eKtab
EN ع
والهمس لا يتوقف ابدا
اقرأ عينة مجانية

والهمس لا يتوقف ابدا

بقلم د. ليلى نعيم

صفحة 1
من الممكن استبدال المدن من المستحيل استبدال الأعماق
 
إنه الأحد والساعة هي الواحدة والنصف ظهراً· المسافة الصحراوية، ومن ثم الجبلية، أعلنت عن انتهائها مع بداية امتداد الأزرق على يمين السيّارة التي حملتني، وحملت الكثير من أشيائي في داخلها· عشرون عاماً من الزمن فصل بيني وبين هذا الشاطئ·
 
الزمن ظهراً، وشمس المتوسط متجبّرة في هذا الشهر· الخضرة على جوانب الطريق غطتها طبقات كثيفة من غبار، احتار أي الألوان القاتمة أن يستقر عليها: تأرجح بين الترابي، والبني المنحاز إلى السواد، بفعل السيارات التي تقطع هذا الطريق الساحلي بجرأة مستهترة، وبحضور عصبي، معلناً عن نفسه بأصوات نافرة، يشترك في صياغتها الحديد والبشر والإسفلت· تبدلت الصورة عما كانت عليه· الطريق لم يعد بكراً· فقد خجله السابق، وتلاشت تعرجاته، واضيقّ مساره، واستبدل واقعه، وبدا كأنه ترك عالماً رسمته يد الصغيرة دنيا وهي في الثامنة من عمرها في دفتر رسمها، ليعلن الآن، كما هي، بأنه أصبح ناضجًا، قؤياً، منفعلاً، واثقا من تخطيه لسن الطفولة والخجل·
 
بدا البحر بعيداً عني· مارد عاتب ضاع صوته في لجة اصوات الشاحنات وسيارات الأجرة والمصطافين· غريب أمر الأفكار! فجأة يصبح مسار طريق، اختطف كل جمال المكان، وجرد عمالقته من بحر وجبال وإنسان من حقائقهم، ليصبح خارطة أولى لقراءة زمن جديد· الشاحنات استولت بأعدادها المتدفقة وسرعتها وأصواتها على المشهد· أحسستها لفترة، كأنها جيوش من أرض العمالقة، خرجت لتوها من مغاوير الظلمات، مسعورة لالتهام العالم، بالرغم من حمولاتها المكدسة من حاويات شحن، سيارات متطابقة الأشكال غير مجمركة، وحمولات ضخمة من صناديق الخضار والفاكهة· تململ السائق· تنحنح نحنحة خافتة لم أستطع تحديد إن كانت بسبب أدب موروث بعدم ازعاج الركاب وقطع رحلات تأملاتهم، أم بسبب هزال جسده وابتعاد كل الكنوز المحتشدة في بطون الشاحنات عن مائدته· تخطتنا سيارة مصطافين ضخمة، منتفخة الدواليب والركاب والحقائب المثبتة على سقفها· خرجت من نوافذها روْوس وأيدي أطفال شديدة الاكتناز، ملوحة لنا وضاحكة على ما يبدو من غرابة سيارة الأجرة وسائقها الضامر· لحقت بها سيارة ثانية وثالثة بالمواصفات نفسها، وذات الازدحام الآدمي· تنحنح السائق من جديد ولمست ارتفاع في الصوت وتململ باتجاه الاستعداد للكلام· توزع نظري بين راكبي سيارات المصطافين ورأس السائق في انتظار نحنحة أخيرة، تسبق ما سوف يشاركني به من أفكار· 
صفحة 2
- الناس في المنطقة صارت بتسمي الطريق هيدا طريق الروحة بلا رجعة· 
 
