صفحة 1
مقدمة المترجم
تمثلت هذه الرواية في شخصية «الليوتنان فريدريك» الشاب الأمريكي، الذي يعمل في مجال الإسعاف والإنقاذ، والذي لم ينج من ويلات الحرب، مع أن مهمته كانت واضحة.
دارت أحداث الرواية في إيطاليا، وتناولها الكاتب أسلوب السرد المباشر، حيث يروي البطل (فريدريك) الأحداث الدائرة في حواريات مطولة بينه وبين الشخوص التي شاركته الأحداث، والشخصية الأهم في حياته هي الممرضة كاترين، التي صحبته إلى النهاية المأساوية، مع أنها فارقته في أحداث خطيرة وجسيمة.
ومع أن مهمته كانت إنسانية مدنية، إلا أنه أصيب وأشرف على الهلاك، ولكن إصابته هذه كانت سبباً في توطيد علاقته بكاترين، فهامَ بها واشتعلت في نفسه رغبة مضطرمة في الزواج بها، لقد اعتنت به عناية شديدة في المستشفى الأمريكي الذي أنشأته دولته عندما دخلت الحرب، منذ دخول المستشفى مروراً بالعملية الجراحية ثم مرحلة التماثل للشفاء وعملية التأهيل، إلى أن غادر المستشفى ليلحق بمهمته الإنسانية، لكن أين الإنسانية؟ فهذه الحرب ليست إنسانية، إنها حرب وحشية، كان قائداً لمجموعة قضي عليها قضاءً مبرماً، ومرة أخرى يفلت من الموت المحدق به، ويلقي نفسه في النهر لينجو من أيدي ضباط يقتلون عشوائياً ولا يرحمون، وينجو بعد مغامرة عنيفة وصراع من أجل الحياة، ومرة أخرى يعود إلى الحياة التي يتوق لها مودعاً هذه المرة السلاح والحياة العسكرية مهما كلفه ذلك من ثمن، لقد تمرد على هذه الحياة البائسة، إنها مليئة بالأخطار، تمرد على الحرب وعلى سلاحها بحثاً عن الأمن، كما هو شأن كل إنسان ناء بويلات الحرب، إنه يمثل كل من وقع تحت وطأتها ومرة أخرى يعود إلى كاترين، في رغبة أكيدة في العيش معها، لقد التقى بها، لكن الحرب ما زالت تلاحقه، وهو الآن مطلوب لأنه ودّع الحرب وودّع سلاحها، فما الحل؟ لم يكن أمامه إلا الهروب إلى سويسرا حيث المكان الذي ينشده، لقد هرب برفقة كاترين بمساعدة موظف البار الذي كان نزيلاً فيه، هرب في زورق عبر النهر حتى وصل سويسرا وهناك فتحت الحياة له ذراعيها؛ فقد استقبله أهلها بحفاوة، وعاش بينهم في أمان، في انتظار قدوم المولود الجديد ليكوِّن أسرة سعيدة.
وحانت ساعة الميلاد والمخاض، فرح فريدريك، لكن هذه الفرحة لم تكتمل فقد دخلت كاترين في مخاض عسير، واضطر الطبيب إلى شق بطنها وإخراج الطفل ميتاً لتصاب كاترين بعد ذلك بنزيف داخلي تموت على إثره، في مشهد مأساوي حزين.
اهتم الكاتب في هذه الرواية بأدق التفاصيل، وأسهب في مشاهد حياة بطله الأميركي، وأدخل مظاهر الحياة والطبيعة، فكانت تتفاعل في الرواية وتتحرك؛ فأنت تحس بحركتها حين يفصل الحديث عنها، وبث معرفته في الطبيعة والجغرافيا في روايته.
أشار الكاتب في هذه الرواية إلى أن الحكومات كانت تجر الرجال إلى الحرب، تاركين أعمالهم، وبيوتهم، ووظائفهم، ومزارعهم للقتال، فكان ذلك سبباً في سقوط الكثير من الضحايا والقتلى، في خوف من انتشار الأوبئة الفتاكة نتيجة هذه الحرب، فكان بقدر حجم المأساة، في الوقت الذي لم تقدِّر فيه هذه الحكومات حجمها، والكارثة أنه لا مجال لرفض القتال؛ لأن مصير من يرفضها القتل؛ حيث يعتبر هذا عصياناً لأوامر الدولة، وفراراً من أداء الواجب تجاه الوطن.
لقد انتظر الكاتب من هذه الحكومات أن تُعمل فكرها فيما تقوم به، وتستنتج أن المواطن ثروة عظيمة، ولكن أين يكون نفع هذه الثروة، أهو في الحرب أم في السلم؟ إلا أن هذا الاستنتاج جاء بطيئاً جداً، إن لم تكن قد توصلت إليه أصلاً، وهذا ما نلحظه في بعض الشخوص، التي كانت تمثل الفئة الرافضة للحرب مع تخوفها من القتل نتيجة رأيها هذا.
