eKtab
EN ع
وادي الصفصافة
اقرأ عينة مجانية

وادي الصفصافة

بقلم أحمد الطراونة

صفحة 1

الإهداء

إلى من عصرا العمر زيتاً ليسقيا قنديل روحي ضوء الحقيقة

أمي وأبي لهما الرحمة

إلى من تجرّعت عناء سهري... زوجتي

وإلى جناحي القلب... تُـقى وسُـرى

صفحة 2

1

.. لم تختفِ ظلال الأشياء بعد.

ما تزال الشمس تغذُّ الخُطا نحو منتصف السماء.

تمتمات نساء طاعنات في السن..

أطفال علت البهجة وجوههم، يجوبون باب الدار العتيقة، يمتطون خيالات جياد من خشب يقصفون أعمارها من شجرة أم أحمد.

كان الجميع يرحلون إلى الماضي بخيالاتهم، ينتظرون الغائب الذي لا يعرفونه، تتعالى أصواتهم وتمنِّياتهم أن يحمل لهم ما يعمّق الفرحة، وألسنتهم تلهج بالدعاء لغائب العجوز المسكينة:

«الله يجيبك يا ابن أم أحمد.. الله يجيبك يا ابن أم أحمد».

* * *

لحظات وتخرج ألسنة الشوق من أفواه النساء، وتتعالى بالزغاريد.

خرجت القرية عن «بكرة أبيها»، تستقبل الغائب..

كان كل واحد من القرية، حتى الأطفال، يؤلفون قصصهم من خيالاتهم.

أما والدته التي نافت على التسعين، فكانت تجلس على عتبة البيت. تضع رأسها على عصا، وتتمتم بالدعاء..

انطلقت الزغاريد..

قال أحد الأطفال، وهو يلكز الحمار الهزيل بعصا مدببة:

- بقولوا رجع ابن أم أحمد، رجع حكيم.

شو يعني حكيم؟ حآ.. حآ..

احتاجت المرأة المسنّة إلى أكثر من مرة لتسمع أنّ ابنها وصل..

أخيراً، وقفت العجوز مستندة إلى كتف إحدى النساء وعصا من شجر اللوز.

ذرفت من عينيها دمعتين.

أما النساء اللواتي كنَّ يتدلين من النوافذ فقد مطّت إحداهن شفتيها، وغمزت أخرى بالمرأة التي كشفت شعرها وبعضاً من كتفيها، وتمسك بيد الرجل.

الحكايات كانت تبذر في البيوت المغلقة، وتنبت في الأزقة والحواري. كانت تطوف فوق رؤوس الناس، تركض في الشوارع مثل الجراذين.

صفحة 3

أسرَّت له أمه وهي تمسك بيده، وتغرس عينيها فيما تناثر من شعر على كتفي تلك المرأة الصفراء: أنّ الدمعة الأولى كانت حزناً على «العود»([1]) الذي فارق الحياة وهو في الغياب، والثانية كانت فرحاً بعودته وخوفاً عليه..

ثم أردفت وهي تستند إلى العصا وتنعم النظر في وجهه:

«آه يا وليدي البكاء يبلل عروق القلب مثل ما تبلل المزنة الرّهيّة عروق الشجر اليابسة».

* * *

اجتمع أهل القرية فرحاً بقدوم أحمد، يسمرون ويتقاسمون أدوار الولائم ابتهاجاً به، وتكريماً لوالده الذي ما تزال ذكراه الطيبة تطوف على المكان.

عيناه تجوسان وجوه الناس، وكأنه يفتش عن بعض ملامح أهله وأقاربه، لكنه عبثاً يحاول.

صوت: «كان والدك (رحمة الله عليه) يتمنى يشوفك طبيب».

صوت: «اللي عقّب ما مات، ويا ليت الموت في أدينا، لكن هاذي سنّة الله في خلقه، واحنا كلنا أهلك، لا تحمل همّ».

لم تكن تلك الأصوات لتحلّ محلّ صوت أبيه، تركهم يتناقلون الحديث، وأصواتهم كأنها رجع صدى في واد سحيق يتلاشى شيئاً فشيئاً..

