eKtab
EN ع
والذكريات
اقرأ عينة مجانية

والذكريات

بقلم توفيق سعيد الدملوجي

صفحة 1
مقدمـــة
 
تكتب عادة المذكرات من قبل قواد الجيوش أو أساطين السياسة أو علماء الاقتصاد والمخترعين والمكتشفين وأمثالهم، ليطلع عليها بالمستقبل قواد الجيوش في الحروب ويعلموا أسباب من ظفر قبلهم بالحروب أو من دحر الجيش نتيجة الأعمال المغلوطة، أو ليطلع عليها الاقتصاديون ورجال السياسة وغيرها ليتعظوا بها·
 
أما أنا····· فلا من هؤلاء ولا من هؤلاء، فلست بالسياسي العظيم ولا بالقائد الكبير ولا بالمغامر الذي اكتشف مجهولاً من حقائق العالم، فلست بشيء من ذلك ولا قريب من ذلك لأدون مذكراتي، ولولا طلب أولادي الأعزاء وأحفادي وإصرارهم عليّ ليطلعوا عليها ولتبقى خاطرة في ذاكرتهم وليقرأها أحفادي الذين لم يطلعوا عليها في بداية أعمارهم·
 
وبناء على إصرارهم وإلحاحهم عليّ ولاسيما ابنتي العزيزة هدى وإلحاحها توكلت على اللّه وباشرت تدوين ما بخاطري من ذكريات منذ حداثة سني،، وإنه هو الموفق وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وإنه ذو الفضل العظيم·
 
توفيق سعيد الدملوجي
صفحة 2
قبل أن أبدأ تدوين مذكراتي هذه وبهذه المناسبة أود أن أذكر نبذة مختصرة عن أسرة آل الدملوجي التي أتشرف أن أكون أحد أعضائها·
 
فظاهر من تاريخ العائلة وشجرته أن أسرة آل الدملوجي هي من عشيرة الشريفات التي نزحت من اليمن قبل أكثر من 400 سنة واستوطنت في الأرض الكائنة ما بين ماردين ونصيبين وكان على رأسها الشيخ سليمان جد العائلة الدملوجية، الذي كان يتردد إلى مدينة الموصل لقضاء بعض الحاجات ثم اختارها مقراً لسكناه·
 
وقيل أن أصله من أولاد حضرة سيد الكونين، وأن اسمه مقيد في النسب الذي بيد السيد شريف بن السيد فارس بيت ترعوز من العشيرة المذكورة، وهنا ظهر من نسله عدة رجال اكتسبوا ثقة الأمراء والسلاطين، حتى إن السلطان عبد الحميد خان الأول أنعم على الشيخ سليمان ــ حفيد الشيخ سلمان الأول المذكور أعلاه ــ برتبة رئيس فرقة الانكشارية وأقطعه مقاطعة سنجار، كما أنعم السلطان سليم خان الثالث على ابنه الشيخ يوسف منصب رئاسة الفرقة المذكورة وأقطعه محافظة دان ولم تزل فرامينهم والإرادات السلطانية موجودة ومحفوظة عند أفراد العائلة، ولقد نبغ من بين أفراد هذه العائلة عدة رجال نالوا المقام الأسمى والمنزلة الرفيعة بين علماء الموصل·· كالشيخ مصطفى والشيخ أسعد والعالم الفاضل الشيخ عبدالله شمس الدين الذي توصل إلى درجة رئاسة العلماء وله تآليف كثيرة وتعليقات وهوامش يعرفها المتتبعون لكتب الدراسة العلمية في العراق، منها كتابه شرح العصام على الوضع الذي لم ينسج على منواله أحد قط، والذي حاز الأهمية القصوى لدى العلماء وطلاب العلوم، وغيرها من التآليف المحفوظة لدى أفراد العائلة·
 
وكان قد تخرج عليه كثيرون من علماء الموصل، وكان محترماً رفيع المنزلة عند الخاصة والعامة، وقيل إنه أنقذ من حكم الإعدام كثيراً من الأبرياء الذين حكم عليهم بالموت، بفضل ما كان له من نفوذ عند الوالي التركي أبنجة بايراقدار محمد باشا الشديد الشكيمة، كما أنه قد ظهر من هذه العائلة رجال سياسة وقواد عسكريون وأطباء كثيرون لهم المقام السامي في القطر·
صفحة 3
طفولتي
 