قالها وعدّل للمرة الثانية من جلسته· بدت بعض الحيوية تتسلل إلى جسده، وأخذ رأسه يستدير قليلا باتجاهي في المقعد الخلفي، وكتفاه الضامران يتمددان قليلا كأن الحاجز الذي كان مضروبا حوله أخذ بالإنعتاق،بفعل بعض هذه الكلمات المقتضبة التي صرح بها· لا بد أنه أحس بأنني، وبالرغم من كوني غريبة، لا أنتمي إلى عالم المصطافين أيضا· في السابق، وقبل الآن بعشرين عاما، كان الشارع يبدو وكأنه خارج من جنبات البحر· يختبيء هذا للحظات في ثنايا ذلك المارد الأزرق، أو يترك هذا الأخير على إسفلته المتواضع بعضًا من رواسب حمولة أمواجه من صدف وأعشاب طحلبية، وأطفال السلاطعين التائهة المتضاربة الاتجاهات والتي لا تلبث ان تجد لنفسها ملاذاً في كهوف الرمل الرطب عند حوافي القشرة الإسمنتيّة الرقيقة· كان البحر عندها سيّد المكان، ولم يكن الطريق ومن يسلكه، إلآ جزءاً من مشهد منسجم كنت في السابق، وعندما أبدأ في الإقتراب من هذا المشهد، أشعر بأنني دخلت عالم الماء حيث كان طعم البحر يغرز مذاقه في مسامات جسدي قبل ملامسته· لم يحدث كل هذا اليوم وتمنّعت هذه اللحظات عن استقبال معتاد· السائق هو الوحيد الذي بدا لي في تلك الحظة من مركّبات الماضي· لم أستطع فصله عن بعض قوارب الصّّيد القديمة التي كانت ترسو في بعض تعرّجات الشاطىء في تلك اللحظة: هم وهو تلازما البقاء خارج الانقلاب في طبيعة المكان، ولم يتستّرا عمّا ألحقت بهما العشرون سنة الماضية من شقوق وندب وحفر، فالطلاء الأزرق والأحمر والأبيض المتشقق لتلك القوارب، وقبة قميصه النظيفة، ولكن الشديدة الإهتراء، والفجوة الكبيرة في سلسلة أسنانه والتي التقطها نظري في غفلة من ضموره المتكتّم، أعلمتاني بأن حارات مدينة الميناْء هذه ما زالت عما تركتها عليه، بيوت بحارة قديمة تشكل أزقتها جزءاً من مجالس بيوتها عند العصر وفي ساعات المساء الحارّة· لا بدّ أن الشراشف البيض والمطرّزة والنظيفة ما زالت تغطي أسرّة سكانها النحاسيّة، ولا بدّ أنّ تلفزيوناتها ما زالت تحمي نفسها من الحرارة والغبار بقطع دائريّة، تعاونت على صنعها أصابع الجدّات وصنّاراتهن، كما زالت أصابع الصيّادين المستقيلين من ركوب البحر تصنع شباك الصيد· لم يقترب البحر مني· تأكّدت من أن نافذة السيارة مفتوحة· هل أدار المارد ظهره لي؟ أم هل تساوى حجم الغبار الثقيل القابع على الجدران الصبارية على جنبات الطريق، مع ذاك الذي أغلق مسامات جلدي؟
صفحة 3
الساعة هي الخامسة صباحاً· الغرفة الصغيرة بذلك الطلاء الأبيض ما زالت على حالها· النافذة مشعة بإطارها الأزرق· مشرعة الضفتين، الآن كما في السابق، والستارة البيضاء الصغيرة المطرزة بخيوط حرير من ذات لونها تتلاعب وسط فضاء الإطار، تخرج بعيداً كأنها تحاول معانقة السماء ثم تعود لتستقر بوقفة مستقيمة لا تلبث أن تعاود شقاوتها في الرقص عالياً في سماء الغرفة· حوار لعبة غريب! حوار راقص مع يوم مشرق وسط هدوء هذا الدير· تحركت قدمي اليمنى مع هذا الرقص المتلاعب، لتستقر على أرض بطونية ملساء لامعة، سرت برودتها كالسهم عبر جسدي المختزن دفء النوم، لتفتح أقفال ذهني المنحاز إلى مخدتي التي جئت بها معي، كعادتي في كل أسفاري· لحقت قدمي الأخرى بالأولى، ومشتا بخفة إلى تلك النافذة لتوصلا الأذرع كي تحتضنا الستارة الراقصة اللعوب، شديدة النقاء·لم أكن لأعرف في تلك اللحظة، بأن علاقتي الصباحية مع هذه النافذة ستطول، وبأن رقص الستارة هذه، سوف يتلبس إيحاءات شديدة الاختلاف عن هذه التي حملتها لي تلك اللحظة· لم أع الزمن الذي مضى على وقفتي هذه؟ البحر هناك في الأسفل أزرق حتى السواد، مستأثراً كعادته بمساحة الكون إلاّ من هذا الجانب من الرؤية: خيط لعالم يبدأ بخليط من زهر العطرة والياسمين وشجيرات حبق صغيرة، تداخلت جميعها مع حافة النافذة، لتسيّر الرؤية بعدها في اتجاه الأسفل، عبر طرقات متعرجة حيناً، ولولبية في حين آخر،مارة بأشجار التين والكرمة والصنوبر والزيتون والعشب اليابس وبعض أكوام العليق، تقترب من نهايتها إلى شريط نضر الخضرة لبيارات الليمون والبرتقال، مخلفة وراءها بعض البيوت الصغيرة البيضاء المتناثرة، وعدد أقل من الفلل الجديدة الثرية بقرميدها الأحمر· أسرعت خطاي البصرية وتاهت لبرهة بين هنا وهناك لتتوقف فجأة، وتلتحم مع منزل، أو بقايا منزل، اشتدت حجارته الضخمة القديمة في تماسكها مع الأرض وجذع شجرة توت ضخمة، بدت كأنها سبقت هذه الحجارة في قدمها· 
 