إن النفس البشرية تميل إلى الراحة والدعة، والحرب ضد هذا الميل، فالجندي يحمل السلاح، بل هو مدجج بالأسلحة، يعاني شح الطعام، وقلة النوم، وبرد الشتاء وحر الصيف، يسمع صوت السلاح ودوي الانفجارات وأزيز الطائرات، ويشتم رائحة البارود، ويضطر إلى مثل هذه الحياة سنين عديدة، فإن لم يمت بالسلاح قتلاً، مات في اليوم ألف مرة. لا علاقة لهذه الفكرة بالشجاعة والجبن، فالموت لا يفرق بينهما.
لقد عاش آرنست همنغواي في نفس الإنسان الجندي المحارب، وعرف وقع الحرب في نفسه، إن الإنسان يمل من رتابة الحياة المدنية المستقرة الهانئة، فكيف به لا يمل رتابة الحياة العسكرية المرعبة في الحرب، فجسّد هذه الفكرة في بطل قصته الذي ملّ رتابة الحياة العسكرية في الحرب، لقد أشرف على الهلاك مرتين، فتاقَ إلى حياة الهدوء والدعة، وكان فراره من الخدمة العسكرية إعلاناً للتمرد والعصيان، فإن وُجد في الشعوب المتناحرة الآلاف بل الملايين ممن يصرخون في وجوه المتعطشين للدماء، فلن يستطيعوا حينها أن يعدموا هذه الأعداد الهائلة، وستقف الحرب، فالإنسان هو المحرك الأصلي لها، عند ذلك سينال الإنسان الحياة المستقرة الهادئة الهانئة، ولن يضطر شاب مثل فريدريك للهروب من الخدمة العسكرية ويصبح مطارداً مطلوباً خائفاً حائراً، لا يعرف ما يفعل.
هو يريد تمرداً جماعياً، عصياناً جماعياً، ووداعاً جماعياً هذا السلاح الفتاك الذي لا يرحم.
صفحة 2
1
في أواخر الصيف من ذلك العام، كنا نقيم في إحدى القرى القائمة على التلال المطلة عبر النهر، والسهل الذي يليه، نحو الجبال.
وفي قاع النهر من ناحية الضفة، كان الحصى براقاً لامعاً .. والمياه تنساب سريعة متدفقة، تبدو للعين وهي تتماوج في شعاب الأرض الخضراء، زرقاء بلون السماء.
كانت فرق الجنود تمر تباعاً على مقربة من البيت، منحدرة نحو نهاية الطريق، وكان الغبار الذي تثيره وهي تضرب الأرض بأقدامها المتلاحقة، يعفر أوراق الشجر.. بل وجذوعها القاتمة الألوان.
أما السهل فقد كان وافر المحصول، غنياً بغراسه ومزروعاته: فهناك العديد من بساتين الفاكهة وحدائق الأزهار الموسمية، وعند أطراف السهل كان الجبل العملاق ينتصب أجرد قاحلاً، وعلى سفوحه الصخرية القاتمة كانت معارك ضارية تدور رحاها، ويحتدم القتال ليل نهار.
في الليل، كنا نستيقظ على صوت المتفجرات ودوي القنابل، ونتأمل لهيب المدافع. وكم من ليلة قضيناها ونحن نراقب زحف الفرق، وهي تمر من تحت نوافذ البيت. وأمامها المدافع الضخمة تسحبها الآلات الجرارة.
كانت الحركة دائماً في أثناء الليل. وصناديق الذخيرة تتدفق على ظهور البغال، وشاحنات رمادية اللون تقل الجنود، وأخريات منها ناءت بحمل العتاد، تسير بطيئة في الطريق المزدحم.
* * *
في الخريف، عندما نزل المطر، تساقطت أوراق الكستناء في الغابة الشمالية، وبدت الأغصان عارية والجذوع قاتمة الألوان، وكذلك تجردت شجيرات الكرمة المنتشرة في كل مكان هي الأخرى من كل مظاهر الخضرة. وبدا الريف في سائر جنباته على هذه الصورة العابسة: فالهواء رطب، والطبيعة ساكنة، والكون واجم.
الضباب منتشر فوق صفحة النهر، وفي أعالي الجبال قطع الغيوم متزاحمة متلاحمة. وعبر الطريق المارة بالقرية، يتوالى رتل الشاحنات، قاذفة رشاش المياه الموحلة في كل جانب. والجنود في زحفهم المتواصل، ثيابهم ملطخة، ورؤوسهم مبللة وعلى صدر كل منهم برزت حافظتا الخرطوش الجلديتان، حتى بدا كل جندي زود بهما كأنه امرأة حبلى في شهرها السادس.
بينما سيارة «جيب» رمادية اللون، تنهب الأرض فترة بعد فترة. وقد جلس في داخلها على جوار السائق أحد كبار الضباط، وخلفه ضباطه المرافقون.
كانت هذه السيارات الصغيرة، تقذف برشاش المياه الموحلة أكثر من غيرها، وكنا نعرف حين تمر إحداها بسرعة فائقة، أنها تقل الملك الذي خرج من مقره في «الأودين»، ليطلع بنفسه على واقع الأحداث، التي كانت تسير من سيء إلى أسوأ.
وفي مطلع الشتاء هطل مطر غزير، وحملت مع المياه المنسابة في زحفها جراثيم الكوليرا. فأرعبت النفوس وأقضت المضاجع، ولكنهم استطاعوا القضاء عليها، بعد أن أزهقت أرواح سبعة آلاف من الجنود فقط ! كانوا جميعاً في فرحة الشباب ونضرة الصبا.
