب المهجر بعامة، وما تناوله من مظاهر الحياة ومشاهدها، وما عالجه لشتى جوانبها وتياراتها وفلسفاتها، تارة في قصة، وطورا في مقالة، ومرة في شعر موزون، ومرة في شعر منثور، وأحيانا في مسرحية، وأخرى في أعمال نقدية، فإن أصحابه نجحوا في نقل الأدب العربي إلى بلاد لم تعرف هذا الأدب من قبل، كما نجحوا في تجديد مضمونه بدعوتهم إلى الحرية والثورة على الظلم والاستبداد التي كانت سائدة في بلادهم، وفي تجديد أسلوبه بابتعادهم عن التقاليد المعروفة في اللغة العربية من المحافظة على الديباجة إلى التقيد بالوزن والعروض، وخاصة عند أدباء الرابطة القلمية.
ومما يؤيد هذا القول ما جاء في كتاب المغتربون لعبد اللطيف اليونس إذ يقول: " ليس في الأدب العربي قديمه وحديث أسمى من الأدب المهجري ولا آنق ولا أحلى، وليس في الأدب العربي أدب كالأدب المهجري من وحدة رسالة، ووحدة هدف، ووحدة اتجاه، كما أن الأدب المهجري بما امتاز به من روحانية صافية في الشمال، ووطنية صارخة في الجنوب، وبتصويره الأنيق الدقيق وحسه المرهف المترف في كل من الشمال والجنوب، ليعد جوهرة أدبية بديعة أضافت إلى كنز الأدب العربي نزعة إنسانية صادقة، ورومانسية جميلة، وفكرا متجددا ثوريا لا يمكن إنكاره."
لقد نحا أدب الرابطة القلمية في الشمال منحى إنسانيا صافيا تجلبب بجلباب روحانية سامية صافية، كما أنه لم يهمل الجانب الوطني والنزعة القومية، كذلك أدب الجنوب وعلى الرغم من واقعيته وجديته وثوريته، فلم يهمل الناحية الإنسانية والروحانية. ومما ساعد في إذكاء هذا الأدب، اللقاءات الأدبية التي كانت تعقد هناك، والنوادي والندوات والصحافة والطباعة والمجلات وغيرها.
وبهذا نستطيع القول أن الأديب المهجري حمل في قلبه لهفا متقدا من جذوة متقدة وذهب بها إلى عالم جديد ودنيا جديدة، فجعل اللهب بركانا، ونبراسا مشعا، وأرسل عبر البحار شعاعا من نور فكره وروحه، وقبسا من إشعاع قلبه ووجدانه، فإذا به ينير السبيل ويزيح من الدروب العقبات والعثرات.
29/4/2011م
صفحة 6
فكرة
مصادر الإلهام عنــد الفنـــان...
كنت قد كتبت مقالا بعنوان "لم أكتب" ووقفت فيه على بعض الأسباب التي تدفعني للكتابة، وما إن انتهيت منه حتى قفز إلى ذهني سؤال آخر يسألني عن المصادر التي تلهم قلمي وتملي كلماتي، فوقفت حائرة أمامه فترة من الزمن فرحت أنبش في بطون الكتب عن الفن والثقافة والإبداع والمصادر التي تلهم الفنان، فوجدت أن معظم الفنانين تكاد تكون مصادر إلهامهم واحدة، إلا أنهم يتفاوتون في عددها ويختلفون في نوعيتها وحدّة تأثيرها. ولكن مهما تفاوتت هذه المصادر وتنوعت فإن الفنان أيا كان لا يستغني عن قوة روحية يستمد منها وحيه، ويهتدي بها في تفكيره، ويستضيء بنورها في أثناء عملية خلقه وإبداعه وإنتاجه. ولا شك أن الحياة بألوانها المختلفة، وأحداثها المتعددة، وصورها الرائعة هي مادة الفنان، ولكن الفنان محتاج معها إلى حافز معنوي روحي يمكنه من الإشراف على الحياة، والتأمل فيها، واستجلاء غوامضها، وتمثيل الظواهر والمرئيات فيها، وما يكتنفها من غوامض وأسرار ثم ترجمتها في أعماقه إلى حلة فاتنة جميلة تخرج إلى العيان.