هنا تبدّت الأشياء، وهنا وقفت هي وسط كومة من حجارة، لتعلن نهاية طريق حياة· فمن هنا سوف تأخذها خطوتها التالية الى بداية طريق جديدة خلف أسوار بوابة الموت
 
متى قرأت هذا ؟
صفحة 4
بدا زمنه قريباً جدًا مني· هل حدث هذا الإقتراب في هذه الليلة الأولى المجددة في قلب هذه الغرفة وفي قلب هذا الدير؟ تسمّرت قدماي بعدما كانتا قبل لحظة تتراقصان بسرعة وخفة وحيوية كحركة تلك الستارة المبتهجة· وبين حركة رقص شابة وتسمّر شابه ثقل تلك الحجارة القديمة، أخذت أصابعي تبحث عن حقيقة المكان: إطار النافذة، حبقه المتشابك مع ياسمينه، لحظات وربما أكثر بكثير، لتعود حدقتا عيني تتفتحان لتنتزعاني من تلك الحجارة وتطيرا بي عبر دروب منحدرة متعرجة لترميني في حضن أول أمواج البحر· 
 
أفقت من غفوتي الواقفة على صوت قرع الباب ممتزجاً بصوت أم مريم: 
 
- يا ست أم دنيا! وينك لهلق؟ التينات والصبرات قربوا يسخنوا ·
 
صوتها أعاد لقدمي الخفة واحساساً ببرودة ونظافة تلك الأرض الملساء الغير مستوية· حملتاني من جديد إلى مستوى الطيران ولكن بأتجاه الباب· بدأت أفتحه كلص ومن ثم أخذت أوسع فتحته وكأنها خيط حرير خفت عليه أن ينقطع· هي، أم مريم، أول من سأشاهد هذا الصباح من جملة بعض الأشخاص الذين لم أرهم منذ ذلك الوقت البعيد جداً· رأيت، ومن خلال الشق، دائرة شديدة البنيّة وسط حلقة بيضاء ورموش كثيفة مشدودة للخلف كنصف دائرة· حدقة مترقبة، تماماً كما أنا· من سترى من أولاً وعلى أي نحو؟ لم ترتفع قامتها بعد كل هذه السنين، لا بل انخفض مستواها· هذا ما أفهمتني به حركة عيوني التي اعتادت أن تستقبل أم مريم كل صباح وهي تحمل السلة والكف الصوفي السميك لقطع ثمار الصبير· قطعت خيط الحرير بشدة وسحبت دفة الباب لأتركه يطير الى أقصى زوايا الإنفتاح· احتضنتها كمن يلتف حول ذاته وعندها أحسست كم هي سخية عينا العنكبوت، عينا أم مريم· احتضنتها للمرة ·· لا أدري··· وتمنيت أن تقابل عيناي سخاء عينيها· أحاطت ذراعي كتفيها والتقطت يساري يسارها· رفعت يدها لأقبلها، فإذا بهذه اليد المتشققة تستريح لحظة عند مرمى التقاط الشم· سألت نفسي عما إذا كانت هذه رائحة الأرض أم رائحة الخبز الصباحي الخارج لتوه من طابونها· عندها فقط استطعت أن أسبقها بفيض من دموعي· سرت معها الى حافة السرير وجلست الى جانبها دون أن أقوى على فكّ حصاري منها· امتزج عرق الصباح بدموعها، ليستقر على بعض خلجان أنفها، وكأن السنوات أعربت عن إمتدادها في أرض هذا الأنف· أيتها الطيبة! قلتها في سري وتابع نظري حركة يدها وهي تودع سلتها الدائرية المتسعة القاع الى جانبها· لم تكن السلة فارغة بل استقر في جوفها شيئ دائري ملفوف بكيس بلاستيكي مخطط شبه شفاف· 
صفحة 5
- إيه ·· شو ما بدك تختيري مثلي؟
 