يجرّه الحزن ليعانق والدته مرة أخرى.. وأخرى. يحاول أن يشمّ رائحة والده الذي غاب في تفاصيل وجه أمه الطاعن في الفراق، يُصّـر عليها أن يخبرها بما فعلته به الغربة، لكنها تخطف الحزن من فمه لتنقل له ألم أبيه الذي فارق الحياة وهو يردِّد اسمه...

- آه يا وليدي، إن كان للشقا إعْيال، أبوك واحد منهم، كنت إزغيّره([2]) يوم كان عمك محمد يصبّ الوجع في أذني مع كل مساء، كان ودّه إيخليني أصير مَرَهْ صبورة على قوله، كان في كل مرّة يحكي لي قصة جدّتك خضرا، كان يعتبرها سيدة الصبر، وقلبها موقد للألم..

قال لي: «أنا شفتها «سنة الهّيه»([3])، كانت تحمل بطنها على ظهرها، كانت تركض وسط الناس وهي «فارعة دارعة»([4])، كانت بتفتش عن جدك حسن وسط المساجين، ومن ما لحظته في عينها ادموعها صارن سكايب، وصوتها شق السما، وبطنها طرد اللي فيه، وكان أبوك في هذيك اللحظة الشينة».

- سامحك الله يا والدتي، ويش جاب هالحكي على بالكي آخر هالليل؟

- والدك يا أحمد، اتعذّب اكثير، ما شاف يوم سعد في حياته، كانوا ايعلموه كل يوم قصة أبوه، ومن ما شبّ على الدنيا، صارت هالقصة عقدة حياته، وظل شبح ثـأر جدك يطارده، يوكل ويشرب معاه حتى مات.. كان يتمنى يشوفك في هاظا اليوم، كان ودّه إياك تعالج أوصاله اللي قطعها الوجع، كان عاتب عليك يوم إنك رحت تدرس هناك، عند الناس اللي خطفوا عمر أبوه، لكنه في أيامه الأخيرة ما كان يتمنى اشي غير شوفتك...».

اغرورقت عينا أحمد من الفراق، في حين كانت العجوز تغفو من تعبها...

صفحة 4

كانت عينا «حشمت» تتفقد أروقة البيت المعتق بالحزن والفقد، ترقب خيالات الأرواح التي تتدلى من شقوق السقف، تكاد، رغم شعورها العميق بالغربة، تتحسّس الأشياء من حولها. تجزم أنها غير مرغوب فيها، لم يكن هذا ما وعدها به الحكيم. تتسلل خفية إلى خارج البيت لتهرب إلى مصطبة واسعة، ترامت أطرافها بحجم تينة وارفة الظلال، تكاد كل ورقة من أوراقها تحكي قصة من قصص السمّار. اقتربت منها، اتكأت على جذعها الغائر في الأرض، لامسته كطفل رضيع يداعب لحية شيخ طاعن في السن، تسللت ببصرها ودهشتها إلى السماء. من بين جذوع الشجرة المترامية الأطراف، أجهزت أبراج الليل التي دنت فتدلت من بين جذوع التينة على ما تبقى لديها من شعور بالأمان ثم تمتمت: «ما الذي جاء بي إلى هنا؟ وما هذه الشياطين التي تطل برؤوسها من هذه الشجرة الغريبة؟».

نسمات الهواء البارد تدغدغ ما انكشف من جسدها، وتتراقص الجذوع والأوراق في لغة مخيفة تشدّها إلى البيت، تدخل مسرعة وتغلق خلفها الباب الخشبي الذي فجّ بصريره صمت الغرفة الحزين، وأعاد العجوز الغافية إلى صحوها:

«اسم الله عليكي، لا تخافي، تعالي في حضني يا بنتي».

لم تفهم «حشمت» ما قالته العجوز وراح جسدها يتراقص وسط كومة من الوسائد، وعيناها ترقبان بذعر فناء الدار، وما تناثر على وجه العجوز من خصلات الشيب الأبيض.

قالت العجوز: «سمّي على مرتك واقرأ عليها يا ابني، فاتت مرعوبة، ترى الناس ما بتترك المركب ساير، الله يكفيك ويكفيها شر العين».

* * *

سجى الليل، وعادت طيور الأرواح إلى وكناتها، واسترسل السبات في طغيانه على الوجود، فيما أحمد ما يزال يُساهر الصمت الذي خيم على القرية.

