eKtab
EN ع
وإذا الموءودة سئلت
اقرأ عينة مجانية

وإذا الموءودة سئلت

بقلم د. إلياس عطاالله

صفحة 1

إهداء

إلى عزمي بشارة؛

مفكّرًا مبدعًا

يصوغ هويّةً وانتماءً...

رؤًى، وطنًا، وقوميّة

إلياس

صفحة 2

هذا الكتاب

قضيت عام 2005 وأنا أكتب هذه المقالات في أسبوعيّة فصل المقال، وبعدها في موقع عرب 48، وقدّر الله أن تلقى قبولا عند كلّ من عشق العربيّة بمستوييها العامّي والفصيح، ولمّا كانت غايتي التقريب بين غاليتين رضعتا لبانا واحدا، فهأنا أجمعها دون أن أجري فيها تعديلا، مبقيا على أسلوبها الصحفيّ.

ولأنّ هذه المقالات أذاقتني شهدَ وجع الإرهاق، ولأنّ فيها قداسة رسالة أعيش لها، أضمّها في هذا الكتاب، علّنا نعيد إلى خدّي لغتنا تورّدا، ونبعث في أوصالها دفقات حياة.

إلياس عطا الله

حيفا

تشرين الثاني 2006

صفحة 3

على العتبة

تمتعت بقراءة هذه الفصول مرّات.

قرأتها منفردة محتفلا بولادتها الأسبوعية، مستهلا بها قراءة ما في الصحيفة، مستمتعا بالإطلالة من روزنتها على الطريف وبما تتكشّف عنه الطيّات الطّـيّعة لليد الخبيرة.

وقرأتها مجتمعة متحفّزة للظهور عقدا سويّا في كتاب رشيق رصين تتضافر فيه الفائدة والمتعة جديلةً فاتنة.

وأبحث عن السّرّ وكيف يتحقّق هذا الإبداع؟

من النِّعم أن تجتمع المواهب في واحد. ( أهذا صدى البيت الذي صدره: ليس على الله بمستكثر ..؟ ) .

لقد التقى هنا:

علاّمةُ اللسانيات البحرُ الذي ذوّتَ خرائط اللغة فكان الخبير بمسالكها، سهلها ووعرها، بَواديها وحواضرها؛

والأديبُ الذي تنطلق من قلمه- بل حاسوبه - الحواريّات الحوريّات بما فيهن المهجّنات، ويخترع " جنسا أدبيا جديدا" وتميس اللغة بين يديه في"توريق " موسيقيّ حنون يذكّـر بـ " العربسك"؛

والناقدُ المتمرّس الذي يهتدي ببوصلة فِراسة الذوّاقة إلى مواطن البأس والبؤس في الأثر المعالَج؛

والمربي الذي تحضن غيرته الإنسانيةُ والوطنية الأجيالَ، تغرس فيها بالمحبة عشقَ العربية الكريمة، والكرامة، وتشع فيهم روح العالِم المدقّق الذي يقلب كل صرارة؛

وعاشقُ الطرب الذي يدهشك بتـبحّره في فنون الغناء الأصيل- مطربين وموسيقيين وناسجي برود الشعر؛

وخِدنُ الفولكلور الرحيب– أمثالِه وأغانيه وحدائه وحكاياته. أما أنا القرويّ المنقوع في هذا الفولكلور فقد وجدتني أتعلّم من جدّة المؤلف، ربيبة"علما الشعب" أمثالا جديدة طريفة.

وفوق هذا كله:

الوطنيُّ الذي هاجسه الدائم الكامن وراء كل جهد هو رفعة هذا الشعب وصون كرامته وحماية نسيج وحدته، مؤمنا أنّ كرامة المرء من كرامة لغته وأنّ الدفاع عن تلك الكرامة يُـفضي إلى ما يلي من ساحات الدفاع والتصدّي.

افتخر الشاعر الفحل الفرزدق( 658 -728 م) بجدّه صعصعة الذي اقترن اسمه بالنعت الجميل"محيي الموؤودات " فقال:

وجدّي الذي منع الوائدات وأحيا الوليد فلم يوأد

صفحة 4

وتروي المراجع أنه كان يفدي بماله كل طفلة يبلغه أن أهلها ينوون وأدها، وتكثر الحكايات عن ذلك وكيف كان بعض الآباء يبتزونه للحصول على ثمن مزيد.