قالتها العنكبوت الحنون واستمرت تنظر إلي بحب وإعجاب كما في السابق· 
 
- كيفها دنيا الحلوة ؟
 
وأخذت يدها تنخفض إلى داخل سلتها لتخرج ذلك الكيس، بينما بقيت عيناها مسمرة علي· تابعت كلامها دون أن تغير من وضعيتها: 
 
- أكيد كبرت ست الأميرات! لسا عيونها آكلين نص وجها وخدودها حمر؟ أكيد صوابعها طولوا على كمنجتها الصغيرة؟ بربك لسا بتتذكرني؟ ليش ما جبتيها معك؟ 
 
فتحت فمي لأسالها عن ·· مريم ·· ولكنني أطبقت على كلماتي، خوفاً من فيضان آخر ربما يجرفنا إلى قاع بحرنا المارد· أخرجت أم مريم علبة حلوى معدنية، كتلك العلب القديمة التي كانت تحتفظ بها جدتي وتودعها الخيطان والأزرار والأوراق الثبوتية والصور، التي حملتها معها في سنة الهجرة الأولى من فلسطين·
 
كم كنت أحب تلك العلب وأتهيأ بكامل الانفعال عندما أرى جدتي تهم بفتح احداها، كأنني أتهيأ لدخول بوابة قلاع أحدى الأساطير الكثيرة التي كانت تحكيها لنا، نحن الأطفال، بعد العشاءْ وبعد أن نكون قد استوفينا كل الشروط من غسل ولبس ثياب النوم وتنظيف وتلميع أحذيتنا وتفريشة أسناننا الصغيرة· 
 
- بربك يا ست أم دنيا، هيدي مش كأنها دنيا ؟ 
 
حملت العلبة بيدي· صبية سوداء العينين والشعر، بشرة ياسمينية وتجليات تشكيلات وجه متوسطي· إنها دنيا كما رآها رينوار قبلي· لم تكن متطابقات هذه الرسمة ضمن مجموعة جدتي من علب الحلوى التي كانت تشكل مستودع أرشيفها، لكني كنت أرى هذه العلبة مزروعة على الرفوف الخشبية بسيطة الصنع في محلات السمانة· لم أكن لأعرف في ذاك العمر، بأن إعجابي الشديد هذا سيجعل ابنتي تصبح يوما صورة حية عنها· وسأعرف فيما بعد، بأن من رسمها، أو نقلها عن الواقع، هو أحد أشهر الرسامين في تاريخ البشرية، وبأن مسار حياتي سيأخذني بعيداً عن هذه البلدة الصغيرة، ويختار لي أوسع المدن وأثراها متاحفاً ومكتبات ومصانع والعديد أيضا من العنف· جاءني صوت أم مريم ليعيدني من قارة أخرى: 
صفحة 6
- ليكي، هيدي العلبة كانت في خزانة الخورية لما أبونا فرغ الخزانة بعد ما 

