eKtab
EN ع
وجوه في مصابيح الذاكرة - الجزء الرابع
اقرأ عينة مجانية

وجوه في مصابيح الذاكرة - الجزء الرابع

بقلم إسحاق الشيخ يعقوب

صفحة 1
وجوه سعودية علي العبدلي

... وهو من رعيل المناضلين الأوائل الذين كانوا يسجرون خبز الكادحين بعرق ودماء قلوبهم في تنور الحياة.. ويُذللون كل شيء على طريق المعدمين والمحرومين والمظلومين في أصقاع الأرض.. وكان ركيزة جميلة في النضالات المطلبيّة والحقوقية لعمال شركة الزيت وكان يتوثّب مع المتوثبين.. ويساهم مع المساهمين.. ويشارك مع المشاركين بروح طيّبة فاعلة صامتة!!

كان هذا في الخمسينات.. وكان شعلة هادئة ذكيّة نقيَّة أنيقة تتوقد في الصفوف الأمامية.

لكم نفتقد أحياناً طعم الماضي ونكهة الماضي ورائحة الماضي.. كأن كل شيء في ذلك الوقت له طعمه الخاص ونكهته المميزة في الانغمار بسعادة لا تُجارى في العمل الوطني... حتى الأشخاص من رفاق الدرب الواحد لهم طعمهم ونكهتهم ورائحتهم الخاصة وعندما تستعيد روحي الخمسينات أتلمظ في ذاكرتها طعم علي العبدلي ونكهته ورائحة هذا الإنسان الجميل الذي كان يعمل بصمت.. ويحب بصمت وقد رحل عنا بصمت.. وكان العبدلي شامخ الطول نحيف البنية عذب الابتسامة طيّب المعشر حنطي اللون.. عيناه الدعجاوان تتراقصان جذلاً في وجهه المستدير.. ذو أنف صغير حاد ينحني تحته شارب حريري أسود وفم واسع تضمه شفتان رقيقتان ورديّتان تفتران عن صفّة أسنان ناصعة كالحليب وكان رأسه المدوّر الصغير تغطيه «غترة» ناصعة كلون الثلج و«عقال» فاحم مبروم يلملم أطراف ثناياها المنحدرة نزولاً على جبهته.. وكانت له شخصيّة جذابة فرحة.. وابتسامة تُفعم توهّج أساريره في صفوف اليسار!! وقتئذ في الخمسينات كانت جريدة «الصَّرخة» الناطقة بلسان الحزب الشيوعي اللبناني قبل أن يُغيّر اسمها إلى جريدة «الأخبار» هي الجريدة التي كانت تحدُب على نشر قضايا العمال وتتابع أنشطتهم المطلبية والحقوقية.. وكانت للكلمة والكتاب والجريدة يومئذ محاذير ومخاطر جمّة.. تُضاهي محاذير ومخاطر أقراص وحُقن أنواع المخدرات.. وقد جلب علي العبدلي من بيروت آنذاك كتاب «نفطنا السليب» لمؤلفه يوسف خطّار الحلو.

وذات يوم دخلتُ عليه في مكتبه في وزارة الإعلام وكان سكرتيراً لوزير الإعلام جميل الحجيلان، ورغم أنه لم يرني منذ مدة طويلة إلّا أنه «فزّ» وعانقني بحرارةٍ وأظهر دفئاً نضالياً لا يُجارى ودهشة عذبة تجلّت عن معدن وطني تراه يتفجر حميمية في تلك الظروف الصعبة الجميلة!!

وكان العبدلي يرى في عبد العزيز المعمر مثاله الذي يتجدد في الحياة.. ورغم هذا الانقطاع المضني والبليد.. فقد كانت ذاكرتي تتسقط جماليّة روحه التي ما انفكت تختال فوق شطآن روحي بمناسبة وبدون مناسبة..

لقد مرّ عزيزنا وحبيبنا علي العبدلي بأزمة نفسية وانزوى في بيته لا يلوي على أحد ولا يُريد أن يرى أحداً.. فأدمن وحدته (وتوحّدها) حتى توغّلت في تلافيف كبده ومزقتها!!

وكان الألم الأليم الذي استوى فينا جُرحاً ما فتئ يوغل فينا مزقاً وخوفاً هو هذا التنائي البليد بيننا وبين عزيزنا وحبيبنا
صفحة 2
علي العبدلي!!

وتراني في وفائي المتأخر أنحني أمام جثمانه الطاهر مفعماً بصلاة جلال الصمت أطلب منه الرحمة والمغفرة باسمي وباسم محبيه ورفاق دربه الذين عرفوه أو الذين سمعوا عنه، كما أنحني أمام خصاله الوطنية والإنسانية التي ما هانت ولا خارت في سبيل رفعة وكرامة وإنسانيّة الوطن!!

رحم اللَّه علي العبدلي الذي ابتلعته الحياة بصمت والذي لم ينصفه الوطن ولا حركته الوطنية.. وكأن النسيان طمره بيننا بصمت..

مرّة أخرى: رحم اللَّه علي العبدلي وأسكنه فسيح جناته وألهم أهله وذويه وأصدقاءه ورفاق دربه الصبر والسلوان!!

صالح الزيد

عندما راحت منابع النفظ تتفجر على أرض جزيرة العرب.. راحت دوائر شركة الزيت العربية الأميركية (أرامكو) ومراكزها الإنتاجية تتوسع في استيعاب الأيادي العاملة.. وكانت أوضاع العمالة والعمل والإنتاج والعيش والسكن بشكل عام لا تليق بالإنسان بأي شكل من الأشكال.. وكانت طبيعة الحراك الرأسمالي في الإنتاج والإدارة والتسويق لا تقتصر على أميّة العمالة «الكوليّه» و«البويات» وإنما العمالة الموصوفة والمتعلمة.. وكان الطلب عليها ملحاً.. إلّا أنها غير متوافرة من السعوديين وقد هيأت شركة الزيت العربية الأميركية (أرامكو) مكاتب لها في دول عربية وأوروبية.. وكانت هذه المكاتب تستقدم الكثير من العمال الموصوفين والموظفين المتعلمين: من إيطاليا والعراق والسودان وعدن وفلسطين وغيرها من البلدان.. وكان صالح الزيد الذي قَدِم من الإحساء إلى الظهران شاباً للعمل في شركة أرامكو.. حيث تفتحت بواكير وعيه النضالية يوم أن تعرّف خلال عمله على وجوه يسارية وشيوعية فلسطينية وإيطالية وعراقية وسودانية أذكر منهم عمر أبو حجلة وعبد اللطيف أبو حجلة ومحمد عياش ملحم وغيرهم.. من الذين كانوا يعملون في دوائر ومراكز حقول النفط.. هكذا تلقى صالح الزيد وثلّة من رفاقه أبجديات الأفكار الوطنية في الدفاع عن حقوق العمال والارتفاع بقضيتهم وجهاً لوجه لدى شركة أرامكو والجهات الحكومية. وكان صالح الزيد من الروّاد الأوائل الذين شكلوا لجنة العمال وكان أحد أعضائها المهمين آنذاك وكان يتدفق نشاطاً وحيوية وتفانياً من أجل القضية العمالية والوطنية.. وكان أحد دعاة إضراب 1953 التاريخي الذي كان من السِّمات التاريخية في حياة الطبقة العاملة.. والذي شلّ حركة إنتاج الزّيت قرابة العشرين يوماً.. وشكل نقلة تاريخية في تحسين أوضاع العمال في الأجور والسكن والنقل وخفض ساعات العمل إلى 8 ساعات.. إلّا أن لجنة العمال وعلى رأسها صالح الزيد وبعض الوجوه الوطنية سيقت إلى سجن العبيد في الإحساء. وكان استمرار الإضراب وإصرار العمال على عدم العودة إلى العمل إلّا بعد إطلاق سراح لجنتهم قد أديا إلى ما طالبوا وأصروا عليه.. وكان صالح الزيد على رأس الوجوه العمالية الذين اختارهم مدير مكتب العمل والعمال في المنطقة الشرقية عبد العزيز المعمّر فقيد الإنسانية التقدمية في جزيرة العرب.. والذي استنهض حقوق العمال ووقف بجانبهم وناضل من أجل قضيتهم وارتفع مُضحياً بحياته في سبيل إنسانيتهم!!