ولدت في مدينة الموصل بتاريخ 25 كانون الأول 1894 من والدين، السيد محمد سعيد بن عبد الرحمن بن الشيخ عبدالله شمس الدين الدملوجي والسيدة خديجة بنت الشيخ عبد الرحمن العقراوي، ولي سبعة إخوة وأخوات أنا أصغرهم، وفي سنة 1900 توفي والدي ولي من العمر ست سنوات، وكان أخونا الأكبر محمد صديق موظفاً مدنياً في أقضية الموصل الشمالية، ويليه محمد فاروق الذي كان قد سافر إلى إستانبول والتحق بكلية الطب البيطري، ويليه نعمة الله وبالنظر لضعف بنيته، لم يتمكن من الاستمرار بالدراسة، فباشر التمرن على الاعمال التجارية على يد خالنا المرحوم أمين عقراوي تمهيداً للاشتغال بها·
 
وأما أخونا الرابع عبدالله فلم يزل تلميذاً بالمدارس الابتدائية بالموصل، وهكذا بقيت بين يدي السيدة والدتي الصالحة رحمها الله، التي صرفت كل محبتها وجهودها على تربيتي وإدارتي حيث كنت أصغر أولادها·
 
ولما بلغت السادسة من عمري، لم يكن في تلك الأزمنة مدارس حضانة أو روضة أطفال في الموصل حتى ولا في أي من المدن العثمانية فأرسلت إلى دار ملا المحلة الملا محمد التي لا تبعد عن دارنا أكثر من مئة متر، لأتعلم قراءة القرآن الكريم مع كثير من أولاد المحلة·
 
وهكذا بقيت مع الملا محمد مدة ثلاث سنين حتى ختمت القرآن ولم أر خلال هذه السنين من حياتي من مباهج الدنيا ونعيمها سوى بيتنا، وأحياناً أذهب مع والدتي إلى دور أخوالي آل عقراوي، لألعب مع أولادهم أو إلى دار خالتي آل الحاج نعمات الدباغ، وبالطبع دار الملا محمد لقراءة وحفظ القرآن، وعصا المعلمة العجوز التي تراقب الأولاد الذين يتعلمون وعصاها الطويلة والفلقة بجانبها لربط أرجل الولد الذي يخالف أوامرها ولجلده بالعصا·
 
ولم يكن في الموصل في ذلك الزمن غير مدرسة ابتدائية واحدة أو اثنتين، وتبعد عن دارنا مسافة بعيدة جداً، وبالنظر إلى عدم وجود وسائل نقل وصعوبة الذهاب والإياب إلى تلك المدرسة وحيداً، فقد أدخلت مدرسة مسيحية تسمى بيت الباتري القريبة من دارنا، وأساتذتها من المسيحيين العرب وبعض الرهبان، ويديرها راهب فرنسي ويُدرس فيها اللغة العربية والفرنسية وتغلب عليها الصبغة الدينية، وبالطبع تُدرس فيها الدروس الدينية للأولاد المسيحيين، وعندها أخرج أنا ومن معي من الأولاد المسلمين من الصف خلال هذه الدروس أو الصلاة·
 
ولم يمر على دوامي في هذه المدرسة السنة الواحدة، حتى أنذرت الحكومة أهلي بضرورة إخراجي من هذه المدرسة··· إذ لا يجوز إدخال أولاد المسلمين في مدرسة مسيحية حسب عقيدة وعقلية تلك الأزمان، وهكذا أخرجت من هذه المدرسة بعد أن بدأت أتعلم القراءة والكتابة العربية، ولاسيما مبادئ اللغة الفرنسية، وبقيت مدة محروماً من المدرسة والثقافة الابتدائية، حتى قضى الله عودة أخي الطبيب البيطري محمد فاروق إلى العراق·
صفحة 4
السفر إلى بغداد
 
بالنظر إلى قلة المدارس وبعد الموجود منها عن بيتنا وإخراجي من مدرسة بيت الباتري فقد بقيت مدة طويلة بلا مدرسة حتى نقل أخي فاروق من ولاية حلب إلى ولاية بغداد ووصل إلى الموصل في أوائل سنة 1905، وعليه تقرر أن أسافر معه إلى بغداد لإدخالي المدارس الابتدائية فيها، كان أخي عبدالله قد أرسل إلى بغداد قبل سنتين لإكمال تحصيله الإعدادي العسكري في فرع الطب، على أن يسافر إلى إستانبول للالتحاق بالكلية الطبية العسكرية بعد إنهاء دراسة الإعدادية العسكرية في بغداد·
 
وكان أمر سفري إلى بغداد من أهم الأمور الصعبة عليّ، وأنا حتى هذا العمر لم أفارق والدتي ولم أبتعد عن دارنا يوماً واحداً، وكانت سلوتي الوحيدة هي ركوب الحمار حين يأتينا راعي أغنامنا باللبن والحليب والسمن من نتاج أغنامنا مرة كل أسبوع، وعليه عندما أخبروني بأنني سأسافر مع أخي فاروق إلى بغداد، كنت أرفض وأبكي وأتمرد··· وأخيراً وافقت بشرط واحد··· أن يشتروا لي حماراً وساعة أحملها في جيبي وهذا عقل أطفال وقد حصلت الموافقة (فرضياً) على ذلك وتهيأنا للسفر·
 