ذكريات تفغر فاها. تمد ألسنتها كشياطين فوق رأس أحمد الذي يتأرجح نظره بين أمه وزوجته. تقضم ليله خفافيش الظلام، ووسوسات ثقيلة لم يستطع أن يرفعها عن صدره.

الماضي شيء ثقيل، وليس أثقل منه سوى الدم، والأسئلة التي تراوح في الشقوق دون إجابات:

«هذا الصمت يريبني، ويخيفني أكثر مما يبعث الطمأنينة في نفسي».

جال بنظره في البيت. كان فضوله يحمله إلى شيء ما بانتظاره في البيت الذي تركه قبل أكثر من عشر سنوات، وما يزال على حاله، غير أنّ كثيراً من الغبار والفوضى تخفي معالمه.

كل شيء كان يعيده إلى طفولته الأولى، ثمة أشياء كان يشعر أنها مثل تفاحة آدم، محرمة على يديه الصغيرتين، وجسمه الناحل:

«لما تكبر بتعرف كل شيء»، كانت تقول له أمه وهو صغير، لكن لماذا تقرع هذه الكلمات في رأسه الآن،

أين البداية وأين النهاية؟

موت وميلاد.. حلقات مفرغة تقود إحداها إلى الأخرى، لا تحمل جديداً، فقط تعيد تذكيرنا بذاتها.

في القرية كل الأشياء تقاس بالأرض، وتراب الأرض شيء مقدَّس، يحمل أجساد أحبابنا، ويستر جوعنا، ويغطي بغباره ذكرياتنا.

تسلل أحمد نحو الصندوق، ولم يكن يعلم أنه سيدخل في مصيدة الذكرى. ارتعشت يده وهي تمسح الغبار:

«الدنيا صندوق كبير بتخبّي في صدرها الغيب، والصناديق بتعطل الحياة حتى لو كانت بتحفظ ذكريات الحبايب».

تلامس أصابعه غطاء الصندوق، وكأنه يلامس جسد ميت، رائحة المكان ثقيلة، وهذه الأوراق الصفراء أحكمت في صُرر قماشية كالأكفان. مسجّاة في حفرة خشبية لم تغادر مكانها منذ زمن بعيد. غبار كريه، ورائحة بارود متعفنة.

صفحة 5

رشقات دم بشريّ اسودّت من النسيان، أشباح أرواح تتفلّت.

«سبحان الله كل شي بموت إلا الأوراق، حبرها مثل دم الثأر، ما بنمحي»، تمتم أحمد، فيما الضوء الخافت يتسلل إلى الصُرّة، ختم صغير يلمع من بين الأوراق، نُقش عليه (أخو جملا)، يمسح أحمد عنه الغبار وعينه تغالب الدمعة:

«رحمة الله عليك يا أخو جملا، سبحان الله، راحت هالناس وما ظلّ منها غير هالورق، وأرواحها المكتوبة فيه، معاه حق «العود» يوم كان مخبيهن، عارف إنه رايح يجيهن من يقراهن حتى لو راح زمانهن».

مدّ أحمد يده إلى دفتر صغير أوهن النسيان الخيوط التي رتقته، وراح يقلب أوراقه.

يتذكر قول أبيه الذي لم يفارقه الحزن والهذيان بالموت، كان يقول: «أرواح الناس معلّقة في شجرة الحياة، ويوم تِصْفرّ الورقة وتسقط بموت صاحبها».

تمتم أحمد: «هذه هي شجرة الذكريات، كل روح تغفو على قصاصتها».

فيما الأوراق تتساقط من يده بسرعة، يعود لجمعها ودسّها في الصرة.

* * *

المساء يوغل في الوحشة.

والخريف يلقي بظلاله على أرواح الناس.

تتضاءل الأشياء أمام ظلالها المخيفة. نواقيس الليل بدأت تدقّ للخوف المنتظر من بين أزقة التلال. ليل أرخى سدوله. سيول من الظلام تفترس ما تبقى من عمر النهار القصير، بينما خُطا الدخان تتثاقل في صعودها إلى السماء.

صوت رضيع يحز ضباب الصمت المطبق على الأشياء، ويغيب مع نباحٍ لكلاب الرعاة، وأصوات أجراس الماشية التي تعود في المساء، كأنها تقرع في حلم عتيق.

قطعان تلهث مسـرعة لا يستطيع الرعاة صدّها.. تعدّ الخُطا نحو معالفها لتسدّ رمقها، فيما الرعاة على استحياء يسألون عن زادهم.