صفحة 3
2
في السنة التالية تبدلت الحال، لقد أحرز جنودنا انتصارات قيمة، واستطاعوا الاستيلاء على الجبل المحاذي للنهر وجوانب التلال القريبة، حيث تنمو غابة السنديان. وفي آب من السنة ذاتها عبرنا النهر، وانتقلنا إلى بيت جديد في كوريزيا، في حديقته المسورة نافورة ماء متحركة، وسط أشجار وارفة الظلال.
والآن انتقل القتال إلى سفوح الجبال المجاورة، على مسافة ميل تقريباً، وكانت المدينة التي اتخذناها مقراً تبدو جميلة وادعة، وكذلك البيت الذي سكناه، كان مريحاً جداً، تنساب خلفه أمواج نهر متعرج، وتحيطه من الجهة الأخرى عرائش الكروم ذات الألوان الزمردية المفرحة.
والظاهر أن جنودنا، نجحوا في انتزاع المدينة من أيدي العدو دون أن يكلفوا أبناءها خسائر فادحة في ممتلكاتهم، ولعل أعداءنا النمساويين قد غادروها، وفي نفوسهم أمل العودة إليها ذات يوم، بعد انتهاء الحرب، لذلك أشفقوا على عمرانها من أن تلتهمه النيران وعلى أبنائها من أن تتخطفهم شظايا القنابل.
في داخل المدينة، كان الناس يتابعون حياتهم المعتادة وقد استأنفت المستشفيات والمقاهي والمطاعم نشاطها المعهود، حتى بطاريات المدافع، على جوانب الطرق كانت هي أيضاً على استعداد للعمل.
وفي ناحية من المدينة بيتان للدعارة أحدهما للجند، والآخر خاص بالضباط .. كان كل منهما دائم الحركة.
وفي مطلع الخريف، عادت الليالي الباردة، وكان القتال لا يزال يجري في شعاب الجبال، وراء المدينة. أما الجسر الحديدي فقد تلوى بشظايا القنابل .. غير أن وجود فتيات جميلات كان يخفف من حدة هذه العوامل القاسية. وقد صار بمقدورنا أن نشاهد الملك حين يمر بسيارته، بجسده النحيل الطويل، ولحيته البيضاء.
هذه المظاهر والعوامل بالإضافة إلى ما أصاب المنازل، وتراكم الطين والحجارة في الحدائق والشوارع العامة، قد جعل من خريف هذا العام فصلاً مخالفاً لمثيله في العام المنصرم .. يوم كنا في الريف، حتى الفصول في سنين الحرب تتغير .. والحرب نفسها تتغير وسائلها كذلك.
* * *
في الصيف، يوم حللنا المدينة، كانت أشجار غابة السنديان المنتشرة على سفح الجبل، خضراء مورقة، وكانت ندية زاهية، وتنتشي لتهاديها النفس، وتغفو العين بالنسائم العليلة التي تسري بين أرواقها، وها هي الآن .. بقايا جذوع، وحطام أغصان وجذور يابسة، منبوشة محترقة.
والأرض التي كانت لأسابيع خلت أماً لنبتات برية حية تضحك مع إشراقة الطبيعة، وتسبح في جمال الحياة الخيِّرة. أتيتها فإذا بها منبوشة محترقة، فيا لهول ما حل بها ! لقد تسربلت بالسواد سواء منها أديمها الأخضر، وأغصانها الغضة الطرية.
ونظرت إلى الأفق، فإذا سحابة تسير مسرعة باتجاهي نحو قمم الجبال والشمس تأخذ بالاصفرار تدريجياً، تريد الغروب .. وبعد ثوان أصبح كل شيء رمادياً باهتاً، واحتجبت السماء عن ناظري، وفجأة انتشر الضباب وعزلني عن كل شيء، فلم أشعر إلا بالثلج يتساقط عليّ.
انهمر الثلج بالرغم من الريح، واكتست الأرض العارية بثوب الشتاء الناصع البياض، وبرزت جراميز الأشجار. كان الثلج يغمر كل شيء، حتى هياكل المدافع الضخمة، وكانت الأثلام الطويلة في بساط الثلج الأبيض، أكثر ما يلفت النظر فيها ذهابها خلف خنادق الجنود !
شاهدت تساقط الثلوج مرة أخرى، في غير هذا المكان، في قلب المدينة. كنت أجلس مع ضابط من أصدقائي، أطل من نافذة بيت الدعارة، وفجأة غمر الثلج كل شيء وأدركت أنا وصديقي الضابط أن كل شيء قد انتهى بالنسبة إلى السنة الحالية، وأن الحرب ستهدأ قليلاً.
صفحة 4
وبينما نحن ساهمان في تأمل ما تفرضه حبات الثلج الصغيرة هذه على الإنسان سيد المخلوقات، إذ أبصر صديقي الضابط كاهن فرقتنا يخطو فوق الثلج، وئيداً متيقظاً. فأراد أن يلفت انتباهه لوجودنا هنا، في هذا المكان بالذات، فمدّ عنقه خارج النافذة، حتى لمحه القس واتجه بعينيه نحونا وابتسم. فأشار إليه صديقي أن يدخل ويشاركنا ما نحن فيه، ولكنه هز رأسه وتابع مسيره.