وكان السفر من الموصل إلى بغداد على الأغلب بواسطة الأكلاك··· والكلك هو عبارة عن سلخ (أي جلد أغنام منفوخة) ويوضح فوقها ألواح خشب، وتربط بعضها ببعض حيث تصبح كسفينة بلا صوار، ويوضع فوقها بضاعة التجار المراد شحنها إلى بغداد وأمتعة المسافرين، وينام المسافرون فوقها··· أما المسافر الذي تساعده حالته المادية، فيرفع فوق الكلك مظلة وتسمى عرشة وهي عبارة عن غرفة من ألواح خشبية، وتغطى بمشمع للوقاية من حر الشمس صيفاً أو الأمطار في موسمها·
 
ومن المعلوم بأن الكلك يطوف ويسير مع مجرى النهر، وفي سبرة من الموصل إلى بغداد يتوقف على مستوى ارتفاع نهر دجلة، ففي موسم الفيضان يقطع هذه المسافة بمدة تتراوح بين ثلاثة أو أربعة أيام، أما في موسم الصيف، فقد لا تقل عن عشرة أيام أحياناً·
 
وبطبيعة الحال وفي كل الفصول والمواسم، فإن الكلك ينحدر مع مجرى النهر من الموصل إلى بغداد فقط، ولا يمكن سيره أو سحبه معكوساً إلى الموصل، وأما المسافرون من بغداد إلى الموصل فيسافرون حسب الحال، على ظهور الحمير والبغال أو الخيل (كما سأبينه عند إيابي المتكرر إلى الموصل)، وهكذا سافرت لأول مرة من الموصل أوائل سنة 1905 مع أخي فاروق وخادمنا ــ من عشرات السنين ــ محمد وكان قد بلغ عمري 10 ــ 11 سنة، وفي الحقيقة وبالنظر إلى الأسباب والظروف التي بينتها آنفاً، فأنا لم أكن سوى طفل مدلل فقط·
 
وكان الموسم معتدلاً ولم تصادفنا أمطار في سفرتنا هذه، وكان ارتفاع نهر دجلة في حالته الطبيعية، وعليه طالت مدة سفرتنا خمسة أيام وأذكر أننا كلما مررنا بمدينة أو قرية على سواحل النهر، كنت أثور وأبكّي نفسي في العرشة، وأطلب أن يشتروا لي حماراً وساعة·· وهكذا إلى أن وصلنا بغداد·
 
ونزلنا في بغداد مؤقتاً في دار أحد أقاربنا شريف بن الحاج خالد الدباغ والتقينا أيضاً بالأخ عبدالله الذي كان يدرس في الإعدادية العسكرية ومقيماً بالمدرسة ليلاً في القسم الطبي، وبعد أيام قليلة استأجرنا داراً في محلة رأس القرية·
صفحة 5
بدء دراستي
 
بعد أن وطدنا سكنانا وأكملنا احتياجاتنا، حان وقت إدخالي المدارس الابتدائية، ولما لم يكن الآن وقت القبول بالمدارس، ولعدم بقائي وحيداً ولمدة طويلة حتى أيام القبول بالمدارس، فقد أدخلني أخي لدى ملا المحلة كما يسمى في الموصل ولاله كما يسمى في بغداد· واللالات هنا في بغداد إيرانيون أو أفغانيون وقليل منهم عرب، والدراسة الأساسية عند اللالات هي القرآن الكريم وبالإضافة إليها يُدرسون القراءة والكتابة التركية وأعمال الحساب الأربع، ومحلات تدريسهم هي الجوامع·
 
وحتى يومنا هذا، لم أتعلم ولم أتكلم كلمة واحدة باللغة التركية، ولما كان رفاقي لدى هذا اللالا قد بدأوا دروسهم قبلي بأشهر، فقد صعب علي جداً مجاراتهم، ولم يمض عليّ مدة طويلة حتى طلب مني اللالا حل بعض المسائل الحسابية بالجمع والطرح والضرب التي لم أسمع بها بحياتي، ولما لم أتمكن من ذلك، أخذ يهينني ويشتمني كل يوم، وبعد أيام قليلة، طلب مني أن أحفظ جدول الضرب، وهنا كنت كما يقول المثل (مثل الأطرش بالزفة) وبعد يومين امتحنني بجدول الضرب، وعندما لم أجب، لزم العصا وأخذ يضربني ضرباً مبرحاً، وعندها فقدت اتزاني وتناولت ما وجد أمامي من محابر ودفاتر وكتب، ورحت أضربه بها وأقصفه من بعد، وهو يلاحقني بالعصا وأنا أهرب من أمامه حتى خرجت إلى الطريق وهرولت هارباً إلى بيتنا باكياً، مما أصابني من عصا هذا اللالا، ومن يومها تركته ولم أذهب إليه، ثم توسط أخي لدى بعض معارفه وأدخلني المدرسة الحميدية الابتدائية (البناء الذي تشغله الآن دائرة الاجراء القانوني والمجاور لأمانة العاصمة) الصف الأول والغاية أن أتعلم ما يمكن تعلمه، ولكي لا أبقى وحيداً، ولا شغل يشغلني حتى نهاية السنة الدراسية الحالية·
 