ونحن هنا مع" صعصعة البيان" الذي استند إلى الآية الكريمة﴿ وإذا الموؤودة سئلت بأيّ ذنب قُتِلت﴾.

فنظر في لغتنا المحكيّة وقد حفلت بكلمات"فصيحة ظُلِمت.. وغدرتها الأقلام" فانبرى يفتديها، يبحث عن نسبها، عن أصلها وفصلها بـعُدّة العالم حتى يهتف" ما أفصح عاميتنا! وما أجهلنا!" ويلخص جهده قائلا:" لِسَنة كاملة وأنا أرشّ الطيوب على جثث المفردات رغبة في إحيائهن ورؤيتهن نابضات مختالات على الأوراق والألسنة ".

هذا الكتاب رحلة جميلة حافلة بالمفاجآت والظرف وانفتاح آفاق معرفة ثريّة. فهل تعرفون كيف مُنِع التدخين في الأماكن العامة في بلاد الشام في القرن الثامن عشر؟ وما الفرق بين كلمتي العام والسنة؟ وما مصدر كلمة"مصاري " ومتى جاءتنا ؟ وما الذي تعنيه كلمة" مـتـكة" حين نقول:" فش فيه متكه" ؟

وماذا عن"الوفيعة " أو"الفِرامة " وغير ذلك الكثير الكثير.

ويمتد المشوار إلى لغة الأغاني حيث نفي الفعل الماضي بـ"لَم" في" بالتبر لم بعتكم" عند عبد الوهاب، و"لم شفناك" على لسان منيره المهدية"، و"الزمان لم عاد " على لسان سيد درويش... وصولا إلى عبد الحليم حافظ في" على قد الشوق " و" كان يوم حبّك أجمل صُدْفه" وكيف رضخ "مجمع اللغة العربية " في القاهرة فأجاز في دورته الخامسة والأربعين سنة 1979 كلمة " صُـدْفه " ورخّص باستعمالها إلى جانب أختها "مصادفة".

أما دوري في هذه المقدمة فيذكّرني بتلك الحكاية الفلاّحية التي جاءتنا من قضاء رام الله منذ عهدٍ كان التبن، علف الدواب، ضرورةً تقضي بوجود متْبَن في البيت.

ليلة الدّخلة وقف العروس حمد جانبَ يوك الفراش، ينقّل نظره بين الدّوشك الذي جلست عليه العروس حمده وبين الباب المغلق. أما حمدة فكانت خافضة الرأس في شيء من الرهبة.

كسر صوت حمد السكون. سأل:

قولي يا حمده: باب متبن بيت أهلك بفتح للشمال وِلاّ للقِبِل؟

دهشت حمده. رفعت رأسها ونظرت إليه بشيء من الارتباك. قالت:

بفتح للقبل. بس لويش السؤال؟

أجاب: فتوح حكي! 1

هذا دوري فتوح حكي. فهنيئا لكنّ/ لكم جميعا هذه/هذا العروس وهذا العرس !

صفحة 5

حنّـا أبو حنّـا

1. انتقلت إليّ العدوى فعدت إلى القاموس أبحث عن" فتوح"، فوجدت أنّ" فُـتُح" تعني:" الباب الواسع المفتوح". وقد سالت ضمّة التاء على لسان حمَد والكثيرين لتصبح واوا ممدودة ليّنة رخيمة.

حنّا أبو حنّا

حيفا

صفحة 6

- 1-

في البدء وفي المنتهى .. غاليتان أرضعتا بلبان

تعايشت الفصحى والمحكيّة عبر العصور بين ظهرانَي العرب بصورة توافقيّة وتناقضيّة في آن... وظلّت لكلٍّ منهما وظيفتها، ومسارات تأثيرهما المتبادل، ولم تسخن الحدود بينهما إلا بفعل النّاطقين بهما، أو بفعلٍ خارج عنهما، بدافع منزّه حينا، وموظّف حينا.