وفي المساء ذاته، بعد تناول وجبة «المعكرونة» المعتادة، التي كان كل منا يلتهمها بشهية، شرع القائد في دعاباته الساخرة، مصوباً سهام لسانه إلى القس الطيب القلب.
كان القس شاباً، شديد الحياء، وكان يرتدي بزة عسكرية، كلباسنا نحن رجال الفرقة الطبية، يزينها فوق جيب سترته اليسرى صليب من المخمل الأحمر القاني.
طفق القائد يتحدث برصانة إيطالية، الأمر الذي جعلني أرتاب في صحة ما أفهمه من حديثه، في حين كنت حريصاً جداً على فهم كل شيء، وعلى أن لا تفوتني كلمة واحدة.
قال القائد ناظراً إليّ وإلى القس: إن كاهن اليوم صديق للفتيات، فابتسم القس وعلت الحمرة وجهه ثم هزّ رأسه علامة للرضا. كان القائد كثيراً ما يداعبه بمثل هذه اللذعات .. وأردف:
- أليس كذلك؟ ثم أشاح بوجهه عنه، وغمز بعينه وأردف من جديد:
- لقد رأيته اليوم بصحبة سرب من الفاتنات.
صاح الكاهن سريعاً: لا، بينما بدا السرور على وجوه الضباط الحاضرين.
- أتقول لا؟ كاهن بلا فتيات ! الكاهن أبداً لا يكون بلا فتيات.
ثم راح يشرح وجهة نظره هذه إليّ، محملقاً في وجهي، دون أن تغفل عينه عن مراقبة القس.
- كل ليلة لا بد أن يكون كاهن مقابل خمس نساء.
وما أتم عبارته هذه حتى انفجر جميع من في القاعة ضاحكين.
- هل فهمتم؟ كاهن واحد مقابل خمس. ثم أومأ برأسه وقهقه مسروراً.
وهنا تدخّل «الماجور» في الحوار، مؤيداً موقف القائد.
- إن قداسة البابا يميل إلى أن يربح النمساويون الحرب .. لأنه يحب الإمبراطور فرنسوا جوزيف .. وهذا بالضبط سر النقود الكثيرة بين أيديهم. أنا رجل صريح .. ولا أعترف بالدين ولا برجاله.
علق النقيب: يظهر أنك قرأت «الخنزير الأسود». ثم تابع:
- إن لم تكن قد قرأته فسأهديك نسخة منه. لقد كان مضمونه أقوى ما هز إيماني بالدين وعقيدتي بـ .. فقاطعه القس غاضباً: إنه كتاب قذر شائن. إنك لا تحبه من صميم قلبك.
- بلى ! إنه قيِّم جداً، يكفي أنه ينبئك بحقيقة الكهنة ولا شك في أنك ستعجب به وتقر بآرائه.
وجه النقيب عبارته الأخيرة إليّ، بينما نظرت أنا في وجه القس وابتسمت فردّ عليّ بابتسامة مماثلة، لمحتها على ضوء القنديل الخافت ثم أتبعها بقوله:
- لا تقرأه، إنه كتاب قذر !
ولكن النقيب أردف:
- سأجلبه لك على كل حال.
فعلق الملازم بصوت جهير: كل رجال الفكر من الناس ملحدون.
صفحة 5
وفي هذه اللحظة، دخل الغرفة أحد المجندين فاستطعت عند انفتاح الباب أن أرى استمرار سقوط الثلج بغزارة، فاغتنمت الفرصة، محاولاً أن أغيِّر مجرى الحديث:
- لن تكون هناك هجمات هذه الأيام، فالثلوج تتراكم في كل مكان.
- طبيعي، بإمكانك انتهاز الوقت والذهاب في مأذونيتك السنوية، اذهب إلى روما، أو نابولي، أو صقلية.
فقاطعه النقيب: عليك أيضاً أن تزور أمالفي، وسأحملك بطاقة توصية لعائلتي هناك، حيث ستجد عندهم ما تلذ له عينك ويطربك تماماً كأحد أبنائهم.
- عليك أن تزور بالرمو.
- ينبغي أيضاً أن تذهب إلى كابري.
قال الكاهن: أريدك أن ترى أبروزي وتزور عائلتي فيها. ولكن اللفتنانت أسرع في الرد عليه: أراه يتحدث عن أبروزي، إنها أكثر ثلوجاً من هنا هذه الأيام. إنك لست قلقاً بشأن مشاهدة القرى والقرويين. اذهب إلى مراكز الثقافة، وإلى المدن الكبرى.
قال اللفتنانت: لا، الأفضل بالنسبة إليه أن يتبع الفاتنات ... سأعطيك عناوين أماكنهن في نابولي، إنهن صبايا رائعات، وبصحبة أمهاتهن أيضاً.
ونظر إلى الكاهن ثم أردف صائحاً: كل ليلة خمسة كهنة مقابل فتاة واحدة!
وانفجر الجميع ضاحكين، بينما تابع اللفتنانت:
- ابدأ مأذونيتك حالاً.
- ليتني أستطيع مرافقتك لأطلعك على ما أعرف من أسرار. فقال النقيب:
- عندما تعود أجلب لنا «فونوغرافا».