وقضيت في هذه المدرسة ثلاثة أشهر حتى انتهت السنة الدراسية، وفي الحقيقة أنني هنا بدأت أتعلم الحساب والقراءة التركية والكتابة والإملاء، إلى درجة ما، وكذا بدأت أفيد مرامي إلى درجة ما باللغة التركية·
 
وأتت العطلة الصيفية ولا أمل لي بالسفر إلى الموصل خلال هذه العطلة، إذ لم يمض على مجيئي إلى بغداد أكثر من خمسة أشهر، والسفر من بغداد إلى الموصل في تلك السنين وفي موسم الصيف من أصعب الأمور كما سأبينه عند سفري فيما بعد، وعليه بقيت في بغداد وبي حسرة لرؤية والدتي وإخوتي والموصل، ولكن ليس هناك من مفر· وقد كان الأخ عبدالله قد أكمل دراسته الإعدادية العسكرية ومسافر إلى إستانبول للدخول في الكلية الطبية العسكرية، وهكذا قضيت العطلة الصيفية وحيداً لا مؤنس ولا مسلٍّ لي غير خادمنا الشيخ محمد الذي كان يأخذني أحياناً إلى السوق أو إلى ساحل نهر دجلة، إذ لم يكن حينذاك في بغداد أي متنزه أو حدائق عامة للأطفال والأولاد·
صفحة 6
التحاقي بمدرسة الرشيدية العسكرية
 
في أوائل سنة 1906، تقرر إدخالي المدرسة الرشيدية العسكرية، ولم يكن لي رأي ولم أستشر في الانتساب إلى الصنف العسكري، ولم يكن لي أي ميل إلى هذا السلك، وهذا هو طبعي، ولو خيرت حينذاك وإلى يومنا هذا، ما اخترت هذا السلك ولكن التحقت لعدة أسباب، منها أنه في حالة انتقال أخي فاروق كموظف بيطري من بغداد إلى مدينة أخرى لن يبقى لي ملجأ أسكن فيه فيما إذا كنت في مدارس مدنية، وأما إذا كنت في مدارس عسكرية، فبالإمكان إدخالي في القسم الليلي في المدارس العسكرية، ومنها كما يقال أن التدريس والضبط والربط في المدارس العسكرية خير منها من المدارس المدنية، كما أن نفقاتها السنوية أقل بكثير من غيرها، وغيرها من الأسباب، وهكذا شاء القدر أن أنتسب إلى السلك العسكري ابتداءً من دراستي الابتدائية·
 
وسجلت في الصف التمهيدي في مدرسة الرشيدية العسكرية في أوائل السنة الدراسية للعام 1907 وكانت المدرسة أمام دائرة البريد المركزية التي تشغلها الآن المدرسة الإعدادية المركزية ومن يومها لبست البدلة العسكرية بموجب نظام المدرسة وأنا ما زلت بأوائل السنة الثانية عشرة من عمري، وأصبحت جندياً صغيراً، وكما يقول الخيام في رباعياته:
 
لبست ثوب العيش لم أُستشر
 
ومدة الدراسة في هذه المدرسة أربع سنوات، الأولى تمهيدية والثلاث الأخرى ابتدائية، ففي السنة الدراسية التمهيدية، كانت الدروس باللغة التركية طبعاً عبارة عن الخط والقراءة وحفظ بعض السور القرآنية ودروس في الحساب الابتدائي، وقد كنت نشيطاً ومجتهداً جداً، وتقدمت على زملائي في الصف خلال الامتحانات الفصلية وفي الامتحان النهائي، ونجحت إلى الصف الأول الابتدائي وأنا الثاني بين ثمانين تلميذاً·
 
وقضيت السنة التمهيدية كتلميذ نهاري وأنا أقيم مع أخي فاروق إلا أنه في هذه الأيام نقل الأخ فاروق كما تنبّأنا سابقاً من بغداد إلى قضاء خانقين كمفتش بيطري على حدود إيران، وعليه بقيت وحدي في بغداد·
 