تميّزت الفصحى، ولم تزل، بقواعدها وإرثها الحضاريّ الرَّحب، وبإسباغ القدسيّة عليها منذ نزل بها القرآن الكريم، وظلّت، رغم هذا، محصورة في مواطن ضيّقة تتّسم بالرّسميّة أو بالقدسيّة، أو بهما معا، وكان ضعفها كامنًا في لا سيرورتها، وفي ابتعادها عن الشّارع، أو على الأصحّ، في تجنّب الشّارع لها رهبةً أو عزوفا عن القيود، وفي هذا الميدان الرّحب اختالت المحكيّة، وسيلةَ تواصلٍ طيّعةً منعتقة من القيد والنّقد، غنيّة بالألحان، بعيدة عن الملاحن... لاينبري فيها أحدٌ مخطّئا أحدا، أو مُتَفَيْهِقٌ يأمرك بمعروف النّحو وينهاك عن منكر الصّرف.

ولأنّنا نحبُ الاثنتين، ونعرف أنَّ لكلّ منهما مهمّة وخاصّيّة...

ولأنّنا نريد بينهما نوعا من التّعايش والتّقارب في زمن اتّسعت فيه مساحة البعد والجفاء...

ولأنّنا لا نرى في ثنائيّة مستوى/ رواية اللّغة الواحدة معرّة أو نقيصة، ولا سببًا تلطا-1- وراءه دعواتٌ لإحلال هذه بدلا من تلك، منزّهة كانت أو غير منزّهة...

ولأنّ لغة التّواصل الطّيّعة فقست أو فقصت حولها لُغَيّات اتّسمت بكثرة الدّخيل مفردة وأسلوبا، تضاعفت المخاطر، وظلّ أهلنا يتحدّثون محكيّة مغايرة لمحكيّة النّاشئة والمتأكدمين والعاملين، حتى بات الطّالب العائد من جامعته، أو العامل العائد إلى قريته من موقع عمله في المدينة العبريّة، يحتاج هو أو جدّه إلى ترجمان بينهما، كحاجة سليمان في" مغاني الشِّعب"-2-، أو إلى تراجم خميس الرّوم في" على قدر أهل العزم"-3-، ولئلا يصبح الفتى العربيّ" غريبَ الوجه واليد واللّسان"، ولئلا تتناوشنا جحافل الرّوم فـ" نبكي كالنّساء على ملك لم نصنه كالرّجال"، رأيت أن أبحث في المشترك بين الأختين، من باب التّقريب وتضييق الفجوة، مستعينا بما هو في كلتيهما من حيث المفردات، التي ترفّعَ عنها الكَتَبَةُ لأنّها من بنات الشّوارع، مزيلا عنه هذه الوصمة، شافعا له ليعود حيّا يتغندر على الأوراق كبقيّة عرائس العربيّة، وبهذا نكون قد يسّرنا شيئا في عمليّة التّلقّي، وقرّبنا الفصيح من العامّيّ، دون أن نرتكب إثما، ولعلّنا بهذا أيضا نقرّب الفصيح إلى أطفالنا ونحن نستلّ من قاموسهم" العامّيّ" كلمات هي الفصاحة، ليفهموا المسموع والمقروء، وليتيقّنوا أنّ اللّغة التي يتحدّثون بها، ويستعملونها في شيطنتهم الملائكيّة، وفي مسارح حوارهم، ووصف ما يعتريهم من فرح أو مرض، وحتى في لثغة شتائمهم، فيها كلمات فصيحة أهمِلَت ووُئِدت، ولا جناح عليهم وعلينا في استعمالها؛ فما الذي جنته أحّ، وفَخَتَ، وهراه من الضّرب، وبرم زقمه، واشتغل الدّوا، ومزّع، وهجّ، ومفزور، ومبسوط... والعشرات من أخواتهن حتى يقبرن في الحياة؟

صفحة 7

سيكون لنا معهنّ في هذا الكتاب لقاءات، علّنا، إن شاء الإخوة الكاتبون، نبعث في أوصالهنّ دفقة حياة، فيقمن، ليكون لهنّ، مع أقلام الأطفال، بعث وحضور وحبور وحفلات ميلاد.