الجوع ينتشر في البلاد كالنار في الهشيم، يحطّ في المضارب والقرى تاركاً خلفه موتاً كثيراً.

وعلى مرمى البصر تُضرم النار في كومة من الحطب أمام بيت واسع الأطراف، ثم تبدأ تأخذ مكان الشمس رويداً رويداً، يكاد نورها يخفف سطوة الليل على أطراف المضارب. توافد الرجال على ضوء النار. تتبع خطاهم دقات المهباش المؤذن في الناس بولوج ليل الخريف المقفر إلا من دقاته...

أصوات سبيب من ذيل مهرة أرهقها الصهيل دون جدوى، التفّتْ على لسان ربابة ضاق بها العمر من كثرة الثغاء، مع شاعرٍ يجترّ قصائد تناقلتها الألسن منذ أبي زيد:

يــومـن طلعنــــا حراثــين نحرث قمح زغيبيــة

وَلَـنّــا بالضـــابـط يـــرف يرف رفيـف الحـديّـة

يا ســــالم واذبــح الـــترك الترك ما هـو خطيّـــة

والله ما خوفي من الضابط أيــــام الحبــس رديّـــة

يرتفع صوت أحد الجالسين: «لا تسقوا الغنم من البير الكبير، خلوه للشرب، وردوا حلالكو على أبيار الخربة بعد ميِّتها فيها، السنة في أولها وما بنعرف عن تاليها».

صفحة 6

صوت آخر: «الناس ما هي قادرة تلاقي الزاد، والغنم أعجفت([5])، الله يعود على البلاد».

صوت: «يا عمي من بكرة بلغوا الرعيان يَرْدوا على البيار الشمالية ميِّتها بعدها فيها، وخلّيهم يسرحوا في الغنم هناك، البلاد فيها تالي رعي، ما ظلّ علف في المخازن، والشعير ودُّه نيرات عصملي».

صوت آخر: «ديرو بالكو تخلطو غنمكو مع غنم العرب الغربية، ترى طَابْها إجعام([6])، والموت بوكل فيها أكل».

لم ينقطع الحديث عن الماء والعلف، وأوغلت ظلمة الليل، الذي لم يكن يشق سماءه سوى بعض شعلات من نار كأنها مراجيع وشم على الأبواب تصدّ الهوام، ورماد مواقد تعيد حياة هجيمها بعض هبات الهواء الجاف.

تناهى صوت من زاوية البيت. لم يُعرف صاحبه، كان يلفّ رأسه بمنديل. عيناه تشقان ظلمة المكان كجمرتين، تخفت تارة وتضـيء تارة أخرى، وأنف يزيد عن حاجة الإنسان، وشاربان خرجا عن طوعه، تسلّل في حديثه كأفعى:

«يا خوك ما نمت امبارح، شفت حلوم شينة، الله لا يوريك، لاح لي رحمة جدي في المنام، كان يحمل بيده حصان خشب إزغير، وراكب على سيف طويل، طالع على ظهره شعر غزير، والسيف بدخل في جسده، شقه نصّين، وبنزل منه ميّة حمرا ما بتصل البلاد، كان واقف على تمثال من طينة سودا، وبعدين إطْلع السيف من جسده وناداني على طول حسّه: «يا وليدي، خذ هالسيف واذبح هالطينة النجسة، خليني ارتاح».

زاد من وحشة الصمت الذي ران على الليل صوتُ راع ٍ أفزع الساهرين بالصياح: «يا عرب.. يا عرب، غنم أبو محمد هجّت من المراح والذيب سطحها».

لا يكاد القوم يميّزون مكان الصوت، ولا صاحبه، خرجوا كأنهم سهام فارقت قوسها، حفاة، يحملون بأيديهم عصيّاً وشعاباً باتجاه مراح «أبو محمد».

تعالت أصوات العرب، زفرات الأنفاس، ودقات القلوب، التي تكاد تدق الخوف في قلب الليل.

قال أحد الرعيان: «الذيب اتغطّى في الليل وشرد، ما قدرنا نمسكه..».

وقال آخر وهو يلهث: «لولا العرب فزعت كان أكل الغنم والرعيان، نَفَس الرجال بحييّ الرجال..».

صوت آخر يندسّ بين الجموع: «قولوا للرعيان يستطلعوا المكان».