وكانت المكائد والحبائل التي لفّقت وحيكت ضده قد أطاحته ودفعت به إلى سجن العبيد نفسه الذي أطبق يوماً على لجنة العمال.. لقد طوت السنون العجلى هذه الذكريات التي انصرمت من حياة الفقيد الغالي صالح الزيد الذي كان من الروّاد الأوائل الذين حملوا راية اليسارية والشيوعية خفاقة زاخرة مضيئة الأمل على منابع النفط من أجل حياة أفضل للطبقة العاملة!!

صالح بن سعد الزيد ما رأيته يوماً.. إلا وقلبه يخفق باليسارية والشيوعية وقضية الوطن.. ورغم أنه كان حريصاً في حياته إلّا أنه كان يداً كريمة بيضاء في مد المساعدة والعون للحركة الوطنية والقضية العمالية..

أذكر في الخمسينات عندما زار المنطقة الشرقية رئيس الجامعة العربية (عبد الرحمن عزام باشا) أقامت له الجالية السودانية في الظهران أمسية ترحيب وتكريم في حي «الانترميديت» وقد ألقى صالح الزيد كلمة ترحيب جميلة بالقادم الجليل إلى مناطق النفط.. إلّا أنه تطرق في كلمته إلى أوضاع العمال وفاضل بين ما يؤخذ من النفط (...) وما يقابله (...) وما يؤخذ من فائض قيمة العمل (...) وما يقابله (...) وعرّج على علاقة العبد وسيده في الإنتاج والعمل وما يؤخذ وما يلج من الدخل القومي.. وقد أثارت كلمة صالح الزيد القلق والتبرم لدى رئيس الجامعة العربية (عبد الرحمن عزّام باشا) ولا يمكن لأحد أن يتصوّر ـ في ذلك التاريخ ـ مثل هذا الخطاب الناري مما أدى برئيس الجامعة العربية أن ينسحب من الحفل خشية الإحراج من الشركة والحكومة!!

ويبقى صالح الزيد الإحسائي الجميل ذاكرة يساريّة جميلة محمولة على أجنحة من الطموح والأمل.. تتجدد في نضالات عمال النفط والقضية الوطنية بشكل عام..

رحم اللَّه صالح الزيد وأسكنه فسيح جناته وألهم أهله ورفاقه الصبر والسلوان..
صفحة 3
عبد اللَّه هاشم

لو كان الموت يُشتم لشتمته... ما باله يتصيّدُ أحبتنا ورفاقنا واحداً واحداً ويختفي بهم دون رجعة!!

في الأمس القريب اختطف من بين أيدينا صالح الزيد.. وعاودنا بعد أيام واختطف علي العبدلي: رائدي الحركة العمالية والوطنية اللذين أعطيا دم فؤاديهما لقضية الطبقة العاملة.. وكانا رحمهما اللَّه يتجددان وعياً نضالياً مثابراً في نضالات عمال شركة الزيت العربية الأميركية (أرامكو) وكانا يضعان اللبنات الأولى على طريق إضرابات عمال النفط عام 1953.. واليوم في 28 من شهر نيسان/أبريل 2008 تمتد يد المنون خلسة لتنتشل من بيننا السيد عبد اللَّه هاشم: الإنسان الإحسائي الجميل الذي كان يتفجر إخلاصاً وطنياً مميّزاً.. والذي كان يتصدر في تضحياته النضالية صفوف لجنة العمال ويُدير بجانب رفاقه الأنشطة العمالية المطلبية من أجل تحسين أوضاع العمال والدفاع عن حقوقهم وتحرير كرامتهم الإنسانية من عبودية واسترقاق التوحّش النفطي في المنطقة.. وكان السيد عبد اللَّه هاشم من الوجوه المرموقة والمحبوبة بين الأوساط العمالية وكان من نشطاء الحركة العمالية ولجنة العمال عام 1953 وكان على خُلق جم وتواضع وبساطة إنسانية تراها أبداً تمور في عذوبة وطيبة جذوره الإنسانية الإحسائية المميّزة وكانت تربطني به صداقة حميمة بجانب العمل النضالي في تلك الحقبة.. وكان مفاوضاً لبقاً في المفاوضات العمالية التي كانت تتم بين ممثلي شركة الزيت العربية (أرامكو) أو مع ممثلي مكتب العمل والعمال برئاسة «ابن عطيشان» وأذكر ذات مساء أطلّ عليّ في بيتي في الخبر وابتسامته تكاد تطرُّ من محياه وهو يقول لقد قال لنا «ابن عطيشان» بعد أن احتدّ نقاشنا معه: لجنتكم في (...) وقد اقتيد رحمه اللَّه آنذاك إلى سجن العبيد في مقدمة لجنة العمال.. وكان صبوراً جلوداً بالرغم من تدهور صحته وأوجاع ظهره وركبته..

كان قصير القامة ممتلئ البنية عريض المنكبين حنطي اللون.. واسع العينين مربوع الرأس.. كث الشعر.. إلّا أنّ شيئاً من الصلع كان بدأ يذر قرنه في مقدمة رأسه.. وله أنف ملموم يتكوّر بين وجنتين عظميتين وشارب أسود مجروم الطرفين ينثني فوق شفتين مملوءتين ورديتين وله كفان رقيقتان وأصابع مبرومة «يُطرقعها» أحياناً بلذّة.. وتراه أبداً أريحي الابتسامة دمث الأخلاق طيب المعشر.. دافئ الحديث قلق الهاجس كيّس الموقف متوثب العزيمة.. كلما تعقدت الحياة أمامه يُردد بخنَّةٍ إحسائية: «يفرجها اللَّه». هكذا كان السيد عبد اللَّه هاشم كما تصوّره شاشة ذاكرتي قبل أكثر من نصف قرن..وكنت كلما ألتقي السيد عبد اللَّه هاشم راح يحدثني عن شدِّ وجذب المفاوضات التي كانت تُجريها لجنة العمال مع ممثلي الأرامكو أو ممثلي الحكومة لدى مكتب العمل والعمال.. كان يقول مشدداً بأن احتمال الاعتقال والبطش بهم قاب قوسين أو أدنى.. وأن التأهب للإضراب ومواصلته يُشكل الطريق الوحيد في عتق رقابهم وإطلاق سراحهم وكان ذلك الواقع يعتور أعضاء لجنة العمال إلَّا أنّ السيد عبد اللَّه هاشم كان أكثرهم توقعاً تجاه ذلك... وكأن هذا ما تحقق يومئذ على أرض الواقع.

وأحسب أن لجنة العمال التي كانت الشرارة اليسارية الأولى في التاريخ الوطني السياسي بأعضائها السبعة جديرة بالاحتفاء بذاكرتها الوطنية السياسية وتكريم أعضائها وإشاعة مناقبهم النضالية بين الأجيال.. فقد كانت لجنة العمال المحطة اليسارية الأولى الواعية التي ولّدت كهرباء الوعي الوطني في صفوف عمال النفط وأنارت الطريق أمامهم وحققت مطالبهم الوطنية والحقوقية والإنسانية وفعّلت طموحاتهم وآمالهم نحو حياة أفضل على طريق التقدم والتحرر من عبوديّة شياطين النفط!!

وكنت أتساءل بيني وبين نفسي والسيد عبد اللَّه هاشم يُودّعنا إلى مثواه الأخير... واليوم الأول من أيار/مايو عيد العمال العالمي يدقُّ الأبواب.. وأقول: ما أعجب صُدف التاريخ وما أعقد دلائل معانيها وأسرارها!!