1- نقول في محكيّتنا: لطى فلان يلطي، أي استتر واختبأ ملتصقا بالأرض أو وراء ما يخفيه، والكلمة من أصل فصيح: لطِئَ و لطَأ لطْأً/ لطْءًا ولُطوءًا، أي لزق بالأرض، وقد تخفّف الهمزة، كدأبنا في العربيّة، ومن التّخفيف قول الشّمّاخ:

فوافقَهنّ أطلسُ عامريّ لطا بصفائحٍ متسانداتِ

2- مطلع قصيدة للمتنبّي، فيها:

ولكنّ الفتى العربيَّ فيها غريبُ الوجهِ واليدِ واللّسانِ

ملاعبُ جِنّةٍ لو سارَ فيها سليمانٌ لسار بترجمانِ

3- إشارة إلى قول المتنبّي في القصيدة:

خميسٌ بشرقِ الأرضِ والغربِ زحفُهُ وفي أذنِ الجوزاءِ منه زمازِمُ

تجمَّعَ فيه كلُّ لِسْنٍ وأمّةٍ فما يُفهِمُ الحُدّاثَ إلاّ التّراجِمُ

صفحة 8

- 2-

اِنْفَأى الدُّمَّلْ

لا نعجز، غالبا، عن إيجاد المفردات المحكيّة للتّعبير عن فكرة تراودنا، أو لوصف شيء نراه، أو شعور نحسّ به، وإن حاولنا الانتقال إلى الفصيح، نتريّث أحيانا، ونحثّ الذّاكرة، والذّاكرة خوّانة، وتنغلق الأمور في وجهنا، فيُرْتَجُ علينا، وقد يصل بنا الأمر إلى أيسر الأساليب وهو استلال ما في جعبتنا الثّريّة من كلمات عبريّات تفي بالغرض- والعجز هذا غير نابع من فقر في الفصحى، بل من فقر في المعرفة-. في مثل هذه الحالات تتفوّق المحكيّة لانسيابيّتها ولكثرة استعمالها، ولانعتاقها من القيود والضّوابط... وفي مثل هذه الحالات قد تكون الكلمة المحكيّة التي أعانتنا في التّعبير، من الفصيح الذي وأدناه، إمّا جهلا، وإمّا ترفّعا عنه، ومن هذا:

تتعرّض أجسادنا وجوارحنا للجراح، وكثيرا ما يلتهب جرحٌ وينتفخ ويُفَقْفِلُ، ويمتلئ بالصّديد أو القيح، ويصير دُمَّلا، ونشعر بالارتياح إذا ما شُقّ أو انفجر، لأنّه إشارة إلى بداية الشّفاء.

ليست هنالك أزمة مفرداتيّة في المحكيّة في وصف الحالة وطريقة العلاج، فما عليك إلاّ أن تَفْئِي الدُّمَّلَ حتى يزول الاحتقان ثمّ تنظّفه من القيح. والدّمّل هذه فصيحة، ويكتبها الفصحاء أيضا، ويدرجها العالمون بالعربيّة في ألفاظ التّفاؤل، حيث إنّ الجرح الملتهب سمّيَ دُمّلا من باب التّفاؤل باندماله أي بشفائه، وكذا القيح، فهي فصيحة، وفي معجم الفصحاء، وتتفوّق على الصّديد في أنّها واردة في المحكيّة والفصحى، ومن الحديث الشّريف أنّ الرّسول العربيّ لما تناوشته ألسنة الشّعراء المعادين للدّين الجديد، قال: " لئن يمتلئ فمُ أحدكم قيحا ويَرِيهِ( من ورى القيحُ فمَ فلان إذا أفسده وجعله يتآكل)، خيرٌ له من أن يمتلئ شعرا". وإن كنّا في محكيّتنا في الشّمال نستعمل" العمل"-1- دلالة على القيح، فإنّ أهلنا في الضّفّة الغربيّة يستعملون" المِدّة"، وهي كلمة فصيحة ممعجمة، بالميم المكسورة والدّال المشدّدة المفتوحة، وتعني الغليظ الجامد من الصّديد المتجمّع في الجرح.

بالنّسبة لـ" فأى": الكلمة فصيحة؛ نقول: فأى الشّيءَ يفئيه ويفؤوه فأيًا وفأوًا إذا شقّه، وانفأى الشّيءُ أي انشقّ وانفجر، ولسنا بحاجة إلى اللّجوء إلى فرْط التّصحيحhyper- correction من باب اعتقادنا أنّ الهمزات ظاهرة ترقيقيّة، وأنّ الفصيح في غالبيّته أصلُه القاف، فنفسّر الأمر بأنّ فأى وانفأى صورة عامّية من الفصيحتين: فقأ وانفقأ، لا حاجة لهذا في هذه الحالة، فالكلمتان بالهمز وبالقاف فصيحتان، وتظلّ فأى وانفأى العاميّتان الفصيحتان أسلس وأيسر.