صوت آخر: «سطّح الذيب شاة وذبحها، وعقر الثانية لكنها ما ماتت».

تحلّق الرجال حول الأطفال والنساء، وتقاطر القوم راجعين إلى بيت أبي محمد...

* * *

كانت العرب تتناقل الحديث بهمس حول مهاجمة الذئب لغنمه في الظلام...

- ما بقطع فرض، وحج بيت الله، وما بِعْدِي([7]) الذيب إلا على غنمه.. الله أكبر..

- راعي فَراسَة([8])، وبعرف في الرجال، لكن العتمة ما بتفرق، والذياب ما بتميّز بين شاة الطيّب وشاة الردي.

- عسى أن تكرهوا شيئاً.. لقد أراد الله به خيراً من حيث لا يعلم.

أبو محمد كبيرهم، وحكيمهم، خامس أخوته والوحيد الذي بقي منهم على قيد الحياة، بيته شق([9]) العرب ويعتبر نفسه أبا الجميع، صدره مخزن أسرار، وقد شارك في شبابه بصدّ العديد من الغزوات، وحضر وشاهد مقتل سبعة من أبناء عشيرته في غارة على إحدى أطراف مضاربهم، دائم الحزن يبدي ما لا يخفي، وما إن يكون وحيداً حتى يشرد في حزن عميق.. يتهامس الرجال في تعداد مناقبه.

- الأتراك، هُموّ البلاء، بعد ما احتلو الكرك هدوا حيله، ذبحوه.

- السلطان عبد الحميد اشترى النفوس بصُرر الفلوس، بسّ أبو محمد نفسه عزيزة.. عمره ما مدّ يده لواحد.

- الأتراك طخوه في رجله يوم شارك في فزعة الكركية للحمايدة.

* * *

صفحة 7

أنفاس الناس تزيد من حرارة المكان الذي يتوسطه كانون النار.

أصوات: «ودنا سلاح.. الذيب فعل فعلته من قلة البارود مع الرعيان».

برم حسين شاربيه، وفرك يديه ومسّد وجهه وكأنه يقرأ نبوءة، نكأ أطراف النار بخيزران طويلة، أخذ نفساً طويلاً، ثم تنهَّد نافثاً شاربيه إلى الأعلى، عيناه تبدوان حمراوين كعينيّ نمر، فكّ لثام وجهه، وربت على ظهر ابنه الصغير:

«السلاح زين، بصدّ ذياب الليل وذياب النهار».

صوت: «يسلم لسانك..».

تململ قليلاً ثم فكّ (محزمه)([10]) مردفاً: «اسمعوا يا أخوات جملا، إحنا من ما أهلنا انزلونا في هذا المنزل وإحنا راس حربة الكرك في وجه الشـرق، لازم تتوقعوا الغزو في أي لحظة، إن كان من الإنسان أو من الحيوان».

نفث أبو محمد أنفاسه بعد أن حشى رئتيه بدخان غليونه، وأمسك بإصبعيه جمرة ووضعها على الغليون.. لا تستطيع النار أن تعبث بهذين الإصبعين، حاولَتْ مراراً لكنها عبثاً تحاول، وقال: «الله يكفينا شرّ ذياب النهار».

ثم أردف: «زادك إتأخر يا فرحان».

- يا الله يا عمي، ما أنا أسرع من النار.

أصوات هنا وهناك ما تلبث أن تتلاشى..

صوت لم يُعرف صاحبه: «شرّهم قريب يا حج، وبنذر في الموت»، كان كلامه يشقّ رتابة الدخان الكثيف، ويهرق البرد على دفء الجلسة.

أسند حسين ظهره إلى الواسط، وأرسل بصره صوب الغرب كأنه ينتظر خبراً، سعل بشدة من الدخان الذي ملأ فضاء البيت، دقق في معالم المكان، قائلاً: «حسن بيّات في المزار الليلة عند أخته»، وأخته هذه هي جملا التي ينتخون بها.

أثنى سالم على كلام حسين: «صحيح، أنا اليوم شفته في المزار، ومعاه واحد ما عرفته، ألله اعلم إنّه ما هو من البلاد!».