رحم اللَّه السيد عبد اللَّه هاشم وأسكنه فسيح جناته وألهم أهله وذويه وأصدقاءه ورفاقه الصبر والسلوان..
صفحة 4
مصطفى وهبه

إنسان الوطن الجميل (أبو عمر) ما انفكَّ يمور تفاؤلاً وتوثباً بشحناتٍ فكرية إنسانية رائدة لا تعرف اليأس والإحباط.. بالرغم من توابيت التجهّم التي تنوء بها أجساد المحبطين الذين تحابطوا وعي التاريخ في إحباطات وعيهم وراحوا يرمون تاريخهم بالحجارة.. دون أن يدركوا أن التاريخ هو نسغ مرجعيّة الوجود في الحياة.. والذي بلا تاريخ تراه بلا وجود!!

وكنت أقول مبتهجاً لأبي عمر: حسبك يا صاحبي، ما التاريخ؟! وكان يقول إن التاريخ هو في مفهوم نسبيّته الإنسانيّة.. وفي حراكه المادي والفكري في الحياة.. وإن اليسار في حراكه المادي والفكري يُجسد هذا المفهوم النسبي الإنساني في الحياة!! وكان يقول قد نتفق وقد لا نتفق.. ولكن المهم أن لا نفترق.. ونبقى معاً نجدد ونردد نشيد اليسار إلى أبد الآبدين.. وكان يقول لا يهم الشكل.. ولكن المهم أن لا نتنكر لتاريخ اليسار الذي هو تاريخنا وإنسانيتنا.. والذي يفقد يساريته يفقد إنسانيته.. فاليسارية في إنسانيتها.. كما أن الإنسانية في يساريتها..

ولكن أليس في مثل هذه النظرة مغالاة وتطرف وإقصاء إنساني للآخرين؟! بلى إذا كنت في منظور المطلق.. إلا أني في منظور النسبي في معنى ومبنى اليسار..

هل كان حوار جدل بيني وبينه؟! أم وهج تصور وأنا أتصفح بريده الذي احتوى أكثر من عشرين صفحة اختزلها من كتاب: «مرض الطفولة اليساري» يا للتاريخ!. يالبهجة التاريخ!. يالروعة التاريخ! قبل ما يزيد على أكثر من 88 عاماً يوم خرج هذا الكتاب إلى الحياة يتفقد مواقف الحركة الثورية واليسارية.. يا للدلالة التاريخية لهذا المؤلف العظيم الذي يتوهج وعياً مُشعاً على طريق المعدمين والمحرومين.. فما كان يدعو له في غابر التاريخ لجدوى عمل اليسار في النقابات والبرلمانات البرجوازية أصبح عملاً نوعياً مُشاعاً للجميع وذا فائدة وجدوى سياسية وفكرية لمختلف الأطياف والأحزاب السياسية على وجه الأرض طراً.. وكان هجوماً لا رحمة فيه ضد الانتهازية بيمينها ويسارها.. وكأن الانتهازية في تلك العصور السالفة ما برحت تدب بفكرها وروحها بيننا حتى الآن.. وكأن شيئاً فكرياً من الماضي في فكر الحاضر.. وكأن الماضي في الحاضر وكأن الحاضر من الماضي!!

صحيح أن التاريخ في ديمومة تغيُّراته.. إلا أن الجوهر يلاحق هذه المتغيّرات ويجد منفذاً ليعشّش فيها.. وصحيح أن الرأسمالية تتجدد.. إلا أن هذا التجدد والتجديد في الشكل لا في الجوهر..

إن فائض قيمة الإنتاج من جهد العمال في العمل.. هو هذا السحر الذي يحافظ على الطبيعة الوحشية المستدامة للرأسمالية مهما تدثّرت بمسوح الرهبان على طريق العولمة وحقوق الإنسان والديمقراطية على وجه الأرض..

وكأن مخيال ذاكرتي يتوجّده عبر الهاتف قائلاً: «أدري.. أدري.. إن هذا المؤلف يقصد مؤلف (مرض الطفولة اليساري) إن تجاوز الزمن شكله فإن جوهره لا يزال يُجسد الحراك الاجتماعي والسياسي والفكري في طول الأرض وعرضها» ولكن الزمن ليس بالضرورة أن يُغير الشكل ويترك المحتوى.. وقد يُغيّر الشكل والمحتوى على السواء.. يرد (أبو عمر) قائلاً: حقاً قد يكون.. قد يكون.. ولكن ليس فيما يطرحه مؤلف مرض الطفولة اليساري الذي أثبت الزمن صحّة ما ارتأه لنا هذا المؤلف العظيم.. وكم نحن في حاجة إلى تلمّس دبيب جوهره.. وإن من الضرورة بمكان الرجوع إلى أدبيات اليسار الكلاسيكية واستنارتها بوعي الحاضر.. فكم تبدو وهَّاجة في مبناها وفي معناها.. تماماً كالتاريخ في الرجوع له لتصور شيئاً من الحاضر!!

(كورفلان) الإنسان التشيلي العظيم كان يقول: كلما تجهّمت أمامي عقد السياسة وتنقلت بين مواقف سلبها وإيجابها.. كنت أذهب أتلمّس صواب طريقي في كتاب (الدولة والثورة) لمؤلفه خالد الذكر فلاديمير إلتش لينين.. وكأن (أبا عمر) يستهدي ويهدينا على طريق هذا التشيلي المناضل العظيم (كورفلان).

وما التاريخ إلّا منا.. وما نحن إلا من التاريخ... وقد لا تفهم التاريخ... وأنت من هذا التاريخ... وقد تُصبح لفظ التاريخ... في لحظة التاريخ... وأنت في وعي التاريخ!!

اللهم دبِّر قومي فإن انتهازيتهم طغت حتى أخرجتهم من دائرة تاريخ الماضي فأضاعوا طريق تاريخ الحاضر..
صفحة 5
عتاب

كان السائد قاتماً.. وكان واقع الحلال والحرام يُشكل اختناقاً مميتاً للتأوه الوجداني والروحي لمعاناة صبّ الإنسانية في العزف والموسيقى والغناء.. وكانت آلة العزف والطرب والموسيقى تُطارد ويُحجرُ عليها ضمن مقاسات الحلال والحرام.. وكان «تابو» الظلام والتخلف والرجعية يشدد قبضته على الأرواح المتأوّهة عشقاً للحرية والحياة.. وكان لا بدَّ من اختراق «أوزون» القهر والعبودية.. وكأن في البدء كلمة «عتاب» وكان العتابُ أولاً ثم الاحتجاج ثم التمرد: هكذا انفردت «عتاب» بالخروج على «التابو» في ضُحى النهار تنشد حرية الأنثى من عبودية المجتمع الذكوري.. فالمرأة بشفافية روحها ورقّة مشاعرها وعذوبة أنفاسها وعري حقيقتها وحميميّة وفائها وباذخ جلال إنسانيتها في عين الحريّة.. وقد عُرفت الحرية عندما عُرفت المرأة: هكذا نهتدي بذلك في البدء في بيان آدم وحواء الأول!!

كان ذلك في الستينات عندما تحول عتاب «عتاب» إلى احتجاج ومن ثم إلى تمرد.. وكان تمرداً مباركاً طيباً ضد ظلام الجهل والتخلف وطواغيت فقه الظلام وعتاولة معاداة المرأة ووأد إنسانيتها وصدها عن بهجة الحياة!!

يومها في الستينات اشتدّ بي عطش الكتابة.. وعصفت في وجدانيتي نورانية الكلمات لهذا الحدث الجلل الذي فتح الباب واسعاً لتمرد الغناء والطرب والموسيقى بالرّغم من هرج ومرج أعداء الغناء والطرب والموسيقى من الظلاميين والمرتزقة من مثقفي السلطة وانتهازييها!!