أمّا فقفل الشّائعة في الحديث لا في الكتابة، والتى قد تسمع من يقلب القاف فيها همزة" فأفل"، فقد أورد فريحة في معجم الألفاظ العامّيّة " فقفق" بمعناها أو بدلا منها، مضيفا لها دلالاتٍ أخرى غيرَ بعيدة عن المراد هنا، والكلمتان فيهما دلالة الانتفاخ من جرح، وما أراه أنّ الأصل فيها هو الأثل" فق" الثّنائيّ الذي شدّد ثانيه فصار فقّ الفصيحة التي تعني الشّقّ والفتح، و" فل" الثّنائيّ أيضا، والتي تحمل معنى الشجّ والفتح والكسر، وعليه تكون الكلمة منحوتة منهما، وتُصوِّر الجرح بأنّه انتفخ حتى انشقّ هو، أو حتى سهل عليك شقُّه وإخراج ما فيه من قيح.

وحماكم الله من كلّ مكروه.

1- يُجمع أصحاب المعاجم على إيراد الكلمة بالغين" غَمِلَ":- الجرحُ غمْلا وغَمَلا: فسد. عُصِبَ بالقماش حتى فسد أو انشقّ. ومنها، على ما أرى، أخذ أهلنا"العمل" وصفا لفساد الدّم بتحوّله إلى قيح جرّاء التهابٍ أو سوءِ معالجة. تعاقُبُ العين والغين معروف في العربيّة، وله مجموعة من الألفاظ تحفظها الكتب المختصّة، ينظر مثلا: الزّجاجي، الإبدال والمعاقبة والنّظائر، ص. ص. 62- 64.

صفحة 9

- 3-

عقابيل "أ" داء التّتنيح في الدّفاع عن علم مخارج الأصوات

كنّا منذ أن سَرَتِ الموسيقا في أوصالنا، ومنذ بدأنا نتذوّق طعمَ المفردة الجميلة، وننتشي لاختيال القصيدة والأغنية، ومنذ أن أسَرَنا الصّوتُ الذي وصفناه حينا بالمخمليّ أو الملائكيّ أو الرّومانسيّ الحالم أو الجبليّ القويّ، ممزوجا ببحّة محبّبة، أو مشفوعا بمساحات من الطّبقات الموسيقيّة...، كنّا نعرف من اللّمحة الأولى لانطلاقة الصّوت، أو انسيابة اللّحن، أو اندفاقة الكلمة الثّريّة، تداعِبُ العقول أو القلوب، أو كليهما... نعرف الصّوت وصاحبه/ صاحبته، والشّاعر، ونكمل الغناء بأصواتنا الحلوة– برأي آذاننا على الأقلّ- أو النّاشزة. كان كلّ مِن هذه المقوّمات الجماليّة مدرسةً خاصّة.

كان صعبا أن نقع في" خطيئة" المزج بين أصوات أمّ كلثوم وفيروز وليلى مراد وأسمهان ونجاح سلام ونجاة الصّغيرة وفايزة أحمد...، أو في " كبيرة" عدم التّمييز بين سيّد درويش وعبد الوهّاب والأطرش وعبد الحليم حافظ ومحرّم فؤاد وكارم محمود وعبد المطّلب والصّافي وإيليا بيضا... فكلّ واحد من هؤلاء مدرسةٌ على حيالها، مَعْلَمٌ له سماته وتاريخه، والثّبور والويل لمن سها عن كاتب الكلمة وكاتب اللّحن، ولم نكن بحاجة إلاّ إلى القلب والأذن، وبهما عشقنا، كفعل بشّار بن برد، دون انتظار لشاشة أو لشريط فيديو كلابٍ أو كليبٍ لنتيقّن من يقيننا. كانت الأصوات حينها تنطلق من الحناجر، تعينها تعابير في الوجه أو في اليدين، ترفل جميعا بثوب الرّصانة والجمال والغنج والتّحليق.

وتطوّرنا! ولن أتحدّث عن الأذواق إذ لا شأن لي بأصحابها، تغيّرت الكلمة، وانزاحت الموسيقا الرّوحانيّة أمام الضّجيج والمفرقعات والدّخان، يعمي القلوب قبل العيون، والأضواء تصيبك بالدّوار… تسمع، من باب العقاب النّازل بالعرب ضربا من الاحتلال أو الهيمنة الآثمة، شيئا ما يسمّى غناءً، تتقافزُ أمامك أشكال وأصوات مستنسَخة، ولا تُعِينُك الشّاشة في شيء، وترفع أذناك الرّايةَ البيضاء.