- وأسطوانات أوبرا رائعة.
- وكاروسو.
- لا، لا نريده، إنه يزعق.
- ألا تتمنى أن لو كان باستطاعتك أن تزعق مثله.
وهنا قطع الكاهن على المحمسين في طلب الهدايا فرحة إبداء رغباتهم بقوله:
- أنصحك بالذهاب لأبروزي.. فهناك صيد كثير وأناس طيبون، إنك ستحبهم، وتلقى منهم عطفاً وكرماً.. وبالرغم من أنها منطقة باردة، إلا أن السماء هناك صافية دائماً، والهواء ليس رطباً، وبالطبع ستحل ضيفاً على عائلتي .. وتتعرف إلى والدي الصياد الشهير. وكان الكابتن أراد أن يختم الجلسة بلذعة أخرى من لذعاته فلم يكد القس ينهي عبارته حتى بادرني قائلاً:
هيا بنا، إلى صبايا الحانة، قبل أن تغلق الأبواب، فودعت الكاهن ونهضت.
صفحة 6
3
عندما عدت إلى الجبهة بعد انقضاء فترة المأذونية، كنا لا نزال نقيم في كوريزيا، البلدة الوادعة.
وفي طريقي إليها لاحظت أن عدداً من المدافع، قد نُشِرَ في نقاط متقاربة وفي شتى الاتجاهات.
كان الربيع قد ولى جزؤه الأصغر، فاخضرت الحقول، وتفتحت البراعم في أكثر الأغصان، وفي شجيرات الكرمة انتشرت الأوراق الزمردية الخضراء واكتست الأشجار العارية على امتداد الطريق بحلة سندسية، ونسيم البحر العليل يعبث بأوراقها ويداعبها في كل الأمسيات.
عند وصولي إلى البلدة، سرعان ما لاحظت أن عدد بطاريات المدافع المنتشرة في أنحائها قد ازداد. وأن مستشفيات حديثة قد أنشئت، وأن كثيراً من البيوت قد دمرتها القنابل مؤخراً.
كذلك التقيت بعدد من الجنود البريطانيين وبعض النسوة البريطانيات. كان الطقس دافئاً - شأنه في أيام الربيع - وكنت أسير في شارع مستقيم، تتهادى على جانبيه أشجار الظلال المنعشة، وفي نهاية الشارع بدا أمامي البيت الذي نسكنه: كان لا يزال على حاله حين غادرته.
وكان باب الحديقة مفتوحاً، وعلى مقربة منه في الخارج جلس جندي فوق مقعد خشبي، وسيارة إسعاف ضخمة وقفت في الجهة المقابلة. وما إن وضعت قدمي عند مدخل البناية حتى عبقت في أنفي رائحة المستشفى.
نظرت من ثقب باب الغرفة الكبيرة، فرأيت اللفتنانت جالساً إلى مكتبه، وكانت النافذة مفتوحة وأشعة الشمس تسطع في الغرفة، أما هو فلم يشعر بوجودي، وتملكتني حيرة شديدة:
هل أدخل وأقدم تقريري؟ أم أصعد إلى الطابق العلوي أولاً، حيث أرتب هندامي وأتهيأ لمقابلته، وأخيراً قررت الصعود.
كانت غرفتي التي يشاركني فيها الليوتنان «رونالدي» تطل على القاعة الرئيسة، ومن خلال نافذتها المفتوحة استطعت أن أرى سريري منسقاً، تغطيه أغطية نظيفة، ومن الجدار المحاذي له تدلت حوائجي الأخرى، وعند أسفل السرير، وُضعت حقيبتي الجلدية الكبيرة، وإلى جانبها حذائي الشتوي.
كان الليوتنان «رونالدي» مستلقياً على السرير الآخر، وحالما سمع خطواتي عند مدخل الغرفة نهض واعتدل فوق سريره:
- مرحباً: كيف كانت أيامك؟
- ممتعة تماماً.
ومد يده إليّ، فصافحته بحرارة، ولكنه ضمني إلى صدره في عناق طويل واضعاً يده حول عنقي، متبعاً ذلك بقبلة حارة ثم قال:
- يظهر أن جسدك قد اتسخ كثيراً، ينبغي أن تستحم الآن. أين كانت رحلتك؟ ماذا فعلت؟ أخبرني بكل شيء حالاً !
- زرت كل مكان .. ميلانو، وفلورنس، وروما، ونابولي، وفيلا سان كوفاني، ومسينا، وتورمنبا.
- أراك تتكلم كما لو كان أمامك جدول أسماء.
- هل قمت بأي مغامرة مدهشة؟
- نعم.
- أين كان ذلك ؟
- في ميلانو، وفرنزي، وروما، ونابولي.
- كفى ! أيها كانت الأروع في نظرك؟
- تلك التي في ميلانو.
صفحة 7
- هل هي كذلك لأنها الأولى؟ أين قابلتها؟ في البار؟ أين ذهبتما؟ كيف كان شعورك؟ وبِمَ أحسست؟ أخبرني بكل شيء؟ كل شيء ! حالاً ! هل استمررتما طول الليل؟
- نعم..