ربنا أخذ وداعته· لما شفت العلبة، شفت فيها شباب دنيا وطلبت منّه يعطيني هيّه·

دنيا وأنا، أمومة وبنوّة، انصهرتا في جنين واحد· تبادلنا الدورين فيما بيننا، فتعلمت أن أصبح في بعض اللحظات ابنتها، كما كنت في أغلب الأحيان أماً لها· 

أخذتني الذاكرة لزمن بعيد ولكنها أبقتني داخل حدود هذه الغرفة، عندما جئت بها لتمضية بقايا فصل الصيف قبل ربع قرن: كانت هي صغيرة والنافذة أعلى بكثير من مستوى نظرها· كم من مرة سحبت الطاولة الحديدية إيّاها، الزرقاء الطلاء، لأضعها عند حافة النافذة، أجلسها عليها لتنظر هي إلى البحر، أسرد عليها حكايات ساكنيه من خزان خيالي وبقايا حكايات جدتي، وأتركها تشكل تشعبات لهذه القصص على نحو ما تشتهيه· سأكتشف في سنوات عديدة قادمة، بأنّ حرية خيالنا ستكون ملكيتنا الواسعة، التي ستنجو دائما من هجمات أعتى اللصوص، وتبقينا وضمن أحلك الساعات نستوفي القدر الكافي من التفاؤل، لمتابعة حياة خارج حمى الكراهية والإحباط· نسيت وجود أم مريم وشدني هواء البحر الداخل من النافذة، سيداً يأبى الإستئذان· ومع رؤية البحر تذكرت بأننا، ابنتي وأنا، اختلفنا كثيراً في اختيار لغة تعبيرنا: هي اختارت تلك اللغة التي لا يمكن لها ان تحمل احتشادات الإجبار والإكراه والتحايل والمراوغة كالتي أحملها، فالكمان ونغمه من ملاك حر واللغة هي هي، وعاء تسكنه كل شعيرات الكون والتاريخ، مما يفرح الإنسان ويحرره، ولكن أيضا مما يخيفه ويخنقه ويستعبده· 

 تذكرت تصورات نبيل للسيناريو المطلوب وكيف قال لي ببساطة أغضبتني، بأن من سيشق السماء ويرغمها على سماع أصواتنا هو اللحن، وليس الكلمة التي جاءتنا منها· لم تحتمل أم مريم صمتاً وشروداً أكثر، فاستعانت هي بلغتها الحقيقية: لمست كتفي ولمعت عيناها بماء التفهم والحب لتقول بعدها بصوت خافت وعذب:

- وينك حبيبتي!!! هو سيدنا البحر ولا العمر اللي شارد فيك؟ بدي منك ما تفتحي العلبة هلق، لأنه فيها مفاجأة· أنا برأيي تطلعي تقطفي شوية صبر، لأنه العنب قطفته أنا ولا تنسي إنه طاولة الفطور صارت جاهزة· ما تتأخري والبحر ما إنت عرفتيه· البحر ما بيهرب·
صفحة 7
خرجت أم مريم وتركت الباب مفتوحا، تماما كسلتها· فقط العلبة مغلقة·
 
حقيبة العمل· أوراق· مئات من الصفحات المكتوبة بخط يد: الغربة·· المد والجزر·· زيارة الموت الأولى·· وعناوين محبطة فاصلة بين رزمة وأخرى· عبء ثقيل، ليس لذاك السائق الذي حمل الحقيبة وأودعها الغرفة مع أخواتها ممن رافقنها الطريق، بل لي أنا، التي تخندقت داخل صفحاتها لسنوات· وضعتها جميعاً فوق أحد الرفوف الخشبية المثبتة على جدار تجويفة في الحائط المجاور للسرير، والذي دهن بالأبيض، شأن بقية جدران الغرفة ومجمل البناء وكل البيوت القديمة الممتدة على ثنايا الساحل· فقط دوسيه صغيرة مصنوعة من الجلد ومشغولة بعناية، هي من تمنّع من الإستقرارعلى الرف· جلست إلى الطاولة على كرسي ككل الكراسي المستعملة في بيوت المنطقة الساحلية وقراها المبعثرة بين ثنايا الجبال العالية المطلة على البحر: مقاعد من خشب مطلي بالأزرق وقش· الأزرق المنحاز الى لون السماء والبحر هو لون سكان المنطقة·
 