وتغيّرتْ حتى الحقائق الفسيولوجيّة والعلميّة؛ فـ" القصيدة" صَليَةٌ من كلام متعاظل لا شيئيّ أو رخيص، واللّحن هجين لا هويّة له، والصّوت الذي عهدنا له، فسيولوجيّا، جهازا للنّطق يمتدّ من الرّئتين حتى الشّفتين والأنف، ألغِيَ، أو تغيّرت وظيفته، فصار ينطلق من التّعرّي، في الكتفين والصّرّة-1-، واندلاقة نهد أو اثنين، من عين معدّسة بالأزرق أو الأخضر، مزروع فوقها ريف متطاول من الرّموش التي لم تذبح محرّم فؤاد، ولم تعجب أبا الطّيّب المتنبّي لأنها ليست من ظبائه اللاتي ما عرفن مضغَ الكلام ولا صبغَ الحواجيب، من إطلالة فخذ عبر انفتاقة فستان، من ثوب لصيق مَوْضَعَ اللّحمَ فوق القماش، أمّا الشّفتان، فقد انتعلتا مشروع ابتسامة أجهضته عمليّات التّرقيع والتّرميم الفاضحة، والأنف ما عادت له علاقة بالأنفة لكثرة ما عملت فيه المشارط والمباضع... ولا يلغي هذا كونَ بعضهنّ جميلات فاتنات تأنّى الله في خلقهنّ فجعلهنّ حوريّات ملائكيّات كدمى الأطفال، وحولَ كلّ هذا التّطوّر، جمهرةٌ من الفِتْيان والفَتَيات من منفلتي الخصر والإزار والأزرار، يعيشون ساعات من الصِّبا والصّبوة والصّبابة، تسوقهم أو تقودهم" مذيعات" و" مذيعون" لا يختلفون عمّن أو عمّا وصفت، عاملون في بعض الشّبكات العربية(؟) التي أسمّيها شِباكًا، تفسح لهؤلاء المبدعين والمبدعات ساعاتِ بثٍّ يُبحَثُ فيها في الفنّ والإبداع، والشّعر واللّحن والأداء، وفي قزميّة فيروز أو أسمهان أو أمّ كلثوم، وفي رأي عدد من صرعات/ مصروعات العصر في بعض الأسماء اللّبنانيّة أو المصريّة، ويَرِينُ الصّمتُ، كأنّهم يستمعون إلى آيٍ من الإنجيل المقدّس أو من الذِّكر الحكيم، أو إلى نصّ أدبيّ راقٍ ... أخفي جهلي حياءً، وأستعين بمن حولي لعلّه ينقذني من تخلّفي، فعليّ أن أحفظ ولو اسما لأثبت حضاريّتي ومواكبتي للعصر والمتغيّرات، إذ لا يجوز أن يكون التَّحَتْلُنُ شعارا أرفعه وأتشدّق به!

شيءٌ ما غيرُ سويّ هنا، سأتنّح في هذه الحالة مستميحَكم عذرا، فأنا... ما زلت سويّا.

1- فصيحُها بالسّين: السّرّة. يُنظر لاحقًا.

صفحة 10

- 4-

مْتَنِّحْ ومِحْرِنْ

تنّحْتُ من قبلُ دفاعا عن علم مخارج الأصوات، وأنا أكتب عن الفنّ الرّاقي الذي تنزل به علينا بعض الفضائيّات، وفاتني أن أشير إلى أنّ ما يسمّى بصراع الأجيال( والذي كان من مواضيع الإنشاء المحبّبة على أساتذة العربيّة أيام التّلمذة الثّانويّة) قد يُستَلّ سلاحا رادعا في الردّ على أمثالي، كي لا " نتطاول" على الحداثة والانفتاح و" الحتميّة التّاريخيّة"، وخانتني الذّاكرة في إيراد مثَلَين عربيّين عتيقَين تذكرهما أمّهات المصادر وهما:" فقرٌ فادِح خيرٌ من عُرْيٍ فاضح"، و" تجوعُ الحرَّةُ ولا تأكلُ بثدييها" وإن كان هذا الأخير قيلَ في سياق آخر، فإنّه يصلح توظيفا بلاغيّا وتصويرا لحقيقة التّعرّى في سياقنا... رحم الله قائلهما وطيّب ذِكْرَه.