- على كل حال، أصبح هذا لا أهمية له.. فعندنا اليوم فتيات جميلات، فتيات حديثات العهد، لم تعرف الجبهة مثيلات لهن من قبل.
- حسناً..
- ألا تصدقني؟! سنذهب معاً هذا المساء، وسأريك بأم عينك .. وفي البلدة أيضاً سرب من البريطانيات الحسان .. ولا أكتمك، إني اليوم في حب جارف مع إحداهن الآنسة باركلي .. وسأصطحبك لزيارتها، من المحتمل أن أتزوجها.
- حسناً، ولا بد لي من الاستحمام أولاً ثم تقديم التقرير. من في الخدمة الآن، من رجال الفرقة؟
- منذ غادرتنا وليس عندنا عمل نقوم به .. إلا بعض حالات مرض اليرقان والتهاب الرئة. كما أني سمعتهم يتحدثون عن هجوم جديد في الأسبوع القادم. هل تعتقد أن من الصواب زواجي بالآنسة باركلي؟ بعد الحرب طبعاً.
فقلت: طبعاً ..، وسكبت الدلو المملوء ماء.
- هذه الليلة ستخبرني كل شيء ! والآن سأعود إلى النوم كي أستيقظ نشيطاً نضراً استعداداً للقاء الآنسة باركلي.
نزعت معطفي وقميصي واستحممت بالماء البارد. وبينما أنا منهمك بتدليك جسدي، رحت أجيل النظر في الغرفة من حولي: في الأمتعة المختلفة، وفي رنالدي وهو نائم مطمئناً وعيناه مغمضتان، وشعره أشعث مبعثر: كان وسيم الطلعة، له نفس عمري. وقد قدم من أمالفي، ورغب في أن يعمل عملي نفسه ممرضاً في الجيش، وسرعان ما نشأت بيننا صداقة متينة. وفيما كنت أتأمل وجهه الهادئ فتح عينيه وسألني:
- هل معك نقود؟
- نعم !
- أقرضني خمسين ليراً فقط.
جففت يدي، وأخرجت حافظة نقودي من داخل معطفي المعلق على الجدار وألقيتها إليه. تناول رنالدي الدراهم، دون أن ينهض من سريره، ثم دسّها في جيب سرواله، وابتسم قائلاً:
- إنك صديقي الأعز الأطيب .. وكذلك فأنت ملجأي عند ضيقي المادي.
- ليأخذك الشيطان إلى الجحيم، أيها الأبله !
* * *
في أمسية ذلك اليوم، في أثناء الطعام، جلست إلى جوار القس وكانت علامات اليأس بادية على محياه، وعندما علم بأنني لم أذهب إلى أبروزي تأثر كثيراً وظهر عليه الأسى.
كان قد كتب إلى والده ينبئه بقدومي، واستعد القوم لاستقبالي وقد بادلته الشعور بالمرارة التي انتابته، بالإضافة إلى أنني لم أستطع تبيان السبب الجلي الذي من أجله لم ألبِّ دعوته البريئة. فتذرعت بالقول: إنني كنت راغباً في الذهاب إلى هناك، غير أن ملابسات الحوادث التي واجهتني، واختلال البرنامج الذي وضعته لأيام عطلتي وحدوث ما لم أكن أتوقعه، كل ذلك جعلني عاجزاً عن تلبية دعوته، وأخيراً ظهر عليه أنه اقتنع بمزاعمي، وقد تم كل شيء على الشكل الذي أردته في أثناء دفاعي المختلق، كنت أسرف في احتساء الشراب، ومع ذلك فقد أوضحت له وأنا مخمور وجهة نظري في أن كثيراً من الأشياء التي تنوي تنفيذها، لا تتم وقد لا تتم أبداً.
وبينما كنا في هذا الحديث، كان الحاضرون في جدل آخر. والحقيقة أني كنت راغباً في زيارة أبروزي، ولكني لم أذهب إلى أي من الأماكن التي اشتد فيها البرد وتجمد الماء، ولا سيما مناطق الريف حيث الأرض يكسوها الثلج، وحيث الفلاحون السذج يخلعون قبعاتهم عند رؤيتك ويدعونك بلقب اللورد، وحيث يوجد الصيد الكثير.
لم أذهب إلى أي من تلك الأماكن، ولكني ولّيت وجهي شطر المقاهي حيث تعقد سحب الدخان، وشطر الليالي الصاخبة، وشطر الغرف الدافئة، هناك حيث تذوب في وسط الدوامة، ويدور بك رأسك، ويزيغ بصرك، وتشعر بأن كل شيء حولك يطن ويدوي، وتتحسس الجدار، تريد أن تتكئ بجسدك عليه، وتريد أن يهدأ روعك.
صفحة 8
هناك، شطر ليالي السرير الوثير، والنبيذ المعتق، وحيث يُدرك المرء أن كل ما يتمناه ويحلم به، طوع بنانه، وفي مقدوره.
هناك حيث تفاجأ بمشاهد، حيث ترى في الصباح وأنت تفتح عينيك، جسداً غريباً إلى جانبك، قد نسيت ليلته معك، وتحس في ظلام الغرفة بأن الدنيا كلها زائفة، وبأنها كذلك مثيرة، وأنه ينبغي عليك التظاهر بعدم الاكتراث بكل ما حدث، وتجاهل متع كل الساعات الفائتة.