فتحت الدوسيه بعد أن مرت أصابعي مراراً على جلدها الناعم· فكرت لحظتها بعدم عبثية لهاث الانسان وراء اقتناء الأشياء النادرة والفاخرة، فالأشياء، قلتها في سري، تحاكي عين الانسان وجلده وروحه في لحظات عطب إنساني· أخرجت الرسالة الأولى من قلب هذا الجلد الأليف بعد أن تهاوى غطاؤها الى أقصى اليمين بحركة أنيقة طرية، ليرتاح على سطح هذه المنضدة الحديدية· رفاه أوروبا وتقشف دير متوسطي تلاصقا· غريب أمر هذه الحياة! كيف لهذه القطعة ان تتبع قدرها وتأتي من تلك المدينة البحرية وتستقر هنا محملة برسائل غريبة عنها وعن لغة صانعيها! مدينة بحرية! البحر مرة أخرى، يلاحقني دائما كأنه في مسعى مستمر لتذكيري بأن جذوري مرتبطة به· ابتسمت أمام شدّة عناده وارتفعت أصابعي لتتحسس حدود هذه الإبتسامة التي كادت أن تستقبل أول غيث أحزاني· غريب أمر هذه الدوسيه، فملمسها يغوي الأصابع لتحسسها بالرغم من أنها، أو هكذا قيل لي، مصنوعة من جلد خنزير بري· التأمل يأخذ صاحبه دائماً الى فتح أبواب موصدة عليه في دورة حياته، فتصبح أجزاء من مكونات حيوان قبيح متوحش، مرسلٍ لإشارات عكس ما تحمله الذاكرة عنه· الذاكرة تستبدل بعض أثوابها بفعل لحظة تأمل لتؤسس لذاكرة جديدة، ربما تعارضت كلياً مع ما كانت قد خزنته في السابق· عادت هذه الدوسيه، من جديد، لتفرض علي بكل سلاسة، تماماً كملمسها، طرح تساؤلات غريبة وغير ملحة بطبيعتها· هكذا ظننت! فكيف يصبح حيوانا برياً، شرساً وقبيحاً، محفزاً لكل هذا الحد من اللطافة والقرب الذي فاق قرب جلدي لقلبي؟ وكيف لدوسيه صنعتها أيدي بشر لم يسمعوا ربما في حياتهم شيئاً عن هذه المنطقة من العالم أو ربما لم يتعاملوا يوماً مع أي خريطة ؟ 
صفحة 8
 وكيف أنهم، ودون دراية منهم، حولوا جلداً قذراً لحيوان بري، بعد عملية قاسية ووحشية بالتأكيد، الى قطعة طيبة الملمس والوظيفة، حيث استقرت في داخلها رسائل تشكل مستودعاً آمناً لرسائل بعض الأشخاص الذين سيشكلون وحدة لمسار، بالرغم من عدم معرفة الواحد منهم للآخر؟ ما هذا العالم الغريب والمثير للدهشة دائماً وكيف تمتزج عناصره وعلى أي نحو؟ وكيف للأزمنة وأشخاصها أن تتداخل وتشكل في بعض الأحيان وحدة أكثر من هذه الوحدة التي تشد يدي الى ذراعي الى رأسي؟ أخذت أصابعي تتحسس من جديد، ليس حدود تلك الإبتسامة وسيدها الحزين، بل الكثير من حقيقة وجودي وحقيقة المكان· دوسيه غريبة أليفة، من بلد بعيد يمتد على سواحل بحر الشمال·
 
ما هذا الذي يحدث ولماذا ؟
 
أخرجت الرسالة الأولى· أعرفها جيداَ، فلقد مضى عليها زمن منذ ان وصلت الي، وبالرغم من صغرها وطول فترة وجودها، بقيت غائبة حاضرة في يومي· فتحتها للمرة···لاأعرف ولا يمكن لي حتى التكهن بعدد المرات التي قرأتها· رسالة وملحق· الرسالة من عدة أسطر والملحق من عدة صفحات·
 