وبنتيجة التوسط أمكن إدخالي في الصف المخصوص كما كان يسمى، أي في القسم الليلي أو الداخلي، وكانت المدرسة الرشيدية كما بينت سابقاً قرب الميدان أمام دائرة البريد المركزية، وتشغل الآن من قبل الإعدادية المركزية للبنين، فالدراسة نهارية في هذه المدرسة، أما المبيت ليلاً وكان في المدرسة الإعدادية العسكرية والحربية، تلك المدرسة الكائنة على ساحل نهر دجلة في رأس سوق السراي التي تشغلها الآن المحاكم المدنية·
 
وكنا نحن تلاميذ القسم الداخلي (وبهم من جميع صفوف الرشيدية) نذهب صباحاً برتل عسكري إلى المدرسة الرشيدية، ونعود بعد الدراسة بهذا النظام إلى المدرسة الإعدادية والحربية للقراءة والمبيت، ولا يرخص لنا بالخروج من المدرسة إلا أيام الجمع فقط·
 
وبعد انتهاء الامتحان النهائي في الصف التمهيدي ونجاحي إلى الصف الأول وبدء العطلة الصيفية، كان الأخ فاروق قد نقل إلى خانقين، وبناءً على ما كان قد تقرر سابقاً، فقد سافرت من بغداد إلى الموصل لقضاء موسم العطلة·
صفحة 7
أما السفر من بغداد إلى الموصل في ذلك الحين، فقد كان شاقاً وصعباً، إذ لا توجد رحلات جيدة كالمعروفة اليوم، عدا الخيل والبغال والحمير، فقد كان السفر بوساطتها وكمجموعة قافلة كروان من التجار والسواح والموظفين المنقولين إلى الموصل والطلاب في عطلهم الدراسية وهكذا·
 
واستؤجر لي بغل من أحد المكاريين المعروفين وعقلنا وتوكلنا، وكانت السفرة بين بغداد والموصل تستغرق عشرة أو أحد عشر يوماً يتخلّلها يوم واحد استراحة في تكريت، وكانت المسيرات على الأغلب ليلاً للتخلص من لهيب الحر في هذا الموسم، ونبقى نهاراً في الخانات أو في الخيم إن وجدت، وأخيراً وصلت الموصل بعد سفرة عشرة أيام على ظهر البغل وفي أراض قاحلة وصحاري (الآن تستغرق هذه السفرة من بغداد إلى الموصل بالقطار ليلة واحدة وبالسيارة خمس ساعات وبالطائرة أقل من الساعة)·
 
وكان معنا في هذه السفرة طلاب من المدارس العسكرية والمدنية مسافرين إلى الموصل لقضاء العطلة الدراسية وأكثرهم موصليون، ومن ضمنهم المرحوم مدحت العمري وأخوه بهجت العمري أولاد المرحوم مصطفى أفندي العمري وكانا في الصف الثاني من الكلية الحربية، وأنا في الصف الابتدائي، وكانت هذه أول معرفتي بهما رحمهما الله·
 
وهذه أول زياراتي إلى الموصل بعد سفري منها منذ ما يقارب السنتين··· وقد وجدت أن أعز شخص عندي بعد والدتي هي أختي أمينة التي تكبرني سنتين قد توفيت، وكذا جدتي لأبي التي لا شك أنها قد تجاوزت مئة سنة قد توفيت· فوفاة أختي التي كنت مولعاً بها كثيراً كانت صدمة قوية جداً عليّ، ولولا محبة أمي وتسليتها لي لفقدت راحتي ونشاطي، وقضيت مدة العطلة الصيفية في الموصل بين الأهل والأقارب وعدت عند انتهائها إلى بغداد بالكلك أيضاً·
 
وعند وصولي إلى بغداد، كان الأخ فاروق قد سافر إلى خانقين والتحقت أنا بمدرستي، وقد بدأت السنة الدراسية وأنا في الصف الأول الابتدائي في الرشيدية العسكرية القسم الليلي، ولما كان في القسم الداخلي الليلي لا مجال للألعاب أو التسلية وضياع الوقت، والحياة كلها ضمن نظام عسكري صارم، فقد حصرت نفسي طيلة مدة الدراسة السنوية على دروسي المقررة، وعليه كنت في صفي من التلاميذ البارزين ولم أتنازل عن درجتي الأول أو الثاني طيلة السنة، ويسمى الأول في الصف بموجب الألعاب العسكرية باشاجاويش أي رئيس عرفاء الصف والثاني والثالث جاويش أي عريف وعندما انتهت السنة الدراسية ونجحت إلى الصف الثاني كنت باشجاويش صفي أي رئيس عرفاء صفي·
صفحة 8
وفي عطلة هذه السنة، سافرت إلى خانقين حيث كان الأخ فاروق لا يزال يقيم فيها كمفتش بيطري، وقضيت مدة العطلة الصيفية عنده، وعند انتهائها عدت إلى بغداد وإلى مدرستي الليلية، وبدأت السنة الدراسية الابتدائية الثانية لسنة 1908، وعلى نفس الوتيرة ونفس النظام تراني مثابراً على اجتهادي ودروسي طيلة مدة السنة وأنا متمسك بأولوية الصف، ونادراً ما كنت أخسر بعض العلامات القليلة في دروس الخط والرسم أو الألعاب، وأصبح الثاني لمدة ما بين الفصلين وسرعان ما أسترجع مركزي·
 