يرجع أبو محمد النظر في بهو بيته، يتفقد الجالسين، منهم من يتساقط رأسه من النعاس، ومنهم من ارتفع شخيره، ومنهم من تتفرس عيناه النار، ينتظرون أن تنقضي هذه الليلة الطويلة.. صمت كئيب، وانتظار طال لوليمة لم تكن في الحسبان.

تمتم فرحان بتعليقاته الطريفة ليقتل الصمت: «ألله اعلم إنه استوى».

لقد أضاف عليه من السمن واللبن ما يكفي لإنضاجه.

صوت خافت: «طول عظم وذوقه».

تعالت السعلات..

أضاف فرحان الحطب وبدأت الوجوه تظهر من عتمة الليل، بينما أضاء سالم سراجاً آخر كان ادخر زيته لموقف كهذا، علّقه على واسط البيت الذي تتصل به «الساحة» أو الحاجز الذي يفصل مجلس النساء «المحرم» عن مجلس الرجال «الشق».

* * *

جمعت أم محمد النساء وبنات العرب في بيتها للعشاء بعد أن فزعن مع الرجال لصدّ هجوم الذئاب..

فتاة صغيرة: «صحيح ودنا نتعشّى لحم يا يَمّهْ؟».

- أي والله يا بنتي، إحنا في بيت أبو محمد راعي الكرمة.

- خايفه الزلم يوكلوه.. وما يظل النا اشي.

- لا يا بنتي، هذه المرة الخير إكثير.

تردّ الفتاة وهي تكاد لا تصدق: «إن شا الله».

تسترق أم محمد السمع للحديث الخافت:

- توكلي على الله يا بنتي، والله غير تشبعي..

تلتفت إلى ابنها الصغير محمد الذي يتساءل: «ليه ما يخلّو البنات يقرن معنا عند الشيخ عبدالله؟عشان يقرن قرآن، ويعرفن أيصلن، ويفِكّن الخط».

«البنات ما إلهن بالقراية»، ثم أردفت:

- يا فرحان، لا تنسى بنات المرحوم عبد من العشا.

* * *

صفحة 8

قرع فؤوس، وأصوات صوّان تبرق عز الظهيرة، حراب تلمع، ومطارق تدقّ الأرض، وجنود ينتشرون، على رؤوس الرجال نار الشمس الأيلولية الحارقة التي تتمرجح وسط السماء، رائحة العرق الآدمي، الذي ينزف من الوجوه الشاحبة، أصوات سياط تخطف الأجساد كأذيال البرق التي تخطف الأرض، رجال أذلتهم السخرة، وقتلهم الظمأ.

كانت الصور تمرّ تترى أمام ناظري فرحان الذي تسمّر أمام قِدْر الزاد، وعاد بذاكرته إلى لحظات موت «عبد» المرعبة.

كانت صورة عبد بجسده الضعيف، وريقه الناشف، وهو يرجو أحد الجند أن يسقيه الماء لا تفارق خيال فرحان.

انتبه إلى أبي محمد وهو يوصيه: «يا فرحان يا ابن اخوي، لا تنسى أعيال المرحوم».

كان يعتصر من الألم، ويشدّ بيده على «الواسط» الذي يقف بجانبه، وهو يرسل ذاكرته إلى تلك اللحظات التي اشتدّ فيها الجدل بين عبد والجندي.

لاحت لفرحان خيالات عبد، بين لذع السياط، وشدة العطش، والأمل بالرجوع إلى أولاده والخلاص من هذا الظلم، لكن عبد، الذي أهانه الجندي مرات ومرات قد عاف الحياة، ورمى بكل أحلامه في الأرض، وأجهز على الجندي الذي كان يرطب رأس حصانه بالماء وقتله، وأخذ «مطرة» الماء وراح يرشف آخر ما له في هذه الحياة، وما إن انتهى من الماء حتى كانت الرصاصات قد اخترقت جسده.

- يا فرحان، يا رجّال، وين سرحت؟

- آه بس لو تركوني ادفنه، الله يكسر علمهم، ولا يوفِّقهم وين ما داروا وجوهم، الله يرحمك يا عبد..

كان الأتراك من غيظهم قد جروا جثته أمام أقاربه الذين ضُربوا ضرباً شديداً ومُنعوا من دفنه، وظل في العراء لأيام وأيام. دارت القهوة، وبدأ حديث جديد يعاندون فيه طول الليل ويشرعون أبواب الذكريات.