أذكر أن النص الذي كتبته عن «عتاب» كان بعنوان: «ورقاء من أصقاع نجد» تأملت النص مثنى وثلاث ورباع وكانت نشوتي لا تجارى.. ذهبت إلى جريدة «الأخبار» في بيروت يومها كانت جريدة الحزب الشيوعي اللبناني ـ أما اليوم لا أدري ـ وكانت الجريدة الأكثر تضامناً وتعاطفاً وتفانياً بجانب التنويريين والمضطهدين والمحرومين في سائر أنحاء أوطاننا العربية.. هناك في مكتب الجريدة كنت وجهاً لوجه مع يوسف خطّار الحلو (أبو وضاح) رحمه اللَّه.. أعطيته النص فقرأه بعناية وتلاصف الألق كالضياء في عينيه.. قال ولكنك قارنت «عتاب» بـ أنجيلا ديفس المناضلة اليسارية الأميركية الصاعدة آنذاك.. قلت هناك تشابه في البشرة وتكويرة شعر الرأس وإضمامة الشفتين.. وأردفت تلك في ميدانها السياسي والأيدولوجي.. وهذه في ميدان التمرد بالغناء والطرب ضد قوى الظلام والتخلف.. تلامع الألق مرة ثانية في عينيه الرماديتين المُتعبتين وابتسم وقال لا أستطيع إلَّا أن أنشر هذا النص الجميل الواثق بصدقيّته!!

وكنت عاجزاً أن أصف مشاعري أمام كلمات «أبو وضّاح» هذا المربي اليساري الكبير.. وكدت أطير فرحاً وأنا أتلمس نيشان الإطراء الذي وضعه على صدري!!

نُشر المقال وتناقلته أكثر من صحيفة.. لقد كان التمرد على التقاليد البالية التي اخترقت «أوزونه» (عتاب) حدثاً كبيراً في معانيه.. ولا يمكن لأحد أن يقيس «الفتح» في حرية الغناء والطرب والموسيقى للنساء والرجال الذي حدث خلال ما يقارب 47 عاماً منذ أن اخترقت «تابو» عبوديته عتاب في الستينات في شبه جزيرة العرب!!

كثيرون هم روّاد الاستنارة والحداثة الذين ذهبوا إلى مثواهم الأخير.. بعد معاناة وتشرد وعوز دون أن ينالوا كلمة طيبة من أحد!! وها هي «عتاب» تذهب إلى مثواها الأخير.. ويبقى عتابها الذي تحوّل إلى احتجاج وتمرد يلاحقان الكثيرين من المثقفين والليبراليين الذين تركوها يوم تمردها على أصولية «تابو» الجهل والظلام والتخلف لنهش قوى الكراهية والتطرف والبغضاء ولكل جميل وأنيق وذكي ونسائي وإنساني في الحياة..

رحم اللَّه عتاب وأسكنها فسيح جناته في نعيم أزلية الطرب والغناء والعشق والموسيقى وأنهار من الخمر واللبن إلى أبد الآبدين!!
صفحة 6
مشعل السديري

يستهويني قلمه... ويثير لدي متعة خاصة.. أعجب لسحرها.. حتى أني أدمنت قراءته.. وعندما تقع يدي على جريدة الشرق الأوسط.. أديرها إلى الخلف.. وأغط نفسي في وهج عموده..

هذا الكاتب الوحَّاي يغمطك بوحي أفكاره وبهاء خطوه وفتنة أسلوبه.. ويأخذ بك شيئاً.. فشيئاً حتى ترتطم بمراد فكرةٍ أدبية ثقافية تضجُّ بالسخرية والألم!!

تذوب مفرداته عذوبة في وجدانية المتلقي.. وتتوجّده بسحرها.. حتى يُصبح وجد عذبها وعذابها.. وغالباً ما تخلو مقالاته من المفردات الشعبية الضاربة في أعماق لغتنا الدارجة.. فتتماهى جمالية الدارجة في عمق الفصحى... كأن رذاذ مطر يهمي به في نفس المتلقي!!

مشعل السديري قامة أدبية حداثية جميلة مُبهرة في الوجه الخلفي من جريدة الشرق الأوسط.. قلمه يتمتع بسطوة إيحاءات فكرية مفرطة في إدانة القبح واستجلاء جمالية الحياة في بهجة الحداثة والتحديث!!

لعنة ماضي التراث في قُبح عبودية إنسانية تجرّعت معاناة قسوتها مجمل شعوب الأرض.. إلَّا أن هذه الشعوب تجاوزتها ودفعت بعقاب الخوازيق والمقاصل إلى مزبلة التاريخ..

ثقافة البشاعة في العقاب ثقافة تُنبت القروح في النفوس.. وتعكس بشاعتها في المجتمع!!

وهو ما كان يريده مشعل السديري أن يجلدنا به في مجتمعنا بالقلم لا بالسّيف.. لنستمع إليه في إحدى زواياه تحت عنوان (إن لك عنقاً جميلاً): «ذهبت إلى أحدهم لزيارته وتناول القهوة والشاي في مجلسه المتواضع والعامر دائماً بكل الفئات والطبقات من الناس..

كنت يومها مبتهجاً على غير عادتي وليس هناك من سبب واضح أجبرني على ذلك الابتهاج.. ولفت نظري رجل أشاهده لأول مرة هناك.. كان ضخماً وداكن البشرة وقليل الكلام ومتجهماً ومتحفظاً إلى أبعد الحدود ولاحظت أنه من أول ما دخلت وجلست وهو مركّز نظراته عليّ..

وفجأة التفت إليّ ذلك الرجل وطلب مني أن أرفع رأسي وأمد رقبتي إلى أعلى بأقصى ما أستطيع.. فعلت ذلك بكل براءة.. وإذا به يطلب مني كذلك أن ألتفت إلى الخلف.. لم أطاوعه هذه المرّة لأنني جزمت أنه يريد أن يأخذني «أضحوكة» يتسلى عليها وتأكد لي ذلك عندما لاحظت بعض الحضور يبتسمون والذي أغضبني جداً عندما توجه لي بكل «قواية عين» قائلاً ـ بما معناه ـ: إن لك عنقاً جميلاً...

يا إلهي تصورت أن الأرض قد انشقت وابتلعتني ما هذه السماجة.. وما هذا الغزل الممجوج؟! وخطر على بالي أن أرتكب في تلك اللحظة جريمة تتحدث عنها كل وسائل الإعلام غير أني تراجعت عندما وجدت أن المجال لم يكن مناسباً.. وتحولت بهجتي إلى نكد ولزمت الصمت رغم محاولة لجرّي على الكلام وبعد نصف ساعة تقريباً استأذن ذلك الرجل السخيف وخرج..

وما إن أغلق الباب وراءه حتى تصايح عدَّة أشخاص يتسابقون ويسألونني: ألا تعرف من يكون ذلك الرجل؟! قلت لهم: لا أعرف ولا أريد أن أعرف ولكنهم مع ذلك قالوا: إنه السيّاف.. سألتهم باستغراب: السيَّاف؟! هل هذا هو لقبه؟! قالوا لا ولكنها مهنته.. فهو قطاع الرقاب التي يقام عليها الحد الشرعي.. وهو عندما قال: إن لك عنقاً جميلاً كان يقصد أن عنقك ملائم جداً لضربة بحد السيف الذي لن يجد صعوبة تُذكر في جزّه بغمضة عين أي أن عنقك (مثالي) من هذه الناحية.. عندها اصفرّ لوني واحمرّ وبدأ جبيني يتفصد عرقاً وأخذت أمرر أصابعي وكفي على عنقي لاشعورياً ولم أنتبه على نفسي إلّا بعد أن لكزني أحدهم وهو يقول لي: اشرب لقد برد شاهيك.. تركت الشاهي بارداً كما هو وتركت المجلس بكل ما فيه وخرجت دون أن أستأذن وأنا أردد بصوت مسموع لا حول ولا قوّة إلا باللَّه».

تراجيديّة بشاعة الحالة في بشاعة تراجيديّة ثقافة إعمال السيف في العقاب!! وإذا كانت نتيجة العقاب واحدة هي الموت... فلماذا لا يكون اللجوء إلى عقابٍ أرحم؟!