وقرب أواخر هذه السنة الدراسية، وفي تاريخ 11 تموز 1908، أعلنت الدولة العثمانية الدستور والحرية وحدث ذلك الانقلاب التاريخي العظيم الذي أدى فيما بعد إلى خلع السلطان عبد الحميد الثاني وإجلاس السلطان محمد رشاد الخامس على عرش السلطنة العثمانية والخلافة الإسلامية، أما ما حدث من أمور في مدارسنا نتيجة هذا الانقلاب، فإن الكلية الحربية التي كانت في بغداد وكذا في الشام أو في إحدى مدن البلقان عندما كانت هذه المدن تابعة للدولة العثمانية حينذاك انتقلت إلى استانبول كما كانت في الأزمنة السابقة، ولم يتخرج في الكلية الحربية في بغداد غير دورة واحدة فقط في سنة 1908·
 
وبعد انتقال الكلية الحربية إلى إستانبول، بقيت المدرسة للصفوف الإعدادية الثلاثة والقسم الداخلي الليلي لطلاب الرشيدية العسكرية الذين أنا منهم، إلا أنه عند انتهاء سنتي الدراسية الثانية ونجاحي إلى الصف الثالث، صدرت الأوامر بإخراج التلاميذ الذين هم في القسم الليلي وليسوا من أولاد الضباط من القسم وجعلهم نهاريين فقط·· وأنا أحدهم بالطبع، وهكذا أصبحت من التلامذة النهاريين في الصف الثالث، فكان عليّ أن أجد لي مسكناً ألتجئ إليه عند بدء السنة الدراسية في الصف الثالث لأعيش فيه، خاصة أن أخي فاروق لم يزل في خانقين·
 
وسافرت إلى الموصل بمناسبة العطلة المدرسية، وكانت هذه سفرتي الثانية إلى الموصل وعلى ظهر البغال، وبمثل تلك السفرة المزعجة والمتعبة في هذا الصيف المحرق ولمدة عشرة أيام·
 
وتمتعت بعطلتي، إلا أنه بعد انتهاء مدتها، ظهرت مشكلة إقامتي في بغداد وقد أصبحت تلميذاً نهارياً وليس لي أحد في بغداد غير بعض الأقارب، ولم يكن من المناسب أن أقيم عندهم لمدة طويلة·· إذن ما العمل؟ وأخيراً صدر القرار تجاه الأمر الواقع بإدخالي مدرسة الإعدادية الملكية أي في مدنية الموصل وفي الصف الثالث أيضاً·
 
وبعد التوسط وبالنظر لتفوقي الدراسي، في هذه المدرسة نزعت عني بدلتي العسكرية، وارتديت اللباس المدني· وبقيت في هذه المدرسة ثلاثة أشهر، وبالنظر لكون أساسي الدراسي قوياً فقد وجدت نفسي متفوقاً جداً على زملائي التلاميذ، وبأني مغبون لإدخالي في هذا الصف، إلا أنه سريعاً ما انحلت المشكلة···· فقد نقل أخي فاروق من خانقين وأعيد إلى بغداد مديرَ بيطرة·
 
وبعد أن أتى إلى الموصل وبقي فيها أياماً قليلة، عدنا مرة أخرى إلى بغداد بالكلك طبعاً وبقيت بداره، ولما كنت قد تغيبت عن مدرستي الرشيدية مدة تقارب ثلث النسة، فقد جابهت صعوبات كثيرة بإقناع إدارة المدرسة بأسباب تخلفي لمعذرتي المشروعة وعدم تمكني من الالتحاق بأول السنة الدراسية، ولولا التوسط والرجاء كان من المحتمل عدم قبولي في هذا الوقت المتأخر نظراً إلى أنظمة المدرسة وأضيع سنة كاملة من حياتي·
 