فهذا الحافز أو مصدر الإلهام يلتمسها بعض الفنانين عند الله، وبعضهم يلتمسه عند المرأة، وبعضهم يستمد عناصره من اعتداده بنفسه، وثقته بمواهبه وعبقريته، وشدة إحساسه بكبريائه الشخصي. فمثلا كان المصورون والمثاليون في عصر النهضة أمثال ليونارد دافنشي، ومايكل أجلو، ورافائيل وغيرهم من العباقرة والفنانين، يتوجهون بكل عبقريتهم صوب الله، وكانت نفوسهم تندمج في الذات الإلهية اندماجا شبه صوفي يؤثر على ميولهم ونزعاتهم ويطبعها بطابع ديني ينعكس على أعمالهم، ويتجلى في حياتهم الشخصية وفي نظرتهم الفلسفية إلى الحياة. وكانت نزعة البراءة المقترنة برغبة السمو والتطهر المنحدرة من إيمانهم الديني العميق، تستولي على عقولهم ومشاعرهم قبيل الإبداع وبعده، فيهذب هذا الشعور الديني من جوهر أرواحهم، ويكسر من حدة غرائزهم، ويرتفع بهم فوق أدران المادة، ويسوقهم إلى إبداع فني ديني علوي بحيث يرسم في إبداعهم حياة أجمل وأكمل من هذه الحياة.
وبعضهم كان يصلي بحرارة إلى الله قبل أن يقوم بالإبداع، والآخر كان يصوم ويظل يتعبد الأيام والليالي وهو يتأمل ويفكر، وكان وحي الفن يهبط عليه هبوطا عاصفا مفاجئا في اللحظات التي يرهقه فيها الصوم، وينشب الجوع في أحشائه مخالبه. والبعض كانت المرأة ملهمته وخاصة عندما يحبها لذاتها وجمالها ورقتها وحنانها وعطفها لا لجسدها، فالحب المقدس الطاهر البريء هو الذي كان يؤدي بهم إلى الإبداع.
ومنهم من كان يتخذ الطبيعة مصدر إلهامه وإبداعه، فكان بعضهم يخرج إلى الحدائق العامة ويتأمل ما أبدعته الطبيعة من أزهار وأشجار وطيور وأنهار وثمر، فيغب من جمالها ويغيب في صمتها ويعانق سهولها ووديانها وجمالها وآكامها إلى أن تأتي ساعة إلهامه. وهناك طائفة من الفنانين لا يستحث عبقريتهم، النزعة الصوفية أو النسوية أو الطبيعة بقدر ما يستحثها شعور الكبرياء والاعتداد بالنفس والإيمان بقوة الشخصية والثقة بالنظرة المستقلة إلى الحياة والناس والإحساس بالتفوق في الفكر والعمل.
ورجوعا إلى سؤالي، فإنني أرى أن النزعة الصوفية المتمثلة في حب الله، والتأمل في مخلوقاته وعظمته وإعجازه وقدرته هي التي تضعني في جو يهيئني للكتابة. كما أن الطبيعة بجمالها الأخاذ من جبال ووديان وسهول وآكام وزهور وأشجار وبحيرات وشمس وقمر هي التي تدفعني للكتابة وتملي علي الكلمات. ولا أنس أن مشاعر الحب الصافي المقدس الشامل سواء أكان متجها نحو الله، أو الكون، أو الصديق الوفي، تجعلني أحب الحياة ومعانقتها والاندماج فيها والكتابة عنها وما يدور فيها. ولا أنس أيضا أن الكلمة الحلوة والإحساس الجميل والرقة واللطف تشكل مصادر إلهام لكتابتي. وباختصار، فحب الله يلهمني، والطبيعة تلهمني، ومشاعر الحب تلهمني، والتفاعل مع الحدث يلهمني، والحس بالمسؤولية يلهمني، والنزعة إلى السمو والكمال تلهمني، وحبي في تخليد اللحظة الجميلة يلهمني، والمشاعر الصادقة تلهمني، والابتسامة الصافية تلهمني، وكل هذه المصادر تحفز قلمي وتدفعني للكتابة. وقد يكون هناك مصادر أخرى تكمن وراء كتابتي ولا أعرفها؛ إلا أنني أستطيع أن أقول أن المصدر الرئيس الذي يتمحور حوله إلهامي، تفاعلي مع الحدث سواء أكان مرضيا أم مزعجا، والانسجام مع الذات، والتوحد مع الطبيعة، هي التي تولد فيّ المشاعر المثارة، فتدفعني للكتابة.