إننا في عصر يرفض العقاب بالخازوق والمقصلة والسيف... وإن عالم حقوق الإنسان بمؤسساته العالمية يضجّ في وجوهنا مطالباً بإيقاف العقاب بالسيف.. وبشاعة قطع الأيدي والأرجل التي اختفت في أكثر الدول الإسلامية.. وتراني أحوقل مع الأستاذ مشعل السديري: لا حول ولا قوّة إلّا باللَّه!!
صفحة 7
حسن وأحمد

هما في اتجاه مساحة جغرافية متباعدة متنائية الأطراف في شبه جزيرة العرب: حسن من الشرقية وأحمد من الغربية.. فمن سوّاهما حالة روحية واحدة تتلمظ عذب الثقافة في الحياة وتبعثها متاعاً طيباً للجميع!!

في الظّن أن التكوين الثقافي والجغرافي يحملان واقع انعكاس التباين البيئي في تضاريس التكوين النفسي ويشكل بذور جيناتها الثقافية لدى مواطن شبه جزيرة العرب.. ليس الثقافة في عمومها وإنما في تفاصيلها.. إن هذه التباينات في التفاصيل الثقافية نشهدها في العادات والتقاليد وطقوس العقيدة والأكل والشرب والغناء واللهجات اللغوية في الوطن الواحد..

أمام مثل هذه المظاهر التاريخية تلعب الثقافة دوراً مهماً وخطيراً في تجسيد وحدة الوطن تجسيداً إنسانياً عادلاً مستنيراً.. بهدف ملء فجوات تباين التفاصيل الثقافية وجعلها مدار مركز ثقافة وطنية واحدة!!

فالثقافة إذا استثمرت استثماراً ثقافياً تنويرياً حداثياً إنسانياً في العمل على أقلمة وأنسنة تفاصيل التباينات والمتناقضات في الطقوس والعادات والتقاليد والعقائد والمذاهب الدينية والعرقية والقومية وخلافها في الوطن الواحد على طريق توحيد النشاط الثقافي في الحرية والديمقراطية والتعددية والمساواة وقسطاس العدل... يأخذ واقع الأمن الاجتماعي والسياسي طريقه عبر الأمن الثقافي.. فاستقرار المجتمع وازدهاره وأمنه من استقرار الثقافة وأمنها وازدهارها.. وقد تكون التفاصيل الثقافية في العادات والتقاليد والمذاهب والطوائف والأديان مدخلاً شيطانياً يلج منه العدو لتفتيت وحدة الوطن وتقسيمه!!

أحمد من (مكة) وحسن من (سيهات) إلَّا أن هذا التباعد الجغرافي والبيئي الذي شكّل تفاصيل اختلاف ثقافتهما.. جعلهما يلتئمان ويتوحدان على طريق ثقافة الحداثة والاستنارة المناهضة لثقافة الظلام والإقصاء والتكفير..

فالتفاصيل الثقافية تتفجر ألغام شياطينها الثقافية في تفاصيل ثقافة التشدد والتطرف والانغلاق والتباهي القبلي والتفاخر الطائفي والمذهبي والمناطقي.. وهو ما يتأسس في تفاصيل الثقافة الأصولية المعادية لحقيقة الأبعاد الثقافية الإنسانية في الحداثة والتحديث والاستنارة.. إن مخاطر التفاصيل الثقافية القبلية والطائفية والمذهبية والمناطقية.. للثقافة تكمن في الوعي الثقافي القبلي المتخلف والسائد قروناً من الزمن في المجتمع دون حراك ثقافي حداثي واعد ضد الظلام والتخلف..

وأحسب أن التحرر من التفاصيل الثقافية البائدة في الثقافة تبقى لها جذور في تفاصيل العقل الباطني لدى المثقف من واقع أن الثقافة بتفاصيلها الثقافية تتشكل في التكوين النفسي والمكونات الوجدانية والروحية لدى الأفراد.. وتصبح حساسيّة رقائق وجدانيات دفينة في ذات البشر.. ترفع رأسها بشكل أو بآخر في الفكر والأيديولوجيا والوعي دون وعيها.. أي إنها في وعيٍ خارج وعيها!!!

حسن وأحمد اللذان وحّدا تفاصيل الثقافة في وجدانيتهما على طريق توحيد ثقافة الوطن.. تراهما أبداً صديقين حميمين مستنيرين ثملين في جميل عذب الثقافة.. وكلما طرقت تفاصيل ثقافتهما اكتشفت عذب الحياة وفواكه مشتهياتها في نفسيهما المبتهجتين بالشمس وضياء المرأة!!

وأحسب أنهما نورسان يتماهيان في فلق الصباح.. وينقران ضياء الشمس بمنقاريهما وينشدان ثقافة الاستنارة والحداثة في عين الوطن..

وكما أن ثقافة الاستنارة والحداثة وحّدت تفاصيل الثقافة في وجدانية أحمد وحسن وعطّرت ضميريهما بعطر الحياة رغم أبعاد مسافات شرق وغرب الوطن.. فإن ثقافة التطرف والإقصاء والتكفير لها نوازلها الظلامية في وجدانية الآخرين.. فظروف البداوة والقبلية والأصولية والطائفية والمذهبية الضاربة جذورها في تاريخ شبه جزيرة العرب.. ووجود شذاذ الآفاق من جماعة الإخوان المسلمين ـ الفارين من أوطانهم ـ في شبه جزيرة العرب والتعاضد في العمل قد أصّل ثقافة الظلام والإرهاب في وجدانية ثقافة شبه جزيرة العرب وفي تفاصيلها الثقافية..

إن مثال الحداثة والاستنارة الذي تمثل في جمالية العلاقة الثقافية بين حسن وأحمد من أقصى غرب وشرق شبه جزيرة العرب تجد له مثال كراهية أصولية ظلامية مناكفة في الآخرين..

إلّا أن المستقبل لثقافة التنوير والاستنارة وليس لثقافة التخلّف والظلام..

الثقافة فرح وبهجة وإخاء وأمل وموسيقى وحب يتفجر عذوبة للإنسانية في الحياة.. وليست كراهية وبغضاء ومكابرة وإقصاء.. وتنابزاً بالمذاهب والطوائف والقبائل والأديان كما هو حال ثقافة الإرهاب والظلام..

وإذا كانت ثقافة الحداثة والاستنارة هي طريق نهضة الشعوب وتقدمها الحضاري والإنساني ـ وهي كذلك بالضبط ـ فإن من يعزّ عليه ذلك أن يفتح الطريق واسعاً للحداثة والاستنارة في الحرية والديمقراطية والتعددية وروّادها الأباة من الليبراليين والعلمانيين في غرب وشرق ووسط وشمال وجنوب شبه جزيرة العرب!!

حسن وأحمد عندما تفيض إنسانية الثقافة في وجدانيتهما.. يمدان قدميهما في فقه الثقافة كما مدّ أبو حنيفة قدميه.. وعندما تستجلي الذكريات حريق وجدانية ثقافتهما يأخذان بنفسيهما ويُلقيان بها في أوقيانوس منامة مملكة البحرين.. فالثقافة أولاً وآخراً تموج لديهما في عذب ولذيذ إنسانيتها!!

حسن شاعر وكاتب ونديم يفيض شعراً نواسياً عذباً كلما تهيضت قريحته.. وأحمد.. يا لأحمد: كاتب وأديب فحل المراس فذ التأمل كلما حرّكت شآبيب وجدانية إنسانيته الثقافية.. تراه يجلوها في تفاصيلها الثقافية وتراها تجلوه في تفاصيل إنسانيته حتى يكاد يجن بها.. وتكاد تجن به!!