عزيزتي
 
قرأت ما أنتجته صحبتك الشتوية لكاتبنا العجوز الطيب، وبالرغم من إحساسي المسبق بأنكما ولدتما لتكونا خير الرفاق، إلا أنني تفاجأت من النص· لو قدر لصديقنا العجوز أن يولد عربياً لما كان تجاوز جمالية النص الذي بعثت به إلي· أحبكما، أنت وهو، لكن هناك أمر يؤرقني لدرجة أصبح، وهذا ما علي أن أعترف به، يشكل كابوساً· إنها البساطير أيتها العزيزة· نعم البساطير، أعني جزم العسكر وأنت تعرفينها· لم أكن واعياً حجم تطور هذا الهاجس على نحو كابوسي إلا عندما كنت في زيارة والدتي الحالمة في مكتبتها التي تعرفينها· وكعادتها حضرت لي فنجان الشاي المعهود ولم يكن هناك اي زبون لشراء بعض الكتب· كان النعنع هو المذاق المساند للشاي في ذلك اليوم· إنها، كما تعرفين أيضاً، كأغلب سكان مدينتنا، مولعين بالأعشاب إياها· فيوم تتصدر المليسة عرش قلوبهم لتتنحى في يوم آخر للميرمية او الحبق او الزعتر· ما حدث في ذلك اليوم كان كالتالي: كنت قادماً من جلسة تحضيرية لنص فيلمي القادم: فيلمي الحلم· أراك الآن تضحكين وربما تصرخين ضاحكة: ومتى كان اي عمل لك في مرحلة تحضيره الا المشروع الحلم· على أية حال، كفاك ضحكا!!! جاءتني والدتي بالشاي وبصحن صغير استراحت بعض وريقات النعنع في حوضه! لم أصح الا على يد والدتي تفرك لي جبيني وتسألني عمن كنت اكلم وعن سبب دموعي· عندها فقط تيقنت بأنني أجلس وسط كماشة هذا الكابوس· تخيلي أنني سمعت وريقات النعنع تتأوه متألمة وهي تحكي لي ما أصابها من جبروت البساطير التي مرت عليها وسحقتها· سألت نفسي بعدها عن سبب إصابتي بهذه اللوثة وإذا كان السبب هو طبيعة الفنان الذي يستعد لحربه الخاصة أم السبب هو في ازدهار صناعة البسطار وتقدم آلية ترويجه؟
صفحة 9
إنني مرسل لك ملحقاً لهذه الرسالة فيه بعض تصورات لفيلمي القادم ومعه لا أدعوك هذه المرة لقضاء أشهر شتوية أليفة مع عجوزنا الطيب، بل طلب ملح بأن تقتربي من وريقات النعنع وسماع حكاياتها، فأنت، يا عزيزتي، الأقدر على هذه المهمة: ملامسة الصوت الدفين، حتى لتلك الوريقات التي تبدو مرتاحة في إقامتها الأنيقة وسط صحن لفنجان قهوة قديم، ينبىء عن زمن تمتع أصحابه بعيش أكثر رخاء وجمالاً من أحفادهم· ستجدين في الملحق فكرة، او بعض الأفكار المجنونة كما تسمينها دائما، والتي بالرغم من حكمك عليها بالجنون تستمتعين برعايتها وتركيزها·
 
قطع نظري الملحق بسرعة، فأنا أعرفه جيداً· قرأته ربما مئات المرات· توقف نظري فجأة عند بعض الأسطر التي عزلت نفسها عن بقية النص وجعلت كلمة ملاحظة تسبقها: أحلم بأن يصل صوت ما الى السماء· أعني صوت يشق السماء ويصل ربما الى قلبها· ربما عندها تصبح قادرة على سماع أصواتنا· نسيت أن أسألك عن أحوال صغيرتك، اعني صبيتك، وهل شبت أصابعها برفقة كمانها؟ أتعرفين سبب سؤالي عن أصابعها؟ انني أتخيل المشهد الأخير لهذا الفيلم: أرى مجموعات من الثائرين (ملاحظة:وجدت نفسي انظر بخشية حولي عندما فاجأني القلم وهو يكتب هذه الكلمة)، نعم أراهم يسيرون على رمل الشاطىء بانسياب ورشاقة، يسبقهم عازف يتأبط رأسه وعنقه كمانه وتتحرك يده وأصابعه في عزف لحن جريء الإيقاع، يرفع باشتداده تلك الأقدام بخفة، كأنه يحثها على الطيران، ناثرة من حولها رذاذاً من رمل الشاطىء الرطب· فجأة تصمت الموسيقى، وتصمت الحركة، وتتابع الكاميرا عود الكمان الطائر بسرعة صاروخ منطلق لتوه من محطة الفضاء ناسا في رحلة فضائية، لكن دونما اشتعال ليصل السماء· عندها يسمع صوت انفجار· ينتهي الفيلم بعد انقطاع الصورة بظهور مشهد لسماء تستعد بعض غيومها البيضاء الرقيقة لفتح أبواب شفافة· تأخذ الكاميرا في تقريب هذه السماء وعندها فقط، ولثانية واحدة قبل الإعتام، يسمع طيف صوت كمان ساحر من شدة ألمه· 
 