* * *

خيط أبيض رفيع فصل بين ليل توارى ونهار آتٍ، شفق أحمر يتلذَّذ بإطفاء النجوم، لضم ما تبقى منها في آخر الليل ليدسّه في جرابه الذي لا يمتلئ من النجوم.

ما تزال الكلاب تنهر آخر الليل، وأصوات الماعز تجترّ ما تبقى في بطونها، بينما صوت يكسر وجوم الأشياء.. «لا إله إلا الله، محمد رسول الله».

كان صوت المؤذن يرطب جناح الليل، فيما النحنحات والتمتمات تشقّ صمت الطريق.

سار عبدالله إلى المسجد بهدوء وصوت أذكاره يشقّ سكون الأشياء، يوغل نظره في قبّة السماء البعيدة، ويرسل عينيه في سرمديّة الصحراء المجهزة على الحياة، بطيئاً محنيّ الجسد، تسلل العمر إلى أوتار ظهره، مستسلماً لنشوة الإيمان، ملتفاً بثوبه المتعب من الريح والشمس، تدثّر (فروة) كانت تألف تسبيحه، وتسمع تمتمة الأشياء من بعده..

اعتلى الرجل (صيرة) بُنيت على أثر روماني قديم، كان يعتقد أنه كنيسة، ثم تحولت إلى مسجد.

فرك وجهه، نظر إلى السماء، ثم رفع يديه مؤذناً للفجر:

- الله أكبر الله أكبر...

فيما عبدالله يرفع الذكر كانت عينا حسين ترقبان (اشطير) الذي يرمي قطعاً من الخبز الجاف للكلاب حتى لا تنبح في أثره، أمسك برقبته وهو يتدلى إلى ساتر أحد البيوت يمدّ عينيه من أحد الشقوق على حرمته، أراد حسين أن يقلع عينيه، إلا أنه استجار بصوت المؤذن ووالد حسين.

ابتعدت الشمس عن الأرض رويداً رويداً، كانت الأرض تكمل استدارتها مع ألحان شبّابة حزينة لأحد الرعاة.

صفحة 9

أخبار الزعيم بدر تنتشـر في المدينة مثل النار في الهشيم، ومن هذه الأخبار تشكيل حلف بين الشراقا والغرابا للتصدي للأتراك.

كان حسن الأكثر قرباً من الزعيم، فهو يسرّ له ما لا يسرّ لغيره، وقف إلى جانبه في محنته عندما مُنِع من المشاركة في مجلس الولاية رغم نجاحه في الانتخابات.

وكان يقول: «الدولة ضيّقت على الناس حياتهم».

يطالع كثيراً، إلا أنه كان مشتت الأفكار، يحاول أن يجمع خيوط ما يدور حوله من الأحداث، وكان يتكلف عناء إحضار المنشورات والصحف من القدس ودمشق، وأكثر ما يثير اهتمامه قضية عزل السلطان عبدالحميد، وتسلط جمعية الاتحاد والترقي وأفعالها في حوران.

كانت أول معرفته بالزعيم في إحدى المعارك حين شارك مع عدد من فرسان الشراقا في صدّ إحدى غزوات البدو، إلا أنّ غياب حسن عن القرية وما أُشيع أنه حصل على مجموعة من البنادق، وكميات كبيرة من (الذخائر) أخفاها في «مغارة» من القرية عمّق خوف عمه أبي محمد.

وكانت عودة حسن قد طمأنت أبا محمد وأفرجت أساريره، ومدّت فيه العزم لتجاذب الحديث مع الشباب.

قال أحدهم: «زمان هالقمر ما بان؟».

ردّ حسن ممازحاً: «لو كان القمر موجود، كان الذيب ما هلّ»، فضجّ المكان بالضحك..

مال محمد على حسن وهمس في أذنه: «خضرا ودها إياك».

* * *

لملمت خضرا خُصل جدائلها، وعضّت شفاهها بأسنانها الصغيرة، وفركت برؤوس أصابعها خدّها الطري، وتفقدت خطوط الوشم الرقيقة التي انسابت من تحت شفتيها، ثم تطاولت واقفة إلى جانب «مقدم»([11]) البيت وهي تمسك بحباله، وما إن بدا لها حتى انسلّت أمامه بحركة راقصة، وبخفة غاوية، وابتسامة ساحرة، تقول بصوت نديّ: «ألله يسعد صباحك، ويفرد جناحك، ويوسّع مراحك.. هلا ابن عمي..»، ثم تشيح بوجهها عنه بدلال وهي تتساءل:

- وين امبارح؟

تساقطت الكلمات على قلبه المرهق بالهموم، كأنها قطرات الماء التي ترشق الأرض العطشى بعد انقطاع، يرى جسدها الرشيق، ويرسل من عينيه نظرات خجلى إلى بطنها الذي راح يخرج عن طوعها، ويتمتم متسائلاً:

«ولد؟».