وفي حظوة ليلة ثقافية مترفة كان «ديالوق» الثقافة يطوف بنا حتى الثمالة.. وعندما نشارف الغرق.. نصمت ويتأمل بعضنا بعضاً وكل يتأمل «ميالوقه» فالحوار الثقافي وحوار النفس يتواصلان ويتعانقان ويتخاصمان ويلتئمان ويفترقان ويقتربان..

أحمد وحسن أحدهما سني والآخر شيعي.. إلّا أن مثل هذه الترهات لا أحد يقف عندها.. فالثقافة تتجلى بإنسانيتها التنويرية فوق جميع المقدسات بما فيها العقائد والمذاهب والطوائف والأديان.. إلّا أن فيروس الثقافة لدى المثقف يختبئ في تفاصيل الوعي الباطني.. فيرُدي المثقف دون أن يدري أحياناً على شطآن الطائفية والمذهبية أو القبلية والمناطقية والعرقية.. «وإذا كانت الثقافة تشكل بُعداً إنسانياً في النهوض والتحرر والتقدم فإن جميع أبعاد الطبيعة والفكر والمجتمع يجب إخضاعها للأبعاد الثقافية الإنسانية في الحداثة والاستنارة» يقول أحمد.. فيبتسم حسن جذلاً قائلاً: إنها الأممية الإنسانية بعينها!!

وأسأل متخابثاً: ولكن ما الموقف من التطبيع... وينبري أحمد في رصانة وعقلانية ثقافية قائلاً: عندما اختلف المثقفون العرب بمن فيهم اليساريون والليبراليون والشيوعيون.. كان التطبيع الدُمّل الذي لوّث الثقافة العربية بقيحه عندما انفجر على ضجيج المثقفين فيما يجوز ثقافياً وما لا يجوز.. إن الثقافة الإنسانية التقدمية في الحداثة والاستنارة من الوجع بمكان أن نُقحمها في حلال وحرام الثقافة!!

يصمت أحمد متأملاً في «ميالوق» ذاته حول التطبيع! ويُحرّك الذاكرة الثقافية حسن قائلاً: سألت ذات ليلة زميلنا هشام الفلسطيني.. قلت له: قل لي بربك يا هشام.. هل تُفضّل حكم هنيّة في حماس.. أم حكم أولمرت في إسرائيل.. قال دون تردد: ألم تكن الثقافة في أبعادها الإنسانية في الحداثة وتحديث التقدم والتحرر.. إذن أنا مع ثقافة الحداثة والتحديث.. وتعذيب الديمقراطية في عذب وحلاوة تبادل السلطات.. صمت مطبق من الجميع في تفقد وعي الذات!!

حسن وأحمد: اختزلكما «حسمد» عندما تأخذ بكما ذاكرة عذب الثقافة وولع توجد تفاصيل ديالوقها (الموضوعي) وميالوقها (الذاتي) في مملكة البحر أطلّا علينا لنُعيد حوار الثقافة الموضوعي والذاتي في تفاصيل وعينا!!
صفحة 8
غازي القصيبي

هذا الشامخ المملوء الذي يتفجر نشاطاً وحيوية.. والمفتون بالشعر والحياة والأمل.. يُفضي إليك بوجيب قلبه وهو يبثك الحديث... وتراه في أي موقع مثيراً لجدل لا يكف!!

أن تكون بسيطاً يعني أن تكون متواضعاً.. وأن تكون متواضعاً يعني أن تكون صادقاً.. فالحقيقة صدق وتواضع!!

هل البساطة والتواضع مكتسبان.. أم مُضغةٌ في طبيعة الإنسان؟! تلكم صفات يجسدها وتُجسده.. وهي أسئلة يمكن أن تُحددها أبجديات المواضيع السوسولوجية!!

تشير الوقائع إلى أن أكثر الناس ذاتية وأنانية هم الشعراء.. إلّا أنه لا يستطيع أحد أن يُمسك فيه نتفة من أنانية.. هو شاعر فذ قد لا يشق له غبار في ميادين القوافي.. إلّا أني أزعم أنه نقي مُصفّى من الذاتية والأنانية والنرجسية فالذاتية قد تغرقُ في الفساد وتتنقل على شواطئه.. وهو عدوٌ شرس ضد الفساد وكلما تدانى منه نفضه من أردانه بأنفة طاهرة!!

أن تكون ذاتياً وأنانياً ونرجسياً هذا يعني أن تكون بخيلاً نتناً وجباناً متحذلقاً.. إلّا أنه خلاف ذلك شهم وشجاع وكريم وشاعر مجدد وليبرالي متفتح وإداري استثنائي في جل أنشطته الوزارية والوطنية.. هو كفاءة وطنية مقتحمة الإخلاص.. كلما انتقل من وزارة إلى وزارة أبلى بلاءً وطنياً وإدارياً مميزاً رغم مصاعب العادات والتقاليد وعقلية التخلف الضاربة في المجتمع!!

له ذاكرة وطنية تتجدد في ذاكرة الوطن كلما ذُكر اسمه.. يوم كان وزيراً للصناعة والكهرباء كثيرون يُرجعون الفضل إلى حزمه وعزمه في إيصال الكهرباء إلى أقاصي المملكة وقراها من واقع أهمية الكهرباء التنويرية والصناعية.. ويوم كان وزيراً للصحة كان عاملاً مهماً في تحريك الوعي الثقافي الصحي وفي تنمية المرافق والمراكز الصحية وكان ينتحل صفة المراجعين متنكراً للوقوف بنفسه على سلامة الأوضاع الإدارية والصحية في المستشفيات والمراكز الصحية.. إن الوفاء والإخلاص ونكران الذات في نزاهة العمل وجديّته الوطنية أصبح من المناقب النادرة في هذا الزمان الرديء بفساده ومُفسديه.. ولا حضور لمثل هذه المناقب الإنسانية النادرة إلا في استثنائية وطنيته الناكرة للذات من أجل الوطن والشعر!!

قلت إنه مثير للجدل في العمل والإخلاص والوفاء والوطنية وفي عقلانية الرؤيا واستراتيجية أبعادها.. ويومها ألقم الوشاة حجراً في قصيدة «سيف الدولة» وتركهم يقضمون أظفار الحسد. وعندما تواثبت ذئاب الظلامية بعد حرب الخليج على الوطن كان له إصدار فكري إسلامي عرّى فيه مخاطرهم.. وكانت حملة فقه الظلام والإرهاب تلاحقه حتى يومنا هذا!!

وفي السلك الدبلوماسي كان أيضاً مثار جدل لا يكف.. وكأن الوشاة يلاحقونه أينما رحل.. وعندما عاد وزيراً للزراعة قال عنه بعض الكُتّاب البريطانيين: إنه وزير الهوى إذ كيف يكون وزيراً للزراعة وجفاف الماء في المملكة؟! وعندما رأيته في البحرين ذكّرته بذلك مازحاً.. وقال بثقة وهو يضحك بل قالوا وزيراً «للبواليع».

وزير العمل السعودي الدكتور غازي القصيبي تراه وجهاً لوجه في المحطة الأكثر صعوبة وجديّة: إنه يأخذ على عاتقه مكافحة البطالة والحد من استسهال الاستقدام بثقة وكفاءة نادرتين: ثابت كالطود في وزارته وهو يواجه حملات القيل والقال ونهش الواشين..

في سوق العمل يصبح الربح كل شيء والوطن لا شيء.. وعلى إيقاع العرض والطلب تتحدد الأرباح ويُصبح الإنسان سلعة يتم تسليعه كسائر السلع المادية في عملية الإنتاج..

ومن هذا المنظور تقف الأصوات المعارضة للحد من الاستقدام الذي يخل بقانون إيقاع نهم فائض القيمة في العرض والطلب الذي يُقنن الربح بأنه كل شيء والوطن لا شيء!!

وكأني بالمنطق العقلاني في الحد من الاستقدام الذي تأخذ بإيقاعه وزارة العمل في شخص الدكتور غازي القصيبي يؤكد: إن الربح شيء وليس كل شيء.. والوطن كل شيء!!