وتمضي عليك دقائق مزعجة، وعلى حين غرة، تجد نفسك منقاداً إلى الاهتمام من جديد، فاللهفة إلى التمدن ثانية والإغفاءة أيضاً، ومن ثم إلى يقظة أخرى إلى تأمل عميق بكل ما حدث، إلى مواجهة كل شيء على حقيقته، مهما كان صريحاً.. مؤلماً .. حاداً. وأحياناً إلى خوض مساومة عنيفة حول الثمن.
وفي رغبة وشوق، تنطلق إلى الخارج، وإلى هواء الحرية النقي، وفي نفسك طمأنينة، وفي جسدك نشوة، وكذلك قناعة بأن كأسك قد فرغت، وأن حظك قد استوفي، ولكنك سرعان ما تعيد الكرّة.. ليلة أخرى، وفراش آخر، وكأس مترعة.
واستطردت في حديثي، محاولاً أن أبلغ القمة في رسم لوحة الليالي الزاهية، جاهداً في أن أدعم رأيي بأفضلية الليل على النهار وفي سحره وطمأنينته، ولم أكن في كل ما مضى من حياتي، قد فشلت في إثبات ذلك كما فشلت الآن، بعد هذه المقدمات المسهبة.
ولكني قلت لجليسي: لو اتفق لك أن عشت تلك الليالي التي عشتها، ولو مرةً واحدة لاقتنعت فوراً بوجهة نظري.
وعلى كل حال فإن جليسي الكاهن لم يستشعر التعقل والحكمة في كل ما ذهبت إليه، إنما استطعت أن أتبين من تقاسيم وجهه، أنه أدرك صدق نيتي في زيارة أبروزي .. وأنه بالرغم من فشلي في الذهاب.. ما زلنا صديقين نلتقي في كثير من الآراء، رغم ما بيننا من فروق. كان يعرف الكثير مما لا أعرف ولو عرفته لكنت على استعداد دائماً لنسيانه.
وعندما انتهيت من حديثي، كان وقت الطعام قد مضى، ولكن الآخرين ما زالوا في جدالهم الصاخب، وفجأة نظر الكابتن نحونا وصاح:
- الكاهن ليس مسروراً .. الكاهن لن يكون مسروراً بلا فتيات !
- لا إنني مسرور.
قال الكابتن: إنك لا تقول الحقيقة .. إنك تود لو يربح النمساويون الحرب، ثم صمت، وحذا حذوه جميع الحاضرين منتظرين صدى الاتهام في نفس الكاهن.
ولكن الكاهن اكتفى بهز رأسه قائلاً:
- لا، إذا كان هناك قتال، فأنا أعتقد أنه من واجبنا الهجوم
- واجبنا ! إذاً سوف نهاجم.
فأطرق الكاهن، عندها قال اللفتنانت:
- دع القس وشأنه .. كل شيء يسير على ما يرام.
فوافق القائد على كلامه وأردف:
- ليس بمقدوره عمل شيء ما.
ونهض الجميع .. وغادرنا غرفة الطعام.
صفحة 9
4
استيقظت هذا الصباح على صوت المدافع يدوي في الحديقة القريبة. كانت الشمس مرسلة أشعتها الدافئة عبر النوافذ، فنهضت من سريري واتكأت على حديد الفتحة المقابلة ناظراً إلى الخارج. كانت الأرض المفروشة بالحصى مبللة، والعشب على جوانبها رطباً ترصعه قطرات الندى، وفجأة دوى انفجار قنبلة، ثم تبعها انفجار قنبلة أخرى واندفع عبر الفتحة هواء ساخن كالعاصفة العاتية، هز حديد النافذة، واختلج في أطراف قميصي. لم أستطع رؤية المدافع، ولكن كان من الواضح أنها تقذف نيرانها من فوقنا مباشرة ولم يكن لنا عزاء إلا أنها ليست من النوع الكبير، الكبير جداً !
وبينما كنت أسرح نظري في الحديقة، سمعت سيارة شحن تهدر فوق الطريق، فارتديت ملابسي وهرولت هابطاً السلم، فتناولت فنجان قهوة من على منضدة في المطبخ وخرجت قاصداً مستودع السيارات.
تحت سقيفة المستودع اصطفت عشر سيارات، جنباً إلى جنب مكدسة بالأحمال حتى أعلاها، بينما وقفت تجاهها سيارة إسعاف رمادية اللون، مصنوعة على شكل عربات الحمولة المتحركة، وفي وسط الساحة كان العمال الفنيون منهمكين في إصلاح سيارة إسعاف ثانية أما السيارات الثلاث الأخرى فكانت في مراكز الحرس عند منعطفات الجبال. وخطر لي أن أستوضح الأمر من أحد العمال، فسألته:
- هل اتفق لهم أن رموا تلك البطارية بقنابلهم؟
- لا يا حضرة الليوتنان .. إنها منيعة، تحميها تلك التلة الصغيرة التي أمامها.
- وكيف تسير الأمور الآن؟
- ليست رديئة جداً، هذه السيارة ليست على ما يرام، ولكن بوسع السيارات الأخرى أن تتحرك، ثم توقف عن العمل والتفت إليّ:
هل كنت في مأذونيتك؟
- نعم، فمسح يديه بقميصه وصرّ على أسنانه.