صفحة 7
نزهة مع الشاعرة فدوى طوقان
في مذكراتها "الرحلة الأصعب!"
لا شيء أجمل عندي من أن أقطع تذكرة سفر للسياحة في دنيا العلم والأدب، ولا أظن أنني استمتعت برحلاتي الأدبية كالرحلة التي استمتعت بها مع الشاعرة فدوى طوقان في مذكراتها بجزأيها: رحلة صعبة ... رحلة جبلية، والرحلة الأصعب، وبقدر ما كانت رحلة فدوى في حياتها صعبة، بقدر ما كانت رحلتي معها جميلة ممتعة، بل وساحرة فاتنة ولها مذاق خاص، وكيف لا وأنت عندما تقرأ مذكراتها تشعر أنك تسبح في محيط من الصور بحيث تفضي بك من مشهد إلى مشهد أرحب منه، ومن صورة إلى صورة أعمق منها، إلى أعمق، وأعمق، وأعمق حتى لينتهي بك المطاف إلى مسرح الحياة النابض بالمواقف الإنسانية والأحداث المتلاحقة بكل ما فيها من ألم ومعاناة وفرح وترح.
ولعل أكثر ما يثير انتباهك وأنت تتجول في هذه المذكرات هو أنك لا تقرأ مذكرات شاعرة فحسب، بل مذكرات شعب بأكمله له قضية وصاحب حق، عانى وعانى من نير الاحتلال وما زال يعاني ويكافح ولا شيء أمامه إلا الأمل والتصميم على نزع حقه نزعا، نعم إن هذه المذكرات ليست مذكرات فدوى وحدها، بل مذكرات كل طفل فلسطيني وكل شاب، مذكرات كل صبية وكل رجل وكل فرد وكل أديب وكل شاعر، فهي مذكرات محمود درويش وسميح القاسم، مذكرات رندة النابلسي وباسمة حلاوه، ومذكرات ابن نابلس والخليل، ورام الله وطولكرم والجليل. هي مذكرات كل الشعب وكل فرد نبت على أرض فلسطين وخفق قلبه بحبها وتفتح بين أحضانها ونما على أرضها كشجرة زيتون راسخة الجذور وارفة الفروع. ولا عجب في ذلك، فهذه المذكرات صاغتها يد شاعرة نشأت وترعرعت في أرض فلسطين فعانت كما عانى شعبها، وكافحت كما كافح، وتألمت كما تألم، وسعدت كما سعد، ونحن نعرف أن الشاعر عندما يغرد فالوطن هو الذي يغرد، وعندما يكتب فالشعب هو الذي يكتب، وعندما يسجل ويؤرخ فالتاريخ هو الذي يسجل ويؤرخ، حقا إنّ الشاعر هو الناطق بلسان القبيلة والمعبر عن مشاعرها والحامل لهمومها ومتاعبها!
من هنا، فإن مذكرات فدوى في رحلتها الأصعب لم تأت كتحفة أدبية وقطعة فنية فحسب، بل جاءت كوثيقة تاريخية ينبلج الضوء من سطورها مسلطا على قضية شعب بأكمله.