حقاً لقد أصبح الجدل ظاهرة مُستفحلة حول وزارة العمل وفي شخص الدكتور غازي القصيبي:

أمام طفرة على طريق الإنتاج والتوسعة في العمل والاستثمار لم تعهدهما المملكة من قبل وفي واقع اقتصادي تجاوز فيه طلب سوق الإنتاج عرض قوّة العمل وأصبح إلحاح السوق على العمالة واقع ضرورة قصوى لا تتناسب مع سوق العمل في العرض والطلب الأمر الذي أربك مشروع خطة وزارة العمل في الإجهاز على العطالة والحد من استقدام الأيادي والعقول المهاجرة..

إن هذا الوضع الدقيق والمعقّد لم يكن غائباً عن ذهنية وزير العمل المتوقدة الذي يحاول في برنامج فلسفته في مكافحة البطالة والحد من الاستقدام أن يخضع سوق العمل لمصلحة الوطن والإنسان.. وليس العكس.. أي أن يكون الربح شيئاً والوطن والإنسان كل شيء وليس العكس تماماً!!

في نقاشٍ مع أحد «الكومبرادوريين» الذي كان يكيل التهم الشائنة جزافاً ضد سياسة وزارة العمل دون وعي اللهم إلا وعي ربح ـ كيفما اتفق ـ في التستر على العمالة السائبة والمتاجرة بفيزها.. وإنه من المؤسف أن نجد غالبية لا يستهان بها تأخذ بهذه النظرة البائسة تجاه ما يقوم به وزير العمل في دفع السعودة إلى أمام وتأكيد واقعها في مجال العمل والإنتاج.. ولم يكن وزير العمل في منأى عما يدور من قيل وقال حول سياسة وزارته فقد قال: «إن وزارة العمل أضحت في السنوات الأخيرة حديث السعودية من أقصاها إلى أقصاها نتيجة للقرارات التي تمّ اتخاذها في جانب توطين الوظائف ومكافحة البطالة والحدّ من الاستقدام وهي الأمور التي دفعت بالكثير من أطياف المجتمع إلى الهجوم على الوزارة ووزيرها» واعتبر وزير العمل عن حق «إن الهجوم الذي تعرضت له وزارته خلال الفترة الماضية علامة فعالية للقرارات التي تمّ اتخاذها في العديد من الموضوعات يأتي من أهمها الحد من استقدام العمالة الوافدة وهو الموضوع الذي أثار حنق العديد من رجال الأعمال السعوديين».

إن سوق العمل السعودي الذي أصبح أكثر إلحاحاً في استخدام العمالة في الطفرة الاستثمارية التي يواجهها لا يعني أن وزارة العمل تخلت عن قراراتها في الإجهاز على البطالة ومحاربة سوق العمالة السائبة والحد من الاستقدام وإنما الحكمة تكمن في التريث.. والتريث ليس التراجع وهو ما أكده القصيبي قائلاً: «نحن في النهاية بشر لنا اجتهادنا وليس بالضرورة أن يكون تريثنا في تطبيق عدد من القرارات تراجعاً عن التطبيق».

صاحبي (...) الذي يهاتفني أحياناً من الرياض قال مُتجلياً.. وهو كثير التجلي... أتدري ما أتمناه؟! قلت ماذا.. قال: أن يكون في كل الوزارات غازي القصيبي.. قلت حتى وزارة (...) قال كلها.. كلها!!
صفحة 9
غازي القصيبي أيضاً

إنه يضع نفسه في الآخر.. في البحث عن مشكلة الآخر.. متجرداً من مكانته الاجتماعية في الآخر... حتى يُصبح هو الآخر!!

وكما أن الرأي يحتمل الصواب والخطأ لدى الآخر والآخر.. فإنه لا يعرف صواب وخطأ الآخر.. إلا إذا تبوّأ الآخر مكان الآخر واستجلى عملياً قضية الآخر!!

وإن مُكابدة الإخلاص في العمل.. كمكابدة العشق الذي لا يعرف صبابتها إلامن تلوّع في معاناة الوطن!!

وعندما يُصبح العمل عشقاً مُعنّى بحب الإنسان في الوطن.. تتماهى إشكالية الآخر تجاه الآخر.. وإن العمل في مطلقه كالعشق في مطلقه تتماهى الروح توّابة أوّابة في الآخر.. وتستوي محبة عذبة حالمة في عذابات الآخر عشقاً إنسانياً يتجدد في الحياة على شواطئ الوطن!!

إن الصورة الدراميّة التي تجلّت نبلاً إنسانياً مدهشاً في مكابدة عشق الوطن.. هي تلك اللّقطة التاريخية للوزير الدكتور غازي القصيبي الذي تجلى مُنحنياً بقامته الرفيعة ليُقبّل رأس نادل بروليتاري سعودي يعمل في أحد المطاعم في جدّة!!

حقاً.. لا يعرف عشق الوطن إلّا من كابد مُعاناته وتقلب عاشقاً جذلاً متيماً من وزارة إلى وزارة مُترسلاً بوح عشق العمل بإخلاص ونكران ذات في ربوع الوطن: حتى أصبح لغة عشق تنساب في دموع المحبين على طريق التنمية المستدامة لهذا الوطن!!

وحقاً أيضاً: لقد أصبح ذاكرة عشق وطنية يتلمظ الوطن عذب أريجها.. وتستحضر المواطنة بوح معالمها الإنسانية بالتمني في الآخرين من الوزراء والمسؤولين الذين يديرون مصادر نسق قرارات حياة الوطن والمواطنة في شبه جزيرة العرب..

إن الذين يُديرون شؤون الناس في مكاتبهم المكيّفة ومن خلف كراسيهم الوثيرة المتحركة في دول الخليج والجزيرة العربية.. لا يمكن أن يؤدوا عملاً مثمراً تجاه الوطن ورفعة أبنائه وبناته.. لأن تراكم عُقد المجتمع التي تعقّدت وعقّدت حياة الناس تراها تطبّعت في الناس وأصبحت جزءاً نمطياً متخلفاً تُنمطّ نظرتهم في الحياة تجاه العمل..

وكان الوزير الإنسان الدكتور غازي القصيبي المُعنَّى بعشق الوطن أراد أن يهزّ وجدانيّة نمطيّة نظرة التخلف تجاه الإنتاجيّة الخدماتيّة الاقتصادية في العمل لدى الكثيرين من أبناء وبنات الوطن الذين تشدهم روح البداوة والقبلية في تراث الوطن ومجافاة التطبّع والتبيّؤ بضرورة إنتاجية وطنية العمل.. وقد أعطى الدكتور غازي القصيبي مثالاً تاريخياً لم يُسبق في تاريخ المملكة.. وتنكب كرسي الوزارة للعمل نادلاً قضاها ثلاث ساعات في خدمة زبائن مطعم في جدّة.. مُشكلاً بذلك نداءً تاريخياً إنسانياً بأن لا نقيصة ولا دونيّة في العمل.. وأن التنمية المستدامة للوطن فوق تُرهات النمطيّة «الأخلاقيّة» في العمل.. فالنمطيّة لا تحول ضد عشق جنس وعرق الحبيبة... كما أن عشق الوطن لا يحول ضد جنس ونوع العمل... وأنه مشاع كالعشق للجميع!!

لقد اهتزّت الوجدانيّة الاجتماعية في طول البلاد وعرضها.. وأصبح النادل غازي القصيبي حديث محبّة المجتمع.. وراح الناس يستعيدون في ذاكرتهم حرص وإخلاص هذا الرجل في تأدية عمله على الوجه الصحيح: فيوم كان وزيراً للمواصلات ركب القطار من الرياض إلى الدمام وتناول فطوره سندويشاً مع العمال على ظهر القطار ليقف بنفسه ويطمئن إلى سير العمل.. ويوم كان وزيراً للصحة أصبح مراجعاً عادياً مع المراجعين في مستشفى الدمام المركزي مُتفقداً صحة وسلامة سير العمل هناك.. وها هو في وزارة الأشغال تراه نادلاً في أحد المطاعم في جدة!! حقاً إن الجميع مطالبون باقتداء أثره فإن في أثرة خيراً ما يُفيد الوطن!!