وعدت إلى مدرستي وحياتي العسكرية، ولما كنت متأخراً عن رفاقي في الصف الثالث، فقد صرفت جهوداً كثيرة جداً وأنا تلميذ نهاري في دار أخي فاروق لتلافي ما فاتني ولإكمال دروس هذا الصف، كي لا أرسب في الامتحان النهائي، وقد وفقني الله وكوفئت على جهودي وأتعابي طيلة مدة الدراسة، ونجحت بدرجة جيد، وهكذا أكملت الثقافة الابتدائية وترفعت إلى الصف الأول الإعدادي العسكري·
صفحة 9
الدراسة الإعدادية
 
الإعدادي العسكري مدرسة ليلية بدأت الدراسة فيها بالصف الأول سنة 1910، والنظام فيها عسكري صارم جداً، من جهة الدراسة أو التدريب العسكري، أو من جهة الضبط والربط والحياة الجندية الكاملة، وقد تصعب هذه الحياة على بعض الرفاق الذين لما يمارسوها، إلا أنني حينما كنت قد تدربت عليها سابقاً عندما كنت في القسم الليلي في الرشيدية، وكنت قد أمضيت بها سنتين، فقد هانت عليّ، أما مناهج الدراسة، فبالإضافة إلى المواضيع العلمية والأدبية من جميع وجوهها، فهناك أيضاً مبادئ في بعض المواضيع العسكرية والتدريب العسكري كل يوم·
 
ومدة الدراسة في الإعدادي العسكري ثلاث سنوات، إلا أن الصف الأول والثاني منها قد تدرسان في بغداد، والصف الثالث يدرس في إستانبول قبل الدخول إلى الكلية الحربية، وهكذا قضيت سنة 1910و 1911 في صفي الأول والثاني في الإعدادي العسكري في بغداد، وكان سلوكي ونشاطي واجتهادي ممتازاً جداً، وأفتخر بأنني استرجعت مركزي في الصف كأول أحياناً أو الثاني أو الثالث بعضاً، بعد أن كنت خسرت هذا المركز في الصف الثالث الابتدائي لتأخري ثلث مدة الدراسة في الموصل·
 
وفي الإعدادي لم تكن أسباب عدم محافظتي على المركز الأول في الصف بصورة دائمة هي لضعفي في الدراسة أو لعدم قيامي بواجباتي، إنما كانت لعدم ميلي إلى الألعاب البهلوانية الجمناستك على الحديد أو المتوازي أو الحلق وغيرها، التي هي ضمن المنهج الدراسي وتجري الامتحانات الفصلية والنهائية بها كبقية الدروس العلمية والأدبية، وتؤثر العلامات التي يحصل عليها التلميذ في هذه الألعاب في مجموع علاماته بالامتحان وتقدمه أو تأخره بالصف· وكان أكره شيء عندي أن أتعلق بالحديد أو الحلق أو أن أتقلب على المتوازي أو حصان الخشب، وعليه فقد كان المعلم وإني أعتقد بأنه لم يكن يحسن أيّ لعبة منها ولم أره خلال السنتين قد اقترب أو لعب لعبة واحدة يعطيني بالامتحانات الفصلية والسنوية أقل علامة نجاح بهذا الموضوع فقط، وهذا الذي كان يسبب لي الإزعاج وعدم تمكني من المحافظة على مركز الباشجاويش رئيس عرفاء أو الأول في صفي بصورة دائمة·
 
وكنت خلال هذه السنين تلميذاً ليلياً مقيماً في المدرسة إلا أيام الخميس بعد الظهر، فأخرج لأبيت في دار أخي فاروق وأعود إلى المدرسة مساء يوم الجمعة·
 
وبعد انتهاء السنة الدراسية في الصف الأول إعدادي ونجاحي نجاحاً ممتازاً إلى الصف الثاني، سافرت بالعطلة الصيفية إلى الموصل وعلى الأصول وعلى ظهر البغال، وكانت هذه سفرتي الثالثة والأخيرة قبل سفري إلى إستانبول، وبعد أن قضيت مدة العطلة، عدت إلى بغداد وبدأت السنة الدراسية الثانية عام 1911، ولم تختلف الحياة والأنظمة والدراسة والتدريب العسكري وكذا الجمناستك أو البهلوانية كما كنت أسميها عن السنة السابقة، وكنت أكثر اجتهاداً وأكثر فاعلية لواجباتي، لعلمي أنها السنة الأخيرة في بغداد، على أمل أن أحصل على مركز جيد في صفي عند سفرنا إلى إستانبول لإكمال الصف الثالث، وهكذا انتهت السنة الدراسية ونجحت إلى الصف الثالث إعدادي بدرجة جيدة جداً، وبدأنا نتهيأ لإكمال نواقصنا وتجهيزاتنا للسفر إلى إستانبول·
صفحة 10
السفر إلى إستانبول
 