ألا تظنين بأن هذه المحاولة ربما كانت الأكثر فعالية من أصوات القنابل والإنفجارات والطبول والزعيق الدائر بشراهة على هذه الأرض، والذي لم يصل بعد الى الأعالي؟ ألا تظنين ان السماء لا تقترب من القبيح وانها بحاجة، كما نحن، الى الحنون الجميل مما ابتدعته؟ هذا هو قراري: علينا أن نجتهد في اختيار الأجمل، للتضرع لابعاد الأقبح· لماذا لا تكون عازفة من تطلق الرسالة اللحن الى السماء؟
 
السماء ! ! !
صفحة 10
كم من مرة حاولنا، نحن سكان الأرض، أن نقترب منهم، نتوسل اليهم، نقوم بكل طقوس الحب تجاههم في محاولات دائمة ودؤوبة لا تعرف اليأس، لنقرب جزءاً من دفئنا الصغير، ليذوّب بعضاً من برودتهم العملاقة، هم، سكان السماء···
 
متى قرأت هذا وأين··؟
 
ومتى اقتربت منها، هي السماء، لأول مرة··؟ 
 
دخلت أم مريم الغرفة دون قرع الباب· استطاعت الأيام القليلة التي تلت وصولي المكان ان تعيد ألفة ماضية، وهربت من بيننا حواجز السنين·
 
- بكرة الفطور فوق في ملكة··شو ما اشتقتي لبيت نصر؟ اليوم عند أول الفجر مرق إبن نصر ومرته·
 
نظرت إليها مندهشة
 
- نصر صار لو مرا وولاد وكنّة كمان؟
 
كان سؤالي هذا بمثابة تصريح مفتوح لحنجرة أم مريم في قذف صور مختلفة لما رتبته ذاكرتها لعالمها المحدد· كانت أم مريم تمتلك حسًا عاليًا من احترام عزلتي، وكانت عندما تدخل الغرفة وتراني مسكونة بمحتويات أوراقي، تستحيل الى طيف شديد الخفة كانه وهم· سؤالي الخارج من دهشة ربما مصطنعة، جعلاها ترمي ثوب الأطياف، وتجيز لنفسها حق الوجود· تابعت بانفعال كأنها تحاول أن تنسي رأسي مهمة عودته الى الأوراق· أحسست في تلك اللحظة أنانية الانعزالي، وتركت لها حرية توجيه اهتمامي وحضوري· 
 
- لو تعرفي شو صار رايق هالنصر· عكس زمان لما كنا نقول انه نص معتوه من كثر كفوف إمه عا راسه· ما بتتذكري كيف قعّد خيّه الصغير في الدلو ودندلو في بير الدير؟
 
تركتها تتابع حكاياتها ودخلت غيمة شفافة لأمكنة أخرى لا تعرفها· عدت بعد فترة من شرودي لأجدها ما زالت هناك· لم تخرج أم مريم· دارت في الغرفة· لامست أصابعها أسطح موجوداتها القليلة ومن بينهم كتفي· انسحبت أصابعها بعد استراحة خفيفة على كتفي لتلحقا بجسدها الذي استدار ليسمح لنظرها ان يغادر بعيدًا خارج النافذة·