غازي: أيها النادل الجميل شعراً سلام اللَّه عليك.. فقد طبت وطناً. وطاب الوطن غازياً للظلم والظلام من أجل وطن حر ديمقراطي مستنير ومُنير!! عبد اللَّه ثابت

دفع به إليّ الصديق التاريخي أحمد معرفيه قائلاً: اطّلع عليه... فهو عندما يكون مبهوراً بشيء.. يطيب له أن يُبهر أصدقاءه بما هو مبهور به!!

قلّبتُ رواية الإرهابي 20 لكاتبها عبد اللَّه ثابت.. أولاً بيدي.. وفُتنت بجاذبية تصميم غلافها.. فدار «المدى» من الدور الثقافية التي لها خصوصية رياديتها التقدمية التنويرية في ميدان الثقافة والنشر!!

وكان كاتبها عبد اللَّه ثابت من جنوب المملكة العربية السعودية في منطقة عسير وهي من المناطق المتاخمة لجغرافية اليمن وتضاريسها الجيولوجيّة التي لا تُشكل تضاريس طبيعة الأرض وحسب وإنما تُشكل أيضاً تضاريس طبيعة الإنسان وجذوره التاريخية!!
صفحة 10
وكان «زاهي» الذي يرويه عبد اللَّه ثابت في رواية الإرهابي يُباهي ويفاخر بجبليته حتى توهّم أنه قُدّ من صخور عسير المتاخمة لتضاريس اليمن:

«هي شاميةٌ إذا ما استقلت

وسهيلٌ إذا استقلّ يماني»

مريرة وقاسية ومحفوفة بالمخاطر تلك الحياة التي تجهّمها «زاهي» في تجربته مع الأصولية الإسلامية السياسية في مدينة أبها.. وقد كشف وعرّى الفقهيّة الإسلامية الزائفة التي يتذرع بها الإسلاميون في تجهيل وتضليل الشبيبة باسم الدين وحرفهم إلى طريق التطرف والإرهاب والهلاك..

إن أهمية رواية الإرهابي أنها تستجلي الحقيقة في سردها من واقع المعايشة مع هذا الجمع الضال والمضلل: في طرقهم وأساليبهم وفي مفاصل تجمعاتهم الإرهابية التنظيمية في تعنيف المفاهيم الدينية وشحنها بالكراهية والبغضاء ضد كل من لا ينهج نهجهم ولا يأخذ برأيهم ويتناصح بنصائحهم.. وكان من أبرز أساليبهم التأثيرية أن يخطفوا الشاب أو الطالب من جحيم الدنيا ويلقوا به في جنّة الآخرة.. وأن يشحنوا روحه بكراهية كل شيء حتى أهله وأعزّ من لديه من أمٍ وأب لأن عصيانهما من طاعة اللَّه كونهما يعاديان التوجهات الإسلامية التي ينادي بها هذا الإسلام السياسي..

ويشكل الإسلاميون في المدارس والمعاهد والكليات ما يُسمى بجماعة التوعية التي تقوم بأنشطة دعوية تثقيفية وسياحية ورياضية ورحلات خلوية وزيارة الأماكن المقدسة وكان «زاهي» قد تم اختطافه في البدء لينخرط بالمشاركة في الدورات الرياضية وكان يقول: «كان هروبي من جحيم أهلي يجعلني مستعداً لأكون بأي مكان إلّا أن أكون بداخل البيت الذي يعاملني كمراهق يجب أن تحاصر كل أفعاله وكنت أهيئ نفسي للشتائم والصراخ وربما الضرب أحياناً والتمرد على الأهل وأن أكون مع تلك الجماعة شاؤوا أم أبوا».

ويأتي سوء التربية في المنزل للأطفال والطلاب والشباب وفي مجتمع مغلق وضمن حالات ظروف تُنمّطها البداوة والقبلية والرعي والأميّة.. لتشكل ظروفاً مساعدة في الضغط على نفوس الشباب والدفع بهم إلى أحضان القوى الإسلامية المتطرفة التي تسيس أرواحهم وتُهيئها للشهادة وحور عين الآخرة..

عسيرٌ في التاريخ عسيرة ولادة الحياة فيها.. إن نساءها ورجالها وأطفالها مردة الجبال والهضاب الشُم التي تتصخر الحياة فيها.. كما يتصخر الإنسان مارداً جباراً نحو المجد.. وهي تتميّز بمتناقضاتها.. وفي الحياة أبديّة نقض النقيض.. وهي سمة الإنسان الجبلي الذي يتناقض مع صخوره!!

فعسير أنجبت جموعاً غفيرة من الإرهابيين الذين تعمَّدوا الشهادة داخل الوطن وخارج الوطن.. وعسير أنجبت أيضاً جموعاً غفيرة من المثقفين والليبراليين والعلمانيين الأشاوس الذين ما انهدت عزيمتهم في مقاومة الإرهاب والإرهابيين والمتاجرين بسماحة وإنسانية الدين الإسلامي لأغراض ومطامع سياسية..

وها أنا تراني بين دفة كتاب يُعرّي آثام ومخازي الإسلام السياسي في تفاصيل معاناته في عقر دارهم وأنشطتهم المشتبه فيها في التنظيم والتعليم والتربية والإرشاد.. ويرتكز النشاط الإسلامي السياسي على شحن نفوس الطلاب والشباب بالعذاب والنار والموت.. وتضجُّ الفصول بالبكاء والنواح مُستعيذة من عذاب القبر ونار جهنم.. وحتى في المباراة الرياضية كما يذكر «زاهي» «يضج المشجعون بالتكبير (اللَّه أكبر) والويل لمن يُصفّق أو يُصفّر لأنه سيكون متشبهاً حينها بالكفار».

كل شيء في سبيل اللَّه.. وإخضاع كل شيء في سبيله حتى الأشياء التي تتناقض وتتعارض مع سبيله.. وتدخل الميكافيلية الإسلامية السياسية على خط الدعوة الجهادية في سبيل اللَّه ليُصبح الباطل صواباً والصواب باطلاً.. والحلال حراماً والحرام حلالاً..

وكان «يحيى» منفاخاً لا يكل نفخه في «زاهي» متمنياً أن يختلي به في عالم الآخرة كصديق حميم كما يختلي به في عالم الدنيا: «هذه الدنيا الرخيصة والمزيفة والبالية التي لا يهتم بها إلا العصاة والكافرون أما الحياة الحقيقية فهي هناك.. هناك في الآخرة».

ويذكر «زاهي» أن «يحيى» يغرُّه غراً بدعوة الإرشاد إلى طريق اللَّه ولم يبخل عليه بالرأي: «فبعد أن راح يقدم ويؤخر ويهلل ويحوقل ثم يبتهل ويدعو على الظالمين من اليهود والنصارى والعصاة والفاسقين وأهلي.. وكنت أؤمن معه بصدق وانقطاع ووجّهني بالإنكار قدر ما أستطيع بيدي وبلساني وبقلبي ثم أخرج عليهم ومنهم مفارقاً دار الفسق والعصيان والكفر» إنهم يريدون أن يفصلوه فصلاً، ويقطعوه قطعاً عن كل دار بما فيها دار الأهل.. إلا دارهم!!

وهكذا عندما عاد «زاهي» إلى البيت كان يصرخ في وجه والده قائلاً: «أنت لا تشكر نعمة اللَّه عليك أبداً.. أخرج هذا التلفاز فأنت تغش أسرتك.. ومن مات وهو غاش لرغبته فقد حرّم اللَّه عليه رائحة الجنّة» ثم يصرخ في وجه أمه قائلاً «واللَّه إنك ستُسألين بين يدي اللَّه عن هذه الكبائر التي تُربين أبناءك عليها».