- لقد نعمت بساعات حافلة إذاً !
- نعم حافلة ! ولكن أين موضع الخلل في هذه السيارة؟
- لم تعد صالحة للاستعمال .. آلة بعد آلة تتعطل وتنقطع عن الحركة.
- وأي آلة هذه المرة؟
- المحركات !
تركت الفنيين يتابعون عملهم، واتجهت إلى السقيفة أتفحص السيارات المصطفة. كانت كلها حديثة التنظيف مع أن بعضها يعلوها قليل من غبار الطرق. نظرت إلى عجلاتها بإمعان، باحثاً عن أي إصابة خفية فيها فلم أجد؛ لقد كانت جميعها بحالة جيدة، وكان واضحاً أن تفقدي إياها وعدمه سواء، ولكن غروري صوّر لي، أن حالة السيارات ونقل الجرحى من مراكز الإسعاف الأمامية إلى المراكز الخلفية، ومن ثم توزيعهم كل إلى المستشفى المقرر له.. كل ذلك منوط بي شخصياً إلى حد كبير، والواقع أن شخصي لم يكن له تأثير ما في أي من هذه الأمور.
وعند عودتي من جولة التفتيش تلك، سألت رئيس الفنيين:
- هل هناك أي آلات أخرى يمكن أن تعيقنا في أثناء العمليات؟
صفحة 10
- لا، حضرة الليوتنان.
- أين خزان البنزين؟
- ما زال في مكانه السابق.
قلت: حسناً، ورجعت إلى المركز، وهناك احتسيت فنجاناً آخر من القهوة، ومن النافذة رحت أتأمل الصباح الربيعي الفاتن. وكان هناك بداية إحساس قريب بجفاف النهار القادم وحرارة شمسه الساطعة.
في ذلك اليوم زرت معظم المراكز الصحية في الجبل، وقفلت راجعاً إلى غرفتي في البلدة، بعد أن اتضح لي أن معظم الأمور سار بشكل أفضل في الأيام القليلة التي قضيتها بعيداً عن الجبهة. كما تناهى إلى سمعي أن هجوماً عاماً سيبدأ في القريب العاجل.
كانت الفرقة التي نعمل في خدمتها، ستنطلق في هجومها عند منابع النهر، وطلب اللفتنانت مني تفقد جميع المراكز الطبية خلال العمليات الحربية. وكان مقرراً أن ينطلق جنودنا عبر النهر فوق الجسر الضيق، ومن ثم ينتشرون على جوانب التلال. وقد جعلت محطات السيارات أقرب ما تكون إلى ضفة النهر، وغطيت بحيث يصعب تمييزها؟ وكان واضحاً أن جنود المشاة سيستخدمونها، أما نحن رجال الفِرَق الطبية فكان مفروضاً عليها الاعتماد على أنفسنا فقط.
لما بلغت البيت، كنت مغبر الوجه، معفر الثياب، فصعدت إلى غرفتي لأستحم، وعلى السرير رأيت رينالدي مستلقياً، وفي يده نسخة من كتاب «هوج» في القواعد الإنكليزية، مرتدياً ثيابه، وشعره مصفف بعناية، وفي قدميه يلمع حذاؤه الأسود.
صاح عندما لمحني: فرصة نادرة.. سترافقني لزيارة الآنسة باركلي.
- لا ..
- بلى ستأتي وتساعدني في التأثير فيها.
- حسنا، انتظر ريثما أفرغ من تهيئة نفسي.
- اغسل وجهك ورأسك وبدّل ثيابك، وهلم معي كما أنت.
ورأيت أن أساير رغبته فقبلت. سرحت شعري وانطلقت بصحبته قاصدين مقرها.
كانت الحرارة ما زالت مرتفعة ولكن الشمس قاربت الغروب، والجو يبشر بأمسية ممتعة.
كان المستشفى البريطاني عبارة عن بناية فخمة، أنشأها الألمان قبيل الحرب. وعند اقترابنا منه، لمحنا الآنسة باركلي في الحديقة، وبصحبتها ممرضة أخرى، ومن خلال الأشجار، ظهرتا لنا بملابس التمريض الرسمية، فاتجهنا رأساً إليهما، وحياهما رينالدي بحرارة، بينما مددت يدي بشكل اعتيادي.
بادرتني الآنسة باركلي: كيف حالك؟
- أنت لست إيطالياً؟ أليس كذلك؟
- لا، أبداً ..
كان رينالدي يتحدث مع الممرضة الأخرى، وكانا في هذه الأثناء يضحكان بينما تابعت الآنسة باركلي:
- إنه لأمر غريب جداً أن يكون المرء في عداد الجيش الإيطالي !
- الواقع أني لست جندياً، إنما أعمل في فرقة الإسعاف.
- ومع ذلك فهذا أيضاً أمر غريب شاذ! كيف أقدمت على ذلك؟
- لا أعرف، قد لا يجد المرء تبريراً لكل شيء يحدث معه.
- آه، أحقاً ما تقول؟ كنت دائماً من القائلين بوجود مسببات لكل ما يحدث، لقد نشأت على هذا الاعتقاد.