بدأت السفر إلى إستانبول على ظهور البغال في أوائل موسم صيف 1912 وكنا 45 خمسة وأربعين تلميذاً، الناجحين إلى الصف الثالث الإعدادي، وبقيادة ضابط، وكنا نسير كل يوم بانتظام كرتل عسكري من مرحلة إلى أخرى ونقضي الليالي تحت الخيم، وكان طريق السير··· بغداد ــ فلوجة ــ رمادي ــ معقبين نهر الفرات حتى دير الزور، وبعد استراحة يومين في دير الزور، استمر السير حتى ــ مسكنة ــ ومنها إلى حلب، حيث بقينا فيها ثلاثة أيام لاستراحة ومنها إلى الاسكندرونة ــ أدنة ــ ثم إلى إحدى محطات السكك الحديدية القريبة من ــ أدنة ــ التي كانت رأس السكة حينذاك، ولم تمد السكة بعد اتجاه ــ أدنة ــ حلب·
 
واستغرقت سفرتنا الشاقة هذه من بغداد حتى ركوبنا القطار مدة أطول من الشهر على ظهور البغال، أخذنا بعدها القطار من المحطة المذكورة (غاب اسمها عن بالي) وسار بنا عن طريق قونية ــ اسكي شهر ــ محطة حيدر باشا، وأخيراً حطينا الرحال في إستانبول بعد هذه السفرة الطويلة·
 
ملاحظة :
 
كانت الصفوف السابقة التي تسافر إلى إستانبول تتّخذ الباخرة من بيروت إلى إستانبول··· إلا أننا لم نتمكن من السفر بالباخرة، لأن الدولة العثمانية كانت لم تزل في آخر أيام حربها مع إيطاليا، وقد شملت ولاية طرابلس الغرب ليبيا والطرق البحرية غير مأمونة، وعليه فقد سافرنا بالقطار عن الطريق المذكور أعلاه·
 
وكان في استقبالنا في المحطة ممثّلون من آمرية الإعدادي والعسكري في إستانبول وكثير من الطلاب العراقيين من الكلية الحربية ومن المدارس المدنية وغيرهم ممن لهم صداقة أو قرابة مع الطلاب الوافدين، ثم نقلنا بالباخرة من ميناء حيدر باشا إلى ساحل القرية حنكل كوي الواقعة على سواحل البسفور، وفي هذه القرية، توجد المدرسة الإعدادية والعسكرية وتسمى مدرسة قله لي وبها الصف الثالث الإعدادي فقط، وفي هذا الصف، يوجد أكثر من 500 خمسمائة طالب تجمعوا من المدارس العسكرية من جميع ولايات الامبراطورية العثمانية·
 
وبعد أن استقررنا بها، زارنا بعض الأصدقاء ومن لهم أقرباء، وقد أرسلت برقية إلى الأخ عبدالله الذي كان حينذاك في الصف الخامس من الكلية الطبية العسكرية في حيدر باشا، وأتاني إلى المدرسة في اليوم التالي·
 
وما زالت المدارس في العطلة الصيفية ولم تبدأ الدروس فيها إلا بعد أسبوعين من وصولنا، ولا حاجة للقول إن الضبط والربط والروح العسكرية متجلية تماماً هنا أكثر بكثير مما كانت في مدارس بغداد، وقد تفرقنا منذ وصولنا على السرايا والفصائل وتوزعنا على قاعات النوم وغرف الطعام وغيرها·
 
وقد حدثت حادثة يوم وصولنا إلى المدرسة المذكورة عندما دخلنا غرفة الطعام أوَّل مرة، فقد شاهدنا على أحد جدرانها لوحة كبيرة مكتوباً عليها الآية القرآنية الكريمة:ــ
 
{إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورا}
 
وبعد المداولة بيننا نحن العراقيين والسوريين وغيرهم من الطلاب العرب في المعنى المقصود من تعليق هذه الآية الشريفة في المطعم، قررنا جميعاً نحن العرب ألاّ ندخل هذا المطعم ثانية قبل أن ترفع هذه اللوحة، وأخبرنا آمرية المدرسة أن غاية الطالب الذي ينتسب إلى السلك العسكري المشرف هي أن يهيّئ نفسه للجهاد والحرب وسفك دمه وروحه للدفاع عن الوطن، وليس كلاجئ أو متسول، وعليه فإن إطعامنا في المدرسة لم يكن في سبيل الله، وطلبنا رفع اللوحة المذكورة مع كل احترامنا للآية القرآنية الشريفة·
 
وبالفعل رفعت اللوحة في نفس اليوم، وقد علمنا أن هذه اللوحة كانت قد علقت في زمن السلطان عبد الحميد الثاني، وبعد أيام بدأت الدروس والمحاضرات النظرية والتدريب العسكري، وتسلّمنا البنادق وباشرنا التدريب على استعمال الأسلحة الخفيفة·