والتّتنيح هذه، يستعملها أهلنا في محكيّتهم للتّعبير عمّن ركب رأسه في أمر ما، وثبت عليه لا يتزحزح، وتحمل الدّلالةُ بُعدا عناديّا حِماريّا تيسيّا( من الحمار والتّيس)، فيصفون من كانت هذه وقفته بأنّه مْتَنِّحْ و مِحْرِنْ، وفعلهما تنّحْ بِتَنّحْ( يتنّح)، وحَرَنْ بِحْرِنْ( يحرِن) والفعلان متصرّفان تصرّفا تامّا، لا يعانيان من نقص في التّصريف، ولا من رائحة الفصاحة التي تحوم حولهما.

بالنّسبة للفعل الأوّل، فإننا نقف في الفصيح الممعجم من كلامنا على الكلمة نفسها بالخاء لا بالحاء: تَنَخَ أو تنَّخَ بالمكان: أقام به ولزمه( ومنها، في معظم المعجمات، سمّيت تنوخ بهذا الاسم)، وتنَخَ وتنَّخَ على الأمر وفي الأمر: ثبت عليه ولزمه. وليست تنّح المحكيّة إلا صورة من الفصيحة الواردة بالخاء، ولا أرى فيها نقيصة ولا خروجا عن أقيسة العرب في الإبدال الحرفيّ بين الصّوامت المتشابهة من حيث الجرس والمخرج، فالحاء والخاء حرفان حلقيّان مهموسان رخوان، وكثيرة هي الكلمات التي حلّت فيها الواحدة محلّ أختها، ومنها:

أورد الزّجّاجيّ في باب الحاء والخاء في كتابه: الإبدال والمعاقبة والنّظائر، ما يلي :" يقال: رحِمتُهُ ورخمته، ومرحوم ومرخوم... نضحته ونضخته( وأصل معناهما في سيل الماء، والفرق بين الكلمتين في كمّيّة تدفّقة، أو تعمّد إسالته)، قال تعالى:﴿ فيهما عينان نضّاختانِ﴾( الرّحمـٰن/ 66)... ويقال: صمَحَتْه الشّمس وصمخته، أي غيّرت لونه وأحرقته، وفاح ريح المسك يفوح، وفاخ يفوخ فيَحَانا وفيَخَانا، وفوَحَانا وفوَخَانا، ويقال: مخّ ومحّ( بمعني الخالص الصّافي من الأشياء)، ولحم ولخم، وشحم وشخم، ومطرٌ سَحٌّ وسخٌّ : كثير الماء... وتخوّفت الشّيءَ وتحوّفته: أي شققته...".

وأورد ابن جنّي في باب حرف الحاء في الجزء الأوّل من كتابه: سرّ صناعة الإعراب، أنّ الإبدال من باب الشّذوذ، وأورد كلمتين: منفوح ومنفوخ، والسِّنْح والسِّنْخ( الأصل). ويُعرف عن ابن جنّي ميلُه إلى جعل هذه الكلمات/ الأثول المتناولة من باب التّعاقب بين الأحرف، وإلى تلك التي تعرّضت للقلب المكانيّ metathesis نحو جذب وجبذ- وهما بمعنى- وأيس ويئس- وهما بمعنى- وأشباهها، أصولا مختلفة جذرا وإن التقت معنى.

أمّا الأب رفائيل نخلة اليسوعيّ فقد أورد في الفصل الأوّل من كتابه: غرائب اللّغة العربيّة، المترادفات التي تتّفق معنى مع الاختلاف في حرف من أحرفها، يقول في باب الحاء والخاء: حشارة الناس وخشارتهم( رعاعهم)، مَذَحٌ ومذخٌ( عسل زهر الرّمّان البرّيّ)... دحم بالعصا ودخم( دفع)، رضحَ النّوى ورضخَهُ( كسره)، تزنّح وتزنّخَ( تكبّر)، فحّ وفخّ( شخر)... امتحط السيفَ وامتخطه( استلّه)... وذكر عددا من كلمات أخَر.