كانت ترقب عينيه وهما تجوسان جسدها باستغراب، ثم قالت بدلال وعتب:

- اللي بشتاق لحلاله ما بتركه لحاله، طول عمري واني مثل القمر، لكن أنت حامل هموم الدنيا فوق راسك وناسيني، بتفوت عالبيت وبتطلع منه واني ما تعدّْني موجودة.

- لَهْ يا خضرا، إنتي في القلب، والله يا بنت عمي ما أنا حامل غير هم هالبلاد وهمكو، وما مخوفني ومضيِّق حياتي غير اللي جاي على هالبلاد.

تقفز الأمنيات إلى نفسه وتداعب قلبه المهموم وهو يتساءل: «ما ذنبها؟ لماذا لا أعطيها حقها من الحنان؟»، يتردّد ثم ينسحب من صمته بتنهيدة طويلة ويردف:

- آه يا خضرا لو تدري؟

- خير إن شاء الله.

- إن شاء الله خير، بس أنا ما أنا مرتاح.

صفحة 10

«أكيد ما أفطرت؟»، قالت متودِّدة وهي تلتفّ حوله، وتجتاحها الرغبة، وتتناهى إلى قلبها أسئلة العشق القديمة، وما يمنعها إلا هذا التجهُّم الذي يطبق كالقيد على محياه.

لم يلتفت إلى سؤالها، بل سألها:

«صحيح مدالله وده يناسب([12]) الحج؟»، قال ذلك وهو يخلع عباءته ويتمتم بصوت خفيض: «الله يسمّعنا الأخبار الطيبة.. وِدْكي([13]) الصحيح لو عندي أخت، والله لأعطيها إياه، مدالله رجل طيّب، وراعي نخوة، وبتناسب».

جاست الابتسامة وجهها، جلست على ركبتيها.. تقول لنفسها وهي تهم بالوقوف: «يمكن فَتَح الحديث عن مدالله حتى يرجع لأيام الحب والغزل الجميل».

حسن الذي ما تزال آخر حروف الكلمات لم تغادر فمه ذهب في إغفاءة جميلة.

أسقطت جسدها على الأرض، بعد أن تهاوى الفرح، وانكسـر الحلم، واستندت على آثاره الأحزان. وضعت رأسها بين كفيها وهي ترقب هذا الفارس الجميل وقد تمدَّد أمامها دون أن يحدِّثها حتى في شيء ممّا يختلج في روحها وهي توسوس لنفسها التي غادرها الفرح:

«أحسَّك([14]) غريب عليّ، ولولا أنني بعرف أنك تحبني كان قلت أنه قلبك فارقك».

تنهدت ثم أتبعت بحزن رقيق: «ألله يهدّي سرك، ويفرّج همك».

ثم سحبت العباءة على جسده.

رأى حسن نفسه في رواق واسع الأطراف لا يكاد يُرى آخره، تراءى له في آخر الرواق طاولة تقف على رجل واحدة، ويجلس عليها رجلٌ يرتدي زياً عسكرياً وله رجل واحدة، كان يبرم شاربه بيد، ويوازن طربوشه بيد أخرى، كانت أشعة الشمس تندسّ من إحدى الشقوق، تظهر وتختفي، تخترق رأسه وجسده الثقيل، وتظهر خيالاته المخيفة على جدران الرواق، نهر بصوت عال أحد الجنود وطلب منه كرباجاً أمسكه بيده، ووقف على قدمه الوحيدة ثم اقترب من حسن، عقد عقدة بين حاجبيه الكبيرين، ثم غرس عينيه في وجه حسن الذي بدت قدماه منغرستين في أرض الرواق، سقط السوط الأول على قدمي حسن العاريتين، وظهره المكشوف، حينها فاق من لسعة الكابوس على صوت محمد يناديه..___-