لقد وردت مذكرات فدوى في سبعة وعشرين بندا، أو قل سبعة وعشرين مشهدا وموقفا إنسانيا، ابتداء من حرب حزيران ووقع الفضيحة على الأرض العربية، إلى إقامة جسر الزيارات مع شعراء وأدباء فلسطينيي الداخل، إلى ما خلفه الاحتلال من انقطاع التواصل الأدبي بين الضفة والدول العربية، إلى تصويرها لمشاهد مقاومة الاحتلال، مرورا برد فعلها الشعري على الأحداث التي مارسها الاحتلال، فاجتماعها بالرئيس جمال عبد الناصر، إلى رد فعل وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه ديان على الزيارة، ثم تنتقل لتصف التواصل الذي حدث بين أبناء الضفة وغزة نتيجة الهزيمة، ثم قصيدتها إمام شباك التصاريح، إلى ردود فعل اليهود الغاضبة على هذه القصيدة وتبريرها المنطقي لها، ثم
صفحة 8
وصفها لممارسات الاحتلال وما تبعها من مرحلة الرفض والتحدي، ثم لقاءاتها لبعض اليهود سواء المتعاطفين مع القضية الفلسطينية أم المناهضين لها، وهناك بعض المشاهد التي وصفت رد فعلها عندما توفي الرئيس جمال عبد الناصر، إلى اغتيال المناضل "وائل عادل زعيتر" ممثل حركة التحرير الفلسطينية في روما، إلى زيارة الفيلسوف الأمريكي لها في بيتها "هاربرت ماركوز"، ثم تنتقل لتصور حضور المرأة في النضال، وهناك بند تطرق إلى فوزها بجائزة "الزيتونة الفضية" لأحسن شاعر من شعراء بلدان البحر الأبيض المتوسط، فمشهد يصور الانتفاضة الفلسطينية، فمؤتمر مدريد، فلقاؤها بالشاعر محمود دروس في عمان، إلى وصفها للفتاة الفلسطينية المفكرة والمثابرة رغم الألم والمرض "باسمة حلاوه" وأخيرا وليس آخرا إلى لقائها بالشاعرة اليهودية "داليا".
كل هذه الصور والمشاهد والأحداث عبرت عنها فدوى بلغة بليغة وعبارات جزلة ومفردات تحمل من التشبيهات والاستعارات والصور أشكالا وألوانا، ويمكن القول أن أسلوب فدوى اتصف بحرارة العاطفة وطلاوة الكلمة والتشويق إلى جانب دقة الوصف والتصوير، وبلاغة الكلمة والتعبير.
وخير ما ينعت به أسلوب فدوى بأنه أسلوب "السهل الممتنع" هذا إلى جانب أن روح فدوى وخفة دمها كانت تطل عليك من بين السطور فتضفي على الأحداث عذوبة وحلاوة مما يزيد المذكرات جمالا فوق جمال. ناهيك عن تزودك به من ثقافة غزيرة واطلاع واسع تجسد من أول كلمة خطتها إلى آخر مشهر صورته، وباختصار فإنَّ هذه المذكرات جاءت لتسجل قضية شعب بأكمله، ولتضعها على رؤوس الأشهاد قضية إنسانية عادلة يدافع عنها كل من يحب العدل والحرية والسلام سواء كانوا عربا أو يهودا محليين أم أجانب.
إنني أرى أن من واجب الأدباء تدارس هذه المذكرات وأن يجعلوا منها موضوعا للندوات والمناقشات ورسائل الماجستير والدكتوراه، ومن حق الجامعات أيضا أن تقرر مذكراتها كمرجع أساسي لدراسة مساقات اللغة والأدب، ومساقات الدراسات الفلسطينية ومساقات في التاريخ، وحتى مساقات في التربية وعلم النفس، بل علينا أن ننشرها في مكتبات العالم الشرقية منها والغربية وفي كل مكان.
نشر في جريدة القدس
في 16-10-1995